— ألا تنوين اللحاق به؟
استيقظت نيكس على مقربة أشبه باللمس من مقلة عين معلقة في الهواء. ردّت بفعل منعكس. لوحت بيدها إلى الأمام بينما أفلتت صرخة من حنجرتها وغطست في الجدار المحاذي لسريرها. مجددًا، انزلقت أصابعها عبر هيئة الملك الصغير الغازية دون أن تعيق طيرانه.
— ما بالك تحبين إبقاء هذه الريبة؟
قالت نيكس وهي تهدئ روعها وتسند ظهرها إلى الجدار. ظل عقلها مشدوداً وبعيداً عن النوم، تحوم حول الكلمات التي أيقظتها.
— ماذا تعني باللحاق به؟
ألحاق بمن؟
— كتان.
دارت تلك المقلة الضخمة في الهواء ولم تحول نظراتها قط عن نيكس.
— ألم تكوني مهتمة بذلك الرجل؟
— لست أدري إن كنت أصف أفكاري بالمهتمة، لكن لا بأس.
تفحصت ثياب نومها للتأكد من أنها ما زالت تغطي ريشها... والتجويف الجديد في صدرها، وإن كان اكتشافه شاقًا.
— وما شأنه؟
— لقد غادر للتو.
— ماذا؟
فزعت.
— من ثقب المعدن.
اكتفت نيكس بالتحديق بينما استدار الملك الصغير ليتفحص الجدار. لا بد أن عقلها قد أصابه الخبل بعد عودتها عبر الزمن. لم يقتصر الأمر على كون صديقها الوهمي يتكلم الآن، بل صار يختلق الأحداث. أطلقت أنّة وسقطت مرتمية على السرير. تمنت لو عرفت الوقت، لكن الساعات تملك عادة ذميمة تتمثل في التعطل حين يراقبها أحد. الباهظة منها وحدها ما يحتفظ ببعض العمر. مع ذلك، أثارت تلك أيضًا مشاكل.
الساعات والفساد أمران لا يلتقيان أبداً، بغض النظر عن المساعي التي يبذلها البعض لصنع ساعة تعمل. أطبقت عينيها بقوة، لكن النوم استحال. مهما بلغت قناعتها بأن عقلها يتلاعب بها، ظلت فكرة أن كتان يدبر لأمر ما توخزها. إن كان طليقاً ويتجول، فهي تريد المعرفة. أنّة أخرى، وتدحرجت خارج السرير. وجد رداؤها الجديد طريقه إلى جسدها قبل أن تشرع في التسلل نحو بابها. ستكون هذه طريقة جيدة لتثبت لعقلها، مرة وإلى الأبد، أن الملك الصغير ليس سوى وليدة خيالها.
ربما يعتدل حينها أخيراً ويتخلص من ذلك الفتى. على أقل تقدير، قد يكون التنزه في وقت متأخر من الليل لطيفاً. أطلت نيكس برأسها على الممر، وما إن رأت خلوه حتى غادرت غرفتها. غطت رأسها بالقلنسوة وخطت خطوات صامتة قليلاً نحو الغرفة التي تخفي الثقب، قبل أن تنسلّ داخلها. اقتربت بهدوء من قاعدة السرير الأقصى لليسار، ورفعت ألواح الأرضية الرقيقة لتكشف عن الثقب الواسع المخترق لمعدن يبلغ سمكه متراً.
بدا العيب أملس تماماً كما رأته للمرة الأخيرة. وداكناً تماماً. بينما لم تستخدم نيكس الثقب قط بنفسها، إلا أن الفضول دفعها في مرحلة ما من ماضيها للبحث عنه. لقد كان العثور عليه سهلاً للغاية. لكن بالنسبة لأي شخص لا يعلم أين ينظر في المقام الأول، كانت ألواح الأرضية تخفيه ببراعة مذهلة. ولن يكشفه أي تنظيف عابر. لقد بدا مرهقاً للغاية في الماضي لدرجة منعت نيكس حتى من التفكير فيه.
فكل من كسر قواعد كتان والغوص في الظلام بث الرعب في نفسها. والآن؟ حسناً، مجرد فكرة أن نيكس الماضية ما كانت لتفعل ذلك كفت لتتدلى ساقاها، ثم تنزلق داخل الثقب. هبطت على سقالة تحتضن سقف ممر صيانة قديم. ثلاث خطوات وصارت على الممر الرئيسي. غمر شريط طويل الممر الضيق بضوء أزرق خافت. بالكاد يكفي لإنارة الأرض أمام قدميها، لكنها لم تواجه مشكلة في شق طريقها. وحين بلغت النهاية، وجدت الفتحة مفتوحة بالفعل...
لا، بل حيث يفترض أن تكون هناك فتحة، انتزعت من مفصلاتها. وسواء حدث ذلك مؤخراً، أو قبل مئة عام، فلم تستطيع نيكس الجزم. ومع ذلك، تحركت لتتسلق خارج مخرج الصيانة، نحو النفق الرئيسي.
— قفي.
انتفضت نيكس على صوت أذنها. كان الملك الصغير أسوأ من يتسلل خلفها على الرغم من مرافقته الدائمة لها. تأهبت للرد بقسوة على العين، لكنه تابع الحديث قبل أن تفعل.
— كتان لا يعلم بوجودك هنا.
