دكّت حذاء نيكسالا الأرض بقرع مدوٍّ. شعرت بقدميها تتشوهان في الداخل، وتخففان من وقع هبوط أثقل ممّا توقعته. بدا أن الشبكة الملتفة حول روحها قد خنقت قدراً كبيرًا من الغذاء القرابيّ لجسدها. أجهدت ركبتيها. كان سقوطاً طويلاً بالنسبة إلى أجزائها البشرية الأضعف. ومع ذلك، حافظت على توازنها. في اللحظة التي شعرت فيها لتك القبضة المقززة تقبض على روحها، جعلت نيكسالا قلبها يتسارع.
لا تزال طفراتها تعمل، وستحتاج إليها لمواجهة أيّ شيء يفصلها عن قدراتها. أحاطت بها الجدران من ثلاث جهات. كان النفق عريضًا بما يكفي ليتسع لأربعة رجال كحد أقصى، ولا يفضي إلا في اتجاه واحد، ولم يبقَ شبر واحد من الجدران بلا أثر. تخللت بعض الأجزاء خدوش عميقة وغائرة، بينما غطى السواد والبقايا المحترقة بقية الجدران. في نهاية الممر، على بعد مئة متر منها، رمقت نيكسالا فوهة بندقية.
كان تصميماً عتيقاً، لم تصنعه أيّ من الطوائف، لكنه كان ضخماً. ضخماً، ويجاوره طرف مشتعل بمدفع حارق.
"ما شأنك هنا؟"
تجاوزت نيكسالا الأسلحة المصوبة نحوها، وتفرست في الرجال الاثني عشر المتجمعين خارج الفتحة مباشرة. حمل كل منهم بنادق ثقيلة، وكلها مصوبة نحوها. كانوا منظمين، يتكئون فوق أكتاف بعضهم البعض ليمرروا أكبر عدد ممكن من خطوط النيران عبر الممر الضيق. كان لكل منهم سلاح، لكن عيونهم هي أكثر ما أقلق نيكسالا. خفضت رأسها، آملة أن يخفي ظل قلنسوتها أذنيها وعينيها. انزلق ذيلها إلى الخلف.
حرصت على إبقاء طوله بعيداً عن مجال رؤيتهم بينما أدخلته داخل عباءتها ولَفّته حول ساقيها. انقبضت كل شوكة، مما جعل حركة ذيلها وظهرها أسهل إذا احتجت إلى الاندفاع هرباً في لمح البصر. لم يكن مخفيّ تَاسترانوفْر يعمل، وكل ما يتطلبه الأمر هو أن يكون شخص واحد شديد الملاحظة أكثر مما ينبغي ليدرك سرها. أتت إلى هنا لتجعل عديمي الطائفة يراقبون... فضولها، لا لتصبح واحدة منهم. كان هؤلاء عديمي الطائفة بلا شك.
لكن كيف استطاعوا قمع اسمها؟ وجدت نيكسالا صعوبة في تصديق أن أي شخص يحمل بمثل هذا الاسم القوي يمكن أن ينجو بلا حماية طائفة. لم يكن هناك مكان على كورال لشخص خطير إلى هذا الحد بالنسبة لقادة الطوائف ما لم يضمن القادة أنفسهم بقاءه. حتى إن لم ينجح الأمر معهم الآن، فإن قدرة كهذه كانت تهديداً ينتظر أن يزهر. فتشت نيكسالا روحها. حاولت تمزيق الشبكة المحيطة بعيداً عن أسمائها، لكنها بالكاد تحركت على الرغم من الوزن الإضافي لتطورها السابق.
لقد كانت قوية بشكل سخيف بالنسبة لققدرة تؤثر على الروح. حتى احتواء لعنة سِكهاترا لم يكن متماسكاً بقوة مثل أي شيء كان هذا الشيء. الشيء الوحيد الذي بدا عاجزاً عن احتوائه... هو جوهرها. وليس لقلة جهد؛ فحتى وهي تتابع، كانت الشبكة تعيد تشكيل نفسها مراراً وتكراراً، لتعود فتتمزق إرباً أثناء محاولتها الالتفاف حول نِيكْسَالَا. ومع تحرر حاسة اسمها، لم تضيّع وقتاً في تفحص أرواحهم.
