اقترب وقت الظهر. جلس إيثان في الرمال مع الفالكيري وشقيقته. أخذ ديزموند عشرة آخرين لاستطلاع المستوطنة. وبقي البقية لحراسة السحر المحررين وتأمين محيط المكان. لم يتحدث إيثان كثيراً. جزئياً لأن الصمت والاستماع في المجموعات الكبيرة هما الخيار الأذكى غالباً. وجزئياً لأنه كان يفكّر. نجل. كان يفكّر حقاً. أمامه أهداف ملحة يجب العمل عليها. أولها والأكثر إلحاحاً هو كتاب التخاطب البعيد.
لم يرى أليس تسلمه إلى ديزموند بعد، لكنها ستفعل. لم يكن لديه شك في ذلك. اللحظة التي تقدم فيها تقريرها بالشكل الصحيح، سينتهي المطاف به في أيدي النقابة. وحينها سيصبح الحصول عليه أصعب بمرور الوقت. كان يجدر به فرض الأمر في المستوطنة. فكر في ذلك. لكن حسب ما رآى، حمت أليس ليا. هذا مهم. جعل يده تتوقف عن أفعال أخرى. كان مدينًا لها بشيء مقابل ذلك. السبب الأساسي، مع ذلك، كان التوقيت.
ظنّ أنه يملك وقتاً لإقناعها. وإن لم ينجح... ألقى نظرة سريعة نحو المكان الذي جلست فيه أليس بعيداً بجانب جدار الوادي. ...فهناك دائماً طرق أهدأ. جاعت أثناء أسرها. وأصيبها الإنهاك. الناس في تلك الحالة ينامون بعمق. والآن؟ تلك النافذة تغلق. عليه وضع يده عليه قبل ديزموند. أخرج إيثان زفيراً بطيئاً. لا فائدة من التفكير المفرط. الندم يضيّع الوقت. بدلاً من ذلك، عليه التركيز على الفعل.
سيبقى مع الفالكيري الآن. سيرحب ديزموند بنواة مستيقظة أخرى في المجموعة —حتى مع بقاء بعض الشكوك. استطاع الرجل تمييز أن نواة إيثان قد استيقظت، تماماً كما تمييز إيثان العكس. لهذا السبب وحده، سيشكل إيثان إضافة قيمة. إلى جانب ذلك، نوى التوجه نحو بلدة السهم على أي حال. مع وجود أعداد تدعمه، وشفائه تماماً، شعر بثقة أكبر بكثير من ذي قبل. كان عليه معرفة إن كان هناك أحد في منزل بيلا بعد كل شيء.
كانت لديه أسئلة. ونوى الحصول على إجابات.
"في أي شيء تتأمل؟"
اخترق صوت ليا أفكاره. أدار إيثان رأسه. جلست متربعة في الرمال، تمضغ الحصص الجافة بانزعاج واضح.
"أنا لا أتأمل"، قال بهدوء.
"أنا أفكّر".
لوحت بشريط من اللحم المجفف عشوائياً أمام وجهه.
"إنه المعنى ذاته. ألسْتَ سعيداً؟"
أطلق زفيراً خفيفاً ونكز ركبتها.
"بالطبع أنا سعيد. لدي الكثير في عقلي فقط".
"مثل ماذا؟"
تفقد المجموعة قبل أن يجيب.
"علينا معرفة ما يدور هنا. إن تفاقم هذا الوضع، سيموت الكثير من الناس".
تحول تعبير ليا إلى الجدية.
"ألا تعتقد أن الفالكيري قادرون على التعامل معه؟"
أبقى إيثان صوته منخفضاً.
"أعتقد أنهم قد يفعلون. بنسبة خمسين بالمئة".
قطبت حاجبيها.
"لمَ لا؟"
"النقابات معقدة"، قال.
"إنهم يريدون السيطرة. دائماً. إن أصبح هذا الوضع فرصة لتعزيز السلطة، فسوف يستغلونها. حتى لو علموا أنهم يتعرضون للتلاعب. لا تزال الحرب مربحة".
أطلقت ليا نفساً جافاً وأنهت طعامها.
"إذاً لم يتغير شيء"، تمتمت.
"العالم يذهب إلى الجحيم، والناس في القمة ما زالوا يتصارعون على فتات السلطة".
"سوف يستقر في النهاية"، رد إيثان.
"تماماً مثل الأرض. بعد الصراع الأولي، تتشكل الأنظمة. النظام يعقب الفوضى. أريد فقط ضمان نجاة أكبر عدد ممكن من الناس لفترة كافية لرؤية ذلك الجزء".
صمتت ليا لبرهة.
"وماذا عنا؟"
سألت بخفوت.
"لديك معرفة يمكنها إنقاذ الأرواح. هل فكرت في نشرها؟"
فعل. باستمرار.
