ضاع عقل نيكس في دوامة. متى عثر عليها حقاً؟ ذكر كيهثورن أنه حظي بالوقت الكافي لإعداد فخه ذاك، فهل كان يتعقبها منذ كانت تحت برج السلاسل؟ لمَ لمْ يهجم إذن خلال طقسها، حين كانت مكشوفة؟ أُسقطت أرضاً قبل أن تتمكن حتى من خوض قتال. ربما كان ذلك غروراً، لكن مع ذهاب أقوى المتشددين لمهاجمة قلب النجم المظلم، افترضت نيكس أن بمقدورها بسرعتها وعينها الثالثة ملاحظة أي تهديد والفرار ممَّا يعجز عنه بأسها.
لكنها بَدلَ ذلك أُسقطت من السماء. في عتمة فوهة البندقية، حدقت نيكس في العظم واللحم المتشنجين في الأعماق. أرادت أكثر من أي شيء القفز إلى الأمام وانتزاع السلاح من يديه قبل تمزيق الرجل إرباً، ولكن رغم طريقته العابرة في إمساك سلاحه، كانت عيناه تتابعآن كل ارتعاشة ترتجف بها. على عكس دعاة العقيدة السفلى الذين قتلتهم — وما بدا كأن سنوات قد مرت على ذلك — لن يسمح لها كيهثورن بتقليص المسافة دون أن تصير هباءً منثوراً.
خفضت ذراعها نحو جذع جناحها المدمى. بدا مشابهاً لما تذكره حد الإيلام. كان الفقدان لا يطاق. لم يزر قلبها من الخوف المفزع حتى السلاح الموجه نحو رأسها، مقارنة بفكرة أنها لن تحلق مرة أخرى قط. ولن تشعر قط بالريش الناعم لتلك الأجنحة وهو يعانق جسدها.
قالت كيهثورن للمرأة من خلفه: "أخبرتك أنه لا أمل في أن تكون بكامل قَوِيّها. مجرد روح تعيسة شوَّهها النجم المظلم لتصير سلاحاً ضدنا".
قالت المرأة التي تحمل عصا طويلة تبرز من طولها العلوي إبر ضخمة، بعبوس: "أيهمَّ بعدُ مَنْ كان على صواب؟ اقتلها وانهِ الأمر. النجم المظلم يعلم أن هذا لن يدوم، جدي بنا نعود ونساعد الدفاعات بينما دعاة العقيدة العليا مشغولون بالحيتان".
أومأ كيهثورن برأسه مرة واحدة، ودرت نيكس أن لديها لحظة عابرة لا غير لتفعل شيئاً قبل أن تلقى حتفها. أرادت الهجوم. حرقَه بعينها، وبصق وتجفيف يده، وصفعه ببوشي. لكن أياً من هذا لم يحمل أي أمل في النجاح. لم يكن هذا المتشدد من دعاة العقيدة السفلى عديمي الخبرة ممن يمنحونها الفرصة… مهما تمنت ذلك. لا، لم يكن هناك سوى سبيل واحدة للنجاة.
قالت نيكس وسط أسنانها المصطكة بصعوبة بالغة: "أنا… عاقلة".
كان هذا شيئاً عاهدت نفسها على ألا تفعله أبداً. كانت تستسلم لصُنَّاع اللحم. كشفت نيكس عن نفسها، ومن اتساع عيني كيهثورن، أدرك تماماً ما تكون.
حدق قائلاً: "لا أصدق ذلك. إن لم تكوني بأمر من النجم المظلم نفسه، فماذا كان ذلك إذن؟ كيف جذبت الحيتان؟ لمَ كنت تقتلين صنَّاعنا؟".
بصقت قائلة: "أنت وبقية صُنَّاع اللحم تستحقون الموت. استدعيتُ ملكاً لمحو طائفتكم من وجه كورال".
في الظروف العادية، لم يكن استعداء مَنْ يهدد بقتلك أمراً حكيماً، لكن نيكس أدركت أن كيهثورن لم يعد قادراً على ذلك. شريكة حياته، من جهة أخرى، لم تكن واعية بالقدر نفسه.
سخرت قائلة: "استدعيتِ ملكاً هكذا فحسب؟ بأي قربان؟"
والتفتت إلى كيهثورن.
"لنقتلها وحسب ونعجل بالعودة".