توقعت أن تجد أحدهم مصدرًا لتأثير إبطام الأسماء هذا. لكنهم بدلاً من ذلك, كانوا جميعاً مقمعين مثلها تماماً. لم يكن أي منهم قويا إلى هذا الحد. لم يكن المتحدث — وهو رجل يقف في مؤخرة المسلحين القرفصاء — سوى تطور ثالث. والبقية؟ خليط من أوليّين، مع أكثر من قلة غير متطورة بينهم. كانوا ضعفاء. سواء بوجود شبكة الروح الغريبة التي تحد من قدراتهم أو بغيابها. بطفراتها وحدها، كان بإمكانها ذبحهم جميعا.
بافتراض أنها تستطيع قطع المسافة بسرعة كافية لتفادي تمزيقها بواسطة جدار من الفولاذ والنار.
صاحت قائلة: "قيل لي أن أتي إلى هنا"، وقد تردد صدى صوتها قبل أن يصل إلى الجدران حتى.
تردد صدى صوت الرجل عبر خيوطها، تلاه بعض الضحكات الخفيضة: "خلال هذه العاصفة؟ يبدو أنهم لا يحبونك كثيراً. من أرسلك؟ ولماذا؟"
إذ لم ترد خوض معركة صراخ عبر هذا النفق المرعب الصدى، خطت نيكسالا خطوة. أوقفها قرع معدني لرصاصة ارتدت متجاوزة قدمها عن الخطوة الثانية.
انفجر الرجل قائلاً: "لا تقتربي أكثر. أنا متأكد من أنك تشعرين بذلك. هنا، نحن جميعاً سواسية. اسمك لا يعنى شيئاً، لذا إن لم ترغبي في أن تجدي جثتك المحترقة مثقوبة بالثقوب، أنصحك بأن تكوني صريحة معنا. من أرسلك؟"
"أنا..."
شعرت نيكسالا بلسانها ينطق بالتزامن معها، ولكن بدون المخفي، لن يؤدي ذلك إلا إلى إزعاج الآخرين وكشف أمرها.
فضّت عليه، مجبرة العضلات على التزام الصمت أثناء حديثها: "أنا هنا لأرى شخصاً يدعى القاضي. قيل لي إنه الشخص الذي يجب أن أحدثه لفتح البوابة السفلى."
"هذه آخر مرة سأسأل فيها قبل أن يضاعف صديقي هنا وزنك بالرصاص."
لم يرفع يديه عن سلاحه، لكنه كان يقصد بوضوح الرشاش المحصن.
"من. أرسلك؟"
أطبقت نيكسالا على فكيها. أرادت إبقاء صلة ليسيرا بها مجهولة. لن يكون جيداً أن علمت مشوّهات الأجساد أنها تساعد تقنوتية. حتى وإن كان لهما أعداء مشتركون. لكل ما في الأمر، لم تستطيع نيكسالا السماح بافتضاح تسلل الفتاة. لم تكن ليسيرا واضحة تماماً بشأن كيف عرفت كل ما تعرفه عن هذا المكان. أكان الأمر أشبه بكل مكان آخر، وكانت تتسلل ببساطة حتى عرفت كل شيء عنهم... أم أنهما التقتا بالفعل؟
إن كانت شبكة الأسماء هذه مستمرة في مخبأ عديمي الطائفة الخفي، فلا عجب إذن ألا تمتلك نسخاً هنا. لكن هل كانت هنا بالجسد؟ أيعرفها هؤلاء الناس؟ وسعت نيكسالا عباءتها وثوبها بخفاء عند العنق. بدأت عين عظمة القص الخاصة بها على الفور بقضم الغلاف ذي الحجر ودبوس الإطلاق خلفه. وإن لم يعجبها رد فعلهم... حسنًا، كانت مستعدة للمجازفة.
"لَيْسِيرَا."
خفض الرجل صوته إلى همس، لكن نيكسالا سمعته على أي حال. حتى على بعد مئة متر.
"تلك الصبيّة؟"
استدار برأسه إلى الورع، كما لو أنه يترقب وجود شخص هناك. وما لبث أن عاد يحدق بها عبر النفق. إذن فهو يعرفها، لكن نبرته لم تملأ نيكسالا بالثقة في أنها تحظى بتقدير جيد.
"إذن من أنتِ؟ أمن أتباع مشوهات الأجساد مثلها؟"
تجسست نظراتها على كل من الرجال الذين يوجهون أسلحتهم نحوها. على هذه المسافة، بالكاد استطاعت قراءة تعابير وجوه من لم يرتدوا القلنسوات.
أجابت: "لا".
وفكرت في كلماتها بعناية: "لكنني صديقتها. أشاطرها... ازدراءها الخاص."
سأل بحدة: "ولماذا تريد فتح البوابة السفلى؟"
"لدينا شخص لا يمكننا الومان على رعاية الطوائف. إنه وليسيرا ينتظران في الأسفل."
