التجسّد كمخمّر: ضد رغبتي الفصل 110 — القصة الخلفية، سترومني

اقرأ التجسّد كمخمّر: ضد رغبتي الفصل 110 — القصة الخلفية، سترومني باللغة العربية على مانجا تايم.

أمام ألسك، أطلق سترومني زفيراً كاد يكون تنهيدة لولا أنّه كبحها، ثمّ مدّ يدَه نحو كوبه، وأدارَه برفق على الخشب دون أن يرفعه. كانت الحركة طفيفة، لا هي بالعبثيّة الخالصة، ولا هي بالهادفة تماماً.

قال بعد هنيهة، بصوت خلا من أيّ ثقل ربّما استحقّه: "حسناً، تلك حكاية يصعب مجاراتها بحقّ".

تلوى فم ألسك قليلاً، مع أنّه لم يرفع بصره.

"الوعود هي الوعود".

قال سترومني، هازّاً رأسه مرّة لنفسه: "أجل. مع ذلك، من أين نبدأ".

تراجع في مقعده، مدوراً كتفاً واحدة وكأنّه يستقرّ في وضعيّة تتيح له البقاء هناك أطول مما نوى. لامست أصابعه لحيته بخفّة، لا لتعديل شيء، بل لتأكيد بقائها مكانها، ثمّ عادت لتستقرّ على الطاولة.

أضاف: "إنّها ليست بالكثيرة، انتبه. ليست كقصّتك".

أتى ألسك بإشارة صغيرة بيده، شيئاً بين الرفض والتشجيع، دون الالتزام بأحدهما. راقب سترومني ذلك لثانية، ثمّ أومأ برأسه إيماءة قصيرة، كأنّ القرار قد اتُّخذ في مكان آخر وهو يكتفي بالإقرار به.

قال دالك وهو يحكّ لحيته: "أنا ذو لحية حمراء، أنت تعلم ذلك".

أطلق سترومني نفساً هادئاً من أنفه. التفت سترومني ملاحظاً غياب أيّ ردّ فعل من ألسك.

قال: "أجل. أدركتُ أنّ ذلك لن يعني لك الكثير".

مال إلى الأمام قليلاً، مسنداً ساعديه إلى الطاولة الآن، وتجمعت يداه برخاوة قبل أن تنفصلا مجدّداً.

وتابع: "أمّا عند الأقزام، فيعني قدراً لا بأس به".

أمال ألسك رأسه قليلاً، منتظراً. تخلّلت نظرة سترومني جانب الحجرة، دون التركيز على شيء بعينه، ثمّ عادت أدراجها.

قال والكلمات تصل بانتظام، كأنّه قالها من قبل ولا يرى سبباً لتغييرها الآن: "بحكم القانون، أصحاب اللحى الحمراء ليسوا أقزاماً".

لم يتوقّف سترومني طويلاً بالقدر الذي يتيح المقاطعة.

مضى يقول وهو يعدّ على غير هدى ودون أن ينظر إلى يديه: "لا يحقّ لهم الجلوس في المجالس. لا يحقّ لهم تقرير أيّ أمر يهمّ. لا يحقّ لهم توريث الأراضي. لا يحقّ لهم شراء حقوق التعدين. لا يحقّ لهم حمل الأسلحة".

هزّ كتفيه قليلاً.

"بضع أمور أخرى، تلك هي الثابتة".

مدّ يده نحو كوبه حينها، رافعاً إياه هذه المرة، واحتسى رشفة صغيرة قبل أن يعيده إلى مكانه تقريباً. راقب ألسك طويلاً يفوق الحاجة.

بدأ يقول: "ذاك..."

ثم توقف، وكأنّ الجملة لم تجد سبيلاً للوجود بعد. حاول مجدّداً.

قال ألسك وهو يشير بيده إلى تجسيد التجهّم الملتحي أمامه: "ذاك ليس... كيف يُعقل هذا، وأنت قزم؟".

