لم تعد الغرفة المشتركة غرفة بأي معنى حقيقي للكلمة. كانت الجدران ما تزال قائمة، وسقفها لم يقرر الرحيل بعد، لكن البراميل ابتلعت كل ما عداها. استقرت حيث كانت الطاولات، وحيث اصطفّت الكراسي يوماً على أمل واهٍ بحديث متبادل. حُشر ما تبقى من الأثاث في الزوايا في محاولة فاشلة للتسوية بدت أشبه بالانسحاب. أما بقية الأثاث فاستقر في صندوق أغراض ألرِك. وقف ألرِك قرب المنتصف، وإن كان المنتصف مجازاً، ممسكاً بورقة بيد وفحمة باليد الأخرى.
استُخدمت الورقة، ومُسحت، وطُوِيَت، ثم بسطت مرات كثيرة حتى صارت طيات لا مساحة مستوية. تغير الرسم عليها مع كل محاولة، وتراكمت التعديلات الصغيرة لتبدو كأنها قصد لا مهارة. توسط جهاز التقطير المكان. استطاع سترومني بناءه. انتهى النقاش حول هذا الأمر. بدأ القزم يطرق الصفائح، ويشكل النحاس بيقين هادئ لمن قبل منذ زمن أن المعدن سيطيع إن واصل ضربه بإصرار. سيولد جهاز التقطير. عبس ألرِك قليلاً، مطلاً على الرسم كأنه سيمنح جواباً إن أمعن النظر فيه.
كيف كنا نلحم المعادن على الأرض؟ اللحامون؟ لم تصل الفكرة بزخرف. بل استقرت ببساطة.
قال بصوت مرتفع: "شعلة لحام".
علقت الكلمة من دون معترض. عبس، واستقر الاتصال في مكانه بيقين هادئ ومزعج. ألم تقل السحرية إن لديهم عصا تطلق ناراً؟ خفض الفحة ببطء، وتحول انتباهه عن الرسم، ليس لزوال أهميته، بل لأنه صار قابلاً للحل بطريقة تتطلب التحقق. طوى الورقة مرة بحرص يحترم الطيات القديمة، ثم وضعها هي والفحمة فوق برميل لعدم وجود سطح آخر.
قال بلا وجهة: "سأعود"، وغادر.
فهم ألرِك تماماً كيف يتصرف النحاس مقارنة بالصلب مثلاً.
اقترب ألنريك من دار السحر، ولاحظ من جديد نظافة الحي النبيل مقارنة ببقية المدينة. أبطأ خطاه قليلاً عند المدخل، وعدّل وضعية وقوفه بآلية خالية من التفكير. كانت مارغريت تعمل في الدار اليوم خلف منضدة الموظفين، وقد شمرت كمّيها بعناية وتركيزها منصبّ على مجموعة لفائف مصطفة أمامها. وقف باتري في أحد الأركان ممسكاً بلفافة خاصة به، وبدا كأنه يقارن بين لفافتين. رفعت مارغريت رأسها مع اقترابه، واستقرت نظرتها عليه بضجر من يتعرّض للمقاطعة.
قالت بلهجة تقريرية: "كنت مشغولاً".
هزّ ألنريك رأسه هزة واحدة: "نفد المساحة لدينا، وسررت برؤيتك أنتِ أيضاً يا مارغريت".
أطبقت مارغريت شفتيها برهة، ولمس ملامحها أثر خفيف من التسلية.
قالت: "هذا يحدث عادة عندما تستمر في صنع أشياء دون تفكر في مآلها".
قال ألنريك: "فكرت في الأمر، وكانت الإجابة: في مكان آخر".
أصدر باتري صوتاً خفيفاً قد يكون موافقة وقد يكون اعتراضاً من القطعة التي يمسكها.
هزت مارغريت رأسها قليلاً ثم أشارت إلى المساحة أمامه: "ما الذي أتى بك إلى هنا؟"
لم يجب ألنريك فوراً. جال بصره في الغرفة نحو المكان الذي تُعرض فيه العصي السحرية.
قال: "آخر مرة زرت فيها هذا المكان، كانت هناك عصا تُطلق النار. جئت لأطرح أسئلة، وربما ألقي نظرة عليها".
أمالت مارغريت رأسها قليلاً وتأملته: "لأي غرض؟"
أجاب ألنريك بملامح جامدة: "لصنع الحرارة".
