بدت قاعدة البرج العملاق أشد رهبة بكثير ممّا كانت عليه من بعيد. انتصب الهيكل مستقيماً كإبرة تغرز في حدقة النجوم. لم تضم كتلة المعدن الملتوية سوى درجات ضيقة مخصصة للبشر. وما عدا ذلك كان دعامات سبائكية، وأشواكاً طويلة بارتوس غايتها المنسية منذ زمن، وفراغاً. كان الفراغ شاسعاً لدرجة أن نيكس لو زلت قدمها فلن تصطدم بشيء سوى الأرض. ومع ذلك لم تكن خائفة. مقارنة بملوك الإيدولون، بدا هذا البرج إبرة حقاً.
بل ولا حتى ذلك. نقطة رأس دبوس أصغر ممّن تستطيع رؤيتها. ربما قبل زمن طويل شعرت بشيء من الدوار لمجرد تخيل الارتفاع الهائل، لكنها بعد السقوط لمسافات سحيقة في جوف كائن مستحيل، لم تعد تشعر بالقلق بتاتاً. تسلق هذا سيكون سهلاً. مدت نيكس ذراعها وأمسكت بسياج الشبكة المعدنية ورفعت نفسها فوقه. حتى تحت وزنها النحيل انحنى السلك القديم وانهارت على الأرض. لم تكن بداية رائعة. نهضت لتلاحظ أن عمود السياج قرب ما حاولت تسلقه قد انكسر.
حافظت الشبكة المعدنية على استقامته في الغالب ولم تلاحظ ذلك قبل التسلق. إذن تعثرت في خطوتها الأولى، لكن نيكس عزمت على المواصلة. نيكس القديمة كانت لتتراجع بعد أول إخفاق. لعدت الأمر علامة على أن هذا خطير للغاية وبأن عليها الهروب نحو أمان غرفتها الزاوية في الجناح. كانت نيكس القديمة جبانة. جبانة أملت وثقت أكثر مما ينبغي لمصلحتها. أما هذه النكس فكانت تعلم أي مستقبل ينتظرها إن بقت مستسلمة.
فوحدها المجاذفة والمقاومة لطباعها الأولى تمنحانها فرصة لتغيير ذلك المصير. حتى إن اقتضى الأمر شيئاً من الخطر. حين وضعت الدرجات المعدنية تحت قدميها وبدأت الصعود فاض الحماس بها.
قضت وقتاً طويلاً محبوسة وعاجزة عن الحركة تحت "رعاية"
الطوائف. وُضعت أصلاً في رعاية صانعي اللحم. حين قدمها كتان هدية. وبعد عام، أو ربما عامين معهم، سُلِّمت إلى الطوائف الأربع الكبرى التي تناوب كل منها على تمريرها. مارست كل طائفة طقوسها الفريدة الخاصة على نيكس، والتي يُزعَم أنها زادت من قيمتها كأضحية. والتفاصيل بالطبع لم تُكشف لها قط. بعضها أتى بنتائج عكسية. صوت أكل الكهنة على يد الكائن ذاته الذي حاولوا استحضاره كان بهجة نادر وجودها في وجودها المقفر.
بدا حراك قدميها تحتها وإجهاد عضلاتها وهي ترفع نفسها نحو قمة السلالم الأولى رائعاً. ألقت نظرة حولها بكبرياء بينما كانت أنفاسها تتسارع دون أن تصل حد لهاث التنفس. بعد هذا يفترض أنني في ربع مسافة البرج. سرعان ما توترت ملامح رضاها وهي تنظر إلى الأسفل. ما الذي تسلقته حقاً؟ طابقين، ثلاثة؟ بدا الأمر وكأنها فعلت ثلاثة أضعاف ذلك. وحين مالت برأسها إلى الخلف وجدت قمة البرج لا تقترب أكثر ممّا كانت عليه حين بدأت.
بابتلاع عصبي توجهت إلى السلالم الثانية. سيصبح هذا أصعب بكثير ممّا توقعت، لكنها رفضت الاستسلام. مع نهاية السلالم الثانية كانت تصدر خريراً بصدرها. وعند الثالثة لم يتبق في ساقيها أي قوة. حدقت في العين المتخيلة حيث كانت تطفو فوقها. يا لطفك بانضمامك إليّ في هذا النضال. حبت نيكس نحو الرابعة، وتركت الشبكة المعدنية الحادة تحت ركبتيها مجروحة ومدمات. وبيدها على أدنى درجة حبت صعوداً وفعلت كل ما بوسعها لالتصاق السلالم بها.
