أمعنت نيكسالا النظر عبر الهوة. رأت جزر كورال تحيط بها حين كانت تسقط في الثقب الأسود، ولكنها بدت ضئيلة للغاية في ذلك الحين. وصارت الآن ماثلة أمامها مباشرة — لا يفصل بينهما سوى فراغ الفضاء — لتدرك حجم الكتلة الهائل المُستثمَر في منصات الطقوس. وهذا، إلى جانب طبقات الفساد الثخينة التي تغرق فيها. لم تتغير جزر صانعي اللحم ومُلوّي الأجساد شكلياً قط، ومع ذلك بدا هيكلها العام متبايناً بطففة مع كلّ ومضة طرف.
فحتى الأقسام التي صُممت لغاية محددة — إذ التقطت عينا نيكسالا سلسلة من القباب الضخمة على شكل أجراس تبرز من الجانب العلوي — كانت في حالة اضطراب دائم. عاجزة عن حسم أمرها بين البقاء متماسكة، أو التشظي إلى كيانات غريبة. لم يبقَ سوى قليل من الفساد لتجازف بالتحول إلى نجم مظلم. وقعت عيناها على الجسور. لم يكن هناك أثر لأي بشريّ. لم تصدق نيكسالا حظها؛ فبينما ينشغل صانعو اللحم بحراسة الجسور، سيُتاح لها العبور تحليقاً بلا عوائق.
قد تسلخها رياح عاصفة التزايد العنيفة، لكنه أمر يمكنها التعافي منه.
"إياكِ."
أوقفتها ليسيرا في اللحظة التي توترت فيها جناها فوق عباءتها.
"ماذا؟"
قالت ليسيرا بثقة تامة جعلتها لا تكلف نفسها حتى رمش التحليل: "أعرف ما تمضين في التفكير فيه. ليس العبور تحليقاً بالأمر السهل كما تبدو الأمور. أشك في أنك ستواجهين مشكلة مع الفساد، حتى من دون حماية كورال، ولكن هذا بالكاد كل ما ينبغي لك القلق بشأنها. فالظلام في الأسفل يمد أذرعه لمن يستطيع الإمساك به. وكلما طال بقاؤك في العراء، جذبتكِ القوة إلى الأسفل بقسوة أكبر".
قالت نيكسالا وهي تطرف بصرها نحو الحافة التي كادتا تسقطان منها: "سيكون الأمر على ما يرام إن كنت سريعة بما يكفي. لقد شعرت بلمساتهم من قبل. أظن أن جناحيّ قويتان بما يكفي لتصمدا لفترة وجيزة على الأقل. بما يكفي لقطع مسافة قصيرة كهذه. حسناً، ما دام أحد تلك الكائنات لا يتسلق خارج موطنه".
حدقت ليسيرا برهة.
"لمَ لا أُتفاجأ؟"
هزت رأسها.
"لكن هذه مجرد بداية. وأنتِ لستِ الوحيدة القادرة على شق طريقها إلى هناك. هذه الجزر استثمارات ضخمة للطوائف. لا سيما بالنسبة لتلك التي لا تملك وفرة هائلة من الموارد مثل الطوائف القمّية. لا يمكن أن تتوقعي سوى الفخاخ الأكثر خطورة لتسقس من يحاول الدخول بأي طريقة سوى البوابات الرئيسية".
"تعرفين الكثير عن الجزر، أليس كذلك؟"
لم تكن نيكسالا تعلم بوجودها أصلاً حتى أُلقيت في الثقب الأسود. كانت بنية تحتية لا يعرف عنها إلا من يحتاج إلى معرفتها. هزت ليسيرا كتفيها.
"ستفعلين المثل في الموقف ذاته، أنا متأكدة. أنا... لا أطيق جهل الأمور. وينطبق هذا بثلاثة أضعاف على الأماكن التي لا يمكنني التسلل إليها".
كررت نيكسالا: "الأماكن التي لا يمكنني التسلل إليها. إذن لا يزال التحليق هو الخيار الأفضل؟"
رفعت حاجبها نحو الفتاة الأخرى. أشاحت ليسيرا بصرها.
"أريد أن أرى ما يحدث في الداخل بنفسي".
هزت نيكسالا رأسها وقالت: "إذن سنرى إن كانت هناك طريقة مباشرة للداخل أولاً. ولكن إن لم تظهر أي خيارات، أظن أنني سأجازف بمواجهة الفخاخ بدلاً من مهاجمة الجسور وجهاً لوجه".
