قال: "كيف يسير البحث عن أيفو؟"
رمقته أوساي بنظرة محبطة وقالت: "أتريد حقاً قطعة أخرى من الأخبار السيئة الآن؟ بوسعي قطعاً جعل يومك البائس أشد بؤساً."
لم تكن تلك الإجابة التي يرجوها لوي. دلك صدغيه وهم بمغادرة المعرض. مر بمئات السنين من التحف المعلقة على الجدران، وكل واحدة منها لا تقدر بثمن كالتي تليها. طوال معظم حياته، كانت تلك اللوحات تملؤه برهبة لم يبلغها شيء قط. حتى الأكثر خطورة بينها. تلك المغطاة بصفائح الختم بصفة دائمة. شعر دائماً بالغريزة بالقوة المنقوشة في تلك اللوحات. ليس بعد الآن. الآن، حين انزلق بصره فوق الشكل الخشن لتلك التصويرات البدائية، لم يرى سوى العيوب.
كانت عمل أطفال. صغار يخدشون الجدران بالقاذورات. لم يعد لوي قادراً على رؤية جمال تلك اللوحات ورعبها. كانت لعنة. واحدة عليه تحملها إثر شهوده للمحيط الأبدي. بعد تفسير الفن المتجاوز لكل ما سواه، بات عاجزاً حرفياً عن تمييز أي فن آخر. فأي شيء يمكن عده فناً بجانب أعظم إنجاز لحرفيي النذير؟
تنهد وقال: "لا يمكنني تجاهل الأمر. ماذا وجدتم؟"
تبعته أوساي، لكن عينيها علقتا بالقطع المعروضة. بقيت هناك دهشة غابت الآن عن مفسري الجدران أمثاله.
قالت: "لم أجد شيئاً يُذكر. لم يبقَ حتى ظل من روح الرجل."
"إذن عثر عليهم منشدوا أرواح صانعي الأجساد؟"
كان الاحتمال الأرجح، لكن سماعه ظل مقلقاً. نظراً لمصير صانعي الأجساد، ينبغي لعملياتهم السرية مع لاعبي الأبدان أن تظل طي الكتمان. المشكلة الأكبر تمثلت في أن أياً من الأحداث المحيطة باستدعاء زانديسث لم تسِر وفق المتوقع. التفاصيل الوحيدة التي جرت كما ينبغي — بصورة مقبولة — هي فشل الطقوس. لم تتحقق حقيقة تنبؤية واحدة أخرى. لم يتعطل الجسر. لم يغرق أي جيش من الطفيليات الماصة للأرواح مدينة كورال عبر آلية الأمان المعطلة.
واختفت فرقة الضربة الرئيسية — بقيادة أيفو — من على وجه كورال. بعد الكثير من النجاحات الأخيرة، كانت تلك ضربة لتقدمهم. أسوأ فشل تفسيري لهم منذ بدء المشروع قبل أكثر من عقد. ثم مات سولان. كانت صدمة محت الفشل السابق من أذهان الجميع تماماً. شخصية ضخمة بمثل هذا الثقل في كورال قد رحلت الآن؟ ولم يتوقع ذلك أي من المفسرين؟ كان لدى لوي تنبؤات لسنوات قادمة تخص سولان. للمستقبل حين يدخل الجزء الثاني من مخطط حرفي النذير حيز التنفيذ.
تبين جلياً خطأ تلك التنبؤات. الكثير من التخطيط والتحضير صار بلا جدوى. لكن لم يكن بإمكانه القلق حيال ذلك. كيف له؟ في ظل فشل تنبؤاته يمنة ويسرة. جدارية المحيط الأبدي تثبت أنها غير موثوقة.
أجابت أوساي عن سؤاله أخيراً بهمهمة غير حاسمة: "هممم."
توقف لوي في مكانه والتفت إليها.
قال: "أنتِ لا ترين أنهم صانعو الأجساد."
قالت: "لا."
نقرت أصابعها على صفحات دفتر ملاحظات صغير معلق بحزامها. ومضت الصورة الصغيرة في الزاوية بالحياة.
"كانت هناك علامات شجار. لا جثث. لا دماء. أغلبها خدوش وآثار عالقة للاعبي الأبدان المختارين للمهمة... لكني وجدت علامات وبواقي أخرى تصيبني بالحيرة فحسب."