لم يتحرك كيهثورن. ربما كان ذلك أثراً متخلفاً عن النشوة، لكن جهل المرأة إلى جوار وجه كيهثورن الشاحب بدا مضحكاً لنيكس. ضحكت. وشاركها لسانها، مطلِقاً صدى غريباً يشبه صدى يوم قربانها.
"بجزء صغير مني. سأل كيهثورن. إنه يعلم كم أنا ثمينة".
تتقدم المرأة بخاصتها ممسكة بها كأنها هراوة. وتتواتر الإبر كأنها تستعد للوخز.
"أي هراء..."
"كيسايس، توقفي. لا يمكننا قتلها".
جعلها صوته المتصلب تدور على عقبيها.
"ما تقصده بقولك لا يمكننا قتلها؟ تلك هي الغاية برمتها من مجيئنا إلى هنا".
راودت نيكس رغبة في الهجوم بينما كان ظهرها موجهاً إليها، لكن بندقية كيهثورن ظلت مصوبة نحو رأسها. وبغض النظر عما بات يعلمه الآن، فلن يقف مكتوف اليدين بينما تمزق متشدداً أمامه. قد يقرر أنها تكون آمنة بلا أطراف، وحينها لن تظفر بأي فرصة للهروب بتاتاً.
"إن لم نأخذها معنا قرباناً، فانسَ النجاة من النجم المظلم؛ سيقتلع سولان رأسيكما".
وبدلاً من أن تغضب، التفتت كيسايس لتتفحص نيكس باهتمام متجدد.
"ظننتُ أن أولئك ذوي التحورات الملعونة لا يستحقون المخاطرة".
هز كيهثورن رأسه.
"امتلاك كل تلك التحورات مع الاحتفاظ بما يكفي من وعيها للاستجابة… حتى مع وجود المخاطرة، لا يمكننا تجاهل قربان قد يفوق متطلبات طقس الألفية".
اتسعت عيناها جراء هذه العبارة، لكن الرجل الأكبر سناً عبس فحسب وحول انتباهه إلى عُواء جعل الأرض ترتجف.
"أسرعي وضعي عصاك في ظهرها. أريد التأكد من أن أي شيء أطلقته على الحصن لا يمكنه تجاوز السلاسل".
لم تضيّع المتشددة الأصغر سناً وقتاً وهي تنزلق حول هيئة نيكس الممددة. بذلت جهداً لمنع مخالبها من الانطباق حول كاحلي المرأة الأطول بينما خفضت تلك العصا المليئة بالإبر على ظهرها. من طرف عينها، راقبت نيكس الطول وهو ينشطر من المنتصف، منفتحاً كفك حيّة ليغرس أنيابه في عمود الفتاة الفقري. إلا أن عمود نيكس الفقري قاوم. تلقائياً، انطلقت الأشواك النامية من كل فقرة من فقراتها نحو الأعلى من وضع استقرارها المعتاد.
كان الأمر كما لو أن خوف نيكس الطفيف وتوترها انتزعا منها السالطة، فوجهتاها مباشرة إلى الخارج من ظهرها مثل شعر القط المرتفع. وما إن اكتمل نمو التحور، حتى استقر صف الأشواك من الإشارة مباشرة إلى الخارج، إلى عمود أكثر ملاءمة لشكل الجسد حيث يتبع اتجاه عمودها الفقري. وحين ترتخي، تجعل الأشواك عمودها الفقري يبدو أطول فحسب؛ كان بوسعها تطويق كفها حولها، وتكاد قاعدة كفها وأطراف أصابعها تلامسان الجانبين المتقابلين من ظهرها.
ولكن حين تمتد، لم تكن هناك أي فرصة لذلك. ومع اقتراب تلك العصا من وخزها بتلك الإبر، شعرت نيكس بإحساس مزعج لعمودها الفقري وهو يعيد ترتيب نفسه. بدا الأمر وكأن في ظهرها عشرات الكرات التي تحتك بعضها ببعض بينما ارتفع عمودها الفقري الممتد نحو نصف متر عن ظهرها لصد المهاجم المزعوم.
قالت كيسايس: "أنزلِ الأشواك وإلا جعلتُ هذا أصعب عليك ممَّا ينبغي".
قالت نيكس: "لا أستطيع"، وكانت صادقة.