وببطء شديد رفعت نفسها.
"لماذا لا تطيرين؟ أو تنتقلين آنياً؟ أو تحولين لحمك إلى شيء أقل ضعفاً؟"
تشوه شكل وحش المقليّة بينما مرت حركة يد نيكس الكسولة عبره بلا مقاومة. انتشر الضباب الأسود نحو الخارج مغطياً شكله قبل أن تعود العين إلى وضعها الطبيعي فجأة. ودون تأثر تام. لم تمتلك نيكس الطاقة لفعل أكثر من ذلك، لكنها بقيت محبطة لعدم كون الشعور الضبابي أكثر صلابة. أرادت حقاً لهذا المخلوق أن يرحل. ورؤية الكائن وهو يُصفع خارج السماء ستكون مغرية للغاية. لماذا كان عليها أن تتعرض لسخرية عقلها ذاته؟
أزهر ألم فجأة في صدرها فاحتضنت السلالم بقوة. ربما لم تتسلق بالارتفاع الذي تريده لكنها ظلت عالية بالقدر الكافي للموت لو سقطت. تفاقم الألم في قلبها وفعلت كل ما في وسعها لإبقاء ذراعيها مقفلتين. انبثق شعور لزج في مؤخرة حلقها. وفجأة وجدت التنفس مستحيلاً. سعلت نيكس. ترددت سلسلة من النوبات المريضة مخترقة جسدها كله لتجعله يرتجف مع كل بصقة متتالية. حين هدأ السعال أخيراً لم تستطع نيكس الحراك.
بقيت على السلالم إلى أن صعدت ذرات الضباب حول المعبد الشرقي مغلفة إياه بغرابته. هذا غريب، لا يزال ينبغي أن تتبقى بضع ساعات. رفعت نيكس رأسها بحركة مباغتة غير عالمة متى فقدت وعيها. فقدت ساقاها الإحساس وآلمتها ذراعاها أسوأ من صداعها النابض. وحين استعادت وعيها رأت الدماء. كانت في كل مكان. ذراعاها والدرجات التي تتشبث بها غطتها حمرة جافة. وفي الأسفل بعيداً رسم تناثر سوائلها الداخلية السطح الرمادي بلون أداكن.
حسناً، اللعنة. كان طعم الحديد سميكاً على لسانها وحين نظرت نيكس إلى الأسفل وجدت مقدمة فستانها باهظ الثمن مدمرة تماماً. مضى وقت طويل منذ حدوث هذا. ظنّت أنها أصبحت أكثر صحة مع تقدمها في العمر، لكن بدا أن افتقارها للإجهاد البدني هو ما منعها من التحول إلى نافورة دماء مجدداً. بينما كان رأسها يدور ويفقد توازنه شعرت نيكس بأن الأرض تفلت منها. كانت أعلى بكثير من ذي قبل. وفي الجانبين كانت هناك مساحات فارغة وغير مأهولة أكثر بين برج السكون وبقية المدينة مقارنة بما تذكرته.
أابتعدن مشياً؟ فكرت ببلادة. أكره أن أكون الشخص الذي يتعامل مع حفنة مبانٍ تنبت لها أرجل. مهما بدت الفكرة غريبة فلم تكن مستحيلة. فقد سمعت يوماً عن مجمع سكني نبتت له معدة وأكل بعض سكانه.
"إلى أين ذهبت؟"
ظهرت العين مفاجئة أمام وجهها، لكنها افتقرت لطاقة الارتجاس. إالى أين ذهبت؟ فكرت نيكس. إلى أين يمكنني الذهاب أيضاً؟ حتى حين وجدت فرصة للهروب لم يكن الأمر وكأن هناك مكاناً آمناً على كورال. كان خيارها الوحيد هو الاختباء في الغابة الأبدية... لكن ذلك كان مخيفاً للغاية واختارت مكاناً آمناً. ندمت نيكس حقاً حقاً لعدم بقائها في تلك الغابة. على الأقل هناك كان بإمكانها العيش لأجل نفسها قبل أن تموت.
