أوشكت نيكسيل أن تتوقع رؤية جريف محاطاً بكتيبة من متعصبي النصوص المقدسة، نظراً لمدى وضوح رعايتهم له. بل مشى وحيداً. بدا ناضجاً قياساً بعمر السادس عشر. كأنه شاخ أعواماً قليلة في الأشهر التي تلت إطلاق أسمائهما. بالغ وسط أطفال. أعادت التفكير. ألعله شارك في النجم المعتم الأول؟ بدا لها ذلك التفسير الوحيد لشخص يتطور بهذه السرعة. كان ينبغي أن يكون الوقت الإضافي ميزتها وحدها.
لكن لا. استبعدت نيكسيل الفكرة. لم يطرأ أي شيخوخة على مظهرها طوال مدة مكوثها هناك، وينطبق الأمر ذاته على جريف. توزعت الوشوم الطقسية على ذراعيه وشوهت جبينه، وتداخلت الروناس الداكنة مع ردائه المائل للبياض. لم تكن بكثافة ولا عدد ما يرتديه أتباع النصوص الآخرون، لكنها حملت ثروة لا تنكر. ثروة فاقعة. لم تكن نيكسيل الوحيدة التي تطيل التمعن في جريف... أو أياً يكن اسمه الحالي.
تجمد القسم بأسره. تحدق عيون الجميع مذهولة بحجم التغيّرات التي طرأت عليه. تقدم جريف بخطى واسعة بين زملائه القدامى في القسم، مرتدياً ابتسامة رضا عن النفس وهو يستمتع بنظراتهم. وقف بثقة. وطلت نيكسيل تصف الأمر بالغطرسة لولا أنها شعرت بالمثل قبل دقائق معدودة. إن معرفة التفوق على كل من حولك تترك أثراً بليغاً على الاستقرار العقلي. انزلق بصره متجاوزاً من نشأ معهم، محتقراً كل واحد منهم كأنه دون اهتمامه.
وعندما وقع بصره على نيكسيل، تركّز انتباهه برمته على ذراعها المفقودة. ارتفع حاجب. ولحظة التقت عيناه بعينيها، تحللت تعبيرات فضوله الأولي لتصبح شفقة. التفت مبتعداً. جزّت نيكسيل على أسنانها. حاولت كبح سخريتها. إن أردت إشفاقي فامض في ذلك. فلن يعود عليك إلا بالوبال لاحقاً. ما عاد جريف متنمراً متغطرساً. لقد صار وغداً متعجرفاً يرى نفسه أسمى من أن يكون متنمراً. حين التفت النصي المرعي نحو أصدقائه القدامى، أبدى أخيراً شعوراً لم يُثر استياء نيكسيل غير المبرر.
أشرق وجه جريف عند رؤية كال وأورو وستان. تحمس لرؤيتهم، وهرع نحوهم فوراً متوقعاً أن يفسح الحشد الطريق أمامه. وقد فعل. لكن الثلاثي لم يبدوا الحماس ذاته لهذا اللقاء. مع اقتراب جريف، انسحب أورو وستان بهدوء. حاول كال فعل المثل، لكن جريف أمسك بكتفه قبل أن يتمكن من الفرار. تمتم الفتى الأطول بشيء لم تستطع نيكسيل التقاطه وسط صخب الحشد، غير أن كال لم يرفع عينيه لملاقاته، ولم يحاول التحرر من قبضته.
بدا منزعجاً. وكان الأمر واضحاً للجميع، بما فيهم جريف. تجمد النذير الشاب، ثم أفلت الكتف ببطء. وابتعد كال مطأطئاً رأسه طوال الوقت دون أن يرفع نظره. لاحظت نيكسيل قبضات كال الممدودة بإحكام بينما يوارى وجهه تحت قلنسوة ردائه.
قال دان: "أعرف أنه لم يكن الألطف يوماً، لكن اللعنة، كان منظراً صعب الاحتمال".
وأردف: "أشعر بقليل من الأسف".
قالت آري بنبرة حادة: "أحقاً؟ أنا سعيدة لأن مجموعتهما الصغيرة تتداعى من حولهما".
"أجل، لكنك لا تزالين ساخطة لأنهم أحرقوا دفتر رسومك".
تأففت آري: "يستحقون أكثر من مجرد صداقات محطمة نظير ذلك".
صعب التيقن مما إذا كان دان يحملق أم لا، لاسيما وعيناه مثبتتان بفضل تلك الإطارات.
"لقد رميته بنفسك".
"حين أرميه، لا يعني هذا أن يحق لهم تدميره".