راقبته مارغريت لحظة أخرى، ثم هزت رأسها هزة واحدة، كأنها قررت أن التفاصيل ستكشف عن نفسها عما قريب أياً كانت.
قالت وهي تنهض وتلتفت صوب العرض: "تعال".
تحركت بالفعالية الهادئة التي اعتاد عليها ألنريك، واختارت العصا من بين عدة عصي تبدو متطابقة حتى يدقق الناظر في فروق القبضة والاتزان الطفيفة. قلبتها في يدها مرة ثم ناولته إياها.
قالت: "هذه هي. تستمد طاقتها من حجر تنين صغير".
تلقاها ألنريك وشعر بوزنها يستقر في كفه. كانت أخف مما توقع، لكنها متزنة بطريقة توحي بأنها صُنعت لتُستخدم.
ردد على سبيل الاستفهام: "تنين؟"
قالت مارغريت: "نوع أدنى من التنانين. لا تزال خطيرة، لكنها أقل خطورة من نظيراتها الكبرى. الحجر هو ما تستخدمه التنانين لتنفث النار، والأمر يختلف عند التنانين الكبرى حيث أحجارها أكبر، وهذا الحجر مأخوذ من تنين أحمر".
أدار ألنريك العصا قليلاً وتفحصها: "كم من المانا يمكنها أن تحتمل؟"
سخرت مارغريت بخفة: "ستتحمل".
رمقها ببنصره منتظراً إجابة.
فأردفت: "ألا تظن حقاً أنك تضاهي تنجيناً أدنى في مخزون المانا؟"
تأمل ألنريك ذلك، وغير متأكد من الإجابة الصحيحة، فاكتفى بهز كتفيه.
"كيف تعمل؟"
قالت مارغريت: "ادفع المانا فيها، فتنفث النار. تتطلب قدراً كبيراً من المانا".
"هذا كل شيء؟"
"هذا كل شيء".
خطu بخفة إلى الجانب ليوسع لنفسه مساحة، رفع العصا وتأمل البلورة أو الحجر السحري فيها.
سألت مارغريت حاجبة حاجبها: "أتظن حقاً أنك قادر على إطلاقها؟"
"أظن ذلك... أجل".
فبعد واقعة البئر، أُخبر مراراً أنه يملك مخزناً هائلاً من المانا.
قالت وهي تلتفت وتتوغل في البناء: "حسناً، اتبعني إذن".
تبعه ألنريك. فتحت مارغريت باباً أفضى إلى غرفة أطول وفي نهايتها قطعة معدنية مقوسة.
أشارت مارغريت إلى المعدن وقالت: "صوب نحو الهدف، وادفع المانا فيها".
تعلم ألنريك، ببطء وشيء من الإحباط، أن القفز مباشرة إلى نهاية العملية يفضي إلى نتائج يصعب تكرارها. مد العصا أمامه وأرسل قدراً ضئيلاً من المانا فيها. شعر بمقاومة قبل أن ينبعث لهب دقيق من الطرف، مستقيم ونظيف، محافظاً على شكله بلا وميض. راقبه. لم يضطرب ولم يندفع، بل انبعث ببساطة، أكبر بقليل من لهب شمعة. كان ناتجاً منضبطاً يستجيب للمدخلات بلا تردد، لكنه أضعف بكثير من أن يبلغ درجة الحرارة المطلوبة.
زاد التدفق قليلاً. طال اللهب، واحدّ القلب، وتغير اللون مع اشتداد الحرارة. بدأ الهواء المحيط يلتوي بما يكفي للإشارة إلى التغيير. عدّل تدفق المانا مجدداً. اقتربت مارغريت، لا للتدخل بل للمراقبة.
قالت بنبرة توحي بالفضول لا القلق: "احذر".
لم يجب ألنريك. أمال العصا قليلاً وراقَب اللهب يتبعه بلا تأخير.
قال وهو يراقب اللهب، بينما لمح مارغريت تومئ برأسها في طرف زاوية رؤيته: "سأدفع بقوة أكبر، أريد أن أرى أداءها".
دفع ألنريك المانا بعنف فاتسع اللهب وزأر، مندفعاً بقوة حملت معها الحرارة في موجة منضبطة. لم يكن فوضوياً بالكامل، لكنه غريب التوقع. لو كان عليه وصفه لشبهه بقاذف لهب لكن باتساعات أكبر في المنتصف. خفض التدفق قليلاً ثم زاده مرة أخرى لاختبار مدى الاستجابة. كان كل تعديل فورياً، وكل تغير في المدخلات يخلق تغيراً في المخرجات بلا تأخير أو مقاومة. أخرج ألنريك زفيراً بطيئاً من أنفه.
