في منتصف الصباح، كان المقر ينعم بهدوء نادر و هشّ عوضاً عن السلام. تعلم ألكريك الارتياب من السلام. كان السلام يوحي إما بأن شيئاً لم يسء بعد، أو بأن شيئاً قد ساء على مسافة بعيدة بما يكفي لكي لا يبلغها أحد بخبره. كان هذا هدوءاً فحسب، وكان الهدوء أكثر أماناً. أمكن العمل في ظله. كان ألكريك يراجع ملاحظاته عن جرعات المانا. تلك، على الأقل، كانت تفسد صباحه بنزاهة. بسطها فوق الطاولة أمامه، وثبت أطرافها بقدح، وقطعة ملعقة، ووزنة حجرية صغيرة.
انحنى ألكريك فوق الورقة وقطب حاجبيه حيال الكلمات التي خطها سابقاً. اعزل المركب الذي يحتفظ بالمانا ويحفظها. اشحنه. جرّعه. هذا كل شيء. لا يمكن أن يكون الأمر بهذه السهولة. كما أنني لا أرغب في صنع الجرعات. لماذا كتبت هذه الملاحظة؟ نقر بطرف قطعة الفحم على الورقة. المشكلة هي أن كلما حاول التفكير بجدية في جرعات المانا، شرد ذهنه عائدًا إلى عصير التفاح. لم يكن ذلك منصفاً. كان مفترضاً بعصير التفاح أن يكون بسيطاً.
تفاح، عصارة، خميرة، وقت. كانت لعصير التفاح قواعد. كانت لعصير التفاح عواقب، نعم، لكنها افترضت أن تكون عواقب مألوفة. لا اضطراباً مدنياً. ألقى نظرة سريعة نحو النافذة. بدا الشارع في الخارج أكثر هدوءاً مما كان عليه في اليوم السابق. لم يكن ذلك عسيراً. فساحة معركة بعد انصراف الجميع إلى بيوتهم ستبدو هي الأخرى أكثر هدوءاً من اليوم السابق. جلست سيرين بالقرب منه ومعها أوراقها الخاصة، مرتبة بأناقة بطت طريقة بدا بها ألكريك متهماً له بشكل ما.
صمتت لفترة طويلة، مما يعني إما أنها كانت تتركه يفكر أو أنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتخبره بشيء مزعج. غالباً كلاهما. تنهد وعاد إلى ملاحظاته.
كانت كلمة «اشحنه»
تمليه بثقة توقع أن تنقلب لاحقاً لتلسعه. طُرق الباب. كان الطرق حازماً. منضبطاً. غير متسرّع. استقام عمود فقري ألكريك قبل أن يدرك عقله أي شيء. لقد بات يكره الطرقات الرسمية. نجح هذا الطرق في أن يبدو رسمياً. للطرقات العادية تنوع. نظرت سيرين نحو الباب، ثم إليه. وضع ألكريك قطعة الفحم بعناية. هز كتفيه لسيرين، نافياً برأسه ليدل على جهله. عاد الطرق، بالحزم ذاته تماماً كما في السابق.
كان ذلك النوع من الطرق الذي يؤمن بأن التكرار ليس عجلة بل إجراءً. أُعجب جزء صغير من ألكريك بأن شخصاً آخر يتحدث لغة الطرق بوضوح تام. نهضت سيرين واتجهت إلى الباب قبل فتحه. وقف رجل في الخارج يرتدي زي قائد حراس. على الأقل، افترض ألكريك أنه زي قائد حراس. كان أنيقاً أكثر من اللازم ليكون غير ذلك. استقر القماش بنظافة فوق كتفي الرجل. كانت القطع مصقولة. السيف الذي عند وركه صانه شخص يفهم الوظيفة والمظهر معاً.
وقف حارسان خلفه. كانا متماثلين في الأناقة واليقظة والاستقامة المؤلمة. حدق ألكريك فيهما لبرهة. ببدا بحالة منعشة. وكأن اليوم السابق حدث لأشخاص آخرين. وكأن أحداً لم يحاول تسلق تمثال بينما كان يغني له أغنية حب. أمال القائد رأسه لسيرين.
