بدا أن ظنّ نيكسيل بأن موهبتها ستكون الاسم الجديد الوحيد الذي تستطيع الاعتماد عليه كان خاطئاً. أو، على الأقل، لم تكن عديمة الفائدة بالقدر الذي ظنّته. بقي جسدها نحيلاً كما هو، لكنها حين دفعت الأرض بقدمها، قفزت أبعد. وحين لوّحت بذراعها، تحرّكت أسرع. كان الأثر جليّاً. ورغم أنها لم تلاحظ الفوائد الطفيفة لبعض الإضافات إلا حين صدمتها بقوة، فقد كان هذا تغيّراً ملحوظاً مقارنة بيوم مضى وحدَه.
بقفزة قوية عن جانب مكبس متحرك، لوّحت بنصلها مخترقة السرب الذي تكوّم خلفها كالسيل. وحدها سحابة دخانية سوداء متقطعة أعلنت هلاك صغار الزاحفات. ونظراً لقلة العدد، يُرجح أنها قضت على بضعة منها فقط. وعلى ضآلة العدد، لم تحقق ذلك إلا بفضل توقيت موهبتها الموجّهة. عُرفت الزاحفات بصعوبة القضاء عليها حين تتجمّع. قبل أن تتمكن نيكسيل من تجاوزها بالكامل، تفاعل سرب الظلام وأسنان الجرذان.
في لمح البصر، انقضت القوارض السابقة عليها. عشرات الأمواج الفوضوية تجمّعت دفعة واحدة لتشكل قمة واحدة غير طبيعية من الأنياب. تفادتها بلا مجهود. جاسمها الآخر، أوسول، لَوى فقرات ظهرها لتتفادى الرمح الذي كان ليخترقها لولا ذلك. لم تحظَ به إلا أثناء قتالها مع كايس، لذا لم يكن مستعداً للتطور بعد، لكنها عرفت أنه سيصبح جزءاً جوهرياً من روحها في المستقبل. هوت بذراعها مصطدمة بكتلة معدنية في الأعلى، فانقلبت وهبطت على قدميها، متعثرة بخفة بسبب الافتقار المزعج للمرونة في ركبتها المعدنية.
سيتعين عليها ثنيها بنفسها مستقبلاً. بعد قضائها وقتاً طويلاً في القتال مستعانة بأجنحتها، غدا أسلوب قتال نيكسيل أسلوباً بهلوانياً بالكامل. هجمات برأس رمح وانقلابات. الكثير من الانقلابات. فوجود أجنحتها في مركز كتلتها شجعها على هذه الطريقة. وحتى بعد اقتلاعها أو ربطها تحت حبلها، أصبح الأسلوب طبيعة ثانية. لم يكن، لمفاجأتها، بالفعالية نفسها بلا أجنحتها. كانت موهبتها تصرخ في وجهها كلما انقلبت وأدارت ظهرها للزاحفات.
لم تفعل ذلك من قبل قط. أرادت أن تفعل ما ترشدها إليه، لكنها أرادت أيضاً الحفاظ على طريقة قتالها قريبة إلى حد ما بين وقت ظهور طفراتها ووقت غيابها. فضلاً عن ذلك، لم يكن لديها الوقت للتخلص من كل العادات الراسخة وتعلم أسلوب ثانٍ. الأفضل هو تكييف ما تعرفه فحسب. قفزت نيكسيل إلى الأمام مجدداً. تعزيز قوة ساقها لم يسرِ على الطرف الآلي، لكن بما أنه كان الطرف الأقوى بالأصل، فلم يهم الأمر كثيراً.
ما دامت مستمرة في الحركة، فلن تحاصرها القوارض التي اندمجت لتشكل كتلة مبهمة. وسط كل تلك الآلات حولها، لم تكن تثق بأن المكان الذي تضع فيه قدمها لن يتحول بغتة إلى منشار ليقتلعها. إن خسرت قدمها الأخرى، فقد تفكر حتى في تحوير قدميها اللزجتين. فهما لعنتها الرئيسية التالية، بعد كل شيء. ... لم تكن تريدهما حقاً الآن. بقدر ما تقبلت نيكسيل طفراتها، كان بالإمكان الاستغناء عن قدمي الوحل، لعمرها.