"سنصل إلى ذلك"، قال.
"أنا ضعيف جداً الآن. المعلومات بلا قوة مجرد هدف مرسوم على ظهري".
نفض الرمال عن كفه.
"لكن يجب أن أحذر النقابات. ملايين البشر على وشك دخول هذا المستوى. إن لم يكونوا مستعدين، ستعم الفوضى".
منحته ليا نظرة شك.
"وكيف تخطط لإقناعهم بذلك بالتحديد؟"
"أنا لا أفعل"، قال إيثان ببساطة.
"ليس في البداية".
سمح لنفسه بابتسامة خافتة.
"لكن حين يحدث تماماً كما قلت... سيستمعون في المرة القادمة. ولدي شخص أعرفه يدين لي بمعروف".
صمتت ليا. لذا ترك إيثان محادثتهما تنتهي. بعد إيقاف الحرب، سيكون عليه الالتقاء بأليكس مجدداً. ثم تحدثت ليا بلطف.
"أنا آسفة لمغادرتي المستوطنة".
التف إيثان نحوها بالكامل. لم يكن هذا الاتجاه متوقعاً.
"أعلم أنك طلبت مني البقاء منخفضة. واللعب بأمان. ظننت... بما أعرفه... أنه يمكنني أن أصبح أقوى قبل وصولك".
ابتلعت ريقها.
"لم أعتقد أن الأمور ستتحول إلى ذلك".
هبط صوتها ليكاد يكون هامساً.
"لم أعتقد أنني سأضطر لقتل أحدهم".
علقت الكلمات بينهما. مد إيثان يده وأمسك بيدها. ضغط عليها برفق. القتل. لم تكن هناك طريقة نظيفة لتجاوز الأمر. ما زال يتذكر مرته الأولى. التردد. الغثيان. الطريقة التي توقف بها النوم عن أن يكون هادئاً بعد ذلك. لا يزول الأمر حقاً أبداً؛ بل تتعلم كيف تعمل معه فقط. رغم أنه أمر غريب. لم يعد بإمكانه تذكر وجه الشخص بعد الآن. كان يعلم فقط أنه كان بسبب العتاد. تساءل أحياناً عما سيكون عليه لو لم تصل المحاكمات.
أيبقى حسابياً؟ أغير متأثر برؤية الموت؟ أكان سيكون قادراً على اتخاذ القرار الذي اتخذه مع فالكيري المحتضرة؟ لم يكن يعلم، ولن يعلم أبداً. لأن يديه كانتا ملطختين بالفعل. والآن يدا شقيقته كذلك.
"لا تلومي نفسك"، قال باتزان.
"رأيتِ ما كانوا يفعلونه. اتخذتِ القرار الصحيح بناءً على المعلومات التي امتلكتها".
أومأت ليا، رغم توهج عينيها.
"أعلم"، قالت.
"ما زال الأمر مقرفاً".
"نعم"، وافق إيثان.
"إنه كذلك".
نهض على قدميه.
"سأعود قريباً".
ترك ليا جالسة في الرمال، بينما كانت الرياح تداعب خصلات شعرها بخفة وهي تملي بظصرها نحو الكثبان الرائعة. تائهة في أفكارها. سيكون هذا شيئاً يتعين عليها التصالح معه. لقد ارتكبت بعض الأخطاء لكنه لم يكن ليوبخها. ليس لأجل خوض المهام. ولا مطاردة القوة. ولا للانضمام إلى الفالكيري. موضوعياً؟ كان الأمر ذكياً. النقابات تعني الحماية. السكن. الموارد. المؤسسة. كان من المؤسف فقط أن الانضمام إلى إحداها دفعها إلى هذه الفوضى العارمة.
لكن حتى إيثان لم يستطع التنبؤ بما وقعت فيه. من ناحية، كانت نعمة. منحه هذا الوضع فرصة. فرصة لتغيير مسار المستوى بأكمله، فرصة لتغيير أقدار الكثيرين. من ناحية أخرى... كيف بحق الجحيم تمكنت من الهبوط في منتصف هذا؟ ولماذا بحق الجحيم أُوكلت إليها مهمة صعبة إلى هذا الحد مبكراً جداً. عادة ما تترك النقابات المهام الأسهل للمبتدئين. أخرج زفيراً بطيئاً وعدل حزام حقيبته وهو يسير نحو أليس.
بغض النظر، لن تقيم ليا مع الفالكيري. ليس على المدى الطويل. بمجرد اجتياز أحدهم المستوى الأول، استطاع مغادرة أي نقابة بحرية. بعد ذلك، تصبح العقود ملزمة، وتقييدية، وغالباً مفترسة. سيحرص على ألا تقلق بشأن ذلك. كانت أليس تتحدث مع بعض الفالكيري. جلسن في ظلال حافة الجرف. توقفت محادثتهن عندما اقترب إيثان وجلس بالقرب منهن.