"أولاً، وُجد غاز أعصاب شديد التفاعل خاص بلاعبي الأبدان لا يملك أي من أفراد فرقة الاقتحام حق الوصول إليه. ظننت ربما دعوا عضواً آخر من طائفتهم، لكن البقية تجعلني لست متأكدة تماماً."
"حملت الأرض علامات حفر عميقة تشبه آثار ضربة ثقيلة بخنجر، باستثناء النمط النموذجي للمناشير الآلية. وحدها، إلى جانب بعض أنماط ثقوب الحفر، تجعلني أظن إما طائفة التقنية أو العباد. لكن اضطررت بعدها للعثور على بقع جافة لمادة لم أُصادفها قط، والثقوب التي خلفتها الأسداء. ولم تكن أية أسداء. اضطررت للنزول خمسة طوابق لأجد أين توقفت. هذا متر كامل من الفولاذ الصلب!"
لم يكن لوي متأكدامن دلالة تلك التفاصيل على أمر جوهرّي. ورغم أن حضور عابد ملك آلي سيمثل كارثة — إذ لا يمكن السماح لهم بمعرفة التعاملات المزدوجة لحرفيي النذير — إلا أنه يصعب تصديق وجود أحدهم في محيط جزيرة صانعي الأجساد. والأصعب من ذلك طائفة التقنية بأعدادهم الأقل. لم تستطع أي من الطائفتين المخاطرة بتحويل القوة اللازمة لقتل لاعبي الأبدان المتمركزين هناك. ليس حين تكون ساحة معركتهم في الطرف الآخر من كورال.
حسناً، بدا الأمر ممكناً إن عرفوا تحديداً اين ينظرون في الوقت المناسب تماماً... مما يشير إلى تسريب في العقائد العليا للنذير. ولإفشاء ذلك، في عملية لا ناقة لأي من الطائفتين فيها ولا جمل... حسناً، إنه لأمر لا يصدق. والأرجح بكثير أنهم صادفوهم صدفة.
سأل: "إذن ما الذي ترين أنه حدث؟"
أخذت أوساي وقتاً لتتكلم وقالت: "أعتقد — وهذا هو الجزء الذي ستكرهه أكثر من غيره — أن كل هذه التفاصيل الصغيرة لا مهمة لها في الواقع. إنها فوضوية أكثر من اللازم. غير مركزة. وكأن شيئاً ما يحاكي الأسلوب البشري في القتال، دامجاً أجزاء عشوائية من أنحاء كورال في نوع من المسوخ."
راودت لوي فكرة عن وجهة هذا الكلام، لكن لم يحن له حتى الوقت للتنهد قبل أن تمضي قدماً في نظريتها المتآمرة.
أعلنت بصوت بالكاد يمنع نفسها من الصراخ به: "إنه نفس الشيء الذي قتل سولان."
أطلق لوي أنيناً وغادر عبر الأقواس الأمامية للمعرض. بالكاد يمكن احتواء جدارية المحيط الأبدي في مكان... غير مقيد هكذا. الآن وقد انتشر الخبر، كان عليه النزول إلى المجموعة الخاصة، ثم إلى مهد الجدارية الخفي تحتها.
أصرت أوساي وهي تتبعه مجدداً: "فكر في الأمر. موت سولان وصمة عار. واختفاء أيفو كذلك. فم وردي يمضغ الفولاذ أبعد ما يكون عن نجم مظلم يمكنني تخيله. حقاً، إنه لخيط رابط ضعيف بمفرده، لكن انعدام التماسك في كلا السيناريوين يعزز رابطة وصمة العار."
جادل لوي: "لقد شهدنا الكثير من النبوءات الفائتة في السنوات الماضية. لا شيء يمكنه التدخل في الأبدي بمثل هذه المباشرة. هذا مجرد عيب في تفسيراتنا. وكل ما بوسعنا فعله هو تنقيحها أكثر، وإنجاز الجدارية أخيراً."
"ربما صدقت ذلك، لو أن زعيمة صانعي الأجساد لا تزال حية. لكنها ذهبت. ماتت، وأخذت طائفتها معها. هذا ليس أمراً يمكنك تجاهله. مهما ساءت رؤيتك، أو رؤية أي مفسر آخر، فسولان وجود جوهري جداً بالنسبة لكورال. إما أنها لم تمت، أو أن المحيط الأبدي مخطئ."