تخيل أن تمتلك ألسنة في مكان مشيك. لم يكن الأمر سيئاً لتلك الدرجة بالضبط، لكنه لم يكن يوماً تجربة سارة أن تتذوق باستمرار الجانب الداخلي من الأحذية المعدنية التي قيّدت بها. قبل أن تضرب، التقطت عيناها انفصال محرك يدور. بلا خيار آخر، تخلت عن هجومها. استقامت نيكسيل وحلقت فوق عجلة متحركة بينما مزقت معدلات دورانها الفاحشة المخلوقات تحتها. حسناً، لكانت فعلت، لو كانت قوارض عادية.
عوضاً عن ذلك، تصاعد دخان فقاعي لزاحفة واحدة فقط من بين الكتلة. لم تلمس قدما نيكسيل الأرض بعد حين طالبتها موهبتها برمي سيفها. أزعجتها جهود توجيهها، ورفضت الخيار فوراً. ترمي سلاحها؟ في هذا الموقف؟ كيف ستستعيده من السرب؟ كان النصل قوياً، لكنها لم تظن أنه أفضل بكثير من أي شيء قد يصنعه تارشون. أكان بمقدوره تحمل قوة سحق المكبس؟ سرعان ما مضت لحظة فعل ما أملته موهبتها، وأجبرت نفسها على مواصلة الحركة.
أحاطت بها أسنان تطقطق في تلك اللحظة العابرة. حين لوّحت لتردع القوارض التي كانت تقرض أصابعها بالفعل، شجعها اسمها على إلقاء سيفها الرفيع، لكنها رفضت مجدداً. لمَ كانت تحاول جاهدة حملها على ترك السلاح؟ كانت ترجو حقاً ألا تحاول تشجيعها على استخدام مخالبها. كانت بوضوح السلاح الأفضل، لكنها كانت تحاول إخفاءها. كان عليها تعلم القتال بلا بها. إن لم تستطع موهبتها إفصاح نيتها، فلن تستطيع الاعتماد عليها.
ومن يدري أين ومتى سترشدها بتهور لتكشف عن نفسها. مجرد كون شيئاً ما هو الأكثر فعالية، لا يعني مرغوبيتها على المدى الطويل. هـه، ابتسمت نيكسيل بسخرية. من كان يظن أن الاسم الوحيد الذي ظننت أنه سيعمل سيقدم أقل فائدة. حسناً، من الجيد معرفة أنني لن أكون غير مستعدة كما ظننت، لكني ما زلت امتلك الكثير لأستكشفه. غطست مجدداً في لعبة القط والفأر — حيث كانت هي الفأر تقنياً، رغم أن قطتها كانت كتلة مخيفة من الجرذان الميتة — تقضي على أي منها استطاعت بينما تعلمت استخدام هذين الاسميين الجديدين.
سيتطلب الأمر بعض الوقت.
* * *
مضت ساعة حين تخلت نيكسيل أخيرًا عن اجتثاث صغار الزاحفات وتسلقت ممر السقالات مجدداً. كان هناك نحو مئة من المخلوقات الصغيرة حين بدأت حملة صيدها ضدها، لكن مقابل كل فرد تقضي عليه، كان خمسة يتسللون من الأطراف ليضافوا إلى السرب. بحلول النهاية، أقسمت أن العدد بلغ ألفاً تقريبًا، وأصبح التحرك شبه مستحيل دون دوس كتلة الأسنان والتعرض للقضم حية. كانت المئة صعبة لإنزال أي ضربات.