مالت برأسها إلى الخلف لتجد المنصة التالية على بعد ست درجات فقط. أرادت بشدة مواصلة التسلق. أرادت نيكس رؤية كيف تبدو كورال من هذا الارتفاع. لكن جسدها كان ضعيفاً. وعلى ما هو عليه لم يكن أمامها خيار سوى الاستسلام والعودة إلى الجناح. جسدها هذا لم يتحمل، لكن نيكس لن تفقد الأمل. كان عليها فقط انتشال جسدها من هذه الحالة المريضة. التمرين التدريجي قد يجعلها أكثر صحة، لكن بالنظر لحالة جسدها الحالية كناتج لعنات فقد لا يفعل.
والبديل هو الانضمام لصانعي الأجساد، إذ امتلكوا طرقاً لزيادة القوة الجسدية والقدرات. لكن هذا لن يتطلب سنوات من شق طريقها عبر المراتب فحسب، بل إن فكرة الانتماء لطائفة كانت ركيزة أساسية في أضحيتها تركت طعماً مراً في فمها. سيما بالنظر إلى أن زعيمهم هو من غرز الخنجر في قلبها. كان خيار نيكس الأفضل هو بلوغ تطور الاسم. فقدت الأمل في أن تكون أي إضافة تحصل عليها سوى لعنة، لكنها امتلكت ثلاثة أجزاء اسم الآن؛
مما يعني إمكانية تكثيفها. أو... هملت ذلك. فكون اللعنة طاغية في دماء أحدهم بحيث تصبح جزءاً من اسمه كان أمراً نادر الحدوث بعد كل شيء. وعادة ما يحدث فقط مع أتباع الطوائف ممن امتلكوا تطوراً أو اثنين مسبقاً... وكانوا يدمجون تلك اللعنة مع إضافة لخلع التأثير. أكان دمج ثلاث لعنات خيارها الأفضل حقاً؟ حتى إن سنحت لها فرصة التطور فهل تهتم؟ لعنة مقواة قد تصبح أسوأ بلا حدود من أي شيء تعاملت معه الآن.
ماذا لو تضخم ضعفها؟ ماذا لو أصبحت طريحة الفراش لبقية حياتها القصيرة نظراً لعدم جواز دمج اللعنات أبداً؟ لكن... لم تملك نيكس خياراً. إن لم تنمو فهي تعرف مصيرها. مجرد تخيل امتلاك الطاقة لبلوغ قمة هذا البرج كان مثيراً. كان متفائلاً حقاً، لكن الرهانات على حياتها كانت عالية بالفعل. إن منحها دمج اللعنات أصغر فرصة فستقوم بتطويرهن. سيتعين عليها العمل لأجل ذلك، لكنه أفضل من الانتظار في غرفتها ريثما تأكلها الدنيا مجدداً.
لقد تأخر الوقت بالفعل وسيكون كتان غاضباً، لذا حان وقت عودتها. بدت أطرافها كالهلام، لكنها استطاعت إنزال نفسها ببطء درجة واحدة تلو الأخرى. لو اضطرت للصعود لما استطاعت الحراك. حين لمست قدميها الشبكة المعدنية أسفل السلالم العليا — العليا التي تسلقتها — انهارت على ظهرها وتدلت ذراعاها على جانبيها. صدر صوت طفيف لفرقعة فقاعات أغراها بالراحة. لكنها لم تستطيع. وكلما تأخر الوقت مارست الطوائف طقوسها أكثر وازداد الخطر عظمة.
كان الضباب الأول خطيراً عليها بالفعل. مضت بضع دقائق وهي تستمع لصوت فرقعة الفقاعات الغريب والمتسارع. كانت أعلى بما يكفي لإصمام الأذن عن الهمسات المبهمة التي عرفت أنها تأتي من تحت السطح. لم تدرِ ما هي. فبهذه القرب من المنطقة الآمنة ما كان يجب أن تتواجد برك مياه غير محمية. ولفضولها، واستعدادها لمواجهة السلالم التالية، تقلبت على بطنها وتجمّدت. في الأسفل كانت بركة دمائها تغلي.
اُبيضّ وجه نيكس الشاحب أصلاً.