موضوع: لعنة الفصل 172 — أعماق المرجان

اقرأ موضوع: لعنة الفصل 172 — أعماق المرجان باللغة العربية على مانجا تايم.

فتُح عالم جديد برمّته فجأة أمام نيكسالا. وكان هذا العالم الجديد فوضى عارمة. خطوط في كل مكان. بعضها ناعم وغامض وباهت. وأخرى جريضة. رفّت عيناها فوق فوضى الخطوط المتشابكة، عاجزة عن إدراك الصور التي تدفقت في عقله. كان الأمر أشبه بالتحديق في كومة من مليون إبرة، كومة تتغير مع استمرار تحليقها. لقد ظهر تحوّر نيكسالا الجديد، وكانت ترى شيئاً... لم تكن متأكدة تماماً ممّا هو. أغرق صيرخ مرعب من صرير المعدن والمسامير السائبة والآلات المتهشمة أذني نيكسالا حتى احتجب الهمس.

التفتت إلى الوراء، وحتى من دون العين الكائنة في عظم صدرها، برزت الأسنان الهائلة الحادة كالحدود لما كان باباً يوماً بوضوح تام وسط جلبة الخطوط الخالية من الأنماط المحيطة بها. أدركت نيكسالا أن بصرها الجديد يستطيع إدراك الحواف. وكلما كانت حادة، كانت أكثر وضوحاً. لم يكن هناك وقت لاستيعاب إدراكها الجديد على النحو الأمثل. وفي حين عجزت عن فهم كل الهراء الذي أظهره لها، فقد كان أمر واحد واضحاً: الفراغ.

خفقت نيكسالا بجناحيها وطارت حيث لا توجد خطوط. على جانبيها، ومع التواء الجدران عليها تحت تأثير المسخ المتحرك، انبثقت خطوط جديدة من العدم إلى الوجود. انكسر الفراغ — الفارغ كالهواء أمامها — إلى شاشة من الرماح. وأدركت فوراً أن هاتين العينين الجديدتين عاجزتان عن التمييز بين الجدار الصلب والفراغ. ليس حين تغيب الحواف الحادة المرئية. ترددت نيكسالا. أومضت عينها الثالثة للحظة واحدة فقط للتأكد من أنها لن تطير رأسًا على عقب في جدار لا تراه.

أثبتت النظرة الثقيلة أن الرواق يمتد لمسافة أطول، لكن ترددها كلفها غالياً. انفجرت إحدى الآلات الممتدة من الأرض إلى السقف إلى جانبها. خدشت بعض شظايا المعدن القديم ظهرها، لكن السائل النتِن المنفجر فوق جناحها الأيمن، والذي أحرق الريش وأذاب الجلد، هو ما طرحها أرضاً. أغمضت عينيها حين اصطدمت بالشبكة المعدنية. فاشلّ عالم الخطوط الفوضوي الخالي من الألوان والملمس، تاركاً إياها غارقة في الظلام من جديد.

كظمت نيكسالا الرغبة الملحة في الغرق أكثر في رؤية عينها الثالثة. فقد أثبتت مسبقاً أنها لا تفعل سوى جعل الأمور أسوأ. فتحت عينيها بغتة، وأدارت رأسها لتلقي نظرة على الفم المتقدم بينما حملتها مجساتها على طول ممر الحديد الملتوي. طغت خطوط الأسنان المهيمنة التي ربما أشبهت أبواباً — لو تمتعت ببصر عادٍ — على المليون حفة الأخرى خلفها. نما فك المسخ المتحرك وهو ينقض نحوها. وفي كل ثانية، تفتح تلك الأبواب الضخمة وتغلق، ممزقة الآلات التي لابد أنها ظلت خامدة ودون لمس لآلاف السنين.

لم يبق شيء في الرواق سليماً. كل خط دخل إلى جوف هذا المسخ تحطم أولاً إلى ألف خط إضافي — دقيقة — قبل أن يختفي تماماً. أو ربما انضم إلى فوضى الضجيج الخلفي. كان يصعب التمييز. كان جناح نيكسالا مذاباً بنصفه وليس في حال تسمح له بالتحليق مجدداً. هجست وهي تحاول جاهدة إجبار عقلها على ايجاد منطق واتساق وسط هجوم المعلومات. وكانت الفضولية وطرف ذيلها تتدليان برخاوة. أشد عجزاً حتى من ساقيها البشريتين بعد تفاعلهما المشؤوم مع الأشباح.

تلك الكائنات نفسها كانت غير مرئية تماماً لبصرها الجديد. كان ذلك جيداً من حيث إنه لا يثير غضب الكائنات لتخوض مطاردة شاملة مرة أخرى، لكنه كان ملعوناً بشكل رهيب أيضاً. فقد تركت عمياء عن وجودها. ويمكنها الركض برأسها نحو أحدها، دون أي سيلة لمعرفة ذلك. وهذا تحديداً ما حدث. كانت بوشي الجزء المؤسف التالي من جسدها الذي يتدلى برخاوة إثر رمح قاتل اخترق الروح بقسوة. لم يكن الأمر مؤلماً كالسابق، وعند فحص روحها، وجدت أن اسماً جديداً غير متطور قد فقد نصف مكوناته بلمسة واحدة.

