قال أحد صانعي اللحم وهو يخرج من بين الأشجار: "أحدثتم فوضى عارمة".
استقرت نظراته على جثة الومبات بلا رأس التي أنهت نيكس تقطيعها للتو.
"أفعلتِ كل هذا بهذا النصل الصغير؟"
تراجعت نيكس وهي تراقب أربعة من أعضاء الطائفة الآخرين ينتشرون ويحيطون بها. حمل اثنان منهم سلاحين ناريين؛ بندقية ومسدس. كان كلا السبطان من الفولاذ، لكن آليات الإطلاق والخزانات استُبدلت بلحم وأفواه مكشرة. حمل الأعضاء الثلاثة الآخرون — ومعهم المتحدث — أسلحة أقرب للقتال القريب. ومثل كل أدوات صانعي اللحم، كانت مزيجاً مزعجاً من المعدن وحياة مستمدة من الظلام. كنت أعلم أنهم سيحاولون شيئاً، ولكن بهذه السرعة؟
ظلت تعتقد أنه بوجود النجم المظلم وقربها الظاهري من طائفة التقنية، سينتظر صانعو اللحم شهراً كاملاً قبل التحرك. التحرك الآن سيجذب الانتباه لا محالة. إذن لماذا؟ أهو الانتقام لكتان، أم يريدونها قرباناً؟
قالت امرأة — وهي الوحيدة في المجموعة — وهي تركل وحش الفاسد الميت: "تباً، إنها تمتلك بالقطع اسماً متعلقاً بالقطع".
قال العضو الأول في الطائفة: "لقد كنتِ مشغولة منذ تلقيك اسمك".
كان يلوح بكسل برمح ذي نصل في نهاية حبل؛ حبل مصنوع بالكامل من ألياف عضلية.
"لم يمضِ أسبوعان منذ ذلك الحين".
آه، إذن لست محظوظة لدرجة أن تختفي كل المعلومات عني بموت كتان. تجهمت نيكس. الآن، يا ترى أي نوع من القرابين يرونني؟
لوت رأسها نحو العضو الذي يحمل هراوة كانت تتسلل من حافة رؤيتها وقالت: "ماذا تريدون؟"
"لا داعي لهذا التحرّز. نحن هنا فقط لندعوك للانضمام إلى الصفوف".
طوح المتحدث بيده فأمسك بمقبض رمحه الحبلي بينما بسط ذراعيه على وسعهما.
"سمعت العقائد العليا كيف أطحتِ بمشرفك بعد أن حاول تقديمك قرباناً. أمر مثير للإعجاب حقاً. لقد قرروا التغاضي عن مقتل كتان حين تنضمين إلينا".
آه، إذن ليس فقط قيمتي كقربان ما يعرفونه.
"لا".
توقف صانعو اللحم جميعاً. حتى المتحدث رمش، وظل فكّه معلقاً.
"ماذا؟"
"لا. لن أنضم إلى صانعي اللحم".
فكرت في إمكانية التسلل إلى إحدى الطائفات لتدميرها من الداخل، لكنها ببساطة لم تكن فكرة تعتقد أنها تستطيع تنفيذها. لم تكن تريد مساعدة أولئك الأذناب على الإطلاق. حتى لو أدى ذلك إلى سقوطهم في النهاية. بل الأرجح أن ذلك سيدفعها فقط للقيام بتصرف أهوج.
قالت المرأة المجاورة لجثة الومبات: "أيتها الفتاة، لا أظنك تفهمين موقفك".
اقتربت أكثر مما كانت عليه في المظرة السابقة لنيكس. كان سيفها المسنن ملتصقاً بخصرها ببضع أصابع شبه متكونة، لكن بطريقة وضع يها عليه، كانت مستعدة للهجوم في أي لحظة.
"لقد نبذتك الطائفات الأخرى بالفعل. هذا خيارك الوحيد".
وافقها الرجل ذو البندقية الرأي.
"قلة ممن بلا طائفة يحققون شيئاً. ولا أحد من أولئك يعيش طويلاً".
"لن أنضم إلى صانعي اللحم".
كم مرة كان عليها قول ذلك؟
"اغربوا".
استعاد صاحب الرمح الحبلي وعيه أخيرً وتنهد: "حسناً، دعيني أُوضح الأمر؛ إما أن تأتي معنا بمحض إرادتك، أو سنجبرك".
عند ذلك، وجّه المسلحان سلاحيهما نحو نيكس، بينما تقدمت المرأة وصاحب الهراوة الضخم نحوها وسلاحاهم في أيديهما. كانت قد تفحصت أسماءهم مسبقاً. لم يتجاوز أي منهم تطوره الثاني، لكنهم نذيرون؛ ومن المؤكد تقريباً أنهم يمتلكون أسماء متعلقة بالقتال. وحتى الاثنان بينهم في تطورهما الأول — مثلها تماماً — كانا بالتأكيد بعيدين كل البعد عن أي شيء قاتلته من قبل.