"أفضل بكثير أن تظل سولان بين الأحياء — لا أصدق أنني قلت للتو — على أن تجوب كيانات كورال قادرة على تحريف الأبدي بهذه السهولة."
تجاوز لوي الأقواس الأخيرة ودخل القسم العام من المعرض. جعد أنفه حين بدت فتاة بالكاد تجاوزت سن التسمية مسددة عينيها نحوه. بدت الفتاة مستعدة لاقتحام المكان نحوه وإعلان حضورها مجدداً. لقد كانت ملحة طوال هذا الأسبوع، حتى لو لم يعرها أي من رجال الطوائف أي اهتمام. قبل أن تتمكن الطفلة من تثبيت أعصابها والتقدم، حدق فيها. هبطت كل الإحباطات المتراكمة طوال اليوم على الفتاة من خلال تلك النظرة.
حتى من على بعد عشرة أمتار، سمعوها تُطلق صرخة خافتة.
سألته أوساي مسرورة: "إذن لست معجباً بأعمالها؟"
ألقت نظرة عبر كتفها وهما يصلان إلى السلالم.
"إنه أسلوب فريد، سأمنحها هذا. تدرجات الأسود المختلفة ليست فظيعة بشكل مدهش في التعبير عن شكل الطائر. خطوطه الخارجية حادة، والريش ناصع. عادة، غياب التباين يضر بالموضوع، لكنها أنجزته بطريقة تجعل غياب تنوع الألوان يجعل الصور تظهر وتختفي كأنها تتحرك. أتساءل إن كان ذلك اسماً."
قال: "لا يمكننا قبول مريدين جدد حتى تكتمل الجدارية. إلا إن كانوا مواهب استثنائية. أهي كذلك؟"
"...لا."
بدت كأنها تتأمل الأمر فعلاً.
"غياب المساحات البيضاء في لوحاتها يمكن تفسيره بلمسة هوس بعوالم ما وراء الحجاب. إلى جانب ذلك، ومع فرادة أسلوبها، لا أظن أن لديه إمكانية أن يكون مفيداً."
أخذ لوي بكلامها. قبل عام، كان سيلقي نظرة واحدة على فن تلك الفتاة ليرى المدى الكامل لإمكاناتها. لم تكن تنبؤية تماماً، لكنها كانت مهارة جعلته يوماً مفيداً جداً في العثور على مريدين واعدين. الآن، تحولت تلك الأسماء لكشف أسرار المحيط الأبدي.
لم يكن دخول مهدي الجدارية أمراً عابراً وسريعاً. استغرقت الإجراءات وحدها ما يقارب الساعة. طالما تمنى أوليوي لو يستطيع استغلال رتبته ليطلب العبور دون كل هذه المعوقات... لكنه كان يعلم أكثر من غيره مدى أهمية استحالة ذلك. لو استطاع أي عقديّ رفيع أن يفرض عبوره هكذا، لأصبحت تحصيناتهم بلا أي قيمة. خلع ملابسه واغتسال وارتدى المعطف المطهر المخصص للوصول إلى الغرفة التي لا يدخلها إلا أقدر صنّاع النبوءات ثقة.
أبقى أوليوي عينيه مغلقتين بإحكام وهو يسير تحت جلال جدارية المحيط الأبدي. حتى وهو أعمى، استطاع تخيل جمالها الفريد الممتد عبر كل جدار وكل عمود وكل شبر من الأرض والسقف من حوله. وبقدر ما تمناه من فتح عينيه واستيعاب هذا الجمال مرة أخرى، كانت المخاطر أكبر من أن تتحمل. كان عليه أن يقنن ملاحظاته ويقتصرها على المستقبلات التي يحتاج إلى معرفتها وحدها. كسر همس خافت الصمت الموسيقي للمكان شبه السماوي.
كان هناك من يتحدث. بدا ذلك غريباً في هذا المكان الذي يتطلب عزلة تامة. حتى التنفس كان أمراً مستهجناً.
قال زميله المفسر: "أوليوي، ليس هذا وقت التردد. افتح عينيك".