ولو استطاعت دفع أوستلوث إلى أقصى حد لها قبل أن تحلق عبر الهوة، فقد تتمكن حتى من الانزلاق عبر أي دفاعات تصادفها بلا عقبات. ثلاثون ثانية وقت طويل بما يكفي لإنجاز العمل.
"كم يستغرق بناء شيء كهذا؟"
كانت تعلم وجود تلك المصانع القديمة، و طقوس استدعاء المواد الدنيوية، لكن ذلك ظل يمثل قدراً هائلاً من الفولاذ داخل الجزيرة. ناهيك عن اللحم. لم تستطع نيكسالا تخيل أن تكون العملية بسيطة.
"استغرق كل من العبادات والعبدَة ما يقرب من ثلاث سنوات لبناء ما يخصهما. أما صانعو اللحم؟ الضعف، ربما؟"
حدقت ليسيرا في الفتحة بحذر.
"لقد اكتمل منذ فترة الآن. في الواقع، أنا مندهشة من نجاحنا في الوصول إلى حافة كورال بهذه السرعة. الممرات الخارجية فاسدة لدرجة أنه ليس غريباً أن تقضي أياما محاولاً العثور على طريقك".
مازحت نيكسالا: "إذن من الجيد أن الملوك إلى جانبنا".
لم تجد ليسيرا الأمر مضحكاً. وقفت بقلق.
"أليست تلك خطتك حقاً؟ أعلم أن إلقاء النجوم المظلمة والنشوة قد نجح معك في الماضي... لكن هذا النوع من الاعتماد لا بد أن ينفجر في وجهك عاجلاً لا آجلاً".
"هذه ليست... الخطة الوحيدة التي امتلكتها".
"أجل حقاً".
لم تبدو مقتععة.
"وخلاف استدعاء النشوة مجدداً، ما هي خطتك بالتحديد؟"
"تجلي الدمج الشامل. آه، صحيح. دمي، إن مُنح ما يكفي من الفساد، يتحول إلى بوابة للدمجات".
فتحت ليسيرا فمها، لكن أياً ما كانت رغبتها في السؤال فقد تلاشت على شفتيها. واصلت نيكسالا كلامها.
"أظن في الغالب أن صانعي اللحم حين يكونون في منتصف الطقوس، سيكونون مشغولين وعرضة للمذبح. هم صانعو لحم، ليسوا عُبّاداً. أشك في أن العديد منهم يستطيع القتال بينما يحافظ على طقس بمثل هذه الأهمية من الخروج عن السيطرة".
"وإن حدث ذلك؟"
"حينئذ سيكون هناك عدد كبير من صانعي اللحم الموتى. تختفين أنتِ، وأطير أنا عائدة إلى كورال. أنا أثق بجناحيّ".
أومأت ليسيرا برأسها، وبدت راضية. وأدارت ظهرها عن الهوية التي لا قرار لها.
"علينا التحرك. لا يزال هناك يوم ونصف، لكنه وقت قصير للعثور على طريق عبر مثل هذه الحراسة المشددة".
هذا كل ما في الأمر من نيل قسط من الراحة بعد انقشاع الضباب. هزت نيكسالا رأسها وتخطتها.
"وخطتي الأخيرة هي تفجيرهم بنجم مظلم".
تجمدت ليسيرا، لكن نيكسالا واصلت المشي. كانت ابتسامتها الخبيثة مخفية، لكنها لم تستطِع قمع قهقهاتها.
* * *
يظن المرء بلا ضباب أن الملاحة ستكون أسهل. كلا البتة. لم تكن ليسيرا تكذب بشأن سعة الفساد. كان من الصعوبة بمكان قطع ثلاث خطوات دون أن تجد نفسها تسير على السقف بطريقة ما، وغالباً في دوائر. وبالنظر إلى أن بصر حافتها يوجهها نحو موقعها في كورال، كان المفترض أن تستطيع الحفاظ على استقامتها. غير أنها لم تفعل لأسباب مجهولة. مع ذلك، ربما كانت تؤدي مهمة ملاحة أفضل من أغلب الناس.
قادهما مسارهما العام تدريجياً للاقتراب من جسر صانعي اللحم. الآن بعد أن تشتت ضباب مُلوّي الأجساد، أنجزت ليسيرا مضاعفة نفسها في الأماكن التي استطاعت بلوغها. ومع ذلك، استغرق الأمر منها قرابة ست ساعات قبل أن تتمكن من تولي الملاحة من نيكسالا وتقودهما في الاتجاه الصحيح. حسناً، بقدر أكبر قليلاً من الثبات. أما تجنب دوريات صانعي اللحم؟ فكان يحتاج من كلتيهما الانتباه. وجد عدد كبير من أتباع الطائفة ممن تسللوا عبر شبكة ليسيرا، مما اضطر نيكسالا إلى جرهما نحو مسارات جانبية أكثر مما يجب.