وكانت الألف شبه مستحيلة. كانت تنزف بالفعل من رأسها حتى أخمص قدميها بسبب اللدغات لا حصر لها التي تلقتها. لم تستطيع نيكسيل تخيل قدرة أي شخص على مواجهة أسراب الملايين في الأقسام الحجرية المعزولة لـ كورال. لا، كان ذلك خاطئاً. استطاعت التفكير في واحد. السلاسل الجبلية التي مزقت حوتاً مصوغاً من لحم كأن لا شيء فيها ظلت عالقة في ذهنها. لو كانت القوارض مادية كما هي فرادى، لما واجهت نيكسيل أي مشكلة على الإطلاق.
لكن مع مرور الوقت — وزيادة عديد الصغار — وجدت صعوبة لا تنتهي في ضرب الأجسام المتموجة التي ظهرت. لكان الأمر بالغ السهولة لو تطلبت تلك الأسنان السمينة للجرذان أن تكون صلبة لتغرز في لحمها. حسناً، على الأقل تعلمت لمَ ظلت موهبتها تحاول حملها على رمي سلاحها. بدا أنها كانت تتكيف مع ميلها للاندفاع كثيراً في القتال. وابتدرت الاعتقاد بأن تعليمها رمي نصلها فكرة جيدة مادام القتال يمكن التحكم به.
لم تصل إلى هذا الاستنتاج إلا لتوقفها عن المحاولة كلما كبر السرب. لم تستطع رمي سلاحها إن عجزت عن استرجاعه، بعد كل شيء. لم يكن... الأمر تمامًا مما ظنت أن موهبة ذات سمعة طيبة ستعلمه إياها. رمي السلاح في منتصف القتال وصفة للكارثة. سيتعين على الخصم ببساطة إبعاده عن متناولها، أو استخدامه لإيقافها حين تندفع لتلقيه. نأمل أن يكون هناك سبب وراء هذا التراجع. خطت نيكسيل نحو باب غرفة التحكم في مركز المصفاة القديمة واثقة بنفسها بأضعاف ما كانت عليه قبل ساعة فحسب.
كانت مرتاحة، وعلى ثقة بأن الظفر بالنصر في التجارب ليس مستحيلاً. إنهم أطفال. حتى وإن لم تحسب وقتها المحبوسة بين الطوائف، كانت نيكسيل تمتلك بالفعل خبرة عامين ومجموعة من التطورات يحسد عليها لاسمها. قد لا تتمكن من كشف كامل إمكانياتها، لكن بمعرفتها أن أسماءها ليست مرتبطة بطفراتها وحدها — حتى وإن وضح انحياز جلي — استطاعت نيكسيل التقاط أنفاسها والسماح لنفسها بالاسترخاء.
لن تتوقف كلياً. ولا تستطيع. فهذا لن يعدو كونها ذروة الصلف، لا سيما بالنظر إلى حتمية اكتشاف الطوائف لطفراتها. لا يمكن لتارشون والتكنوتائفة حمايتها من الجميع. مع ذلك، بعد كل هذا الوقت من الحركة والقتال والتوتر بلا انقطاع، سكون الأفضل لو أبطأت سرعتها لفترة. ...حتى وإن بدا ذلك مستحيلاً. انفتح الباب من تلقاء نفسه قبل أن تبلغ المقبض حتى. لم يفعل ذلك في أي من المرات الأخرى.
حين مشت إلى داخل الورشة الواسعة خادعة البصر، وجدت حقاً أن التكنوتائفي الضخم لم يكن يقف خلف الباب. لا بد أنه أضاف نظاماً لفتح الباب تلقائياً. إلا إن كان موجوداً من الأساس، وقرر للتو جعله يتعرف عليها. بالداخل، لم يكن تارشون في أي مكان مرئي. اندفعت عبر الأرضية وأطلت على الغرفة التي تحوي كرسيّه المائل نصف المريح وشبه الآلي، ولم تجده موصولاً. لا بد أن الرجل غادر بينما كانت مشغولة بالأسفل في عرين الزاحفات.