لقد كانت تلك الأشواك اللعينة أصعب تغييراتها تحكماً. وبينما كانت مجساتها ترقى إلى التنفس، وتتصرف بشكل مستقل وعندما تأمرها، كانت الأشواك شبيهة بنبض قلبها. كانت تتفاعل بالطريقة التي تحلو لها فحسب. مما يعني أنها لم تستطع إخفاءها تحت ردائها، مخافة أن تتفاعل وتمزق كامل ظهر ملابسها. كان على نيكس تمريرها بحرص عبر القماش. مكشوفة سواء كانت مسترخية أو متيقظة. حسناً، حتى لو لم يكن ذلك صحيحاً، فربما قالته نيكس على أي حال.
لم ترد مطلقاً أن يقترب صُنع لحمها المعقود منها بأي شكل. بدت كيسايس وكأنها ستلح في الأمر، لكن كيهثورن سارع بالتدخل.
قال لشريكته في العقيدة: "انسَ الأمر"، قبل أن يغمق نبرة صوته ويتضح أنه يوجه كلامه إلى نيكس.
"ستمشي. وإن حاولت شيئاً — أو أضاعت وقتاً — فسأفجر أطرافها وأحملها على هذا النحو".
بينما رفعتها قبضة المرأة بحزم من كتفها، لاحظت نيكس أن نظرة كيهثورن علقت فوق قمة بركان المَصْنَع في الأمام. وتضح تماماً أين تكمن مخاوفه الكبرى. دفعته كيسايس إلى الأمام. وقمعت نيكس مرة أخرى الرغبة في توجيه ضربة إليهما. كانت تعلم أن ذلك سيكون عبثاً. إلى ذلك، لم يكن هذان الاثنان يعلمان المدى الكامل لخخطتها — حتى وإن بدا مقلقاً بعض الشيء أنهما لم يجعلا هجوم حيتان متعددة أمراً يستدعي القلق.
وما إن يعلما… فحينها ستضرب نيكس. مع أخذ كل الأمور في الاعتبار، لم تكن هذه أسوأ الأوقات. كرهت فكرة الوقوع في أسر المتشددين ثانية، لكنها لم تنوِ أن يدوم ذلك أكثر من ساعة. على الأقل لم تكن مقيدة تلك المرة بتلك السلسلة البغيضة. تقدمت نيكس بخطى حثيثة. وحين نُخِست بحديدة الفولاذ الثقيلة، زادت سرعتها لتصل إلى الهرولة. أو على الأقل ما يماثل الهرولة بثلاثة مجسات وساق واحدة.
أفلحت العروق في كبح ألم ساقها وجناحها المقطوعين، لكن ذلك لم يجعلهما أقل إثارة للمشاكل. نزفتا بغزارة، ومضطرة للركض كما كانت، لن تدوم طويلاً بحالتهما تلك. رافضة الشكوى لصُنَّاع اللحم من خلفها، واصلت طريقها رغم الوهن. لكن متاعبها بدت واضحة للثنائي. هَوَتْ كيسايس بعصاها في جانب جذع ساق نيكس. واخترقت إبرة طويلة العظم، وثبتتها في مكانها. وفي لحظة، نما الجلد فوق جذعها النازف كأنه لم يكن ساقاً من الأساس.
حررت المتشددة الإبرة من ساقها، ثم فعلت المثل بجناحها. لم تشكرها نيكس. حدقت فحسب بأسف وفقدان إلى عاهتها المفاجئة. لسبب ما، لم تبالِ كثيراً بفقدان ساقها. واعتبرته بمنزلة فقدان بعض أصابع القدمين: أي فرق ستحدثه في حياتها مقارنة بمجساتها؟ لكن الجناح كان مختلفاً. وظل إحساس أجوف وهمي عالقاً. ودون جناحين سليمين، سيصبح الطيران مستحيلاً. لم تفقد جناحاً فحسب، بل صار لديها الآن طرف ثانٍ فقد جدواه شبه تماماً بفقدان قرينه.
كان تجدد الأطراف ممكناً، ولكن ليس بميزانيتها. ليس أثناء الحفاظ على السرية. وليس دون مساعدة الطوائف. بوسعها قهر طقس صُنَّاع اللحم الصحي مهما تشاء، لكن من المستبعد أن يعوض طقس شفاء عام ما فُقد تماماً. بينما حملتها كيوريوس وبوشي وكادلي صعوداً نحو المنحدر حيث أُصيبت برصاصة للمرة الأولى، حدقت نيكس بغضب في المرأة. لم تلتفت إليها كيسايس. كانت منشغلة للغاية بنثر عينيها فوق عجائب هيئة نيكس.
