متجمدة. عجزت عن الحراك. لم تملك نيكسيل سوى التحديق في تلك المقل الزجاجية الفائرة. كان تارشون يقف فوقها، شامخاً في المدخل. تردّد صدى طنين خافت من صدره، كأنه زئير وحش ضارٍ. مضت سنوات منذ آخر مرة رأَت فيها مهووس التكنولوجيا، لكنه لم يبدُ متغيراً البتة. كشفت حلقات معدنية تنبت من جلد فكه أن عظمه بالكامل قد استُبدل. مع أنه بدا صعب التعرف إن كان قد استبدل جمجمته كلياً بالآلات.
اصطفّت الحلقات المعدنية تماماً مع الأسنان البارزة من صفيحة معدنية تبرز من ترقوته... أو هكذا بدا موضع العظم المفترض. بينهما، كانت رقبته كتلة من الأنابيب والأسلاك، مجدولة في قنوات غليظة. توارى صدره العريض باحتشام خلف رداء أسود ورمادي ملطخ بالزيت، لكن نيكسيل رجحت أنه آلة خالصة تحته. من قصبة ساقه إلى الأرض، اتسعت ساقاه لتصيرا حذاءين فولاذيين غليظين، بدا أقرب إلى سندانات الحداد منه إلى أي شيء بشري.
لعل الرجل كان ليتلقى ضربة من تلك الأسماك الكبيرة ولا يتحرك قيد أنملة. لكنها شعرت باليأس حقاً حين انزلق لمسها الأثيري على اسمه. بعدما شاهدت اسمها يتقلب، أدركت أن عدد المكونات لا يدل مباشرة على قوة المرء أو تطوره. تلك المكونات قد تتشعب إلى أكثر، أو تندمج في كتلة واحدة. ومع ذلك، وحين تأملت الاسم الأساسي الذي يفوق ما يملكه ك'ثورن بعشرات المرات، اتضح جلياً أن تارشون يعلو صانع اللحم بمراحل.
ويعلو نيكسيل بمسافات. ومع حداثة التحولات في ذهنها، سارعت لتفحص ما أرادته لجوهرها إن كان قد نجح. انتزعت إحساسها عن اسم مهووس التكنولوجيا الماثل أمامها، وغاصت في صدرها. وحين ظهر جوهرها الملعون في عقلها، مرّت على السطح، تتحسس الشقوق الصغيرة التي شعرت بها سابقاً دون أن تجد سبيلاً لتفسيرها. توقفت نيكسيل عن التنفس. لقد نجح الأمر. وبمجرد التماسها الخفيف لأول شق، ظفرت بأدنى مؤشر عما يتوارى تحته.
لقد كان تطبيقاً للطريقة التي شرعت بها في تمييز اللعنات لدى الآخرين، لكن على نفسها. لم يكن الإפיاس غاية الوضوح. كانت تستند إلى جدار وتحاول اختلاس النظر عبر شق لترى ما يقبع على الجانب الآخر. لا شيء تامّاً. لا شيء دقيقاً. ومع ذلك تكونت لديها فكرة عن شكل الطفرة. شيء متعلق بأذنيها. طفرة حسيّة، لا صلة لها بالصوت. ومهما تكن تلك الطفرة، فلن تفيدها الآن، فمضت قدماً. لا بد من وجود طفرة وسط هذا الكم تنجيها من هذا المأزق.
قال تارشون مباغتاً نيكسيل: "لا تحاولي".
كيف درى؟
"لا أعرف ما هي خطتك"
— أوه.
"—لكني أعدك بأنها لن تنتهي بشكل جيد. يمكنني بسهولة إعلان الأمر للطوائف بأنك أنت من أحدث أحداث النجم المظلم".
"لا أعرف عما تتحدث".
بدا لسان نيكسيل ساخطاً على قطب الرأس السابق، إذ نطق بشكل غير متزامن أكثر من المعتاد.