لم تقلق نيكسالا بشأن الآثار طويلة المدى حتى الآن — فلم يكن لديها الوقت — حيث شعر جزء أساسي من كيانها بالطمأنينة لقدرته على استعادة اسم تالف. ولكن ماذا لو ابتلع شبح اسماً برمته؟ لم يعد ذلك الحدس يطمئنها؛ بل راح يصرخ رعباً. لكن نيكسالا لم تملك وقتاً للقلق بشأن الضياع المحتمل لاسم لم تدرك قط وجودها منه. وما إن لمست الشبح، ثم تراجعت فزعاً، حتى ثنى الفم المتقدم الآلات الموجودة على جانبيها خارج شكلها.

فانطوت للداخل، مسحقة الدعامات التي كانت تحمل ممر نيكسالا تحت قدميها. هوت إلى أدنى طابق. وانهار باقي الممر أمامها، محاصراً أي طريق للرجوع. لم يبطئ المسخ المتحرك قط. فقد لويت دوائره الآلية واستغلت لتدفعه للقفز فوق أي عقبة في طريق هدفه.

وبدا ذلك الهدف شبيهاً جداً بـ«تقطيع الدخيلة».

لحسن الحظ، لم يسقط أي شبح فوقها إلى جانب الممرات المكسورة. مدّت يدها أمامها. وعندما تتبعت مخالبها أجزاء المسار السابق، وجدت أنه يتماشى مع الخطوط الناعمة الباهتة مباشرة أمام وجهها. ظاهرياً، كانت الحواف ذات التسعين درجة — التي يتكون منها الممر بالكامل تقريباً — تكفي بالكاف بالكاد لتشكيل خط. مهما بدا ضبابياً. ومع اقتراب المسخ المتحرك أكثر فأكثر، اعتبرت نيكسالا التخلي عن خسائرها ومواجهته بشكل مباشر.

لم تستطع رؤية كيف يمكن لأي مهارة تمتلكها أن تدمر كائناً يخترق الرواق بأكمله الآن، إلا إن حظيت بحظ لا نهائي مكنها من تدمير النظام الآلي الذي يستضيف الكائن. ولن يكون ذلك سهلاً؛ فمن المرجح أنه مخبأ خلف أمتار من الفولاذ المتغير بفعل الفساد. وربما حول الدوائر الأصلية إلى ما يفوق أي شيء يمكن التعرف عليه. لم تكن هناك دراية بما يرجح قدرته عليه. والطريقة الوحيدة التي تمكنها حتى من التفكير في مواجهته هي إن سمحت لنفسها بالهبوط إلى حالة المذبحة خاصتها.

إن فعلت، فكانت متأكدة أنها ستعرف أين يمكن قتله... لكنها كانت مجازفة خطيرة للغاية. لم تكن نيكسالا تدرك حتى ما إذا كان المسخ المتحرك يُعد حياة. وإن لم يكن كذلك، فستموت. وبكل بساطة. وليست المسألة كأن هناك حياة أخرى في ظل كورال. في الواقع، ضمن ذلك تقريباً أنه لن يُحتسب حياة. فالأشباح نقيض الحياة. لن ينجو أي شيء، ولا حتى المسوخ هنا إن حملت روحاً بأي شكل من الأشكال. طريقة نيكسالا الوحيدة للنجاة هي الهرب.

قطعت مخالبها السدار المعدني بسهولة، لكن ذلك لم يجد شيئاً في فتح طريق لها. الأعماد المعدنية، حين قطعت، حطمت قسماً كاملاً من الممر وطمرتها تحت المزيد من الخردة. لم يكن وضعها أقل من خطير الآن. فما أهمية وجود الأشباح إن كانت ستُمضغ بواسطة شيء أسوأ.

صاحت: "تباً."

وتردد صدى صوتها عبر صرير الآلات المحطمة التي تمزقها أصوات الأبواب القاطعة المتكررة. حدقت نيكسالا للأعلى بعينها الثالثة. بكامل قوتها. تدفقت الرقاقات نحو صدرها من كل مكان. عشرات... مئات الأشكال تومض عبر الحطام المتحرك، يقف كل منها على السقالات المكسورة والآلات المحطمة. حدقت جميعها نحوها مباشرة. وتصاعد الهمس على الفور. واستشاطت الأشباح غضباً على الفور. الأسوأ من ذلك كله: لاح المسخ المتحرك فوقهم جميعاً.