"صباح الخير. أبحث عن الصانع".
قال الرجل ذو الزي المزخرف أكثر وهو يلقي نظرة داخل المكان، إذ حملت كمّاه شارات قائد حسبما فهم ألكريك. التفتت سيرين قلسلي.
رفع ألكريك يده، لأن الإنكار لن يواجه سوى تأخير الحتمية، "ذلك أنا".
قال ألكريك. تحول نظر القائد إليه. كان مدروساً، مهنياً، ويقظاً أكثر من اللازم.
"أيمكننا التحدث؟"
نظر ألكريك إلى الملاحظات على الطاولة، ثم إلى القائد، ثم إلى السيف. لقد وجد أنه حين يسأل الرجال المسلحون بأدب، فمن الحكمة عادةً تقدير هذا الجهد.
"بالتأكيد، تفضل بالدخول".
قال وهو يشير إلى المقعد المقابل. خطا القائد للداخل. تبعه الحارسان واتخذا موقعين قرب الباب دون أوامر. أغلقت سيرين الباب خلفهم. وقف ألكريك لأنه شعر فجأة بأنه جالس أكثر من اللازم. شعور لم يختبره من قبل.
"كرسي؟"
عرض رغم أنه أشار إليه مسبقاً.
"شكراً لك".
قال الرجل مقترباً منه، واحتل القائد المقعد المقابل له. لم يترامَ عليه. بل جلس. كان هناك فرق. إنه الفرق بين رجل يستخدم أثراً ورجل يحترم وظيفة الكرسي. بقي الحارسان واقفين. جلس ألكريك مجدداً محاولاً الظهور بثقة أكبر مما يشعر به. خلع القائد قفازيه بدقة هادئة ووضعهما على ركبة واحدة.
"القائد دارون راين"، قال.
"حراسة الحدود الثالثة، خدمة التاج، حديث عهد بحصن نورثباس".
أومأ ألكريك.
"ألكريك".
"أُعطيتُ اسمك".
قال وهو يومئ باتجاه ألكريك وبابتسامة متغطرسة. لم تكن تلك جملة مريحة قط. عادت سيرين إلى مقعدها، رغم أنها لم تعد إلى عملها تماماً. استقر انتباهها على القائد بهدوء وصبر شخص بدأ للتو يقيس الغرفة بحثاً عن المشاكل.
تابع القائد راين: "وُضعتُ في قيادة المفارز المخصصة من جلالة الملك لمصنع الجعة الخاص بك".
"آه"، قال ألكريك، مترخياً بكتفيه من توتر لم يكن يعلم أنه يحمله.
"أنت مبكر قليلاً عما توقعت".
تخلل ذلك توقف هز دارون كتفيه خلاله. نظر ألكريك من وراءه إلى الحارسين. كان كلا الرجلين قد سمعا كلمة مصنع الجعة ويحاولان، بالانضباط المتوقع من الجنود، ألا يبدوا مسرورين. كانا يفشلان بطريقة هادئة لكنها تامة. تبع نظر دارون نظر ألكريك. حدق أحدهما مباشرة إلى الأمام وفكه مشدود. ارتفعت زوايتا فمه بالقدر الكافي لفضحه. أما الآخر فثبت نظراته على نقطة فوق كتف ألكريك وارتدى تعبير رجل سُلّم واجباً مقدساً وبدأ للتو يستوعب أن الواجب المقدس قد يتضمن الوقوف قرب الجعة طوال اليوم.
عاد بنظره إلى ألكريك.
"كما يمكنك التخيل"، قال وهو يعبس، "يخلق هذا مجموعة جديدة من المشكلات".
انحنى ألكريك للخلف قليلاً، ومأ موافقاً.
"يستمر ذلك في الحدوث".
"كان لدي إحساس".
