طقطقت ساعدا نيكسالراي وانكمشتا إلى حجمهما الطبيعي حين سحب يوغ طاقته من يدها. التحمت المادة الكيتينية شبه دون درزات بفعل قدرتها على التجدد، لتتخلص من القشرة القديمة المحطمة التي لم تتحمل التحول جيداً. لم يكن شعوراً ممتعاً، أن تسمح لجسدها بتقبل أشكال مدمجة. لم يكن الألم شيئاً يمكنها تجاهله حتى هي. وكانت عشوائية التعديلات مقلقة للغاية أيضاً. فسوء الحظ، رغم براعة تلك الكتلة الهلامية في ضخ الدماء عبر عروقها، لم تكن تفهم جسد الأجلاب.
ولكن مع ذلك، كان التمكين أفضل من أن يُتجاهل. لا سيما حين أدركت أن أوستلوث كان يكافئ تعديل جسدها بأكثر حتى من القتل والهجمات النفسية. أشارت نيكسالراي ليوغ، فنزفت الدماء من أجساد الأوصال الاثني عشر الممددة عبر النفق في عرض مروع آخر. بالكاد كانت هذه المجموعة من الكتبة تشكل تهديداً، لكن كانت هناك تفاعلات كثيرة لاختبارها، وتقنيات قتالية للمران عليها، وأسماء لدفعها إلى أقصى حدودها.
وكان هدفها أكبر من مجرد حصد بسيط لعبدة الطائفة الذين تطاردهم. حين انضمت الدماء المكتسبة حديثاً إلى الطقس، توهجت بلون أحمر ساطع أنار النفق المظلم. واتجهت خيوط زرقاء فاتحة تطفو قرب كل جسد نحو الأرنب الغائب عن الوعي في يدها. أنشدت نيكسالراي السطْر الأخير من الترانيم، واكتمل الطقس بصوت خبطة مدوية ترددت أصداها عبر جسدها. فزع الأنب، الحامل الآن لأرواح عشرة رجال ونساء، لينهض متيقظاً.
تراقصت عيناه في اتجاهات كثيرة متباينة حتى بدا وكأن بؤبؤيه قد انشاقا. وتخبطت ساقه الصغيرتان بينما كانت عقول مختلفة تتخلخل بحثاً عن السيطرة. كانت نيكسالراي قد اقتبست صفحة من استدعاءات هاوية الأرواح. لم يكن طقساً لاطلاء الأرواح أحادي الجانب الذي مدَّ الأعمدة بالطاقة، لكن بالنسبة لأحد طقوسها الأولى المعاد ابتكارها، كانت في قمة حماسها إزاء النتيجة. فتحت فمها، وتوقفت الحركات الفوضوية للأرنب الذي صار يصرخ فجأة ودون توقف.
استقرت عيناه عليها. تلك الأرواح، العالقة في هيكل عجز عن التعبير بالكامل عن أسمائها، تجمدت رعباً مما كانت تعلم أنه سيحدث. كنَّ فرائس، لا أمام مفترس، بل أمام قوة طبيعية يستحيل الإفلات منها. اخترقت الأسنان رقبة الأرنب. بالكاد لاحظت نيكسالراي انزلاق الرأس في حلقها قبل أن تبتلع البقية. من الناحية التقنية، كان لا يزال من الأجدى ابتلاع قتلاها بفك صدرها، لكن بعد عدد غير قليل من عمليات الصيد هذه، اكتشفت كم...
قد يكون فعالاً ترك مشاهد لمجزرتها وراءها. أحياناً، وحين كانت حذرة في إبقاء نفسها مخفية تماماً طوال القتال، كانت حتى تطلق سراح الأرواح. تمنت نيكسالراي فقط لو أنها كانت هناك حين اضطر منشدوا الأرواح لكل طائفة للاستماع إلى التوسلات المذعورة لأرواح يُفترض أنها عديمة المشاعر. تشرّدت نيكسالراي بتمهل بعيداً عن موقع المذبحة.
مرت بلافتة باهتة تحمل عبارة "بي 6"
على الجدار بجانب بئر مصعد مغلق منذ زمن طويل. كان مثيراً للاهتمام العثور على مثل هذه البقايا العتيقة في جزء مألوف نسبياً من كورال. وعادةً، كانت أعمال الإصلاح والاستبدال وإعادة تخصيص المساحات تمحو آثار زمن ربما لم يكن فيه المكان بهذا القدر من الفساد. وحدها ظلال كورال ظلت بمنأى تام عن العبث. ولكن حتى حينها، كان دمار الزمن قد عدّل تلك الأماكن إلى حد باتت فيه عصية على التعرّف.