التوا فم سترومني قليلاً إلى أحد الجانبين.

قال: "أجل. تلك هي الاستجابة المعتادة على الأغلب".

مال ألسك إلى الأمام الآن، وارتفعت إحدى يديه لتستند إلى الطاولة بحزم أكبر.

سأل: "لماذا إذن؟ هل غازلتَ جنية أو شيئاً من هذا القبيل؟".

أطلق سترومني قهقهة مطوّلة.

"لم ألتقِ بواحدة قط، ربّما أُجرب الآن بعد أن قلتَ ذلك".

نظر إلى أسفل الطاولة، نحو العلامات المحفورة في الخشب، وخبت الابتسامة أخيراً قبل أن يتابع.

قال وإصبع إبهامه تتقفّى أثر خطّ على سطح الطاولة: "منذ زمن بعيد، أشعلت فئتي حرباً".

قطب ألسك حاجبيه.

أضاف سترومني: "حرباً أهليّة. أقزاماً ضد أقزام".

هزّ كتفيه بخفّة.

"خسرنا".

وشرح عرضاً: "كانت مجزرة ما حكيناها".

فتح ألسك فمه، ثم أغلقه مجدّداً، منتظراً.

تابع سترومني بعد لحظة، وكأنّ الأمر يحتاج إلى الإدراك للدقّة لا للتأثير: "وبسوء، انتبه. بسوء لدرجة لا تجعل أحداً متحمسّاً لتذكّرها حقّاً".

تراجع إلى الخلف قليلاً، وارتفعت إحدى يديه مجدّداً إلى لحيته، لتتوارى أصابعه بإيجاز داخل إحدى الحلقات قبل أن تتحرك.

قال: "مُمحت السجلات. وأُزيلت الأسماء. والأراضي... ابتلعت بغالبها. أو قُسّمت بطرق شتّى حتى بات لا أحد يعلم ما كانت عليه من قبل".

رفع بصره حينها، ملتقياً بنظرة ألسك لفترة قصيرة.

"إن سألت ثلاثة أقزام عما حدث، فستظفر بأربعة أجوبة. ليس فيها جواب نافع".

زفر ألسك ببطء، متراجعاً بظهره.

سأل: "وهذا يفضى إلى... هذا؟"، مشيراً بهموهم نحو سترومني.

تتبع سترومني الإشارة، ثم هزّ رأسه مرّة.

"أجل. بطريقة أو بأخرى".

عقد ألسك حاجبيه قليلاً.

قال: "هذا لا يفسّر بعد سبب وجودك هنا".

سكنت يد سترومني داخل لحيته. ولبرهة، لم يتحرّك. ثمّ، ببطء، دسّ إصبعاً تحت إحدى الحلقات وجذبها نحوه. طالما تساءل ألسك عن تلك الحلقة، فقد كانت طوقاً سميكاً من الفولاذ، مكسوراً ومثنياً بحيث لا يلتقيان أبداً. أبقاها هناك لثانية، لا عارضاً إياها بقدر ما سمح برؤيتها.

قال: "منفى".

سقطت الكلمة بهدوء. مال ألسك إلى الأمام مرّة أخرى، وضيّق نظرته قليلاً وهو يتفرّس فيها.

"ماذا فعلتَ؟".

ترك سترومني الحلقة تعود إلى مكانها.

قال هازّاً كتفيه: "دخلت في شجار".

برز تبدّل خفيف في زاوية فمه، شيء كاد يكون مرحاً لو سُمح له بالنموّ.

وأضاف: "في حانة"، كأنّ ذلك يوضّح شيئاً.

تلوى فم ألسك بخفّة.

قال: "بالطبع، أفضل مكان لشجار، حسبما ذكرتَ يوماً على ما أعتقد".

أوافق سترومني: "أجل. كنت هناك مع أخي. لا أذكر جلّ ذلك".