"ماذا كنت تنتظرين إذن؟ ربما لم تريه جيداً بما يكفي، لكن لا أحد ينكر مقدار الجهد الذي بذلتيه في تلك الصفحات. ولن يفوتوا وسيلة تقديم قربان بهذه الجودة".
قطبت جبينها: "لم أصنعه لأجل التقربان".
رفع دان يديه كأنه يلوح بإشارة تعني، ولهذا السبب تماماً. راقبت نيكسيل باهتمام الثنائي وهما يواصلان المشاحنة. لم يلحظ أيهما أنهما تجازوا توترهم. استقرت أيديهما. تساءلت عما إذا كان بمكانها مداعبتهما بهذا الشأن، أم أن ذلك سيدفعهما مجدداً لدوامة أفكارهما ومخاوفهما. الأفضل التراجع. سرت رجفة عبر الأرض. اهتزت ساقها المعدنية بشكل مزعج؛ إذ افتقرت مفصلة طرفها الصناعي لمرونة الركبة الحقيقية.
من رأى منكم أن ربط قطعة فولاذية مباشرة بالعظم فكرة سليمة؟ خفت صخب الأصوات. وكتلة واحدة، التفت الحشد صوب كومة لحم ترتفع في وسط التجمع. تكلست خيوط وردية وحمراء من العضلات الفقاعية لتتحول إلى جلد رمادي داكن. تشكل عملاق. وبلغ شكله الضخم والمستلقي أمتاراً فوق رؤوس المتعبدين المحتملين. حين كف شكله البشري عن النمو فوق السطح — باستثناء رأسه الذي ظل مدفوناً بإحكام — رفع العملاق يداً.
وقفت امرأة على الكف وكأنها منصة. تعرفت نيكسيل على إيبانورشى من النظرة الأولى. كاد عمودها الفقري الملتوي، التابع لطائفة ملتوي الأجساد، يتوارى خلف ردائها الفضفاض المتدلي من ظهرها المحدب. أمكن للمرء تتبع فقراتها وهي تدفع القماش بمساراتها المعوجة. امتدت ندبة مستقيمة تماماً وسط أنفها وشقت شفتها العليا. ولم تكن سوى خيوط متماسكة بالغرز. ارتفع جانب الشفة المذكورة على نحو غير طبيعي، وبالكوة توارت أسنان ضخمة جداً بالنسبة لفمها.
اتسمت عيناها بالحدة. وحين انزلقتا بلا مبالات على الجمهور، لم يجرؤ أحد على النطق بحرف. أمضت لحظات في ذلك السلم مكتفية بمراقبة المشاركين. استقرت نظرتها مراراً على هذا المريد أو ذاك، دون أن يتبدل تعبيرها. حتى حطت عيناها على نيكسيل. انفرجت الشفاه عن ابتسامة، كاشفة عن ثمانية أنياب طويلة متداخلة تليق بفك تمساح. متوحشة، قاسية، ومتأججة. كانت مفترسة تستعد لصيدها. تراجع عدد ليس بالقليل من المراهقين خطوة إلى الخلف خوفاً عند رؤيتها، غير أن إيبانورشى لم تعرهم بالاً.
استدارت لتخاطب الحشد.
"أهلاً بكم!"
كانت نبرتها خشنة لكنها مفعمة بالحيوية. كأن حنجرتها تضررت ولم تتعاف تماماً... أو الأرجح أنها عدلتها بنفسها.
"إن لم تكونوا تعرفونني بعد، فأنا إيبانورشى. من العقيدة الثامنة ملتوي الأجساد، وبصفتي الرسمية المشرّعة لاختباراتكم. أثق بأنكم تتوقون للبدء، ولا يعنيني الإشراف على أي شيء سوى الاختبارات الفعلية، لذا سأترككم مع مريدي الأول".
قفزت إيبانورشى من اليد المرتفعة وتوارَت بين الحشد. وارتفعت ذراع ثانية تحمل رجلاً بدا أنه مريدها. لم تكترث نيكسيل بما قاله. فقد انشغلت تماماً بالقلق حيال النظرة التي وجهتها لها منتمية العقيدة الثامنة. أتعرف شيئاً؟ أأخبرها سولان، أم أنها اكتشفت طفراتها بنفسها بطريقة ما؟ لم يكن هناك شك في أن تلك النظرة كانت موجهة إليها وحدها. معظم المحيطين بها راحوا يحدقون في جريف — ظانين أنه هو من استدر تلك الابتسامة الخبيثة — لكن نيكسيل كانت تعلم الحقيقة.
