ركضت ليا بين الأشجار المبعثرة وتتبعها البقية عن كثب. كانت مهارة [دليل الطريق] تواصل دفعها بخفة، وقد سلّمت زمام أمرها بالكامل للمهارة، واثقة بأنها ستنقدهم إلى أي شخص آخر على الجزيرة. بلغ يقينها ذروته. شعرت بالمهارة وهي تحول اتجاهاتها طفيفاً، وبدأ ذلك الإحساس المألوف ببلوغ غايتها يتسلل إليها.
هتفت وهي تبطئ عدوها: "أظننا اقتربنا".
كانا قد ركضا لمدة عشرين دقيقة كاملة، وهو أمر كانت ستعاني الأمرين لتفعله قبل الاختبارات. غير أنها، وإن كانت تتنفس بصعوبة، كانت تعرف أنها قادرة على الاستمرار. لكن هذا كان بعيداً بالقدر الكافي بكل تأكيد. لمر تود إيجاد مسافة أكبر بينها وبين إيثان تحسباً لصعوبة عثوره عليهم. لم يخطر ببالها قط احتمال خسارته. كانت تعرفه حق المعرفة. كانت تعرف تلك النظرة في عينيه حين أمرهم بالرحيل.
أثار ذلك حنقها بلا حدود، ولم يخدم سوى تعزيز المخاوف التي كشف عنها السراب. مرة أخرى، كان عليه حمايتهم، لكنهم هذه المرة لم يستطيعوا حتى البقاء. لقد كانوا يبطئون من حركته. أدركت في قرارة نفسها أن هالة ذلك السام لم تكن تسدي لهم أي خدمة. كانت تهاجم حلفاءه بالسهولة نفسها التي تهاجم بها أعداءه. وحدها ذكرى ذلك بعثث قشعريرة تسري في جسدها المتعرّق أصلاً. جعلها إحساس تلك الطاقة وهي تلامس جلدها ترغب في زيادة المسافة بينهما وبين موقع المعركة أكثر فأكثر.
لقد ضغطت عليها مثل حقل سام من المواد الكيميائية المآكلة. كان جلدها ما زال أحمر من الآثار اللاحقة. ارتعشت لفكرة دخولها مجدداً. لا شكراً. لكن حتى لو كان الأمر كذلك، كانت بحاجة إلى شي آخر. كان عليها البقاء إلى جانبه. وكان عليها التواجد لحمايته ومساعدته. وبدلاً من ذلك، كانت على أميال عديدة، تركض في الاتجاه المعاكس. تباً.
سأل سيب: "ما الأمر؟"
كان العجوز يبدو بمنتهى الانتعاش بشكل مثير للريبة تماماً كما كان حين نزلا من القارب. أطلقت ليا زفيراً وأبعدت إيثان عن تفكيرها. سيجددهم فور انتهائه.
قالت: "أظننا اقتربنا".
رفع سترايكر رأسه من موضع انحنائه الحالي، مستنداً بيديه على ركبتيه وهو يلتقط أنفاسه العميقة.
"ما كان ذلك الكائن؟ هل سيكون بخير؟"
سأل سيب في الوقت ذاته: "نقترب من ماذا؟"
أردفت قبل أن تتابع: "سيكون إيثان بخير. سيجدنا. شخص ما جوارنا. علينا المشي من هنا".
تطلع سيب حوله وكأن بوسعه إيجاد حفيدته مختبئة فوق شجرة.
"فلنتابع الحركة إذاً!"
أطبق يديه حول فمه وصاح: "بوني! بوني، أأنت هناك؟"
هتف سترايكر بذعر وهو يقف بكامل قامته التي كانت لا تزال قصيرة للغاية: "توقف عن ذلك".
وسأل بصوت خفيض: "أتحاول استدراج المزيد من الوحوش إلى هنا؟"
ارتسمت على وجه سيب ملامح ألم. استطاعت ليا تلمّس رغبته في النداء مجدداً، لكن سترايكر كان محقاً. سيجذب ذلك انتباهأً لا داعي له، سيما وأن مهارتها كانت تقودهم في كل حال. تابعا التحرك، ماشيين ببطء بين الأشجار المبعثرة حتى بدأت ليا تلاحظ بقايا المدنية. لم تكن شيئاً يُذكر، سوى بناء مهدم بجدران خشبية انهارت على ذاتها.
قال سترايكر: "أظن أن هذه هيرالديك".
تساءلت ليا: "بلدة؟"
أومأ برأسه.
"كانت البلدة الرئيسية للزنزانة. أتيت إلى هنا حين وصلت إلى هذا المستوى للمرة الأولى".