هزّ كتفيه مجدّداً، مع أنّ هذه الهزّة حملت وزناً يزيد عن سابقتها.

قال: "كان الناس يتحدثون. اعتادوا ذلك. أصحاب اللحى الحمراء، يطالنا هذا الضرب. أراهن أنك تدرك الأمر، لم يُسمح لنا بحمل الأسلحة لذا...".

رمش ببصره إلى أسفل لفترة قصيرة، ثمّ عاد فرفعه.

قال: "كنت أصغر سناً. ولم ألمس جدوى في ترك الأمر يمرّ. لم أمانع تطاولهم عليّ، لكن ليس أخي".

أومأ ألسك برأسه قليلاً، مدركاً بالفعل إلى أين يؤول هذا الحديث.

أنهى سترومني كلامه: "لكمتُ أحدهم".

ثمّ استدرك كأنّما عرضاً: "وتبين أنه نبيل".

أطلق ألسك زفيراً قصيراً كاد يكون ضحكة لو امتدّ أبعد.

سأل: "نبيل؟".

"أجل".

استقرّ ذلك بينهما لههيهة.

سأل ألسك: "وكان ذلك يكفي؟".

أمال سترومني رأسه قليلاً.

قال: "بالنسبة لي؟ أجل. أفلتُّ بخفة على ما أظن".

مدّ يده نحو كوبه مجدّداً، متجرّعاً رشفة أخرى، طالت هذه المرّة.

وتابع بعد أن وضعه مكانه: "لم يستغرق الأمر طويلاً بعد ذلك. تُكسر الحلقة. وتُطرد. لا جدال في الأمر".

قطب ألسك جبينه بيسير.

"بلا محاكمة؟".

قال سترومني: "ربّما. إن وُجدت، فلم أكن جزءاً منها".

تراجع إلى الوراء مجدّداً، وتسلّلت نظراته نحو الموقد الآن.

وأضاف: "وما هي إلا لحظات حتى وجدتُ نفسي على الطريق. حزمت أمّي عدّتي، فالعدّة ذات شأن عظيم عند أصحاب اللحى الحمراء".

أطلق سترومني زفيراً عميقاً، وعثرت أصابعه على الحلقة داخل لحيته.

وأضاف: "قاصداً أراضي البشر".

تتبّع ألسك ذلك، مؤمئاً ببطء.

سأل: "لمَ هنا؟".

لوّح سترومني بيده إشارة صغيرة رافضة.

قال: "قواعد أقلّ. أو مختلفة على الأقلّ. ظننتُ أنّه أهون من حفنة هوامّ خَرِفين ولن أذهب إلى الجنيّات".

تحوّل قليلاً في مقعده.

وأضاف: "الناس لا يعبؤون بما ترتدي من هيئة بالقدر ذاته. طالما كنت نافعاً".

تعلّقت نظرة ألسك به لههيهة، ثمّ انزلقت عائدة إلى الطاولة.

قال ألسك: "هذا الجانب صحيح".

أطلق سترومني ضحكة خفيّة.

وقال: "أجل".

عقّب ذلك صمت قصير، لم يكن مزعجاً، بل حاضراً وحسب. فكتّه ألسك.

سأل: "وماذا عن ذي قبل؟ في الديار".

تغيّر تعبير سترومني بيسير، لا منغلقاً، بل منقبضاً للداخل بالقدر الذي يوحي بأنّ الجواب سيستغرق لحظة للوصول.

قال في نهاية المطاف: "عملت في حدادة. حدادة والدي".

أومأ لنفسه برأسه مرة.

"أنا وإخوتي. العدد غالباً. تعذّر توريث الأرض، لذا...".

رفع يده، ثم تركها تسقط.

"ورّثنا ما أمكننا".

ارتفع حاجب ألسك قليلاً.

أعاد: "العدد".