حذرتهم نيكس: "لا تفعلوا هذا".
راحت عيناها تتقلبان بين صانعي اللحم لتستقرا على الملك الصغير. وكالعادة، كان يراقب بصمت. لم تستطع الاعتماد على أي مساعدة تأتي منه. إن أرادت الخروج من هذا حية، فعليها إنقاذ نفسها. لا توجد طاقة تجعلها تسمح لصانعي اللحم بأسرها. ليس مرة أخرى.
هتف زعيمهم مجدداً: "استسلمي. أنا في تطوري الثالث. لا فوز لك هنا. مهما كانت قوة ميزتك الإضافية".
كان بإمكانها الهرب، لكن السبيل الوحيد لتجاوز البالغين — أي بالغ — كان كشف أجنحتها. وفعل ذلك يعني أن مستقبلها هالك حتى لو نجت اليوم. وإن قاتلت، فستخسر حتماً. مهما كانت مهارتها في استخدام سكينها بفضل قوة رسغها المحسنة، فلن يكفي لمواجهة أحد هؤلاء الطائفيين. ناهيك عن مواجهتهم جميعاً. لا. لم يكن أمام نيكس سوى خيار واحد. سبيل وحيد للنجاة. خفضت يدها، وأطرقت ببصرها، وسمحت للاثنين بالاقتراب دون قتال.
ترددت كلمة شكر متممات من حامل الهراوة على يسارها، لكنها تجاهلتها. كانت أعصابها أشد توتراً من أن تهتم لأمره. حان الوقت.
"لن ينجو أحد منكم".
كانت نيكس متأكدة أن المرأة بجانبها ردت بشيء ما، لكنها توقف عن الاستماع. انطلقت ذراعها إلى الأمام، فقذفت السكين نحو رامي البندقية، وفي الوقت ذاته مزقت كل لعنة تتخلل اسم مستخدم المسدس. انحنى نصفين على الفور وهو يتقيأ. هبطت يد على كتف نيكس. حاولة المرأة دفعها للأسفل، لكن فوات الأوان قد وقع. انطبقت مخالب حول عنقها. تزامن صوت تمزق الأجنحة عبر القماش مع صوت ارتطام رأس مقطوع بالأرض.
وقبل أن تبدأ الصرخات، خفقت أجنحة نيكس. وحين ضربت الصرخات المكان، كانت مخالبها قد اخترقت صدر رامي البندقية بالفعل. حدث كل هذا في لمح البصر. بالكاد صدقت أن الأمر نجح. نذيران ميتان على يديها قبل أن يرمشا حتى. رقبت الحياة وهي تفر من العينين المذعورتين اللتين تحدقان بها. ترنح، فحاولت سحب ذراعها من جذعه لكنها واجهت مقاومة شديدة قبل أن ينهار ثقيله فوقها. هزت يدها بعنف، لكنها عجزت عن دفعه عنها.
سمعت وسط الصرخات من ينادي: "كفال؟ كفال؟"
بغض النظر عن مدى مفاجأة سير خطتها بلا عوائق، ظلت محاطة بثلاثة من صانعي اللحم. صانعي لحم مفجوعين ومن المرجح أنهم لم يعودوا يعبؤون بأسرها أحياء. كانت كالبط العاجز وهي محاصرة هكذا. كان محاولة سحب ذراعها من الرجل عبثاً، فلجأت إلى الخيار الآخر والأكثر بشاعة. بدأت ملاقطها تشق طريقها عبر اللحم. كان شعور تقطيع العظم والعضل ممتعاً، لكنه تصادم مع الصوت اللزج المقزز ومعرفة أن هذا الرجل كان حياً قبل ثوانٍ معدودات.
أحبت الشعور، لكنها شعرت في الوقت ذاته برعب منقطع النظير لكونها قادرة على فعل ذلك بلا أي تردد. شقت طريقها أخيراً من جنبه، واستخدمت أجنحتها لدفع الجثة عنها. كان العضو صاحب الهراوة قد انهار فوق جثة المرأة وهو يتخبط لإعادة رأسها إلى مكانه. هو من كان يصرخ. شعرت نيكس بالألم قبل أن تسمع صوت الطلقة النارية. استدارت وغطست متفادية الروافد التالية من الرصاص. لكنها أُصيبت على أي حال.
بطريقة ما، انحرفت رصاصات الطائفي نحوها. اسمه غالباً. خفقت بأجنحتها مرة أخرى وقطع المسافة في ومضة. لم يستطع إطلاق رشقة أخرى قبل أن تقطع مخالبها يده. وسط عذاب إصابات الرصاص التي مزقت أجنحتها، ضربت من جديد. ناوية القتل هذه المرة. اخترق نصل قصير ذراعها أسفل مكان تحولها إلى كيتين، وجذبها للخور قبل أن تهبط ضربتها. تعثرت، لكنها ثبتت قدميها بينما انسل نصل الرمح الحبلي الحاد خارجاً من ذراعها.