قال: "هذا رائع".
وتساءل في قرارة نفسه عما إذا كان عنيفاً جداً بحيث لا يصلح كمشعل لحام.
رمشت مارغريت: "لم أظن أنك ستستطيع إطلاقها بهذا العنف".
زاد التدفق مرة أخرى، دافعاً به إلى أبعد مما فعل سابقاً. فارتفع اللهب متمدداً بوجود يفرض الانتباه. اشتدت الحرارة بما يكفي لتضغط على جلده حتى من مسافة. خطت مارغريت خطوة أخرى للأمام، وتحول هدوءها السابق إلى تركيز أكبر.
سألت: "كم من المانا تستخدم؟"
توقف ألنريك مفكراً في السؤال ثم خفض المخرجات مجدداً.
"ليس كثيراً".
توقفت مارغريت وهي تعيد تقييم الأمر بلا إكمال جملتها: "هذا ليس..."
رمقها ألنريك بنظرة: "ليس سيئاً للغاية".
ترك اللهب يخبو، وباردت العصا في كفه مع تبدد الحرارة. قربها ليتفحصها مجدداً.
راقبته مارغريت برهة ثم سألت بحذر: "أأنت ساحر كبير؟"
هز ألنريك رأسه: "لا شيء من هذا القبيل".
"أنت تستمد الطاقة من حجر تنين بمستوى يُرهق معظم الممارسين في لحظات".
قال ألنريك: "يمكنني استخدام المانا، ولدي صندوق أغراض".
حدقت فيه مارغريت.
قالت بعد لحظة: "هذا يظل سحراً".
هز ألنريك كتفيه. أطلقت مارغريت زفيراً بطيئاً ثم استقرت في وقفتها.
قالت: "حسناً... أتطمع بشرائها؟"
سأل ألنريك معجباً بالعصا مجدداً: "هذا يعتمد على السعر، أليس كذلك؟"
"سبع قطع فضية كبيرة".
رمقته بشك.
أومأ: "إذن سآخذها، لكني أود تفقد الباقي".
أومأت مارغريت قبل أن تقوده مجدداً نحو العرض. جرب ألنريك بضع عصي بعد ذلك، وكانت إحداها تبدو مفيدة للغاية في تحريك الهواء. أخذ الاثنتين قبل أن تتوجه هي وألنريك إلى المنضدة.
سألت: "رَمْزُك؟"
عقد ألنريك حاجبيه بقليل من الحيرة: "رَمْزي؟"
التفتت إليه: "رَمْزُ الدار؟"
"لا أملك واحداً".
تجمدت مارغريت تماماً. لم يحدث شيء لبرهة. أمالت مارغريت رأسها جانباً لتتأمله.
قالت: "كنت تستخدم أدوات سحرية... دون أن تكون مسجلاً؟"
فكر ألنريك في الأمر ثم أومأ: "نعم، بل إن أحجار التدفئة تستخدمها حتى دكاكين الحساء، ولا يمكنك إخباري بأنهم مسجلون كسحرة؟"
تأملت مارغريت هذا وأطلقت نفساً عميقاً: "هذا صحيح، لكن لا يمكنك شراء عصا دون تسجيل".
سأل ألنريك: "كم تكلفة التسجيل؟"
رمشت مارغريت: "لا شيء".
حاول ألنريك إيجاد الخدعة في مكان ما فسأل: "أسيستغرق الأمر شهراً؟"
أغمضت مارغريت عينيها لبرهة ثم فتحتهما: "لا، يستغرق أقل من دقة جرس، تعال"
قالتها بحزم أكبر وهي تقوده نحو الغرفة الخلفية. بدت الغرفة الخلفية أقرب إلى مكان يُحاسب فيه السحر لا إلى مكان يُمارس فيه، وهو ما كان يعني حسب خبرة ألنريك بداية المشاكل الحقيقية. اصطفت الرفوف من الأرض إلى السقف، بلا ترتيب دقيق أو عناية واضحة للناظر، لكن بمنطق داخلي يوحي بأن أي شيء هنا يمكن للعامل عليه إيجاده سريعاً لا لأي شخص آخر. تركت الأوراق في أًكوام مائلة كفاية للتهديد بالانهيار.
