حاولت نيكس الارتخاء قدر المستطاع فوق المذبح. تتبعت عيناها الرجل الذي ينوي تقديمها قرباناً. لم تصارع السلاسل. فحين كانت تفعل، كانت تزداد إحكاماً. وإن ارتخت قليلاً في لحظات سكونها، اقتطعت لنفسها ما تستطيع من مساحة تحسّباً للوقت المناسب. كان كيتان مرتبكاً بوضوح لفرط هدوئها. راودتها فكرة مجاراته. ربما ابتسمت في وجهه. أو ربما ضحكت؛ تذكّرت أن الضحك يربك الناس هناك في المستقبل.
لكن لا. كانت منشغلة جداً بالإنصات إلى ترنيمته عن ارتياب هذه الترفيهات المريحة. أمر سمعته من قبل. ليس تماماً منذ سنوات سبقت موتها، لكنها تذكّرت سماع ترنيمة القرح هذه حين أُسرت في محرّف اللحم. كانوا يستعملون العزف والضأن غالباً لتعزيز الجسد والاسم وتنميتهما، ولا سبب يمنع نجاح الأمر مع البشر أيضاً. أنصتت لتتعلم. لتحفظ الكلمات والنبرات عن ظهر قلب قبل أن تلقي بالنرد وتكتشف حقاً ما ينبت في صدرها.
وحين تنقلب الطاولة على كيتان، أرادت حقاً أن تقلبها عن آخِرها. نادت ألا يكون هذا النمو إلّا عوناً لها على الهرب. وإن لم يكن، فهي مستعدة للمغامرة مرة أخيرة قبل الانتقال إلى تدابير أكثر قسوة. تتبعت حواسُّ الرجل وهو يدور حول المذبح. لم تستطع الإفلات حتى لو أرادت. مهارتها أكدت لها أن كيتان مستعد للموت، وثابت على عزمه. إن كان هذا جلّ ما في شكل زيلث الأساسي، فلا عجب إذن أن تاركون أخبرها بمدى عبثيته.
أي عاقل يوطّد نفسه للموت فقط كي يتمكن من استشعار مشاعر الآخرين؟ لو كانت حاسة لاستشعار رغبة الآخرين في القتل، لعرفت لنيكس قيمة… لكن الموت؟ أي نفع فيه؟ إلّا إن مارس أحدهم طقوس التضحية بالذات… لكن من يفعل هذا؟ ما من منتمي طائفة يرغب في إزهاق روحه. هم جشعون وأنانيونبطبعهم. كلهم. لم تستغرق وقتاً طويلًا لتألف نغمة الترنيمة. تصاعدت وتخففت بنغمة سماوية شوّهها كيتان برداءة مخارج حروفه.
سمعتها من قبل، وما إن استوَت في أذنها حتى تكفّلت الأصوات باكتمالها داخل عقلها. بوسعها المتابعة من حيث ينتهي كيتان.
انتظرت حتى صار كيتان فوق رأسها، ففتعت باب «إين»
موارباً. ببطء، تفادياً لتنبيه الرجل الذي يستعد لقتلهم، سمحت لوخز النمو بأن يدفئ صدرها. لا جدوى من الانتظار. دون معرفة مآل التغيير، وجب عليها منح نفسها وقتاً يسبق بلوغ الطقس خاتمته. احتاجت إلى ذلك الوقت لتبين ما إذا كان التحور عوناً لها أم لا. دوى شرخ مدوٍّ في أرجاء القاعة، فكظمت نيكس صرختها. رمقها كيتان بنظرة ضيقة، لكنه واصل ترتيله. بدت وكأن عظم قفصها الصدري قد تحطم.
تفتّت العظم الأوسط الواصل بين أضلعها ثم أعيد تشكيله ليفسح المجال لشيء جديد يحلّ محله. عجزت نيكس عن تحريك ذراعيها، فعجزت عن إزاحة الرداء لترى ما نبت هناك. وجهت بصرها ليخترق النسيج، كي تحظى ولو بلمحة عما حدث. لا كتل غريبة حيث وُجد الألم. ما نبت في صدرها طرف جديد، ولا سواه. مهما يكن تغييرها، فقد توارى خلف قماشة ثوبها العلوي. حدقت نيكس بغضب. احترق بصرها جهداً وهي تتحسس التحول.
ما هو؟ أيعينها؟ وماذا لو أشبهت الهلام الذي تحولت إليه قدماها، فصعبت العيش أكثر؟ ماذا لو استُبدل عظمها بشيء واهٍ وهشّ؟ بل وأكثر هشاشة. حدقت في صدرها، مصرّة على معرفة السبب الكامن خلف ذلك الألم المبرح. احترقت رؤيتها. ثم فتحت نيكس عينها. سرى وخز خفيف آخر في صدرها، لكنها لم تعره اهتماماً. في ومضة، غُمست بمعلومات لم تضطر لمعالجتها من قبل. مائة خيط متداخلة. ركّزت بعمق، فألفَت كل خيط منها محتوياً على ألف ليف.