أخذ وقته في التفكير. ظل الرجال من حوله في تشكيلهم دون أدنى رفّة. تأرجحت يساراً ويميناً، وتأرجحت معها فوهات بنادقهم جميعاً. كان هناك تركيز شديد. تركيز لا يخون أي ثقة في قدرتهم الخاصة. بل عدم ثقة عميق في المراهقة التي تقف أمامهم.
"اقتربي."
بدا أنه قرر أخيراً السماح لها بالدخول.
"ببطء. ولا حركات مفاجئة، لئلا ترتجف أصابع زنادنا."
ألقت نيكسالا نظرة أخيرة على الثقبة في السقف، مفكرة فيما إذا كانت التضحية العشوائية تستحق المخاطرة ضد مجموعة من عديمي الطائفة لا نية لها بقتلهم. كان اسمها مقيداً هنا. وإن أُصيبت برصاصة في المكان الخطأ، فلن يكون لْيُوتِيب هناك لمساعدتها. كل ما يتطلبه الأمر هو خفقة من جناحيها وستختفي. ولكن حينها، ستختفي أيضاً الإجابات التي تريدها من ذلك الرجل الذي عاش على الأرجح في الأسر منذ أن كان طفلاً.
بالطبع، ربما تستطيع إيجاد غرفة لا يمكن لأي عضو طائفة العثور عليها أبداً وتعلم كل ما تريده هناك... لكن الفساد سيأكل جوفه سريعاً. ربما كان الأمر ساذجاً، لكنها لم ترغب في أن يكون الموت هو مصير شخص يُعامل مثلها تماماً. فعلت كما أمرت. حملاها قدماها للأمام ببطء وهدف. واحدة تلو الأخرى. ظل ذيلها معقوفاً حول ساقيها، دافعاً بعباءتها بطريقة لم تستطع محاولة إخفائها إلا مع كل خطوة.
من بين كل الأشياء التي تدعو للامتنان، لم تتوقع أبداً أن يكون رأس أصلع تقريباً أحدها. الآن، لا يمكن للخصلات الزرقاء التي لا تقبل الخطأ أن تتدلى لترى أبعد من قلنسوتها. استقرت يدها على مقبض سيفها غير المنتهي. كان النصل يستقر في غمده بكل شيء عدا السلاسة، ولا يزال يحمل مخالب الفرعون الأبدي. كان بإمكانها على الأرجح إيجاد بديل في كاتدرائية التقنوتيين. شيئاً لا يدمر نفسه بالانفجارات.
مع ذلك، لم تفعل. لقد أحبت سيفها كما هو. لقد تغير عن شكله الأصلي، تماماً مثلما تغيرت هي، وهذا جعل الأمر أفضل بكثير. ربما لن يقطع بالصلامة نفسها كما في السابق، لكن تلك النتوءات الجديدة بالقرب من حيث يفتقر النصل إلى واقٍ ستقطع أي لحم يمر عبره، أو تلتوي فيه. مثالي للطوائف. حسنًا، قد لا تواجه أعضاء طائفة الآن، لكن السيف سيكون سلاحها المفضل. وفي حين افتقرت إلى الاسم لتخفي نفسها، لم ترد أن تعلن لهؤلاء الرجال عما لا تزال بحاجة إلى إخفائه.
ومع كل الجهد الذي بذلته للحصول على الصولجان، إلا أنه لا يستطيع استبدال سيفها. خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن شبكة الروح قد خنقت نوره أيضاً. ما فائدة الصولجان الآن؟ لم يكن سوى هراوة ذهبية ثقيلة بالنسبة لها هنا. لم تكن نيكسالا مستعدة لإبطاء ضربات قلبها حين كانت ضغطة إصبع واحدة من أي من الرجال أمامها تعني نهايتها. لم تكن تثق في أنهم لن يطلقوا النار. ليس في ظل مدى تصميمهم.
لم تستطع التخلي عن سرعة رد الفعل، ولذا بدا أن المشي البطيء لمسافة مئة متر استغرق دهراً. على مسافة خمسين متراً فقط، حدث تغير. لوّح أحد الرجال لشخص لم تستطع رؤيته، وانفتح جزء من السقف خلفها. وعلى الرغم من أن هذا الإيقاع جعلها متوجسة، إلا أنها لم تقفز صدمة عندما تساقطت القضبان الفولاذية. لم تستطع نيكسالا ذلك. فقد سقطت ببطء شديد لدرجة بدا معها الأمر وكأنها تشاهد حشرة تزحف أسفل الجدار.