وبدا تعبيرها براقاً، قبل أن تلقي نظرات خاطفة على كيهثورن. وكان كيهثورن نفسه مشغولاً للغاية بتفحص أكوام السكاكر المقهقهة ليفطن للأمر. وما إن بلغا قمة جانب البركان وتراءى لهما حصن صُنَّاع اللحم الشاهق بوضوح، حتى عجزت نيكس عن قمع ابتسامتها.
صاح مندهشاً: "ما هذا؟".
أمامهما، لم يبقَ جزء من سلاسل البرج مكشوفاً. وعلى امتداد عرضه بأسره، كان جيش من المدمجات يتحرك مثل كومة نمل. وفي الأعلى، مُنع الضعفاء منهم بوضوح، لكن الآلاف من العمالقة كانوا يتسلقون الجوانب العمودية في محاولة يائسة للوصول إلى فرائسهم. وتحت ذلك كله، انتشر بحر من الدماء في كل مكان حول قاعدة السلاسل. ومن تلك الدماء، انبثقت مدمجات أقوى فأقوى. لم تبلغ بعد حجم تلك الموجودة في النجم المظلم الأول، ولكن بالنظر إلى التوسع السريع للبحيرة، كانت مسألة وقت لا أكثر.
لقد انشغل صُنَّاع اللحم كثيراً بالحيتان — والملك المذهل للعقول — لدرجة غفلتهم عن بركة الدم المتنامية تحت أقدامهم مباشرة. طوال فترة وجودها في هذا النجم المظلم، تعلمت نيكس — بسرعة إلى حد ما بعد نفاد مادة تارشون المثبتة — أنها تستطيع منع دمها من التأثر بالفساد، حتى بعد مغادرته جسدها. وبهذا، تسنى لها نزف دمها لأيام قبل هذا الهجوم، لتخزين ما يكفي لتضمن توسعه بسرعة؛
تماماً كما حدث في المرة الأولى التي هاجمتها فيها مدمجة. مشكلتها الوحيدة تمثلت في أنه من المرجح للغاية، دون إلهاء، أن يلاحظه أحد ويتعامل معه قبل أن يتحول إلى تهديد حقيقي. في الواقع، ربما كان اختيارها لإلهاء ما مبالغاً فيه حتى قبل أن تقرر النشوة الانضمام، لكن إن مات صُنَّاع اللحم على أيدي بعض الحيتان قبل أن تنال منهم المدمجات، فلا بأس بذلك أيضاً. وبينما كانت تشاهد بدهشة محيط دمها وهو يبدأ في تسلق البرج كأنه حي هو الآخر، لاحظت يداً ضخمة بمخالب تخرق أمواج الأحمر قبل أن تسحب وحشاً عنكبوتياً أكبر من حظيرتها القديمة.
كانت الوحوش الأقوى تتجسد الآن. ولم تعد بحاجة إلى القلق بشأن بقاء الحصن. استعدت نيكس، والتفتت إلى كيهثورن. كان مستغرقاً تماماً في التدفق المفاجئ للوحوش وهي تخترق الجدران أخيراً وتمزق المتشددين يمنة ويسرى. لقد كانت الفرصة المثالية لها لتهاجم. ولكن قبل أن تتمكن من ذلك، تقدمت كيسايس ووضعت عصاها محاذاة لعمود كيهثورن الفقري. لم يعر الرجل الأمر اهتماماً، لاعتياده غالباً على طريقة شفائها المزعجة.
لبرهة، ظنّت نيكس أن المتشددة تستعد لهجومها، وأن فرصتها ضاعت. رغم أنها لم تطلق أي تحذير. ثم، انتزعت صانعة اللحم العصا. سحبت كيسايس عصاها بعيداً عن كيهثورن، مقتلعة عموده الفقري معها.
لم يحظَ المتشدد الأكبر سناً سوى بوقت قصير ليشهق ويئن بصوت مشوش: "أتباعي؟ لمَ؟"
قبل أن يترنح. ميتاً.
"طالما علمتنا أنه إن توفرت فرصة، فاغتنمها".
ونظرت إلى الجثة الطازجة بلا عمود فقري بتعبير حزين، كأنها لم تقتل الرجل للتو.
"ولن أظفر بفرصة أفضل من هذه أبداً".