كان مقاومة إغفاء قطع هؤلاء صانعي اللحم بينما سنحت لها الفرصة أمراً شاقاً. ولم تكن ترغب في إطلاق إنذارات لا بد أن تدق عند اكتشاف اختفاء دوريات كانت قريبة جداً من جسورها. لقد تجاوزتا جبهة القتال منذ زمن بعيد. لم يكن صانعو اللحم يتوقعون أحداً سواهم. أشغلت نيكسالا نفسها داخل روحها وهما تمشيان. وكان عبثها بطفرة الفم يحرز تقدماً؛ إذ استطاعت الشعور بالصدع وهو يتشقق. وقريباً جداً، سينضم إليها.
وياليت ذلك يتم قبل أن يبدأ صانعو اللحم طقوسهم. لم تكن متأكدة تماماً مما إذا كان الفم — أينما تشكل — سيكون مفيداً في القتال، لكن المزيد من الطفرات كان أفضل دائماً. طالما أنها لا تكشف أمرها. لم تكن مستعدة لتعريف هيئتها بعد لفترة طويلة قادمة. كانت تلك التي تمتلكها بالفعل تشكل عبئاً على خافيها. واستطاعت الإحساس بطريقة توتر مساميرها في ذراعها. مع أن... ذلك قد يكون مجرد فساد يلتوي بالمعدن عبر لحمها.
أو الجلد الذي تحول إلى لحاء ويدفع إلى الخارج عند واقية الكتف. ومن يدري؟ شعرت نيكسالا بالصدع يتشقق، وأسكت شرارة من الألم عبر صدرها.
أجفلت نيكسالا قائلة: "ليسيرا، لنعثر على مكان منعزل. لست متأكدة من مدى... دموية ما سيحدث".
رنّ صدع خفيف من صدرها، وتردد صداه في الممر الملتوي. وأكد ذلك مخاوفها وحدها. لم يكن هذا تغييراً بسيطاً. لم تكن هناك متطلبات مسبقة، لذا لم تكن تعتقد أنه سيجعلها عاجزة، لكن ذلك لم يكن ضماناً للنظافة. سيلحق بها الدم، ولكن ماذا عن اللحم الملقى؟ وقفت ليسيرا متصلبة برهة، غير ددرية كيف تتعامل مع صوت انكسار العظام. ولم تدع ذلك يطول.
صاحت كأن نيكسالا قد أساءت إليها: "الآن؟ أتسخرين مني؟! أتحورين الآن؟ في هذا العمق من أراضي صانعي اللحم؟ أأنت مجنونة حقاً؟"
"أوه، الأمر ليس سيئاً إلى هذا الحد. سيستغرق بضع دقائق. ساعة على الأكثر".
"بالتأكيد، في مكان منعزل".
استدارت ليسيرا متمممة بدلاً من الاعتراف بوجود نيكسالا.
"لو كان هذا المكان أقل فساداً، لكان ذلك سهلاً. لكن كل مكان يؤدي إلى كل مكان... وإلى لا مكان. فأين توجد ثغرات في الدوريات إذن؟"
لم تنادِ ليسيرا نيكسالا، بل اقتحمت المكان غاضبة متوقعة منها اللحاق بها. وفعلت نيكسالا. شعرت بقليل من السوء، لكنها لم تكن لتوةف تحور نفسها إن كان ذلك قد يمثل الفارق بين الموت والحياة. ليس وأنها تستطيع رؤية فم... في صدرها، على ما يبدو، ليكون العامل الحاسم في أي شيء. صارت نيكسالا مهووسة تماماً بتسارع تغيير جسدها. ولم تستطع إنكار ذلك. ربما لم يكن مثالياً تماماً، بالنظر إلى هدفها بالبقاء مخفية، لكنها حتى في هذه الحال كانت تملك الخافي لإخفائها.