قال راين، مانحاً حارسيه نظرة مسطحة قبل أن يعود إلى ألكريك. أصدرت سيرين صوتاً خفيفاً. لم يكن ضحكاً تماماً. فرك ألكريك قنطرة أنفه.
"كم عدد الحراس؟"
سأل ألكريك، مائلاً برأسه.
"هم سبعون، لكن البقية سيأتون خلال الأسبوعين القادمين"، قال راين بعرض حال، كأن الرقم تفصيل.
"على الأقل، هكذا إن كان الطريق رحيماً".
"صحيح"، قال ألكريك محاولاً ألا يبدو مصدوماً.
راقب القائد راين قبل أن يومئ مرة، كأنه يؤكد شكوكاً.
"قيل لي إن مصنع الجعة ذو أهمية للتاج".
أومأ ألكريك بينما يجمع ملاحظات المانا في كومة أقل تجريماً. لم يجعلها ذلك أقل تجريماً، لكنها بدت أقل شَبهاً بأنه كان يحاول اكتشاف قواعد الواقع أثناء تناول الإفطار.
"الأمر الأبسط"، قال ألكريك مؤدياً إشارة مبهمة باتجاه المصنع، "هو الذهاب إلى هناك والتجول فيه. هناك... فلنقل ببساطة إن هناك أماكن لا ترغب في الوقوف فيها في التوقيت الخاطئ".
تزحزح أحد الحراس قرب الباب بحدة طفيفة. لم يلتفت القائد راين هذه المرة.
"أهو خطير؟"
سأل راين، متحركة بيده نحو ركبته.
"لا. حار فحسب".
قال ألكريك نافياً برأسه. دفع ألكريك الملاحظات جانباً ونهض.
"من الأسهل أن تراه بنفسك".
نهض القائد راين أيضاً. ثم كان هناك طرق آخر على الباب. كان هذا مختلفاً. لم يكن حازماً. لم يكن منوكاً. بدا هائجاً، وبدا بطريقة ما مستشيط غضباً ومستاءً في آن. التفت الجميع نحوه. نظرت سيرين إلى ألكريك مجدداً. نظر ألكريك بالمقابل.
"لم أرتكب شيئاً هذا الصباح"، قال ناظراً إلى سيرين بعينين واسعتين.
جاء الطرق الثاني بقسوة أشد، ليس لكونه أعلى صوتاً بل لكونه أكثر شخصية. فتحت سيرين الباب. وقف قائد دورية في الخارج. على الأقل، ظن ألكريك أنه قائد دورية. أوحى الزي بذلك، بل أوحى أن الزي مرّ حديثاً بحصار وأنه يعيد النظر في كل خيار اتخذه يوماً. كانت تحيط بعينيه هالات سوداء، من ذلك النوع الذي لا يأتي من ليلة سيئة واحدة بل من ليلة دعت عدة ليالٍ أخرى لمساعدتها. هرب شعره من أي ترتيب بدأ به.
كان فكه غير محلوق. وُجدت بقعة على أحد الكمين ربما كانت عصير تفاح، أو طيناً، أو كليهما. تدلى رداؤه من كتف واحدة ليبدو إلى حد بعيد كعلم بعد مطر. نظر من وراء سيرين إلى الغرفة.
"أبحث عن الصانع".
رفع ألكريك يده ببطء. دخل الرجل دون انتظار دعوة أتم، ثم توقف وهو يتأمل المشهد. رأى الحارسين اللذين بدا وكأنهما ناما في أسرة وتناولا وجبة جيدة في ذلك الصباح. حدق قائد الدورية فيهما لبرهة. عبر شيء وجهه. لم يكن حسداً تماماً، فالحسد يتطلب طاقة. كان هذا أقرب إلى أذى معنوي. أمال القائد راين رأسه.
"أيها القائد".
نظر قائد الدورية إليه، ثم إلى حذائه، ثم عاد إلى الأعلى. تحرك قائد الدورية نحو ألكريك بخطوات حذرة. وتوقف عند الطاولة.