وبقيت السجلات مفتوحة حيث استُخدمت لآخر مرة، وقد جف الحبر في خطوط قُطعت جلياً ثم استُئنفَت بلا مراسم. وفي مركز ذلك كله جلس عجوز. كان منحنياً فوق كتاب يبلغ من الكبر حاجة لطاولة تخصه وحده، وتتحرك إحدى يديه بثبات على الصفحة وهو يكتب، بينما استقرت الأخرى إلى جوار كومة صغيرة من الأوراق المتناثرة التي دُفعت هناك بقصد غامض للتعامل معها لاحقاً. تجاوزت لحيته منذ زمن طويل مرحلة كونها مجرد ملمح لتغدو حضوراً يمتد على صدره وصولاً إلى الطاولة بطريقة توحي بأنها نمت هناك عناداً لا لحاجة.
كان سترومني ليعجب بها. لم تقاطعه مارغريت فوراً.
خطت إلى داخل الغرفة، وانتظرت طويلاً بالقدر الذي يجعلها ملحوظة دون إزعاج، ثم قالت: "المعلم هولين".
توقف القلم في منتصف الحركة، كأن الفكرة التي كانت تسري عبره أُعيد توجيهها قسراً لمكان آخر.
سأل العجوز دون أن يرفع رأسه: "ما الاسم؟"
"ألنريك".
حدثت لحظة صمت. لحظة بالغة الصغر، تلك التي يمكن تفويتها إن لم تكن مترقبة، حيث بدت الغرفة كأنها تعيد تقييم ذاتها. ثم ارتفع القلم. ببطء وتعمد، رفع العجوز رأسه.
سأل: "ألنريك؟"
وجد ألنريك، الذي تعامل من قبل مع كهنة ومسؤولي نقابات وأكثر من شخص يظن نفسه مهماً بالقدر الكافي لفرض نبرة معينة، نفسه يجيب قبل أن يمعن التفكير فيما إذا كان ينبغي له ذلك.
قال ألنريك بثقة وبإحدى أفضل ابتساماته: "هذا أنا، ويُقال لي أيضاً الصانع".
استنشق العجوز الهواء. لم يكن نفساً كبيراً، لكنه أضاف بالتأكيد إلى الأثر الدرامي.
زأر بصوت ملأ الغرفة وقرر البقاء فيها مطولاً: "كنت أبحث عنك في كل سجل لعين لأشهر! كيف لا تكون مسجلاً؟!"
تراجع ألنريك للخلف. توفرت أمامه عدة ردود محتملة، معظمها يتضمن تفسيراً أو مبرراً أو شكلاً من أشكال التهرب اللائق. لم يبدو أي منها مناسباً فورياً.
قال: "لم أكن أعرف أنني بحاجة لذلك".
حدق العجوز فيه. لم تكن نظرة لطيفة. ولم تكن غاضبة حتى بالقدر الذي توحى به الصرخة. بل كانت... مرهقة، بطريقة توحي بأن هذه ليست المرة الأولى التي يقع فيها أمر كهذا، لكنها بالتأكيد نسخته الأكثر إزعاجاً.
تمتم وهو يمد يده أسفل الطاولة: "بالطبع لم تكن تعرف".
أخرج لوحاً معدنياً يتوسطه كرة بلورية، ووضعه أمامه بعناية توحي بأنه قيّم وعرضة لإثبات نقاط لا يستهوي الناس إثباتها. كان مثبتاً على إطار صغير، وتحته لوحة مسطحة مدمجة بسلسلة من الأشرطة الضيقة، كُتب على كل منها زيادات لا تعني شيئاً لألنريك للوهلة الأولى لكنها توحي بقياس مقصود.
قال العجوز مشيراً إلى الكرة: "اليد".
تقدم ألنريك ووضع يده عليها. لم يحدث شيء. ازداد وجه العجوز ظلمة.
سأل بصوت أخفض وأقل تسامحاً بكثير: "أتهزأ بي؟"
قال ألنريك: "لا؟ أنا فقط لا أدرك ماذا..."
"إذن ابذل جهدك! ادفع المانا فيها!"
من شدة الضيق، صب ألنريك مانا في الكرة بعنف فاق ما فعله بالعصا. انطلقت كل الأشرطة الواقعة أسفل الكرة نحو الأعلى دفعة واحدة، مصطلمة بحدودها العليا بصوت معدني حاد وصاخب. صمدت اللوحة تحتها لكسر من الثانية، بالقدر الذي يوحي باحتمال نجاتها من التجربة. ثم أصدرت نفخة دخان صغيرة، أشبه بالمهذبة. راقبها ألنريك بينما تحولت كل أشرطة القياس إلى اللون المعتم. لقد رأى دخاناً مماثلاً من قبل.