فعل، ورأى فوراً ما جعل البقية يهمسون فيما بينهم. هناك، شقّ صداع أسود ثخين السقف حيث لم يسبق له مثيل. قطع الألوان والصور المتغيرة التي ترسم المستقبل في مخيلة أوليوي إلى نصفين متميزين. وحيث لم تكن هناك من قبل سوى العلامات السوداء البريئة لمستقبل يتلاشى، مزق الصدع السماء. لم يعد متأكداً البتة من رفضه لنظرية أوليوساي. ما عدا شيئاً بمقدوره تحطيم المصير يستطيع فعل هذا؟
لكن قبل أن يستغرق في التفكير، انطبقت صور المستقبل المتحركة على عقله ورأى بوادر مصير جديد. مصير يحفر في ذهنه كشظية زجاجية متفرعة. عشرات الاحتمالات. لم يكن ذلك طبيعياً. هناك دائماً مستقبل واحد فقط. مستقبل واحد يستطيع صُنّاع النبوءات جذبه ليكون في صالحهم. لم يرَ أوليوي شيئاً بهذا القدر من البساطة عبر السقف المبهم. رأى كورال تهوي في الثقب الأسود. رأى حروب الطوائف تمزق كورال نفسها إلى أجزاء عديدة، لتلتهم بعد ذلك من الداخل بواسطة الملوك أو المسوخ أو أي شيء آخر تحميهم المنصة الباقية سليمة منه.
ثم ظهرت صور أكثر شخصية. رأى نفسه ميتاً بألف طريقة. رأى أبطال الطوائف مذبوحين ومكومين بعضهم فوق بعض حتى أكل الضوء الساقط من عاصفة التراكم جبل الجثث. واجه قادة الطوائف أسوأ عقاب. علق أوليوي في تلك النهايات المحتملة لأقل من دقيقة، لكنها بدت كأبدية. في النهاية، شعر بالغثيان لمجرد امتلاكه جسداً. كاد يمنع نفسه بالعافية من تمزيق أحشائه بنفسه. إذا ذبح نفسه أولاً، فلن يحدث له أبداً ما حل باولئك القادة.
كان هناك شيء ما في الخارج يكره الطوائف بصدق. بأكثر مما يستطيع استيعابه. لكن قبل أن تبهت الرؤية ويدرك أنها مجرد مستقبل محبوس داخل ذلك الصدع الأسود الذي شوه جدارية المحيط الأبدي، شعر أوليوي أنه يهوي. تلاشى المهدي من حوله، وغرق في أعمق أعماق الفضاء. لم يستطيع الهلع؛ فالرعب كان قد جمد كل ألياف كيانه في مكانها. وحوله، بدأت النجوم البعيدة بلا نهاية تومض. كانت ترمقه بنظراتها وفاض رعب عميق في روحه.
استقر ثقل عليه. عذاب. لم يكن هناك شيء آخر بالنسبة إليه بينما انصب تركيز شيء لا يمكن أبداً احتوائه في هذا العالم على أوليوي بالكامل. انكسرت ذراعاه وتحطمت ساقاه. كان يدرك بطريقة ما أنه هوى، لكن مع ترائي مثل هذا الكيان وهو يحدق إليه، لم يكن بوسعه سوى التحديق بالمقابل. تمنى لو يستطيع فعل أي شيء آخر. رغب في الاستمتاع بالعذاب المصبوب عليه. لو استطاع التركيز على مكان تحطم جسده أو مكان سقوط وجوده، فربما يخف رعب ذلك الاتساع بلا نهاية.
لكن لا. لم يكن هناك فرار من نظرة هذا الكيان بمجرد حلوله. رمقه طيف مطلاًّ، وكان ذلك أكثر ما عاناه في حياته قاطبة. كله. كل أعوام حياته الثمانين وكل الأعوام التي ربما عاشها صرخت بصوت واحد. لا. حاول الصراخ من كل ثانية، لكنه لم يكن كائناً زمنياً. لم يستطيع الصراخ في الماضي. لكن الطيف استطاع سحقه بسهولة في كل لحظة. لو مُنح الوقت للتفكير، أو خلوّاً من الرعب للتقييم، لفعل أوليوي كل ما في وسعه لجعل طائفته توقف النبوءات.
وألا يلمحوا شيئاً عبر الصدع. وأن يدمروا جدارية المحيط الأبدي. لكن الوقت لم يكن شيئاً يملكه. إنه نطاق الأطياف. تحول أوليوي إلى عصارة. سُحق جسده تحت النظرة العابرة لكيان أعظم منه بكثير. وكل ما تبقى كان قطرة دم واحدة لتشوه الجدارية.