حين تخيلت نيكسيل لقاءها بالصبي الواقف أمامها، لم تتوقع قط أن يكون غاضباً منها. كان من الطبيعي أن ينزعج من ذهابها لقتل كيتان دون إشراكه وأري، لكن مع مضي هذا الوقت الطويل، كان عليهما تجاوز الأمر. في أسوأ الأحوال، ظنت نيكسيل أنهما نسيا أمرها. أو أنهما لم يعبآ أصلاً باختفائها. فهما طيبان، لكن تعاملهما معها لم يدم سوى أسبوع واحد في النهاية. غير أن دان كان هنا، يرمقها بنظرات حارقة كأنها طعنته.
صاح متهماً: "لقد اختفيت. أين كنت تختبئين بحق الجحيم؟"
أجابت: "كنت عالقة في النجم المظلم".
كانت تلك هي الجزئيّة التي لا تستطيع الكذب بشأنها في قصتها. فاختفاؤها يتطابق تماماً مع الحدث لدرجة يستحيل معها ادعاء أنها كانت في أي مكان آخر. لم يتبدُ على دان أي تفاجئ.
قال: "إذاً ما كان يجب أن تحي أحداً. لم ينج قط أحد دون تطوره الرابع في الداخل. وأنتِ..."
ترك بقية الكلام معلقاً. ما زال دان يراها الفتاة الضعيفة الملعونة.
عارضت: "أري نجت".
التوت حاجباها المعقودان في حيرة.
رد: "لم تكن في الداخل أبداً".
آه، صحيح. لا أحد يعلم أنها احتجزت داخل حدث النجم المظلم مع خاطفيها.
تابع دان: "أما أنتِ. بعد أن نقلونا إلى العنبر الجديد، لم تظهري قط. قتلتِ كيتان. كان يجب أن تعلمي خطورة البقاء في الخارج بينما لدى صانعي اللحم دخان في آذانهم. كان تصرفاً غبياً. كنت غبية. من البديهي أن يقع مكروه".
تابعت نيكسيل الصامتة دان وهو يزفر فيزول غضبه. كان غضبه موجهاً نحو تعريض نفسها للخطر طوعاً، لا منها شخصياً. وعلى الرغم من أن غضبه نشأ عن جهل بظروفها، إلا أن حرصه مس قلبها. تفحصها دان بنظرة سريعة وقد بدا هادئاً الآن. استقرت نظراته مطولاً على ذراعها المفقودة قبل أن يلاحظ خلو إحدى ساقيها من قدمها.
سأل: "ما الذي حدث لك فعلاً؟ ظننا أنهم اختطفوك قبل تفجير معزلهم، لكن إن كنت في حدث النجم المظلم... فكيف نجوت؟"
ابتسمت وقالت: "بقليل جداً من النوم".
لم تكن متأكدة من حجم ما يمكنها البوح به، سيما أن فالورا كانت لا تزال تستمع إليهن من جانبها. التفتت نيكسيل حين سمعت المرأة تغلق ميكروفون نظام الإذاعة الداخلية. لقد ملكها ظهور دان المفاجئ عن ملاحظة حديث المرأة.
قالت فالورا محملقة فيها: "اتصلت بسيلائيل. إنها المشرفة الجديدة لمجموعتك".
عقت نيكسيل شفتها حتى سرى طعم الدم على لسانها. رفعت يدها فوراً لتغطية القطرات المتسلسلة. فكون أسنانها تبدو مسطحة لا يعني أنها كذلك حقاً. عليها توخي المزيد من الحذر. بدا اسم المشرفة الجديدة مألوفاً، لكن نيكسيل عجزت عن تذكر مصدر معرفتها به.
تابعت فالورا: "قد لا تجدين غرفتك كما تركتها، لكنني واثقة أن سيلائيل ستدبر أمرك".
أردفت: "أه، لست هنا للبقاء. أنا في كَنَف حماية... تارتشون، في الوقت الحالي".
اضطرت لضبط لسانها لمنع نفسها من نطق الاسم الذي نادى به تاسترانلوفر تارتشون. لقد قدم نفسه بلا نبرات؛ لذا رجحت نيكسيل وجود سبب يمنع إفصاحه عن رتبة تطوره. مع ذلك... كان مذهلاً بلوغه تطوره التاسع. ظنته في لقائهما الأول في التطور السادس أو السابع، وبدا ذاك وحده مبعث رهبة أمام قوته.
مالت فالورا برأسها: "حماية؟"
"أنا شاهدة على النجم المظلم. الوحيدة التي ليست صانعة لحم".
أردفت غاضبة: "أولئك الأوغاد..."
توقفت فجأة، لكن مقصدها كان واضحاً. للأسف، فحتى مع أمان العنابر، لا يعتبر شتم الطوائف تصرفاً ذكياً البتة. عبست فالورا متجاوزة إياها وداناً بعينين زائغتين نحو النوافذ.