لم تجب ليا، ولكن كلما توغلت في المشي، انكشف لها المزيد من البلدة. جعلها الأمر تنكمش داخلها عند التفكير في جميع السكان. ماذا حلّ بهم؟ تطلعت حولها إلى البلدة الخاوية، واستقرت حقيقة باردة في جوف معدتها. لقد ماتوا على الأرجح. التفت يد حول كتفها وجذبتها إلى الوراء. ترنحت ليا، وتسارع نبض قلبها إلى أن أدركت أنه سترايكر. لم يعد وجهه الفتي محجوباً بالظلال، وأدركت الآن أكثر من أي وقت مضى مدى صغر سنّه.
جعلها تفكيرها في أنه رأى هذه البلدة قبل أن تتحول إلى أنقاض تشعر بالغثيان.
قال وهو يشير باتجاه الأرض غير آبه بأفكارها: "انظري".
اتبعت إشارته وأدركت وجود سلك يمتد عبر الطريق المكسو بالنباتات البرية. عبست، وتتبعته حتى لاحظت أنه جزء من فخ على الأرجح، حتى وإن لم تكن تمتلك أدنى فكرة عما تنظر إليه تحديداً. خطا سترايكر خطوة إلى أمامها. انهارت الأرض تحته قبل أن تلاحظ ليا ذلك حتى. أطلق صرخة فزع وهو ينزلق، ممسكاً بجانب الحفرة. رمت ليا بنفسها إلى الأمام، متشبثة بيده.
"لقد امسكت بك!"
قال وهو ينظر إلى الأسفل: "تباً، ساعداني!"
نظرت ليا تحته ولاحظت الرماح المدببة بانتظار القاع.
صاحت: "سيب، يدك لمن فضلت؟"
كان الرجل المسجل هادئاً بشكل غير عادى. التفت لتنظر إليه. كانت الدموع تنحدر على وجنتيه المتغصنت بحرقة. ما الذي يجري بحق الجحيم؟ امتدت يد أخرى إلى الأسفل، أصغر سناً وأكثر أنوثة.
قالت الغريبة: "ها هنا، دعيني أساعدك".
كادت ليا تترك يديه من شدة الفزع. متى اقترب شخص ما لهذه الدرجة؟ التفت برأسها ووجدت نفسها تتبادل النظرات مباشرة مع امرأة أخرى. كان شعرها أشقر رملياً، وبارزاً وسط الطين والغبار المتشبث به وبوجهها الشاحب. أومأت ليا بصمت بينما كانا يرفعان سترايكر نحو الأعلى. سقطت على مؤخرتها، وغاصت يداها في التراب وهي تسند نفسها. ثم تذكرت وجود غريبة بجانبها والتفتت بسرعة، مقتربة من سترايكر.
قال سيب من خلفهما: "بوني... أأنت هذه؟"
—~~— لطمت الأمواج الشاطئ، بينما علق ضباب الشلال فوق المياه. ملأ صوت اصطدام المياه المكان، ممزوجاً بطنين مزعج كان يقترب قبل أن يتراجع مجدداً. تلاطمت الأمواج بساقي درع حماية، متدفقة عبر الفتحات. استيقظ إيثان، وكانت عيناه مثقلتين بالنعاس حين لامست المياه الباردة جلده. انقلب على جنبه، مسعلاً المياه التي استقرت في حلقه، ثم لكم الطنين المزعج وندم فوراً. احترقت ذراعاه بشراسة، مما دفع وجهه للانقباض وهو يسقطهما مجدداً.
عاد الطنين، ممزوجاً بتلاطم الأمواج. جز إيثان على أسنانه وأسند نفسه على مرفقيه قبل أن يجرّ نفسه خارج الماء. تجاهل الطنين حالياً وحول تركيزه بدلاً من ذلك نحو جسده. مع أخذ كل شيء في الاعتبار، كان في حالة لا بأس بها. بلا شك، كانت لديه بضع جروح نافذة وزوج من الجروح القطعية من مخالب وينديجو، لكن درعه تلقى العبء الأكبر من الهجوم. المشكلة الرئيسية كانت تكمن في المسارات داخل ذراعيه.
لقد أدى دفع المانا من خلالها إلى تمزيقها. وكانت هيلته هي الشيء الوحيد الذي سمح له باستخدام المهارة أصلاً. والآن، بينما ينظر إلى الضرر، أدرك أنه سيحتاج إلى الكثير من نقاط القوة لإصلاحها. نقاط قوة لا يملكها. ليس بعد شراء [نار العالم]، وهي المهارة ذاتها التي تسببت في الضرر. عبس حيال ذلك وبدأ بإطلاق [زيادة الهالة] للمساعدة في إغلاق جروحه المفتوحة. وبينما شرعت هالته في العمل على إصلاح جسده، بدأ بإلغاء استدعاء درعه، ووضعه في مخزنه ليتمكن من التجفيف وتقييم وضعه.