"أهاجمت المدينة؟"
سأل قائد الدورية، متخذاً تعبيراً يكاد يكون متوسلاً. رفرف ألكريك بعينيه مسرعاً متراجعا للخلف قليلاً. ارتفع حاجبا القائد راين بأقل قدر ممكن.
"لا"، قال ألكريك.
حدق قائد الدورية فيه. أخذ ألكريك نفساً.
"علّمتُ بعض أصحاب الحانات كيفية صنع عصير تفاح سليم".
شرح ألكريك كأن ذلك يحسم الأمر. أشار قائد الدورية إليه.
"ذلك"، قال، "هو ما أعنيه".
ساد صمت قصير. أصدر أحد حراس الملك صوتاً خفيفاً وحوله فوراً إلى سعال. شدّ فم القائد راين. جلس ألكريك مجدداً، أرجح لكون الوقوف بدا جريئاً أكثر من اللازم. سحب قائد الدورية أقرب كرسي وأسقط نفسه فيه بعناية رجل لا يثق بركبتيه.
"ما الذي حدث؟"
سأل ألكريك، من باب اللطف لا غير، فقد كان بإمكانه اعتزاز بجهله إلى الأبد في هذا الشأن. نظر قائد الدورية إليه. انحنى الرجل للخلف قليلاً وأطلق نفساً.
"في الصباح الأول، نفدت الزنازين منا".
انتظر ألكريك.
"كان ذلك غير معتاد أصلاً"، تابع القائد، مقلباً نظره بين راين وألكريك.
"لدينا مهرجانات مزدحمة. لدينا مهرجانات سُكر. نخطط لذلك. عادة ما تصمد الزنازين حتى الليل".
أومأ القائد راين مرة، لأن هذا النوع من الإجراءات كان شيئاً يفهمه. تحولت عينا قائد الدورية إليه.
"لا توجد إجراءات لنفاد الزنازين قبل الجرس الثاني".
شرح قائد الدورية وهو يعبس. تصدع رباطة جأش القائد راين. طفيفاً فحسب، لكن بالقدر الكافي. نظر ألكريك إلى الطاولة.
تابع قائد الدورية: "بعد ذلك، استخدمنا غرف الاحتجاز القديمة. ثم استخدمنا حظيرة العربات".
ضغط ألكريك شفتيه، محاولاً ألا يضحك.
"ثم أشار أحدهم إلى أن حظيرة العربات تحوي عربات، وبدأت العربات تغوي السجناء المخمورين الذين بدت لهم أفكار حيالها"، أضاف قائد الدورية، وبدت التفاصيل مضحكة حتى بالنسبة له.
خفض القائد راين نظره. أصبح الحراس الملكيون من خلفه مركزين بشدة على الجدار.
"لذا"، قال قائد الدورية، متحولاً بنظره مجدداً إلى راين، "أنشأنا مناطق احتجاز للمخمورين".
"يبدو ذلك رسمياً. أحسنت أيها القائد".
قال القائد راين مستحسناً.
"ليس كذلك".
قال قائد الدورية مانحاً راين نظرة جانبية. أصدر القائد راين صوتاً. ربما كان ضحكة. وربما كان سعالاً. لم ينجح كأي منهما. التفت قائد الدورية برأسه نحوه.
"وضعنا حبالاً حول الأماكن التي كان فيها الأشخاص الأكثر سكراً مستلقين بالفعل وعيّننا رجلاً للتأكد من أنهم لا يزحفون مبتعدين".
شرح قائد الدورية، مبقياً نظره راسخاً على راين. صاغ ذهن ألكريك صورة لهذا المشهد. لم تكن مساعدة. اضطر لعض شفتيه حتى لا يضحك. أطلقت سيرين سخريتها بالقرب منه وهو ما لم يساعد.
"أنجح ذلك؟"
سأل راين، وقد تحول تعبيره إلى تعبير الجنود المعتاد في كل مكان، براءة مصطنعة.
"أفضل من مطاردتهم".