"كيف لي أن أنشئ نجماً مظلمماً؟"
حاولت تقمص دور البريئة بإتقان. لم ينجح الأمر.
"لا تأخذيني أبلهاً".
احتدم الطنين الزاخر.
"لقد وقع الحدث الثاني مبكراً جداً بعد رحيلك ليكون مجرد مصادفة. وبالنظر إلى اختفائك، فأنت إما سقطت في الثقب الأسود، أو علقتِ في النجم المظلم. بالمناسبة، سأستفسر عن كيفية معرفتك بطريق إلى قلب النصوص المقدسة، وكيف نجوتِ على الجانب السفلي من كورال، ولكن ليس الآن".
"انتظر، أكنت تتبعني؟"
قالت الملكة الصغيرة إن أحداً لم يكن يراقبها.
"بعد أيام فقط".
أكان بمقدوره فعل ذلك؟ كيف؟
"عَلِقتُ في نجم صانعي اللحم المظلم، صحيح، لكن لا علاقة لي بالأول".
وبدل أن يتراجع كما ترجت، رمقها تارشون بنظرة جامدة.
"كان دمك في كل مكان".
توجست بلا إرادة.
"حسناً، من يصدق أن بمثل سنّي القدرة على إحداث كارثة كهذه؟"
كان دفاعاً طفولياً، لكنه كل ما استطاعته. ظنّت جازمة أن دمها قد تحور بما يكفي داخل ذلك النجم المظلم ليغدو متعذراً التعرف عليه. هدأ المحرك الدوار في صدره أخيراً، وأطلق صمام على كتفه نفثات من البخار. انفتحت سلسلة مزالج في حذائه، وانزرفت ساقاه للأمام حتى استقر تارشون راكعاً أمامها. انحنى للأمام ليتلمس المجسات المتموجة أمامها بحماية. ارتعشت وتراجعت عن الرجل، لكنها لم تبرح مكانها.
قال: "أأحتاج للقول أصلاً؟"
أطبقت نيكسيل على فكها، فانزلقت أسنان الحلاقة في محازمها المقابلة بتمام. صمتت.
أطلق تارشون زفيراً مفعماً بالمزيد من البخار، وزالت نظرة الغضب من عينيه، وقال: "انظري. لقد تبين خطأ الاحتمالات التي اعتبرتها الأكثر ترجيحاً. أرى الآن أن افتراضي بأن صانعي اللحم كانوا يكرهونك على الفعل كان خاطئاً. وتجنباً لتكرار ذات الخطأ، أحتاج منك الصراحة معي. فوحدها الصراحة تكفل لي وعداً بنوع من الأمان ضد الانتقام... هذا إن افترضنا أن الانتقام هو كل ما يبتغونه".
رمق مجسات نيكسيل بنظرة خاطفة مجدداً ليوضح أنه يدرك تماماً ما يبتغونه.
وتابع: "فلنبدأ بشيء بسيط. السؤال الأكثر بداهة. ما أنت؟"
ترددت نيكسيل. لم ترغب في الإجابة. لن يستقبلها سوى مصير متكرر إن أفصحت لأحد. تلك كانت حقيقتها مذ عادت. لكن الآن... لا مجال للإخفاء. فحتى لو التزمت الصمت أو حاولت تضليله، فسيكتشفون الأمر. سيتكرر الزمن. مرجحةً منح حسن الظن للطبعة التي دمرت قبل قربانها، باحت له.
"أنا حزمة من اللعنات، تحولت إلى طفرات. أنا ما دأب الكثير من المهووسين على تسميته بالقربان الأمثل".
بصقت اللقب. وبينما نطقته، تأملت نيكسيل التسمية. كانت خارجية تماماً. دلّ اللقب على منفعتها للآخرين، لا على ما تمثله لنفسها. لكن ما الذي كانته بالضبط ليجعلها القربان الأمثل.