"لم تأتي وحدك، أليس كذلك؟"
حاولة نيكسيل تفادي نظرات المرأة الحادة. أدركت ذلك حين عادت بالزمن، لكن غرابة الأمر ظلت قائمة؛ فكيف يمكن لسكان العنابر أن يحملوا هذا القدر من الاهتمام والقلق على الآخرين؟ قد يوصف بقية سكان كورال هذا التصرف باللين، لكن لا مناص من أن وطنهم سيغدو مكاناً أفضل لو تشبه الجميع بالمشرفين... بافتراض قدرتهم على حماية أنفسهم. فالقاطنون في العنابر طويلاً لم تكن لهم قوة قط. تململت نيكسيل تحت نظرات المرأة الفاحصة.
لو واجهت شخصاً يريد إلحاق الأذى بها أو استغلالها، لاستطاعت الوقوف وتحديه بشراسة تعجز عنها أي فتاة في الخامسة عشرة — أو السادسة عشرة؟
— من عمرها.
شراسة يعجز عنها أغلب أفراد الطوائف عموماً. أما أمام من يُظهر الاهتمام صادقاً، فلم تدرِ كيف تتصرف. لحسن الحظ، لم تضطر للإجابة. جذبت جلبة قادمة من نهاية الممر انتباه الثلاثة، ولم تمضِ لحظات حتى شاهدوا مجموعة صغيرة تركض باتجاههم. وجدت نيكسيل نفسها محاطة في ومضة. لم تلاحظ أري إلا قبل ثانية من وجه لفت به الفتاة ظهر يدها بقوة على كتفها، قبل أن تلقي بنفسها حاضنة إياها. وكما حدث في المرة السابقة، شعرت بعدم ارتياح لهذا العناق، لكنها بذلت وسعها لتبادله بذراعها الواحدة.
صاحت: "كنت أعلم أنك لم تموتي".
تصلبت نيكسيل تحت نظرات عشرة أطفال آخرين وعدد من المشرفين المتابعين وقد علت وجوههم علامات الصدمة. تعبيرات من اعتبروها ميتة وعجزوا عن استيعاب وقوفها هنا حية. كان هذا الموقف برمته عصياً على تحملها. فلم تكتفِ أري بإحكام قبضتها عليها — إذ لم تظن قط أنها بلغت هذا المبلغ من القرب من الفتاة — بل وجدت نفسها محاطة بأناس يبدون... سعداء بنجاة شخص ظنوه هلك. أمر غير مألوف في كورال البتة.
لقد فرحوا لنجاة من حسبوها هالكة، حتى وإن كانت نيكس، الفتاة الملعونة. يا للأسف لعدم انطباق هذا الأمر على بقية الضحايا الذين اختطفهم كيتان.
أجابت: "أجل، أنا حية. وأجل، كنت عالقة في النجم المظلم. وأجل، صانعو اللحم هم من تحملوا الوزر".
كانت ستغتنم أي فرصة لإلقاء اللوم عليهم. لم تجد نيكسيل غضاضة في ركل الساقط طالما كان طائفياً. وصانع لحم تحديداً.
"لكنني لم آتِ لأعود. جئت اليوم خصيصاً لمحادثة أري ودان".
تقدمت إحدى المشرفات متحررة من صدمتها قائلة: "نحن نفهم، وسنترك لكما مساحتكما".
التفتت لتحث المراهقين على التراجع. تذكرت نيكسيل أخيراً أنها المرأة الأولى التي هرعت لنجدتها حين دخلت حوض الاستحمام بدائية تبدو أقرب للدم منها للبشر.
"ونيكس، غرفتك ما زالت هناك إن أردتها. أنا سعيدة لسلامتك".
عرض دان بعد أن كفت أري عن التعلق بها: "إن أردت الحديث على انفراد، فلا مكان أكثر عزلة من غرفتك".
أومأت نيكسيل ثم توقفت.
"انتظر، ألا يعني هذا أن أحدهم استخدم غرفتي لـ...؟"
أجاب مقلباً عينيه: "لا. فوصمة لعناتك حالت دون ذلك. على الرغم من تطهير العنبر بأكمله، ما زال البعض يؤمن بأن لعناتك عالقة بالجدران".
علقت: "هذا مريح إذن".
لنقل إنه تشاؤم غير منطقي... لو لم يكن الخطر حقيقياً إلى حد ما. لقد تسببت نيكسيل بنجمين مظلمين جراء أعماق لعنتها وحدها... ولا أسباب لديها تمنعها من خلق المزيد. تركوا فالورا وبعض الفضوليين خلفهم في قاعة المدخل. شعرت المرأة بخيبة أمل لرحيلها دون الإجابة عن ألف سؤال، لكن نيكسيل لم ترغب عناء نسج الأكاذيب لكل مستمع. بينما قادها الثنائي في ممر فئتها العمرية، فكرت نيكسيل فيما تخبرهما به.
لم تستطع قول كل شيء. لا طفراتها، ولا حقيقة امتلاكها لخبرة تقارب عشر سنوات تفوق أعمارهم، لكنها أرادت شيئاً من الصراحة. لقد بدا البوح بالحقيقة لتارتشون... مريحاً. فقد تبخر ضغط إبقاء كل شيء طي الكتمان. ليس فوراً، لكن بعد قضاء يوم كامل في استيعاب الأمر، أدركت كم كان ذلك محرراً. أرادت الشعور ذاته مع هذين الاثنين. كان عدد رفاقها في العنبر أقل بكثير مقارنة بـ — منذ متى يُفترض أنها غابت؟
— ثلاثة أشهر مضت.