ومضاءً بالضوء الخافت جداً المتسرب عبر معطف نيكسالا، بالكاد أشبهت أسنانها الأبواب المنزلقة التي كانت عليها يوماً. والآن، مقصلة مرعبة تسيل لعاباً للحصول على رأسها. انقضت الأشباح. التوت نيكسالا، باحثة عن شيء... أي شيء تستخدمه للدفاع عن نفسها ضد هذه الكائنات التي بدت وكأنها لا تأبه بكل ما ألقته عليها. وجودها، المتضخم بالكراهية للضوء أو للمراقبة، دفع لمستها لتحطيم كل قطعة صغيرة من المعدن في طريقها.

وما حاصر نيكسالا، بات الآن حاجزها الأخير الذي يكبح الكائنات. وما كان الكبح بالوصف الملائم بالكاد. فما زالت الكائنات المظلمة تتحرك عبر الأعمال المعدنية بطرق لا يقدر عليها سوى غير الملموس وعديم الجسد. وقعت عينا نيكسالا أخيراً على الأرضية تحت ركبتيها. كان المعدن قديماً وخشناً. وكان يتبدد، ولكن دون شقوق أو شظايا مفقودة لأجزاء أخرى في الظلال، بدا سميكاً. لكن... رأت عينا نيكسالا الجديدتان خطوطاً تحت السطح مباشرة.

آلاف منها. أشياء صغيرة دقيقة، لكنها موجودة. حواف صغيرة حادة على بعد سنتيمترات معدنية فقط حجبت بصرها المعتاد. باستطاعتها، بهذه الطريقة الغريبة، الرؤية عبر الجدران. وما كان أهم بكثير للملاحظة، هو أنه تحت هذه الحزمة من الحواف الدقيقة، وُجد مساحة ضيقة خالية من أي خطوط تمر تحت الأرضية محاطة بمجموعات عشوائية من الخطوط. الأقواس، والمسامير، وننقاط اتصال الأسلاك. استطاعت رؤيتها جميعاً.

لكن مكاناً واحداً كان فارغاً. حسناً، فارغاً أو معدناً صلبًا تمامًا. لم تملك الوقت لتشكيك نفسها. حرقت نيكسالا الأرضية بعينيها بينما تقيأت أكبر قدر ممكن من الحمض الذي سمح به فمها. أفسحت الأرضية القديمة المجال لطبقة مخفية من الدوائر — الآلاف من الحواف الدقيقة — قبل أن تنفتح على ما عُدّ صندوقاً صغيراً. كان الثقب أضيق من أن يكفي كتفيها عندما غطست فيه برأسها أولاً. حكّ المعدن المسنن الذي كان لا يزال يفور بالحمض ذراعيها وجانبيها وهي تعصر نفسها في الممر الضيق.

وسرعان ما وجدت نفسها عاجزة عن التحرك أكثر. ولم يكن ممر الزحف — إن جاز تسميته بذلك — أوسع من الثقب الذي زحفت منه. وتصرفاً بسرعة، صفعت نيكسالا أشواكها لأسفل، مخلعة فقراتها ومستلة إلى الداخل بطريقة أقرب إلى ثعبان منها إلى إنسان. ولم يكن المعدن الحاد للثقب لطيفاً مع جناحيها أو مجساتها وهي تجر بالقوة. لم تتوقف هوائيات نيكسالا عن الارتعاش تحت القطع الطاحن المستمر أو الهمسات الصارخة.

لقد خرجت من الرواق، لكنها ما زالت مفصولة بلا شيء سوى طبقة رقيقة من المعدن. ولا يزال أمامها طريق طويل قبل أن تصبح في أمان. غاصت المخالب في جانبي القناة، جارة إياها إلى الأمام بينما دفعها ذيلها من الخلف. وعانق معطف المعدن جلدها مجددًا، لكنه ساعدها الآن على الانزلاق عبر السطح وكأنه جليد. وأخيراً أظهر الاسم المهووس نوعاً من المنفعة. وما إن ظنت نيكسالا أنها أصبحت في أمان من المسخ المتحرك — فكيف لمجموعة أبواب أن تفتح خارج حدود الغرفة التي تصلها — حتى تحطمت عبر كل شيء خلفها.

ألقت نظرة خاطفة للخلاف لتجد منطقة بأكملها خالية من الخطوط لمسافة مئات الأمتار على الأقل. وسرقت الأسنان، التي أخطأت ريش ذيلها بالكاد، كل جزء من القناة التي انزلقت عبرها بالفعل. وجارة نفسها للأمام، لم تكن سريعة بما يكفي لمنع الأبواب من الإغلاق حول النهاية الميتة لذفيلها. ولم تشعر حتى حين بُتر، لكنها استغلت الفرصة التي أتاحها لها، واستخدمت سطح أسنان المسخ للانقضاض بكل القوة التي يمكن لذيلها المتبقي غرسها وأطلقت نفسها عبر باقي الفتحة.

وانفتح على قناة عمودية. اصطدمت نيكسالا بالجدار المقابل، وتلقى رأسها الجزء الأكبر من الضربة، دائنة تحت قوة الارتجاج. ومع جناح متدلي بلا حياة وبلا أرواح لتأخذها، عجزت نيكسالا عن الطيران. هوت.