طفَت الكرة أمامها وحدقت في أحد جانبي النفق. أدارت عينيها بملل، وتلصصت حول الزاوية لتجد — كما توقعت — لا شيء. كانت نيكس مستعدة لتجاهل كلمات خيالها والمضي قدماً، لكنها حين التفتت مجددًا نحو الملك الصغير ووجدته لا يزال يحدق أمامه، متمسكاً بما يراه، ترددت. أفلتت تنهيدة صامتة من شفتيها وهي ترضخ للوهم. كان عليها التدرب على مهاراتها على أي حال. ركزت على تلك الحاسة السادسة الجديدة ودفعت بها داخل النفق.
كانت بطيئة، ومع اتساع المسافة، ازداد التحرك صعوبة. لطوال دقيقة كاملة، تساءلت عما تفعله. لن تجد شيئاً أبداً بهذه الطريقة. ما هي احتمالات أن تعثر على اسم عشوائي من خلال التخبط في الظلام. لكنها بينما واصلت اتخاذ نظرة الملك الصغير دليلاً، عثرت بالفعل على شيء؛ تعثرت باسم. كان اسماً بسيطاً أحادي المكون. وغالباً ما يكون مضافاً. لكنها حين حركت أصابعها الأثيرية، وجدت ستة مضافات أخرى واسماً جوهرياً يحمل سبعة مكونات.
اسم مطور، إن كان عليها التخمين. أكان هذا حقاً كتان؟ أطلت برأسها حول الزاوية مجددًا ولم تجد شيئاً على الرغم من الضوء. كانت الظلال وفيرة، لكنها لم تبد كأن شيئاً يختبئ فيها. ألقت نيكس نظرة نحو الملك الصغير، الذي ظل مركزاً كما اعتاد. أكان هذا مجرد مزيد من خيالها، أم عليها الوثوق به؟ التواوت الظلال قليلاً وشعرت نيكس بالاسم يتحرك. وكأنه كان ينتظر الوقت المثالي، دخل مجموعة من السلالم الصاعدة إلى السطح.
تحرك بسرعة، وسرعان ما انفلت من حاسة مهاراتها، لكنها لم تره بعينيها أبداً. طفى الملك الصغير إلى الأمام، واتخذت نيكس من ذلك دعوة. واظبت على التزام الهدوء فركضت عبر الرواق حتى بلغت السلالم. لا شيء بعد. وبصرف النظر عن ضوء التراكم المتسرب حول الزوايا، لم تستطع رؤية شيء. وما زالت غير متأكدة من أنها لا تتخيل كل هذا، فشقت طريقها صعوداً نحو السطح الساطع، مقتفية أثر المقلة التي بدت عارفة بالوجهة.
وبعد مسير بضع كتل سكنية دون أن تحول نظراتها عن شيء بعيد أمامهم، نطق الملك الصغير أخيراً.
— كتان يستدير.
قررت هذه المرة الوثوق بأن كل هذا يحدث بالفعل — رغم انعدام الدليل — فتسربت هابطة في زقاق جانبي قبل أن يستطيع المشرف الالتفات مجددًا في الشارع الذي كانت تتسلل عبره. انحنت في ظل بروز أحد المباني، آملة أن يحفظ رداؤها الداكن خفاءها. فالضوء الساطع للقزحية الكبرى صعّب تمييز الأشياء في الظلام. ونجم عن ذلك الأمل الكفاية. تتبعت نيكس نظرة الملك الصغير وهو يلتفت ليتابع نقطة واحدة.
وبقيت المقلة مكشوفة في العراء بلا مبالاة، وفي النهاية، تابعت عينها شيئاً مر بجانب زقاق نيكس. وفي المساحة المكشوفة وحدها حيث تعذر عليه المشي من ظل لآخر، رصدت نيكس شيئاً أخيراً. كان هناك التواء في الفضاء؛ كأن الضوء نسي طريقة عمله وتحول إلى ظل للحظة وجيزة قبل بلوغه الأرض. تأثير طفيف، لكنه كفى ليثبت لنيكس أن الملك الصغير كان يراقب شيئاً حقاً. ولم يكن يتصرف هكذا بلا سبب.
أطلت برأسها خارج الزقاق، وراقبته حين ظهر الظل من حين لآخر بغياب الظل لمدى اثنتي عشرة خطوة. واختفى في النهاية، لكن الملك الصغير لم يتحرك للمتابعة، لذا امتنعت هي الأخرى. بعد دقيقة، رأت كتان يخرج من العدم. نفض عباءة عن كتفيه وحاول حشرها داخل حقيبة. راقبته نيكس بصدمة متصاعدة حين بدا القماش مقاوماً؛ حاول الالتفاف حول ذراعه والتشبث بإحكام، محجباً يده عن الرؤية لحظياً. أكان لدى كتان رداء خفاء؟
كيف؟ تلك الأشياء باهظة الثمن. فراتب المشرف لا يسمح له باقتنائه بتاتاً. استدار الرجل، وعاد إلى المسار الذي سلكه سابقاً. أيمسح الشوارع أولاً؟ خمنت نيكس. عادت إلى ظلها، لكنه حين مر بها هذه المرة، وجدت شخصاً آخر رفقته. كانا مغطيين بقلنسوة تقليدية، وكل ما استطاعت نيكس معرفته عنهما أنهما أصغر بكثير من كتان. تقريباً بصغر نيكس. وما إن ظهرا عياناً، حتى صار تتبع الاثنين أسهل بك