لكن ذلك كان متوقعاً. فقد ظفر بعضهم بمواقع داخل الطوائف وباتوا مكلفين بمهام تضمن لهم كسب مكانتهم. عبست نيكسيل مطرقة ببصرها نحو مشابك دان. حتى هو حاول الانضمام إلى إحدى الطوائف. لم تكن تلومه على ذلك، رغم رغبتها الشديدة في انتزاع تلك النظارات المقيتة وإجباره على توقي الخطر. فآخر ما تريده هو أن يتحول إلى عدو لها. على الأقل، لم تظهر أري ما يشير إلى صيرورتها تابعة. تمنت نيكسيل بقاء الأمور على حالها.
تماماً أثناء سيرهم في ممر مهاجعهم، سمعت نيكسيل صريف باب فانفتحت. أطل برأسه ملقياً نحوها نظرة حاقدة جعلتها تتساءل عما إذا كانت قد قتلت حيوانه الأليف في مرحلة ما؛ كان كال. ذاك المتنمر الذي اعتاد التملق لغريف على الدوام. مالت نيكسيل برأسها نحوه باستفهام، ولم تتلقَ رداً سوى صوت إغلاق الباب بقوة.
سألت: "ما به؟"
أجاب دان مطلقاً نظرة سريعة نحو الباب: "لا أعرف. لقد بدا متجهمماً ومنعزلاً مؤخراً، لكنه ليس عدوانياً كعادته. هل أسأله عما فعلته به؟"
هزت ركتها نافية وهي تدخل غرفتها القديمة. بدت غريبة عليها. السرير نظيف وجديد، وخزانتها فارغة. لا بد أن ذلك الرداء الباهظ الذي ارتدته في حفل التسمية قد أُحرق أثناء التطهير. لا خسارة تذكر.
تمتمت: "يبدو العودَة غريباً للغاية".
وثبت أري متجاوزة إياها لترمي بنفسها على سرير نيكسيل. جلس دان أمام ساقي الفتاة، بينما فضلت نيكسيل الوقوف. أدركت عدم ضرورة ذلك هنا، لكن الاسترخاء بات عسيراً متى ما عجزت عن رد الفعل في أجزاء من الثانية. البقاء على قدميها أفضل من ترك نفسها عرضة للخطر.
"إذن أردت التحدث إلينا؟"
تلاشى الغضب من عينيه وبدت كلماته متوترة. ماذا ظنها قائلة؟
"حسناً، رغبت بأن أكون صادقة، وأفضل ألا يسمعنا الجميع ومن يلوذ بهم".
بدا دان متوتراً بحق الآن. أما أري فابتسمت بمكر من خلفه، كأنها أدركت تعابيره دون رؤية وجهه.
"أولاً، أعتقد أن إعادة التعارف أمر ضروري".
هدأت قلبها قسراً. ممتاز.
"أنا نيسكسيل-نوت-ثارين".
رغم أدوات تثبيت جفنيه، نجح دان في توسيع عينيه بشكل ما.
سقط فكه صدمة، وأفلتت شفتاه صرخة مكتومة: "تطوران اثنان؟"
اتسعت ابتسامة أري أكثر.
أعلنت وهي تجلس بحماس: "كنت أعلم".
التفتت نيكسيل ودان نحوها في آن واحد وسألا: "أكنت تعلمين؟"
حكت إصبعها بعنقها محيدة بصرها: "حين... خمنت فحسب".
أشارت نحو ذراع نيكسيل المفقودة، ثم سيفها.
"أعني، انظري إليها. لقد بقيت عالقة في نجم مظلم لمدة ثلاثة أشهر! ونجت! من الطبيعي أن تتطور".
صححت نيكسيل بصوت خافت: "سنتان"، لكنها دهشت حقاً لعدم اكتراث أري.
تابعت أري بابتسامة صادقة: "على أي حال، تهانينا على اجتياز الأمر رغم اللعنات. أتمنى لو أقول إنني آمنت بذلك دائماً، لكن، أه، أشك في أنني الوحيدة التي اعتبرت الأمر مستحيلاً".
هز دان رأسه ملتفتاً مجدداً نحو نيكسيل، محركاً فكه كعاجز عن إيجاد الكلمات.
"بتطورين اثنين بالفعل، ستكونين مرحباً بك في أي طائفة ترغبينها. سيفضل معظمهم قتل أنفسهم في سبيل كسب تابعة بهذا المستوى الواعد. ألديك أي فكرة عن الطائفة التي ستختارينها؟"
لا. كادت الكلمة تفلت من شفتيها رد فعل أعمى. لكن تلك لم تعد الحقيقة، أليس كذلك؟
أعلنت أخيرًا مستوعبة بعمق أنها لتحطيم الطوائف، لابد لها من الانضمام إلى إحداها: "طائفة التكنولوجيا. علي إثبات نفسي أمامهم".