شقّت نيكسيل طريقها مجدداً عبر صف الطاولات، متجهة أولاً نحو الرف الخلفي الذي يحوي القوالب. انتزعت واحداً من كومة، وتركت حمضها يعيث فساداً ببعض القطع المقصوصة، باذلة جهدها لتتجاهل الطعم. لكان أمراً رائعاً لو التقط تارشون بعض الطعام المعقول، لكنها كانت جائعة، ولم تكن لتوقف أنفاسها انتظاراً. وبينما كانت تقرض القالب مثلما فعل صغار الزاحفات بأصابع قدميها، تجولت نيكسيل نحو الطاولة التي عمل عليها تارشون قبل رحيله.
قد يبدو الأمر أحمق بعض الشيء، لكنها فضلت معرفة إن كان بإمكانها وصل ذراع أثقل من جسدها به وما زالت تجعلها تعمل. عوضاً عن ذلك، لم تجد القفاز الضخم الذي عمل عليه تارشون، بل مجموعة رفيعة من الأنابيب المتصلة. طرفاً صناعياً. وبنفس أسلوب التصميم البسيط لساقها. وبجوارها، كانت هناك رسالة. تتذكرين الطقس، أليس كذلك؟ إذن... تلك إذن لتضعه على نفسها، أليس كذلك؟ نقرت على مزلاج معدني صغير في أنبوب العضد، ووجدت شمعة متطابقة موضوعة في الداخل.
حسناً، ما دام قد بذل جهد تركه لي، فالأفضل أن أفعله. رافعة كمها، بدأت نيكسيل تدندن الترنيمة القصيرة التي سمعت تارشون يتلفظ بها بنبرة رتيبة. ربما تجد أثراً أعظم عبر تضمين النغمة والإيقاع، لكن طقوس التكنوتائفة تدور برمتها حول الاتساق... ولم تكن متأكدة برغبتها تغيير شيء ما حين تعتمد آلاتهم على النتائج المتوقعة. لذا رغم رغبتها بمنح الطقس بعض... الألق، تراجعت وتلفت بالطقس بذات النبرة المملة التي استخدمها تارشون.
كان شعورًا مقلقاً للغاية، أن ترى جلدها وعضلها ينطويان بعيداً لتقبِّل ربط الفولاذ بالعظم. في السابق، استطاعت دفع الأمر خارج ذهنها مع كل تجربة جديدة لذلك اليوم، لكن القيام به بنفسها كان مزعجاً. كانت العملية مؤلمة حينها والآن، لكن على الأقل حين فعل تارشون ذلك، لم تكن هي من اضطر للدفع. حين غُرس المعدن في العظم، أطلقت نيكسيل قشفرة لا إرادية. كان الطقس التالي أسهل. مجرد إشعال الشمعة، وقول بضع كلمات، لتستطيع فجأة تحريك الذراع المعدنية.
وكما حدث مع الساق، لم يكن هناك شعور عائد. فقط الأوامر المرسلة إلى الخارج. لكن على عكس الساق، شعرت نيكسيل بالغثيان وهي تنظر إلى البديل المعدني. ساقها، لم تبالِ لأجلها. في ذهنها، أصبح الطرف بالفعل من مخلفات الماضي. ضرورياً لوضعها الحالي، لكنه في النهاية شيء مصيرها الاستبدال. لم تستوعب مشاعرها حيال هذا حقاً إلا حين وقعت عيناها على الذراع الآلية التي تتقلدها الآن. كان الأمر خاطئاً.
أتريد كتل المعدن هذه محاكاة دور يدها والقيام به؟ قط. لن تستطيع تشويه جسدها بنسخة هزيلة للمخلب الذي تواجد هناك يومًا و لو لمليون عام. في نوبة غوغائية من الغضب بلا مصدر، تحولت يدها الكيتينية إلى مخالب وانطبقت بقوة على الذراع الفولاذية. ذراع نيكسيل منذ ثانيتين فحسب قُطعت. من الأصابع الحلقية المفصلية صعوداً حتى النقطة حيث انتهى كيتينها، أزالت الهرطقة.