وعند طعم الدم، أدركت أنها تعض شفتها مجدداً. أجبرت قلبها على التباطؤ، ولم تترك لعقلها خياراً سوى الاسترخاء. لم تكن إيبانورشى تعلم أسرارها بالضرورة. وما لم تثبت ذلك بما يتجاوز نظرة وابتسامة، فلن تستنتج نيكسيل أموراً مسبقة. لم تكن هذه المرة الأولى التي ترمقها فيها تلك المرأة. فعندما كانت تختبر قدرتها على تفعيل اللعنات، نظرة المتبعة صوبها وأفزعتها. ظنت حينها أنها كُشفت.
والأمر يشبه تماماً ما يحدث الآن. أتقع هذه تحت قدرة مرتبطة بالاسم؟ أرغمت نيكسيل نفسها على الالتفات، وبدت عيناها في البدء عاجزتين عن التركيز، لكنها لاحظت عرقاً غزيراً يتصبب من كثيرين بين الحشد. واشتد شحوب البعض، سيما من تلقوا دعماً ما من الطوائف. كأنهم ظنوا أيضاً أن أمرهم انكشف. كان تخمين نيكسيل الأرجح أن قدرة ملتوي الأجساد تبث رعباً غريزياً وشعوراً بالوقوع في الزاوية.
كم شخصاً سيرتكب الأخطاء حين يوقن بأن أعمق أسراره مكشوفة؟ إذن، أبتسمت إيبانورشى بالفعل بعد النظر إليها، أم كان ذلك مجرد خداع لعقلها؟ من لم يكن لديهم ما يخفونه راحوا يحدقون بدورهم في جريف، لذا غالباً ما كانت ردة فعلها حقيقية. حسناً، هذا إن لم يعجزوا عن استيعاب التغييرات التي طالت زميلهم القديم في القسم. أتذكرها المشرّعة منذ أشهر مضت؟ أملت نيكسيل ألا يكون الأمر كذلك.
كادت تضبط وهي تلمس بيمناها المجازية روح المرأة. ولا شك أن ذلك لن يضعها في مكانة جيدة لديها. فلم تكن بحاجة للحذر من هجمات حداد اللحم المبكرة فحسب، بل وربما تحاول المشرّعة ذاتها عرقلة طريقها الآن؟ حالما ينتهي كل هذا، حبذا لو لا يملك عبدة التكنولوجيا أي شكاوى. كان مساعد المشرّعة مستمراً في الحديث، وحتى تفوتها المزيد، أنصتت نيكسيل.
"... أربعة. أي شكل من أشكال الغش — سواء كان تخريبًا أو تلاعباً أو سرقة — سيُقابل بعقوبات يدفع ثمنها أي طائفة تختار ضمكم. وقد تصل هذه العقوبات، المقررة باتفاق بين الممثلين، إلى عشرة آلاف وحدة دينار بلازما. لا تغشوا إن كنتم تريدون مستقبلاً".
بالنسبة لملتوي الأجساد، بدا المشرّع المؤقت قليل التغييرات البصرية بشكل مفاجئ. خلا وجهه من أثر الغرز. ولم يضغط أي جزء من جسده على ردائه بأي شكل غير طبيعي. وبطبيعة الحال، لا يعني هذا أنه لم يخف شيئاً. على غرار إخفاء نيكسيل لأجنحتها ومجساتها، لا سبيل لمعرفة ما يتوارى بالداخل. وثمة حدود بالطبع. فلن يخلط أحد بين لحم ملتوي الأجساد وطفرات نيكسيل. الفارق جليّ. وغالباً ما يحرص ملتوي الأجساد على إظهار ذلك لتجنب تهم الجنون.
غير أن الفارق الأهم يكمن في مدى استعداد ملتوي الأجساد لابعاد أشكالهم عن الهيئة البشرية. إنهم لا يفعلون. فلن يعمد ملتوي الأجساد أبداً إلى تطعيم أجنحة بأجسادهم. ولن يفكروا قط بحياكة مجسات حيث لا ينبغي أن توجد أبداً. وعلى الرغم من اختلاف الطفرة الملعونة والتعديل المثبت جوهرياً، كالمخلب والسكين، إلا أنهما يشتركان في سمة واحدة: كلاهما يجلب الجنون. أو هكذا المفترض. كانت نيكسيل الاستثناء، لكن في معظم الحالات، كان الانحراف عن الشكل البشري يهوي بعقولهم انعكاساً لغياب الإنسانية في أجسادهم.
"القاعدة الخامسة. تسري حصراً على الاختبارين الأولين. لا قتل. ستناقش المشرّعة إيبانورشى تفاصيل المشاركين الراغبين بالخوض في اختبارات النذير".
وصل صوت المريد إلى الحشد الواسع بسهولة. أقدرة؟ أم طقس؟ أم نوع من التحسين في أوتاره الصوتية؟
"السطة. الفشل بإجماع الآراء في أي اختبار مفرد يسلبكم الحق في التقدم للتالي".