قال سترومني: "أجل. تتعلم كيف تتدبّر أمرك بما في جعبتك".

ألقى نظرة سريعة على أرجاء الغرفة، كأنّه يتفحّص الأشياء في متناول اليد.

وأضاف مطارقاً: "لذا أجيد هذا النوع من الأمور. إعادة التدوير، الإصلاح، صنع شيء ممّا لم يخلق له. حين أتيتُ إلى هنا، طفقْتُ أصنع ما شئت. بدا الأمر رائعاً في البداية، ثمّ صرت أصنع الأشياء ذاتها لوجوه جديدة".

أومأ ألسك ببطء.

قال: "هذا يفسّر الكثير".

ابتسم سترومني ببهتان.

وقال: "مع ذلك، المعادن هنا قمامة".

أصدر ألسك خخشة خفيفة. تركا ذلك يستقرّ للحظة، وانفتح الحوار برفق تحت وطأة شيء أكثر ألفة. ثمّ تحوّلت نظرة سترومني إليه مجدّداً.

سأل: "أيعينك ذلك؟".

رفع ألسك بصره، مشتدّاً بتعبيره قليلاً، لا تبرّماً، بل تدبّراً.

وضّح سترومني: "أمر اللحية الحمراء".

تراجع ألسك، زافراً ببطء.

بدأ يقول: "أنا لا..."

ثم توقف، معدّلاً الفكرة ريثما تتشكل.

"أنا لا أستوعب الأمر حقّاً. مما يسهل عليّ القول إنني لا أعبأ به فعلاً. إنه يؤذيك أنت أكثر وهذا هو المهمّ".

رمق سترومني بنظرة، ثم أبعدها.

قال: "لم التقِ بقزم قط. ليس على وجه اليقين".

وهزّ كتفيه بخفّة.

"أنت القزم الوحيد الذي أعرفه".

راقبه سترومني، منتظراً. تلوى فم ألسك بيسير.

وأضاف: "وأنت صاحبي المقرّب".

وصلت الكلمات مباشرة بما جاوز ما قصده. ولبرهة، لم يتحرّك أيهما. ثمّ سعل سترومني. وفعل ألسك مثله. وأدار الاثنان وجهيهما معاً بتزامن.

قال سترومني بعد لحظة وهو يجلجل حلقه: "حسناً".

تأرجح في مقعده، ملتقطاً كوبه مجدّداً دون أن يحتسي منه.

قال ونبرته باتت أضبط الآن: "قد يشكل ذلك أهمية. لاحقاً".

أعاد ألسك نظره إليه.

سأل: "كيف؟".

هزّ سترومني كتفيه.

قال: "بحسب من يراقب. وما يكترث له. إن كنّا نصنع الويكي، فسنصدره عاجلاً أم آجلاً. قلعة دراكن لن ترفض الويكي أبداً".

تدبّر ألسك الأمر، ثم أطلق زفيراً ضئيلاً.

قال: "سنتعامل مع الأمر".

أطال سترومني النظر إليه لثانية، ثمّ أومأ برأسه مرّة.

قال: "أجل. سنفعل إذن".

تحرّك الموقد قليلاً، مستقراً في جذع محترق بصوت طقطقة خفيّ لم يتردّد بعيداً.

قال سترومني مادّاً كوبه أمامه: "يا فتى.. لا.. ألسك، قد يبدو الأمر غريباً بعض الشيء لكن أشكرك".

ابتسم ألسك، فقرعا كوبهما وشرعا في رشفة عميقة. ثم وضع كل منهما كوبه. من حولهما، واصل المكان سيرته كما كان، فبقيت الأكواب حيث تركوها، وبقي الهواء على حاله بلا أيّ تغيير يُشار إليه. وساد صمت مديد، مؤنس أكثر منه محرجاً. لم يتكلم أيهما لبعض الوقت، وحين استأنف الحديث، تواصل حتى وقت متأخر.