شكت نيكسالراي في أن البشر القدامى قد عاشوا وسط هذا الفولاذ المشرشر والمتهالك. لربما كانت هذه اللافتات هي البقايا الأكثر شيوعاً التي صادفتها نيكسالراي وهي تقضي الشهور الأخيرة منتقلة عبر كل زاوية في كورال. كانت — حسب اعتقادها — إشارة قديمة لرقم الطابق. يكاد يكون الأمر لا يصدق هذه الأيام، إذ لا يترك الفساد طابقاً فوق آخر. بصراحة، جعل مستوى ما يحمل رقماً يرجح أكثر ألا يكون ذلك الرقم صحيحاً.
كان الفساد متقلباً على هذا النحو. لكن... كان الطابق السادس واقعاً في نطاق دقيق على الأرجح. كان هذا أحد المستويات العليا، وقريباً من المنطقة الآمنة بما يكفي لئلا يكون الفساد كثيفاً للغاية. سمعت نيكسالراي أصوات الكتبة النصف دزينة قبل وقت طويل من ظهورهم. كانوا يرفعون أصواتهم؛ ولا يحاولون إخفاء أنفسهم. وكان ذلك أمراً جيداً. يعني أنهم لم يكونوا فرقة كمائن أخرى، وأنها لم تجعل عمليات صيدها متوقعة مجدداً.
رغم أنها تأسفت على الوقوع في مباغتة، فقد مثّل القتال غلة مثمرة. فلم تكتفِ بإضافة زوج من التطورات التاسعة إلى معدتها — مباشرة بجانب سولان، التي كان لديها المزيد لتقدمه — بل إن التجربة بحد ذاتها كانت لا تُقدر بثمن. وخصوصاً ذلك الحرفي النذير الذي انضم إليهم. كانت طقوسه... فريدة، أقل ما يقال فيها. وكانت نيكسالراي عاكفة بالفعل على محاولة فك شفرة كيف يبعثون بفنهم إلى الحياة.
وقد حسبت أن آري ستستفيد منه جيداً. وربما إظهار الفتاة أنها قادرة على تعلم تقنياتهم دون الانضمام إليهم فعلياً سيقنعها بخلاف ذلك.
سمعت نيكسالراي وهي تواصل التقدم نحو الأصوات: "أرأيتم؟ قلت لكم إن الشائعات كانت مبالغاً فيها. الكابوس ليس ما يُقلق. ليس أكثر من طيف يخدش زجاج عربة."
كظمت نيكسالراي ألمها عند سماع اللقب، قبل أن تمحو التعبير من وجهها تحسباً لأن يمتلك أحد الستة وسيلة لرؤيتها قادمة.
كان أمراً طبيعياً أن تُمنح لقباً بعد الإجهاز على سولان وهجماتها اللاحقة الواضحة للغاية على الطوائف، لكنها كانت تفضل "قاتلة الطوائف"، الذي كان متداولاً هو الآخر.
كان ذلك الاسم يضرب في صميم هدفها، ويكاد يكون وعداً بأنها قادمة لأجلهم جميعاً.
وبدلاً من ذلك، استقر الأغلب على ما يبدو على "الكابوس".
أهون من أن يكون "أنياب المروعة".
كان ذلك عسيراً على النطق. ولا يصنع صرخة أخيرة ممتعة من ضحاياها.
"أتنكرون هذا حقاً؟"
صرخ صوت ثاني تقريباً. بدا صغيراً.
"نصف الطائفة في إغلاق تام والحرب توقفت. العقائد العليا لا تتصرف هكذا من لا شيء!"
كان ذلك... أثراً جانبياً مؤسفاً إلى حد ما لأفعالها. فور مقتل سولان، بدا أن الطوائف تلقي بأنفسها على بعضها بحماس غير مسبوق. اشتعلت الحرب بغضب حين تسابق الجميع للحصول على موارد صانعي الأجسام حتى اخترقت ساحات القتال قبو الأحياء وجرّت الطوائف غير المعنية إلى المعمعة. كانت الأسابيع القليلة الأولى مذهلة. كانت الظروف مثالية لعلامة نيكسالراي المميزة من الضربات الخاطفة لتترك الآلاف قتلى كل يوم.