حين انتهى، رفع نظره إلى الشلال الهادر في الأعلى. كان انخفاضاً بخمسين قدماً على الأقل. بكل المعايير، كان طرده إلى الشاطئ معجزة. استطاع تذكر التأثير بضبابية ثم مكافحة التيار بتثاقل حتى تحرر، لكن بصراحة، كان كل شيء ضبابياً. ضمّد جروحه. كانت لديه عدة جروح حول ضلوعه حيث تشبث به وينديجو، إلى جانب بضع جروح أخرى عبر جسده، لكن [زيادة الهالة] كانت تعمل لوقت إضافي للمساعدة في شفائها.
وما أن ضمّده، نظر إلى درعه المتضرر. ارتسمت كشرة ألم على وجهه. كان باستطاعته ارتداؤه على الأرجح، لكنه كان في رمقه الأخير. وادرك أنه سيحتاج إلى استبداله في مرحلة ما على أي حال، سيما مع تزايد مستوى الوحوش، لكنه لم يتوقع حدوث ذلك بهذه السرعة. استوعب إيثان وضعه داخلياً. كان مفصولاً عن الجميع، وتدرعه متضرر، وذراعاه مهشمتان. كان وينديجو لا يزال طليقاً، ولن تقف البقية فرصة أمامه.
وعلى حالته الراهنة، فلن يكون هو الآخر كذلك. الشيء الإيجابي الوحيد هو أنه حظي ببصيرة إلغاء استدعاء سيفه، لذا لم يضيع بينما كان يتخبط في النهر.
تمتم: "لقد مررت بحالات أسوأ. لنبدأ من البداية وننتهي عند النهاية. ما الذي أحتاجه أولاً؟"
أجاب نفسه مومئاً: "أحتاج إلى الشفاء. ثم إيجاد البقية. ثم الخروج من هنا".
لكن شيئاً آخر كان مفقوداً. وينديجو.
"وأحتاج إلى الانتقام من ذلك اللعين".
مع تشكل خطة ما، كان مستعداً للبدء بالأمر الأول على جدول الأعمال. كان يحتاج إلى الشفاء. المشكلة هي أنه استهلك كافة نقاط قوته. كان الإصلاح الكامل لمساراته أمراً مستحيلاً. ما لم... تذكر إيثان كيف كان يستخدم هالته كطريقة لتوجيه مانا خاصته. منذ البداية، كانت هي حلّه لكل شيء. أكانت حلّه لهذا أيضاً؟ أغمض عينيه وانساق إلى داخله مجدداً. كانت مساراته متضررة بشدة، سيما في ذراعيه.
لقد أفسدت مانا الأصول تابعه تماماً. إذا اراد استخدام المهارة مجدداً، فعليه ترقية نوته أو إيجاد حل بديل. الخيار الأول لم يكن متاحاً له. ليس حتى يحصل على تقنية الزراعة التي يستهدفها. إذن تركت له حلاً بديلاً. ما كان ذلك، لم يكن متأكداً منه، لكنه شعر بأن الأمر قد يتضمن الهالة. اللعنة، قد يرفع ذلك مستوى لقبه حتى. وبالحديث عن المستويات... كان إيثان بانتظار بعض الإشعارات. ومع وضع ذلك في الاعتبار، قرر أنه من الأفضل التحقق منها قبل الشروع في تجاربه.
تمت ترقية المهارة: [الصمود المستوى 17] تمت ترقية المهارة: [إتقان السيف المتقدم المستوى 16] تمت ترقية المهارة: [إتقان السيف المتقدم المستوى 17] تمت ترقية المهارة: [الحس الحاد المستوى 17] تمت ترقية المهارة: [زيادة الهالة المستوى 5] ... تمت ترقية المهارة: [زيادة الهالة المستوى 8] حسناً، لقد غيّر ذلك الأمور. كان يعلم ذلك مسبقاً، لكن كان من الجيد تأكيد أن مهاراته سترتقي بشكل أبسط بكثير حين يحارب وحوشاً أقوى.
سيما إتقان السيف. لقد كانت تلك المهارة تغيظه لفترة أطول بكثير مما ينبغي. كانت وصمة عار في حالته، وتلك أراد تصحيحها في أسرع وقت ممكن. لم يستطع فعل أي حيال ذلك الآن. وما استطاع فعله هو البدء بتجاربه. أمر كان يشعره بالتوتر والحماس على حد سواء.