والسبب الوحيد لعدم تحور الثلاثة الباقين من حياتها السابقة حتى الآن هو الاحتفاظ بهم للطوارئ. كانوا الوحيدين القادرين على الظهور في لحظة، لذا استطاعت تحمل تأخيرهم. ولكن في هذه الأيام الفائتة، كان الإغراء قوياً. صدع آخر. شعرت هذه المرة برجفة عبر صدرها. وانقلبت معدتها، جائعة فجأة. اتبعت نيكسالا ليسيرا عبر ألف سلسلة من اللحم والفولاذ المعلقة من السقف. وتأملتها بحذر، متجنبة إياها متى استطاعت.
فعلى حد علمها، ربما وُجدت هناك للكشف عن الغزاة. حتى وإن كان غريباً استخدامها في هذا العمق من أرضهم طالما لم تكن أقرب إلى الأجزاء المتنازع عليها من كورال.
قالت ليسيرا وهي تضع يديها على مقبض خزانة ملابس ملتف: "الأمر ليس مثالياً".
وحينئذ فقط أدركت نيكسالا أن "الغرفة"
التي كانتا تتحركان عبرها ربما اعتبرت يوماً مساكن. مع أنه لم يتبق الكثير منها.
"لكن الدوريات لن تصادفنا هنا".
بالتلفت فوق كتف ليسيرا، لاحظت نيكسالا خطباً ما بمجرد أن فتحت الفتاة البابين. والتوى المشهد بأسره أمامها مع انفتاح الأبواب. تخطتها نيكسالا، محاولة إيقافها، لكن الوقت كان قد فات. فقد رأت ليسيرا ما كان في الخارج، والكيانات في الداخل تحدق بالمقابل. في الحقيقة، كانت نيكسالا لتفضل الوحوش على نصف دزينة من مُلوّي الأجساد الواقفين بالداخل. وقفوا يحدقون في مجموعة أتباع الطائفة الصغيرة التي تعثروا عليها.
أتباع لا يحق لهم التواجد بهذا العمق في أراضي صانعي اللحم، وأخفوا حضورهم لدرجة أن بصر حافة نيكسالا لم يستطع رؤيتهم حتى فُتحت الأبواب على مصراعيها. وحدق مُلوّي الأجساد بالمقابل. والمثير للريبة أنهم وقفوا بالصدمة ذاتها.
"Oe’AIVO!"
التوى رأس أحد مُلوّي الأجساد نحو رجل نحيل ضئيل الحجم مقارنة بكل أتباع الطائفة الآخرين حوله.
"قلت إننا لن نُكتشف!"
وشاب نبرتة غضب. سلطت نيكسالا بصرها على مُلوّي الأجساد المجتمعين. كانوا جميعاً في التطورين السادس والسابع. عدا ذلك المدعو أو إيفو. وأدركت متأخرة أنه، على عكس البقية، لم يكن ملوّي جسد. ما الذي يفعله حرفي نذير هنا؟ ومع مُلوّي أجساد من بين كل الكائنات؟ حدق الرجل القصير — الذي بدا جلياً أنه ليس نذيراً كالبقية — في نيكسالا وليسيرا كأن العالم قد انهار. وكان مصدوماً بظهورهما أكثر من مجرد قليل.
"هذا مستحيل. ينبغي أن يكون هذا المكان-"
قُطِع حديثه حين تكلم ملوّي جسد آخر.
"ليسيرًا؟"
كان حاجباه يبذلان قصارى جهدهما للوصول إلى الغرز على خط شعره.
"ماذا تفعلين هنا. ومع..."
وتلاشى صوته حين استقرت عيناه على نيكسالا.
وأتم آخر: "عابدة التكنولوجيا؟"
وبدا الاثنان متبايرَي الارتباك.
قالت نيكسالا: "حسناً، هذه ليست المقابلة التي أعتقد أن أيّاً منا كان يتوقعها".
كانت معجبة بعدم تلاشي ليسيرا في جزيئات بيضاء. وبدت الفتاة بالفعل وكأنها على وشك الاختفاء. كانت هذه المجموعة أقوى بقليل مما تجرأت نيكسالا على قتاله. ولم يكن حضورهم هنا مرحباً به بالتأكيد من قِبل صانعي اللحم. فهل كان ممكناً الابتعاد مشياً، والتظاهر بأنهما لم يريا بعضهما؟
"سنقوم فقط بـ-"
وقبل أن تستطيع نيكسالا حتى محاولة الكلام للخروج من هذا المأزق، تهشم عظم صدرها. وكان الصصدع الذي رنّ في الغرفة مدوياً ومشقياً للآذان.
اختنقت قائلة: "تباً".
وافقت ليسيرا: "تباً".
وانفجر قفص نيكسالا الصدري.