"آسف للمقاطعة"، قال.
"ليس هناك وقت مناسب لهذا، لذلك فكرت في إنجازه الآن".
مد يده داخل حقيبته وأخرج عدة بطاقات تعريف.
"واجهت بعض البعثات المعاد للحياة أثناء بحثي عن المستوطنة. كانوا يقاتلون شخصاً من نقابتكم".
فتح كفه.
"أخذت هذه من الجثث. أنا آسف لعدم تمكني من إنقاذهم".
نظرت أليس إلى الأسفل نحو البطاقات. شد فكها قليلاً قبل أن تمد يدها وتأخذها.
"شكراً لك"، قالت.
"هذا يعني أكثر مما تتخيل".
مرر إبهامها على الأسماء المنقوشة قبل أن تنزلق في جيبها. رفعت رأسها للرد، لكن إيثان شعر بشتر يقترب عبر [الحس الحاد]. استدار نحو مدخل المستوطنة المنحوت في الصخر لحظة ظهور ديزموند، يتبعه بقية فريق الاستطلاع. نهض إيثان بسلاسة، معلقاً حقيبته على كتف واحدة.
"يبدو أننا سنتحرك قريباً".
تتبعت أليس نظراته ووقفت.
"أظن ذلك".
اقترب ديزموند، وبدا تعبيره مشدوداً. مضطرباً. قابلته أليس في المنتصف.
"هل وجدت أي شيء آخر؟"
هز رأسه نافيه.
"لا. لقد تعاملتم جميعاً مع الأمر. تماماً".
توقف.
"لكن بعض تلك الغرف..."
تحرك فكه.
"مزعجة".
"يمكنك قول ذلك مجدداً".
أومئ ديزموند. جالت نظراته في المعسكر قبل أن تحط على إيثان. أدار ظهره لأليس وتقدم نحوه.
"هل قررت ما تود فعله بعد ذلك؟"
أومئ إيثان.
"سأبقى. إن قبلتم وجودي. أود رؤية السجناء السابقين بسلام. إنهاء ما بدأته".
فحصه ديزموند لثانية أخرى، ثم ابتسم بضعف.
"جيد. يمكنني استخدام المساعدة. حسب ما جمعت، لن تكون بلدة السهم بسيطة. لكن هذا ينتهي هناك. الكثيرون ماتوا بالفعل".
"سأكون هناك".
أومئ ديزموند بحزم قبل أن يلتفت إلى المجموعة.
"احزموا أمتعتكم. نتحرك الآن. إن كنا محظوظين، ستكون التعزيزات قد وصلت إلى بلدة السهم قبلنا".
تحركت الفالكيري بكفاءة، مفككات المعسكر المؤقت بتنسيق متمرس. جمع السجناء السابقون أغراضهم بانضباط أقل بكثير—لكن بإلحاح أكبر بكثير. بدوا أكثر صحة الآن. مستعادين، ويبحثون عن إجابات. عاد إيثان إلى ليا بينما بدأت المجموعة في الخروج من الوادي الضيق والعودة إلى الكثبان المفتوحة. تموجت الحرارة عبر بحر الرمل لا اللانهائي في الأمام. أثناء مسيرهم، نظر في خياراته. لأي سبب كان، لم تسلم أليس كتاب التخاطب البعيد إلى ديزموند.
لهذا السبب وحده، شعر إيثان بإلحاح أكبر للحصول عليه. كل ما كان في الداخل سيجيب عن الكثير من الأسئلة، كان متأكداً من ذلك. سيكون عليه فعل ذلك في بلدة السهم، عندما ينشغل الجميع باقتلاع بقية ما يجري هناك من عمليات.
"أريدك معي في بلدة السهم"، قال بهدوء ليا.
"ابقي قريبة. انسي ما حدث من قبل. لقد انتهى".
نظرت إليه، منصتة.
"أنت كشافة. أنت في نقابة. وحسب ما سمعت، اكتسبت مهارة صلبة".
كانت نبرته ثابتة.
"ستكونين بخير".
عدل حقيبته مرة أخرى.
"سنتعامل مع البقية بعد هذا. حينها سأكتشف كيف أخرجك من الفالكيري لأتمكن من رفع مستواك بشكل صحيح".
أطلقت ليا ضحكة صغيرة. التفت إليها إيثان.
"ماذا؟"
هزت رأسها، مبتسمة بضعف.
"فقط فكرت أنه بما أنك قديم تقنياً الآن، فستتصرف بشكل مختلف".
صدمت كتفه بخفة.
"لكنك على حالك تماماً".
نظرت إلى الأمام، ولا تزال تبتسم.
"أنا سعيدة بذلك".