ثم فطنت الطوائف لعمليات صيدها. وهدأت الحروب وبدأت تحصن دفاعاتها. وحدها حرب عبدة التكنو اشتعلت كما في تلك الأسابيع الأولى. كما ظلت تفعل لقرون. وما زال صانعو الأجساد والكتبة يقاتلون، لكن على فترات متباعدة، وفقط في ساحات القتال التي يتواجد فيها أقوى النذير. وهو ما جعل نيكسالراي عاجزة عن حصد نفس الأعداد التي حققتها في تلك الأسابيع القليلة الأولى. وغالباً ما اقتصر الأمر على الرعاع، مثل هذه المجموعة أمامها، المبعوثة لتنفيذ مهمة حقيرة أو تلك.
"لم تقع الوفيات إلا في أجزاء كورال العميقة. وفي هذا الارتفاع، نحن-"
توقف من ظنوا أنهم في أمان، والتفتوا ناحية نيكسالراي.
"يبدو أن لدينا ضيوفاً."
من بين الكتبة الستة الذين التفتوا فجأة لرؤيتها، بلغ واحد فقط تطوره الرابع. ولم يكن البقية سوى في الثاني أو الأول. وبالنظر لغياب أي رد فعل منهم تجاه نظرتها، فقد عمل مخفيها تماماً ضدهم. ومن الغريب أن الرجل الذي كان واثقاً تماماً من أنهم لن يصطدموا بها لم يكن كاتب التطور الرابع. تلاطمت عيناها باتجاه الأقوى فعلياً. كانت الوحيدة التي بدت مستعدة للقتال حقاً، لكن حين مرت نظرة المرأة الحذرة على نيكسالراي، استبعدتها فوراً باعتبارها غير مهمة وعادت تتفقد ما وراء كتفها.
نذير وحيد ملحق بمجموعة من الكتبة الأدنى؟ بالنظر إلى تعبيرها الساخط، قد يكون الأمر عقاباً بحتاً. تنزيل مؤقت من الرتبة نوعاً ما.
سأل الرجل الذي لم يشغل بملك بالقلق ببلادة: "ما الذي تفعله طفلة هنا؟"
شعرت نيكسالراي بانزعاج طفيف من طريقة المخاطبة. صحيح أنها لا تزال قصيرة — فالضرر طويل المدى لسوء التغذية على النمو لم يكن شيئاً تستطيع عكسه — لكنها علمت أنها تبدو على الأقل في عمرها الحقيقي الآن.
لو أنه عرف من تكون، لما ناداها بـ"الطفلة"
أبداً. تتبعت عيناه كتفها، ومرت على وجهه نظرة تفهم. والتقطت تلميحاً من الغرور المؤكد للذات أيضاً — فعينها الدوّارتان كانتا تران أكثر مما ينبغي — لكنه كان لطيفاً بالقدر الذي يمنعه من جعل الأمر فاضحاً.
"الأرشيف ردك خائبة؟ هذا مؤسف، لكنه متوقع. أنت لسست الطفلة الوحيدة التي طرقت الأبواب في الشهرين الماضيين. ليس الجميع أهلاً للانضمام إلى الكتبة."
أدارت النذير عيناً خفية نحوه. وارتفع حاجباها بمرارة مشككة. تظاهرت نيكسالراي بعدم الملاحظة. الأرشيف؟ كان أحد معاقل الكتبة خارج المكتبة. كانوا يدربون معظم مريديهم هناك الآن بعد أن صار السطح محظوراً. حين فكرت بالأمر، لربما كان هذا المكان مقصْد المجموعة الأخيرة التي قطعتها. رغم أنهم كانوا أقوى بكثير من مجرد مريدين. بدا هذا الثرثار مولعاً بافتراضاته. استمتعت نيكسالراي بنمط أمثاله.
كانوا ممتعين للغاية للعبث معهم قبل أن يموتوا. وبما أنها كانت تقترب أصلاً من هذه المجموعة بأقل قدر من الجدية، فلمَ لا تؤدي الدور الذي منحوه إياه؟
سألت، مقدمة أفضل انطباع عن طفلة لا تعرِف شيئاً عن العالم: "أيمكنك معرفة ذلك؟"
عينان واسعتان جميلتان حدقتا به وداععبتا غروره.
قال بالكثير من الكبرياء: "بالطبع."
قلبت النذير عينيها وعادت تفحص النفق بحثاً عن التهديدات.
"ربما أبعدناك اليوم، لكنك قد تكتسبين يوماً إضافة تستحق ضمك."
قالت أخرى من بينهم: "لا تكذب على الفتاة."