شرح قائد الدورية. أغمض أحد حراس الملك خلف القائد راين عينيه. نظرت سيرين إلى أوراقها، رغم أنها لم تقلب صفحة منذ فترة. محاول ألكريك تثبيت وجهه. رأى قائد الدورية المحاولة.
"إن ضحكت"، قال قائد الدورية مشيراً إليه، "سأصبح أقل يقيناً بأنك لم ترتكب خطأ".
أومأ ألكريك مسرعاً.
قال القائد راين، الذي تعافى بما يكفي ليبدو رسمياً مجدداً: "أستنتج أن المهرجانات باتت صعبة الإدارة".
التفت قائد الدورية إليه بصبر رجل متعب يُعطى كُوباً صغيراً لحريق كبير. هز القائد راين رأسه قليلاً مقبلاً التصحيح دون أن يعلم ما الذي كان يصححه. فرك قائد الدورية يده على وجهه.
"كان الناس يتسابقون بالعربات على الطرق الرئيسية. جرت مبارزات بالرماح في الشارع الرئيسي".
قال متوقفاً لأخذ نفس، "أشعر أنه يجب أن تعلم أن أحد سائقي العربات لديك فاز بالسباقات، وفاز حارس خارج الخدمة بمبارزات الرماح. كلاهما لا يزالان في الزنازين".
أُجبر ألكريك على سد فمه بيده وإغماض عينيه. فعل راين المثل. اضطر أحد الحراس إلى تحويل رأسه نحو كتفه، ويهتز صدره.
"بحلول وقت متأخر من الظهيرة، تشكلت فرق. كتب أحدهم قواعد. تتبع حلقات المراهنات هذه الأمور".
شرح قائد الدورية، وكان فمه مشدوداً وهو يحاول ألا يبتسم.
"قواعد؟"
سأل القائد راين، عائداً إلى البراءة المصطنعة.
"سيئة".
شرح قائد الدورية بإشارة نابذة.
"هذا متوقع"، تمتم ألكريك بصوت خفيض، ولم يكن يثق بنفسه للتحدث بصوت عالٍ.
أشار قائد الدورية إليه مجدداً.
"لا تساعد".
كان الحارسان يخسران المعركة الآن. انصرف أحدُهما جانباً بالكامل. كانت كتافه ساكنة للغاية بالطريقة التي تصبح بها الكتف عندما يُحتجز الضحك رهينة. انخفض رأس ألكريك قليلاً. لم يكن يضحك. كان يحبس أنفاسه بطريقة مسؤولة.
"المعالجون غاضبون"، قال قائد الدورية بعد أخذ نفس عميق، ومتسللاً متعة نفسه بينما عاد التعب للزحف.
ساعد ذلك. عاد الشعور بالذنب، وهو أقل متعة بكثير.
"والكهنة أيضاً"، أضاف، مطلقاً نظرة إلى السقف متأملاً إياه، "رغم أن الحق يقال، فالكهنة يغضبون كلما جعلهم أحدهم يمشون بسرعة".
ارتكبت سيرين خطأ التنفس في الوقت الخاطئ. لم يستطع أحد التظاهر بأنه لم يكن ضحكة. التفت قائد الدورية نحوها. رتبت وجهها لتبدو بريئة. افتقر هو إلى القوة للاعتراض على ذلك. تغير الصمت.
"علّمتَ أصحاب الحانات صنع عصير تفاح بهذه القوة. ليس غير قانوني لكن ينبغي أن يكون كذلك".
شرح قائد الدورية، محولاً نظره إلى ألكريك مجدداً. كان ذلك محرجاً ومحدداً. انحنى القائد للخلف.
"أنا آسف"، قال ألكريك، وهو يعنيها حقاً.
"لم أظن بصدق أن الأمر سيبلغ هذا السسوء".
درسه قائد الدورية. لبرهة، تزحزح الإرهاق وأومأ.
"لا"، قال.
"ربما لم تفعل، وما كنتُ لأظن ذلك أيضاً".