كانت سرعة التفاعل مع الرصاص أسرع بكثير من سقوط جسم كان ساكناً في السابق. بدت وكأن لديها دقيقة كاملة لتتأمل التسلل عبر حاجز الفولاذ المشبك قبل أن يصد طريق تراجعها. كان تسارع نبضات القلب يؤثر عليها، ولم تستطع إيقاف الأفكار والمخاوف التي تتسابق في عقلها. ولم يُمكّنها شيء من تحسين ذلك في ظل القيود المفروضة على اسمها. مع ذلك، أصبحت قريبة بما يكفي الآن لتثق بسرعتها. سقطت البوابة الحديدية خلفها.
فجوات واسعة بما يكفي لكي لا تشكل عائقاً أمام نيرانهم، لكنها ضيقة بما يكفي لئلا يتمكن حتى طفل من المرور عبرها.
أمر الرجل: "قفِ."
توقفت على بعد خمسة مترات من المجموعة المنظمة، مشددة عباءتها وثوبها حول نفسها مرة أخرى.
سأل: "ما اسمكِ، أيتها الفتاة؟"
خفض معظم الرجال من حوله أسلحتهم، لكنهم لم يغادروا تشكيلهم. ما عدا الرجل الواقف خلف الرشاش الشريط الغذائي المثبت على الأرض. ظل ذلك مصوباً مباشرة نحوها. تركت قلبها يبطئ إلى مستوى معقول.
"نِيكْسَالَا."
"لا. هنا، أنتِ نيكسالا وحدك. مثلما أنا برونغ."
وقعت عيناه على يديها، حيث لم تتوقف أبداً عن تشبثها بمقبض سيفها. ثم إلى صولجانها. بدا أنه لم يجد ما كان تبحث عنه.
"هذه آخر مكان ينبغي أن تتواجد فيه تقنوتية مقبولة حديثاً. خاصة بعد تحقيق النصر فيما يسمى المحاكمة الأكثر دموية."
ارتخى من وقفته.
"فتشوها."
ألقى أحد الرجال بندقيته فوق كتفه بالحزام بينما انتشر الرجال الآخرون عند جانبيها، يراقبونها بحذر.
"إن لمستني، ستفقد يدك."
لم تكن هناك طريقة ستسمح لهم باكتشاف طفراتها بمثل هذه السهولة. تجرأ الرجل الذي اقترب لتفتيشها وسخر.
"ربما كنتِ محظوظة واكتسبت بعض الأسماء الجيدة، لكن ذلك يبقى في الخارج. هنا، لست سوى طفلة. وفتاة فوق ذلك. ضعيفة."
لم تمنح نيكسالا الفرصة للمسها. انطلقت يدها إلى الأمام وأمسكت به من المرفق. بالكاد احتياجت للالتواء، وكان على ركبتيه يتوسل.
انحنت نيكسالا، متجاهلة كل البنادق المصوبة نحوها مرة أخرى: "ضعيفة، أها؟ يمكنني الضغط حتى لا تصبح عظامك سوى عصيدة. ويخبرني شيء أنك لا تملك الموارد أو القدرة هنا لإعادة ذراع مشلولة إلى العمل أبداً."
ألقت نظرة مسرعة على الحراس القلقين المستعدين لتفجير رأسها. حسنًا، ليحاولوا.
"لكنني لن أعل فعل ذلك، لأنني هنا لألعب بلطف."
أتركت نيكسالا يده، وتجاهلته وهو يتخبط مبتعداً.
"لن أسمح لكم بتفتيشي. اعتبروني فقط فتاة صغيرة خجولة وخذوني إلى القاضي."
وقف الفريق حولها، مستائين. كانت عيونهم تتنقل باستمرار إلى برونغ، وفعلت نيكسالا المثل.
تمتم قبل أن يرفع صوتها: "تباً لي، أنت أسوأ بطريقة ما من تلك الفتاة،"
ثم تابع بصوت عالٍ: "حسناً، لكن لا تتوقعي أن تمنحي وقتاً لوحدك. جربي أي شيء، ولن يهم كم أنت قوية في عصر ذراع شخص غير متطور."
استدار، وأشار لنيكسالا باتباعه. وانضم خمسة حراس إلى مسيرتهم خلفها.
"آه، قبل أن نذهب."
التفتت إلى عديم الطائفة المشغل لموقع البندقية الضخمة.
"حقاً، عليكم إجراء بعض الإصلاحات. مع دبوس إطلاق مهترئ إلى هذا الحد، لن تطلقوا طلقة أبداً."