"لا أعرف".
راقبت نيكسيل رد فعل تارشون، ولكن بخلاف جلوسه متأملاً لبرهة، بدا وجهه عديم التعبير كآلة يتمنى لو كانها.
"أي طوائف تلقبونك بهذا؟"
"لا أحد. لكن الجميع سيفعلون".
أدركت استحالة التصديق، لكن بعد التفرس في عينيها لبضع ثوانٍ، بدا تارشون راضياً، ولم يضغط عليها في المسألة، رغم الثغرات الواضحة في كلامها.
"تجاوزاً لطفراتك، أكانت أحداث النجم المظلم مقصودة؟ وما الظروف التي أدت إليها".
قالت نيكسيل: "الأول لم يكن كذلك. لقد اختطف ك'تان... صديقاً، وكنت أحاول استخدام دمي لاستدعاء مسوخ لأقتلهم قبل أن يتمكنوا من التضحية بها. يبدو أن إطلاق قدر كافٍ من الفساد من اسمي الملعون كفيل بإشعال الكارثة".
ظلت ملامح تارشون بجمودها المعتاد، لكن نيكسيل تيقنت من رؤيتها لفتحات عينيه الزجاجيتين تتسعان.
"والثاني؟"
"كنت أحاول إبادة صانعي اللحم".
لم تبذل نيكسيل جهداً لإخفاء كرهها لهم. عاد طنين التوربينات الدوار. لكنه صار زئيراً متأملاً لا غاضباً. تعمقت نظرة تارشون، وشعرت نيكسيل بمراقبته. كان يتفحص اسمها. جلسا معاً في صمت لفترة طويقة. استغرق تارشون في التفكير، ولم يكلف نفسه عناء إخفاء مراقبته لنيكسيل وطفراتها. كل ما شغل تفكيرها هو ما إذا كان سيعزم على كشف أمرها للطوائف الأخرى، أم سيحاول الاحتفاظ بها لمصلحة طائفته.
سأل مفاجئاً إياها أخيراً: "ما اسمك؟"
أجابت دون تفكير يُذكر: "نُيكسِل".
أعلن تارشون: "إن رغبت في التواري عن الطوائف الأخرى يا نُيكسِل، فبإمكان تقنيتنا تقديم العون. لا تعتبري هذا إحساناً. ستردين الجار، وستحتاجين لإثبات جدارتك في المحاكمات قبل أن نضمك. نحن المهووسين لدينا إجراءاتنا، ولا نستثني أحداً. ولا حتى لحالة فريدة كحالتك".
واصلت نيكسيل التحديق فحسب. أأراد منها المشاركة في المحاكمات؟ لكن إن أراد التضحية بها، فحسبه حبسها في معبد مهووسي التكنولوجيا لا غير. كما فعلت سائر الطوائف. أي مكسب يجنيه من إدخالها طائفته عضوة فعلية؟ وبدل طرح الأسئلة الكبرى التي عجّت في رأسها، لم تستطع سوى لفظ سؤال بالكاد يهم.
"ألم تنتهِ محاكماتي قبل عام ونيف؟"
قال: "ربما أدركت الزمن بشكل مختلف داخل النجم المظلم، لكن شهرين فقط قد مضيا. سأعينك على إخفاء طفراتك، لكني لا أملك تقديم مساعدة أكبر حتى تثبتي نفسك حقاً. اعلمي أنه بحسب بروتوكول المهووسين، ستحتاجين لأعلى مراتب الهيبة لنيل كامل دعمنا. إن أردت منا حمايتك، فافوزي".
باغتت الصدمة نيكسيل لحقيقة مضي شهرين فحسب، فكادت تغفل عن شروط تارشون. بدا الأمر للوهلة الأولى بلا عناء يُذكر. فقهر بعض الصبية سيكون سهلاً بعد مقارعة طائفة بأسرها. ثم أدركت أن أسلحتها الكبرى ستكون منعدمة. وكل ما أمكنها التعويل عليه هو موهبة نصلها المطورة، والأشهر الثلاثة المتبقية لتشرب كل ما تستطيعه منها.