راحت نيكسيل تنصت بشرود، دون قلق مبالغ فيه. فحتى بغياب طفراتها، ستكون الاختبارات الأولى يسيرة طالما حذرت الأساليب الملتوية للمشاركين الآخرين.
"سأعرض عليكم الآن مجموعة تحديات هذا العام، وأمنحكم دقيقة للاختيار"، وتابع: "تحدي الإخلاص، الذي سيختبر ولاءكم للطائفة المختارة؛ وتحدي المساعد؛ لمن يرغب بسلوك درب الاستدعاء أو الأتمتة، بغض النظر عن الوسيلة؛ وتحدي الطقوس، للتعبير عن خبرتكم الناشئة؛ وتحدي المعلومات؛ جمعاً وتخزيناً وتواصلاً".
تابع ملتوي الأجساد سرد نصف دستة تحديات أخرى إلى أن ذكر أخيراً التحدي الذي عقدت نيكسيل العزم على خوضه.
"وأخيراً، تحدي الدفاع عن النفس. إن أمكنكم الصمود طويلاً رغم غياب أي تخصص آخر، فقد تقنعون طائفة بضمكم".
ورغم مدى ملاءمته الواضحة لطالبي النذير، بدت كلماته مشجعة لمن لم يفكروا في ذلك الدرب مسبقاً. كان الأمر منطقياً. فهناك عشرات الآلاف هنا، والنذراء المتفرغون يظلون أقلية. فإن افتقر أحدهم لمواد نافعة، أو لتركيز على تخصص معين، أمكنه إما إبداء الإخلاص والولاء لطائفة، أو إثبات أنه لن يموت أول شبح يعترض طريقه.
"أمامكم خيار واحد. سيستغرق اجتيازكم جميعاً وقتاً، وللحيلولة دون حصد أرصدة متعددة في تحديات مختلفة، بُسّطت العملية. أعلنوا خياركم خلال الثواني الستين القادمة، ثم اتبعوا مرشدكم".
أعلن كثيرون من زملاء قسمها اختيارهم فوراً. وراحت نيكسيل تتابع الأرض وهي تتوهج حمرة بالروناس، قبل أن تتسلق سيقان من اختاروا وتستقر في سوار من الدم المتخثر، شبيه بالقشرة الجافة. ترددت للحظة في حذو حذوهم. اختار الكثيرون تحدي الدفاع عن النفس، لكن بعض من كان ينبغي لهم ذلك، أحجموا. جريف مثلاً. لقد اختار اختبار الطقوس رغم استعداده الواضح ليكون نذيراً. ولم يتطلب الأمر سوى لحظة لإدراك الإجابة.
لم يرغبوا في كشف أوراقهم مبكراً. كانت الاختبارات الأولى متاحة لمشاهدة الجميع. وإثبات كفاءة المرء بالدفاع عن النفس لن ينبه المنافسين الآخرين سوى لمن يجب مراقبتهم منذ البدء. هذا عدا عن رغبتهم المرجحة في إثبات قدرتهم على ما هو أبعد من القتال لطوائفهم.
"أختار تحدي الدفاع عن النفس".
لكن لم تكن تلك المسائل تشغل نيكسيل. حبذا لو تقلل من شأن قدراتها، غير أنها لم تختص في أي مجال سوى الطقوس. وستحقق الطقوس نجاحاً سيبعث على المزيد من الأسئلة الملحة. توهجت الأرض من حولها، والتف المسار الأحمر حولها ليستقر في سوار شرع يشدها فوراً. كأنه يقودها لمكان ما. ولولا سوار ذراعها الأخرى، لساورها القلق من اكتشاف من ألقى هذا الطقس لكيان يديها. لم يختر أري ولا دان خيارهما بعد.
حذر المبدل المؤقت: "ثلاثون ثانية".
رفعت نيكسيل بصرها نحو الرجل الواقف بعفوية على يد العملاق. بدا غير مبال بتاتاً بالوضع برمته. ماذا عساها تتوقع من التحدي؟ لن يكون شديد الخطورة، أليس كذلك؟ فأغلب المشاركين المتوقعين مراهقون غير متطورين يملكون مادة واحدة فحسب. ومع رفع بصرها لأعلى، رصدت تبدلاً في السماء فوقها. طفيفاً. وبالكاد يُلحظ. وفي ظل توهج قرص التراكم كعادته، لم تدر نيكسيل حتى كيف انتبهت له، لكنها حين حدقت في الحدقة بالأعلى، استحال عليها تجاهل ما شاهدته.
خاتم النجوم داخل القزحية العظمى... كان يدور.