في سياق مختلف تماماً، الحواسيب تحديداً، حيث كان يُسمى دخان السحر هناك أيضاً. دُفع شيء ما إلى ما يتجاوز طاقته المعقولة، فاستجاب بالتوقف الهادئ عن التعاون. لبرهة طويلة، اكتفى السحر العجوز بالتحديق في اللوحة، ثم في الكرة، ثم ببطء شديد في ألنريك. ساد الصمت الغرفة. لم يكن صموتاً مريحاً، بل ذلك الذي يعقب عبارة لم يكن أحد مستعداً لسماعها.
سأل العجوز ببطء: "أي مدرسة؟"
تغير صوته. اختفى العلو، وحل محله ما هو أكثر انضبطاً وحذراً، كأنه أدرك لتوّه أن الموقف يتطلب نهجاً مختلفاً ويحاول إيجاده الآن.
قال ألنريك: "أنا لست جزءاً من أي مدرسة".
اختلجت عين هولين.
"مارغريت".
تقدمت فوراً.
سأل مجددأ دون أن يحول بصره عن ألنريك: "أي مدرسة؟"
أجابت: "يقول بلا مدرسة".
أغمض العجوز عينيه لبرهة ثم فتحهما: "ماذا تلقي؟"
"صندوق الأغراض".
توقف آخر.
قال العجوز وإن لم يكن واضحاً تماماً ما يعنيه ذلك: "بالطبع تفعل".
استند بظهر قليلاً إلى كرسيه، وارتفعت إحدى يديه لتدلك جبهته كأنه يحاول تسوية مشكلة غدت ثلاثية الأبعاد على نحو مزعج.
قال لنفسه أكثر مما قاله لأحد: "مكاني. حسناً. سحر مكاني".
كانت مارغريت قد تحركت بالفعل نحو أحد السجلات، وفتحته على صفحة جديدة وبدأت بالكتابة بسرعة من تعلم منذ أمد طويل أن التردد لا يخلق سوى المزيد من العمل.
سأل العجوز: "ما حجم صندوق أغراضك؟"
تأمل ألنريك السؤال. أدرك أن هناك عدة طرق يمكنه الإجابة بها. بإمكانه محاولة وصفه بمصطلحات تتسق على الأرجح مع أي نظام يستخدمونه هنا، رغم جهله به وعدم وجود رغبة لديه لاكتشافه عبر التجربة والخطأ. أو بإمكانه الإجابة بما يرتئيه منطقياً.
قال: "ما يزيد قليلاً عن اثنتي عشرة عربة حبوب".
ساد صمت. أطول هذه المرة.
طالب العجوز بصياغة غاضبة: "لمَ تقيسه بالحبوب؟"
أضافت مارغريت شبه فورية: "لمَ تقيسه بالعربات؟"
نظر ألنريك بينهما. لبرهة فكر في الشرح، ثم عدل عن ذلك.
قال وصوته يرتفع بما يكفي لمجاراتهما: "إن لم تعجبكم الإجابة، فلا تسألوا".
كان الصمت اللاحق مغايراً. أطلق العجوز زفيراً بطيئاً، ثم أسلم نفسه للجلوس في كرسيه كأن الفعل تطلب جهداً أكبر مما سبقه.
تمتم: "حسناً... حسناً".
دلك جبهته مجدداً، بقصد أكبر هذه المرة.
قال هولين ملوحاً بإشارة باهتة: "فقط... أكمل العملية اللعينة. أنا أرسل رسالة إلى جلالته، بحق الحكيم، ساحر عظيم يتجول في المدينة بلا تسجيل".
أومأت مارغريت هزة واحدة، وكتبت شيئاً آخر في السجل قبل أن تغلقه وتتجه صوب درج صغير مثبت بالحائط. فتحته، وتوقفت برهة وهي تختار شيئاً من داخله، ثم عادت إلى ألنريك ممسكة بدبوس بين أصابعها. كان أكثر زخرفة من دبوسها. مبالغاً فيه، لكنه يوحي بالرتبة، وقد صيغ المعدن في نمط يلتقط الضوء بطريقة تشي بأن شخصاً ما استغرق وقتاً لضمان ذلك.
مدت يدها به وقالت وعادت نبرتها إلى ما يشبه الاعتياد: "تُحدد رتبتك بسعة المانا. وبالنظر إلى... هذا..."