أومأت برأسها، لتعوّد نفسها على الفكرة لا لإبداء الموافقة: "حسناً، يمكنني فعل ذلك. سيكون هناك متسع من الوقت للاستعداد في مواجهة أقوى الأسماء".
كشف تارشون: "عليَّ الإشارة أيضاً إلى تقديم موعد المحاكمات. أمامك أسبوع واحد".
حدقت فيه بغضب، قبل أن ترتخي خائرة.
أسقطت ذراعها، فالتفتت حولها "محبوبة"
تيمناً باسمها. كان جسدها لا يزال حطاماً رغم تطبيب كل جراحها. أطرافها المبتورة ظلت على حالها. وخجولة قد اختفت. ومثلما تقبلت الطفرات، استصعبت تصديق إقدام تارشون على الأمر بهذه السرعة. صحيح أنه لم يخفِ رغبته في استغلالها، لكن إخفاءها بدا أيسر بكثير من إطلاقها للعلن مجدداً، حيث يرجح انكشاف أمرها.
سألت نيكسيل: "لمَ؟ لمَ فعلت هذا بدل سائر الخيارات؟"
لم تكن بلهاء لتظن أنه لم يدرسها.
"اعتبريها حدساً".
لم تكن إجابة تارشون شافية كما اشتهت نيكسيل.
"لقد قتلت الآلاف، تعلم ذلك. ألم تكن تحقق في المجاوزات قبل هذا كله؟"
أومأ: "آلافاً من صانعي اللحم. وأنت بنفسك صرحت بأن الأولى كانت مجرد خطأ في مسعى للانتقام. لا أرى مبرراً لتقديمك للمحاكمة بينما الضحايا أنفسهم لم يتقدموا بشكوى".
فاغرت نيكسيل فمها غير مصدقة للوضع بينما نهض تارشون ليبلغ قامته الكاملة شامخاً فوقها. كانت واثقة تماماً بأنه فور إفاقتها، ستعود لسيرتها الأولى في حياتها الفارطة. لكن تارشون لم يفعل شيئاً من ذلك. لقد منحها فرصة. وما زالت حذرة نوعاً ما من الخيانة أو المكائد، ولكن إن صدق، فهذه المرة الأولى التي يقف فيها إنسان آخر بصفها حقاً.
تراجع نحو الباب مريداً تركها لترتب أفكارها، لكنها أوقف قائلَةً: "لقد نجحوا".
رجح أن تارشون لم يدر عما تتحدث، لكنه انتظر صابراً لتواصل.
"لقد متُّ مرة بالفعل. ضحت بي الطوائف لملوك إيدولون. أجزم أنك تظنه هراءً، لكنه حقيقي".
ابتلعت نيكسيل ريقها بينما استدار تارشون ليواجهها، دون تغير في تعابير كعادته، غير أنها لمست تركيزه مع كلماتها.
"أفقت مجدداً في يوم تسميتي، وأتيح لي تغيير مصيري. على الأقل حتى الآن".
ترددت نيكسيل. أكان يجدر بها البوح بكل هذا؟ قررت، نعم. فلنقل إن هذه المعرفة، إن لم تفد بشيء، ستضع تارشون على جادة قتال الطوائف الأخرى بجد. وحتى لو كذب عليها وضحى بنفسه، فسيمنحهم ذلك الأفضلية المنشودة في حرب على كل الجبهات.
"في غضون عام، تخوض طائفة التكنولوجيا وعبّادة ملوك الآلات حرباً. وفي عامين، تلتحق بهما بقية الطوائف القمة. وبحلول خمسة أعوام، لن يتبقى مهووس تكنولوجيا واحد. ستُبادون جميعاً".