هبطت تلك الكلمات بجدية أكبر من البقية. فرك قائد الدورية عينيه بإبهامه وسبابته.
"انظر"، بدأ قائد الدورية، "أنت لم ترتكب أي خطأ. أنا أعلم ذلك. رجالي يعلمون ذلك. القضاة سيعلمون ذلك متى توقفوا عن الصراخ. هذه ليست زيارة من هذا النوع. في المرة القادمة التي تفعل فيها شيئاً كهذا، حذرنا فحسب. لم يكن بمقدوري اعتقال وكيل حتى لو أردت".
كانت للكلمات ثقلاً. قبول مستسلم لرجل يجد ثقبة في السقف الذي رمحه لتوّه.
"أنا أعتذر حقاً، بكل صدق. سأرسل بعض الجعة إلى الحصن القديم كاعتذار، على حسابي".
عرض ألكريك مومئاً لقائد الدورية. لان تعبير القائد المتعب قليلاً وهو يسترخي.
"سآخذ بعضاً من جعة الشتاء التي ما فتئتُ أسمع عنها".
سأل ليومئ ألكريك موافقاً.
"جعة الشتاء؟"
سأل راين بنظرة جانبية.
نظر قائد الدورية إلى الحارسين الجديدين قبل أن يجيب: "هذا يصنع الجعة، فيحضر المعبد. يصنع عصير التفاح، فتبدأ المدينة قتالاً على الخيول بلا خيول. إن بدأ يصنع الحساء، فحذروا الجيش".
ضحكت سيرين بصوت عالٍ. حاولت كتمه محرّفة رأسها جانباً.
تمتم ألكريك، "أصنع الحساء أحياناً".
"لا تخبرني بذلك".
قال قائد الدورية مغمض العينين. عاد نظر القائد راين إلى ألكريك باهتمام متجدد. نهض قائد الدورية. استغرقه الأمر لحظة. ألقت ركبتاه كلمة قصيرة لكن حادة في طريق صعوده.
"لا يهمّني الحساء"، قال، مما بدا كرجل يتخذ خياراً إدارياً ميؤوساً منه.
"ما يهمّني هو التحذير".
نهض ألكريك بدوره.
"سأحذر الحراس إن حدث شيء كهذا مرة أخرى".
قال ألكريك مومئاً برأسة خفيفة.
"جيد".
صدرت عن قائد الدورية، كأن ذلك أقصى ما استطاعه.
"والمعالجون؟"
سأل القائد راين محاولاً تقديم المساعدة. أبدى قائد الدورية تعبيراً بوجهه.
"لا. لا تهتم. سيتذمرون بغض النظر عما تفعله. هم متذمرون".
لم يبدُ أحد في الغرفة كمن يناقش ذلك، حسبما لاحظ ألكريك؛ إذ لم يسبق له أن تعامل مع المعالجين أو نقابتهم.
"الكهنة، ربما"، تابع بعد توقف.
"إن ظننت أنك ستتسبب في ركضهم. فهم يكرهون الركض أكثر من كراهية المعالجين لكل شيء. أما المعالجون؟ لا. سيعرفون حين يصل أحدهم. هكذا يعملون على أية حال".
بدا القائد راين كمن يريد الاعتراض مبدئياً لكنه لم يستطع تحديد المبدأ المطبق فوراً. تحرك قائد الدورية نحو الباب. عند العتبة، توقف والتفت ناظراً إلى ألكريك.
"أمر آخر".
قال قائد الدورية ملتفتاً إلى ألكريك مجدداً. هيّأ ألكريك نفسه.
"إن سأل أحد، فالدورية لم توافق على البطولات. سيُطلق سراح سائق العربات لاحقاً".
قال قائد الدورية مومئاً بابتسامة متعبة.
"لم أكن أعلم أنه يُدعى بطولة".
قال ألكريك محاولاً الظهور بذكاء.
"لا يهم، لقد فزنا. كما أنني أرجو أن تخصص تفكيراً للمنظفين".
قال وهو يغادر، ملوحاً بيده بإشارة نابذة.