ترددت برهة وجيزة.
"ستُعتبر كبيراً".
أخذ ألنريك الدبوس، مقلباً إياه بين أصابعه. بدا كأنه لهب بجناحين.
قال بضيق شديد من الصراخ عليه: "أياً يكن، يمكنني شراء العصي الآن، أليس كذلك؟"
راقبته مارغريت لحظة. حدث تحول في وقفتها، خفيف لكن مقصود، كأنها بلغت قراراً كانت تدور حوله لبعض الوقت واختارت البدء بتنفيذه الآن.
قالت: "لندخل في عملية الشراء إذن".
رمقت هولين الذي ألوح لها بيده، فقد استغرق العجوز في كرسيه يدلك صدغيه بعنف. عاد الاثنان إلى منضدة الموظفين. وقبل أن تبدأ مارغريت بالحساب، رمت على ألنريك أحلى ابتساماتها.
سألت: "أتوَدّ النظر في تأسيس مشغل؟"
نظر إليها بملامح جامدة أخرى: "وما ذاك؟"
قالت: "مدرسة سحرية رسمية. مسجلة ومعترف بها. مع صلاحية تدريب الآخرين".
عقد ألنريك حاجبيه قليلاً: "لا. لا أعرف شيئاً عن السحر".
أردفت: "تملك الطاقة. هذا كل ما تتطلبه للتسجيل. أما التدريس وما شابه فيمكن... تفويضه".
سأل ألنريك وقد شعر بارتفاع موجات ضيقه وشكه: "ولم؟"
أمالت مارغريت رأسها: "أم... ليتسنى لك استدعاء سحرة عند الحاجة. وأيضاً، دعنا نقول إن مشغلاً آخر في العاصمة قد يحدث فارقاً كبيراً مع الملك".
تأمل ألنريك ذلك. لم يستغرق الأمر طويلاً.
قال: "يبدو كملهيات مزعجة، لا شكراً".
لم تتغير تعابير وجه مارغريت، لكن شيئاً فيها استقر، كأنها توقعت الرد وأعدت عدته مسبقاً.
بدأت تقول: "انظر، أنا..."
توقف باحثة عن الكلمات الصحيحة.
"أنا نبيلة صغرى للغاية. بعيدة بما يحرمنا من دعم حقيقي. ولا يمكنني التقدم بلا رتبة. ولا يمكنني حيازة رتبة بلا مشغل".
لم يصدر عن ألنريك شيء.
تابعت: "هناك فتاتان، ابنتا عم لي. تمتلكان قدرة سحرية قوية".
سأل ألنريك: "و؟"
ترددت مارغريت.
"هما... جذابتان".
عقد ألنريك حاجبيه. لبرهة لم تتصل الكلمات ببعضها، ثم فعلت. تحسنت تعابير وجهه.
قال مكشراً: "آه، نبيلات أُخريات؟"
قالت وهي تتجنب التقاء الأعين: "نعم".
أدار ألنريك وجهه ثم أعاده إليها: "لا، هذا ليس بالأمر الذي سأورط نفسي فيه".
استدار، متجهاً بالفعل نحو الباب. لم تتحرك مارغريت.
قالت: "يمكن للمشغل طلب المكونات السحرية مباشرة من المغامرين، كما تعلم".
توقف ألنريك. ببساطة امتنع عن أخذ الخطوة التالية. وقف مكانه لحظة، معطياً إياها ظهره، وقد ترك الحركة التي بدأها غير مكتملة.
وأضافت: "يحتاج إلى خمسة أعضاء على الأقل، وجميعهم بحاجة لأن يكونوا مسجلين".
أطلق ألنريك زفيراً بطيئاً. كان الصمت طويلاً بالقدر الذي يوحي بأن الفكرة لم تُرفض، بل... أُرجئت للتقييم.
قال: "سأفكر في الأمر".
لم يلتفت. بل مضى مغادراً. وقفت مارغريت مكانها لبرهة إضافية، ثم سمحت لنفسها بحركة صغيرة، انقباضة خفيفة ليدها لم ترتقِ لتصبح إشارة بالمعنى لكنها اقتربت من ذلك. وخلفها، مد العجوز يده لورقة جديدة. غمس قلمه، وحدق في الصفحة برهة كأنه يزن كمية ما حدث لتوه الذي ينوي تضمينه، ثم شرع يكتب.
كتب: "صاحب الجلالة،".