استدارت نيكس ورفعت ذراعها في اللحظة المناسبة لإبعاد النصل الذي استهدف رأسها.
"كروان! اتهض! ليس هذا وقت الحزن".
على الرغم من أنه لم يكن مستهدفاً بكلامه، إلا أن عيني صاحب الرمح الحبلي لم تفارقا المراهقة قط. حركت نيكس أجنحتها لتلقي بنفسها على المتحدث، لكن نيتها لم تكن مستورة. لوّح ذلك الطائفي بسكينه السريع الحركة حول جسده وقذفه باتجاهها. حاولت استخدام يديها لصده مجدداً، لكن نبضة سرت عبر حبل العضل جعلت النصل يدور فجأة في الهواء، ليهبط تحت دفاعها ويشق جنبها. طالما لم تكن الإصابة بالغة السوء، كانت مصممة على المضي قدماً.
لكن موجة من... شيء ما، قوة ما، سرت عبر النصل وأرسلتها فجأة وهي تدور لتصطدم بصف من الأشجار. تأوهت وهي تتدحرج على الأرض. بدا الأمر وكأن ترامواي قد صدمها. ترامواي ممتلئ عن آخره بالمعدن. وله طبع ثور. مهما يكن اسمه، كان واضحاً أن تطوراته تركزت حول استخدام رمحه الحبلي. شكت أن النصل نفسه هو ما أطاح بها طريحة الأرض. نهضت واقفة مجدداً، فرمقت النصل الملتف الذي يدور حول جسد الطائفي بلا طائل ولا منطق ظاهر.
أي هجوم مباشر سيعرضها لضربة أخرى. عمدت بدلاً من ذلك إلى خفض رداء التخفي ومراقبة صانع اللحم. شعر بالتأثير فوراً، فأطلق نصله يدور أمامه كأنه يصنع درعاً يحميه منها. بالطبع، سرعان ما أدرك أن ذلك لم يمنع رؤيتها. تفكك لحم وجهه وتطاير في الهواء نحوها، متجمعاً قرب عينها قبل أن يُبتلع. ولأسف نيكس، جعل هذا التأثير من السهل جداً على الطائفي اكتشاف السبب، فتفاعل وفقاً لذلك. امتلاء الجو بانفجار من الغبار.
سواء أكان اسماً أم أداة لصانعي اللحم، فلم تكن نيكس تدري، لكنه حجب رؤيتها. اضطرت عين عظمة القص للانتقال من جزيء إلى آخر لاختراق تلك الغيمة. كان بإمكانها النفاذ، لكن الأمر سيتطلب بعض الوقت. قبل أن تتاح لها الفرصة، انطلق النصل داصراً من وسط غيمة الغبار التي واصلت التدحرج نحوها. انقضّت من اليمين. حولت تركيزها إلى خيوط العضلات المكونة للحبل، وشرعت في قضمه. إن استطاعت قطع الحبل، فلن يملك الطائفي سلاحاً يضربها به أياً كان ما يفعله اسمه.
لكن الحبل اللحمي، بالطبع، كان قادراً على تجديد نفسه حتى في منتصف التأرجح. خفقت بأجنحتها وابتعدت مسافة أكبر عن سياط النصل الزاحفة من غاية الغبار، لكن وميض ضوء من يسارها خطف انتباهها. كان كروان، الطائفي الآخر، قد نهض أخيراً من فوق جثة المرأة. بالكاد استطاعت تمييزه من خلال الغبار، لكنها أصبحت حذرة فوراً عندما رأَت هراوته تشتعل لحظياً بلسان من اللهب صبغ الغبار بالأحمر بضيائه.
ومع ذلك، لم تكن هراوته هي ما أقلقها أكثر. كانت عيناه تتوهجان حقداً. كالجمر، كانتا تلمعان بضوء أحمر باهت، لكن الغضب كان لا يُخطئ. اشتعلت الهراوة مجدداً، وانبعثت هذه المرة رائحة مقززة لحم محترق ملأت أنفها ولم تفارقها. ومع احتراق سلاحه، التوى اللحم. ظهرت مخالب حادة لحيوانات ميتة منذ زمن طويل متشبثة من كتلة اللحم، كأنها تحاول الهرب من الجمر الساري عبر السصل الذي باتت مقيدة به.
كانت نيكس محظوظة لقتلها اثنين في الثانية الأولى. كما أنها عطّلت المسلح الآخر. ورغم ذلك، عرف هذان الاثنان كيف يأخذانها على محمل الجد. وكانا فاعلين كل ما بوسعهما لقتلها حيث تقف. هنا بدأ القتال الحقيقي.