امرأة بدت هلعَة نوعاً ما ظلت عيناها تتنقلان بين الظلال حولهم.
"إن كانت هنا تبحث عن طائفة، فقد تلقت تسميتها. وحتى لو انتظرت إضافة ثانية قد لا تأتي قريباً، فالراجح أنها ستكون بسوء الأولى. علاوة على ذلك، ودون أمان طائفة أو حماية، ستلتهمها... تلك الشيء،"
توقفت.
"تماما كما سنفعل إن ماطلنا لنقيم حفلة شفقة لكل طفلة هالكة في كورال."
تحرك الجميع بارتياد باستثناء العنيد. وانضموا إلى المرأة في تفحص الظلال. شعرت نيكسالراي بإغراء شديد لنشر ظلها وجعلهم يتحركون فقط لتضخيم مخاوفهم، لكنها تمالكت نفسها. لقد منحوها طريقاً آخر.
سألت ببراءة، كما لو لم تكن تدري عما يتحدثون: "ذلك الشيء؟"
"الكابوس،"
نطق الشاب الذي سمعته أول مرة. نطق اللقب بهمس خافت، كأن التلفظ به سيحضره.
"أطلق صانعو الأجساد ملكاً من الظلام على كورال، وليس هناك الآن سيلة لمعرفة أين سيضرب. سوى أنه سيضرب. غضبه على البشر لا مفر منه. سمعت أنه يستطيع الظهور في أي مكان، بأنان متوهجة حمراء قادرة على قضم أقسى السبائك المشبعة بالفساد."
اتسعت عيناها خوفاً مصطنعاً. لكنها في داخلها كانت تبتلع الأمر بلذة. أكانوا يظنونها ملكاً؟
"لو كان ذلك صحيحاً، لتم اختراق معاقل الطائفة بحنكة."
ورغم التوتر الذي ينضح من الآخرين، ظل هذا الرجل راسخاً في اعتقاده. صحيح أنها لم تكن تستطيع مضغ كل شيء... لكن معاقل الطوائف لم تكن محصنة دائماً بأصلب المعادن. فقد تسللت نيكسالراي إلى روافد العابدين بقليل من الحمض وقوة تفوق المتوسط بقليل، بعد كل شيء. لكن حقيقة جهلهم بهجومها الأسبوع الماضي كانت مفاجأة. لقد أُعجبت بصراحة بقدرة صانعي الأجساد على إبقاء ذلك طسياً. كان الانتقال الفوري مفيداً جداً.
ومخيفاً جداً.
قال الشاب الأصغر: "إذن فذلك أحرى بنا للعودة إلى الأرشيف سريعاً."
بقيت عيناه معلقتين بنيكسالراي للحظة، والتي كانت تقدم أداء مذهلاً في التظاهر بالهلع المفاجئ. انحنت كتفاها ونظرت حتى حيث كان عليها الذهاب كأن وحشاً ينتظرها.
"ألديك مكان تذهبين إليه؟"
فضولاً منها حول مجرى الأسئلة، هزت نيكسالراي رأسها نفياً.
"أنا متأكد من أن الطائفة تستطيع الاستعانة بيدين لمهام وضيعة. ليس كل شيء بحاجة إلى اسم."
تفاجأت نيكسالراي، لكنها لم تفوت كيف انقضت أعين باقي الكتبة عليه. كان الأمر أشبه بالغرابة لمدى تطابق رد الفعل المشترك.
قال الرجل الشجاع: "نحن لا نضم أي حثالة تم رفضها بالفعل من الطائفة. توزا، أنت معنا منذ بضع سنوات حتى الآن؛ واجه تلك الشفقة، وإلا فستكون نهايتك. لن أسمح بتلطيخ سمعتي بسبب أفعالك الحمقاء."
انتفض الشاب وفتح فمه للدفاع عن نفسه، لكن كاتباً آخر سبق بالتحدث. أحد الاثنين الأخيرين اللذين لم تكن نيكسالراي تعيرهما اهتماماً يذكر.
قال لمفاجأة الجميع: "لا، ربما كان توزا محقاً. هذه الفتاة تقف في وسط العدم، تسلك أحد أقل أنفاق الأرشيف شهرة، بلا طائفة أو حماية تحرسها. يمكننا اصطحابها، ولن يدرك أحد. بلا عقائد عليا تأخذ حصة الأسد. بلا شكاوى من عبدة التكنو لسرقة الحمايات. ألم نقع للتو في أفضل سيناريو؛ أضحية بشرية، مجانية تماماً."