تضاعف ثقل بصرها أكثر، وفجأة تفتّت حلقة نسيجية على صدرها. وسط ذلك الثقب في ثوبها، استقرت جوهرة نحيلة. حمراء كياقوتة، لكن يشوبها مسحة طفيفة من البنفسجي، انغرزت بلّورة في صدرها تماماً أسفل التقاء ترقوتها. بالكاد أبصرتها في موضعها، لكنها لم تخطئ تبدل لونها النابض حين تحركت حواها الجديدة لتتأمل نفسها. صار لنيكس عين ثالثة. راقبَت الجلد المحيط بجانبيها وهو ينزلق ليتلاشى في بقية صدرها.
جفون حجبت رؤيتها فيما مضى، وقد ولت. لم تشبه الرؤية عينَيها الطبيعيتين أبداً. بدا كل شيء أحادي اللّون بلُّوريٍّ أحمر مائل للبنفسجي. بدت الرؤية في كل جانب أدنى شأناً من عينيها… حتى ركّزت. لحظة حدّقت عينها الثالثة بالسقف من فوق، غدت رؤيتها كبصر صقر. وحين ضغطت أكثر، ثقُلت رؤيتها، فترى أبعد. ما صغر صفا. امتد بصرها ليبلغ وديان نقوش المعدن وتعرجاتها، لترَى بطريقة تعجز عنها أي مجهرة.
«ماذا تفعلين؟»
صرخ كيتان مقاطعاً ترتيله.
«توقفي الآن».
سحب سكين القربان من غمدها ووضعها تحت رقبتها. علمت أنه لن يفعلها. ليس الآن. لم ينضج الطقس كفاية للقرْبان. إن قتلها الآن، ضاع كل شيء سدى. لكن ذلك لم يخفف شيئاً من الخوف الغريزي لحدّ نصل مضغوط على حنكتها. رفعت بصرها، فاكتشفت ما فطَن إليه كيتان. أينما حطّت عينها، بدا السقف متهدّماً بخفة بالغة. تساقط الغبار من السقف. سقط الغبار، لكنه لم يتجه قط نحو الأرض. بل انحنى بأسره نحو الججوهرة في صدرها كأنها ثقب أسود بذاته.
رغم السكين المصلتة على رقبتها، شدّت من بصرها، لتصدق حدسها. هذه العين الجديدة تدرك الأشياء عبر تدميرها واستهلاكها. حولّت تلك النظرة نحو كيتان. قرار مشكوك فيه بأثر رجعي، لكن مع لعبة جديدة للتسلية، وجب عليها التجربة. أطلق الرجل أنة خفيفة فيما تساقط أجزاء من وجهه. بدل ذلك، هبط بمقبض السكين على جانب رأس نيكس، ثم حاول طعن عينها البلّورية. لم يتمكن النصل من خدشها حتى. حتى وهي مذهولة، تمكنت عين صدرها من متابعة السلاح، وتحت وطأة بصرها الهائل، تهاوى حدُّ السكين القاطع.
ما تبقّى في يد كيتان لم يعدو كونه كتلة فولاذية كليلة.
«أيتها الفتاة اللعينة»، زمجر وتراجع.
حاولت نيكس إبقاء بصرها عليه. حاولت حفر ثقب في رأسه، لكن قبل أن تحقق أي تقدم، ألقى كيتان بعباءة التخفي فوقها. التّف القماش الوحشي حولها وحجب رؤيتها. اصطدم إدراكها بالعباءة، فلم تجد ما تراه. لا شيء تستهلكه. اعترض الغطاء بصرها وتركها عمياء. لازال لديها عينان، لكنهما لا تكفيان قط. ثوانٍ معدودات أمسكت فيها بالعين الياقوتية. لحظة واحدة منذ فقدانها، وباتت تتوق لعودتها بيأس.
عجزت عن استخدام تحورها الأحدث بعد الآن. لقد كانت أنفع بكثير مما تمناه، وفي لحظة طيش، أفرطت في تفريط ميزتها. لو تمالكت نفسها، لاستطاعت إذابة تلك القيود. ولو لم تندفع فور رؤية الفرصة، لظلت عين عظم صدرها متاحة لها. عانقت العباءة جسدها بإحكام. ضغطت على صدرها، وسحقت نتوءات جناحيها على ظهرها. ظلّ كل طرف مقيداً. والآن، أبقى كيتان مسافة آمنة، ناظراً إليها بحذر. صار اصطياده على حين غرة أكثر صعوبة.
جزّت على أسنانها حين وقعت عيناها على الملك الصغير، طافياً في زاوية الغرفة، لا يفعل سوى المراقبة.
«أترغب في المساعدة أيها المقلوظ؟»
سألت، دون الاكتراث إن ظنها كيتان مجنونة الآن.
«أنا أراقب»، أجاب مؤومئاً كأن في ذلك عوناً.
«حقاً، شكراً».
قلبت عيناها.
«راقب هناك فحسب بينما يفتح هذا النذل صدري. ستغدو ذكرى طيبة».
همهم الملك الصغير مؤومئاً مرة أخرى.
«آه، إذن فقد فقدتِ صوابك»، قال كيتان فجأة.
التفتت نيكس لترمقه وهو يمرر يده على النصل. تتساقط رقاقات المعدن، وتبدو السكين حادة كالسابق. وإن بدت أنحف قليلاً.
«كنت أرجو ألا يحدث، لكننا بلغنا هذه النقطة بالفعل».
قفز استعداد كيتان للموت في حواس نيكس. كأنه تخلى عن كل أمل في النجاة، وأدرك أن حياته أوشكت على النهاية. حيث وُجد من قبل بعض الأمل بالنجاح، حلّ الآن شبق مستميت لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا معه. من أراد موته؟ طائفة التقنية؟ محرّفو اللحم؟ رفقاء نيكس في العنبر؟ أياً يكن من غدا يكرهه إلى هذا الحد، فلا أهمية للأمر. لم تكن لتفني نفسها من أجله. استعد كيتان للموت، لكن نيكس لم تسمح له بسحبها معه.
فتحت «إين»
مجدداً، بينما دنت الترنيمة من نقطة القرْبان. اندلع ألم في أسفل بطنها، لكنه اقتصر على ذلك. مرة أخرى، لا طرف مفاجئ تستخدمه، ولا حاسة جديدة تشعر بها. لولا الوخز الخاطف في كليتيها، لما صدقت وقوع تغيير من الأساس. تسلق كيتان المذبح، وأدركت نيكس نفاد وقتها. حاولت قضم كاحليه، ناسية للحظة أن أسنانها بليدة وعادية. لكن لا مبالاة، فقد منعتها السلاسل من الاقتراب. تنهّف النذل فوقها.
«لا تصعبي الأمر أكثر مما ينبغي».
تخطاها ثم جثا فوق صدرها، رافعاً ذراعيه والسكين مصلتة عالية.
مرة أخرى، انشقّت «إين»، واكتسحتها موجة ألم عارمة في ظهرها.
شعرت بعمودها الفقري ينفجر خارج جلدها، مخترقاً العباءة، ليحتك بالمعدن خلفها. تلوّت عباءة التخفي كأنها تتوجع، لكنها لم تنفك عنها. أغلقت اسمها ثانية، فأوقفت التحول في منتصفه. لن يعينها هنا. أدركت ذلك. ولن يجلب لها سوى المشاكل لاحقاً. بلغت الترنيمة ذروتها، وأيقنت نيكس عجزها عن كبحها أكثر. ستموت إن لم تفعل. مقيّدة كما هي، مثّلت النجمة المظلمة خطراً فادحاً. الوحوش التي رأت طياتها…
لا، لم ترغب في إتاحة مزيد من الفرص للكائنات الواقعة خارج إدراكها لأكلها عما حدث سلفاً. تحوراتها القديمة وجب أن تكتفي بها، حتى لو جعلت حياتها بالغة الصعوبة مستقبلاً. أشواكها، إن واصلت النمو كما أدركت، فسيستحيل إخفاؤها… وما من سبيل لتعلم خيار ينتظرها في ذلك الدرب. الأجدر الاتكاء على ما تعرفه. حتى لو كان ما تعرفه خطيراً. لم تتردد نيكس بعدها.
فتحت «أوث»
وأطلقت جناحيها. اندفعا للخارج بقوة فاقت كل توقعاتها، ممزقين العباءة ورداءها حتى أضحيا أشرطة. لامس الطرفان الريشيان ركبتي كيتان، فأفقداه توازنه. غدت عين صدر نيكس طليقة الآن، وفاحت فرصة سانحة. فوراً، اصطدم كامل ثقل بصرها بعين مشرفها اليسرى، فتساقطت المادة اللحمية في العشرات من القطع متناهية الصغر، قبل أن تثقب العين ذاتها وتتدفق السوائل في كل مكان. واصلت صراخ كيتان، وارتفعت يده لتغطيتها، لكن نيكس انتقلت إلى عينه الأخرى.
أي شيء لبلوغ دماغه أسرع. قبل ثانية من فقدان الرجل بصره نهائياً، أدرك ما تفعله. قبض على السكين في يده وهوى بها. اخترقت عينه الثانية، واهتزت جانباً، لكن ذلك لم يمنع السكين من الغوص في صدرها. حفرت نيكس نظرتها ثقباً في رأسه.