موضوع: لعنة الفصل 153 — تنازل

اقرأ موضوع: لعنة الفصل 153 — تنازل باللغة العربية على مانجا تايم.

أحست ليسيرا بالثقل يجثم على روحها. رباط يشدها إلى هذه الحلبة. إلى نيكسيلا. مضى وقت طويل منذ أن شعرت بهذه العري. كان الأمر كأنها تقف هناك حقاً، ترزح تحت عيون مائة ألف متعبّد. قمعت ارتعاشة عصبية. آخر مرة أظهرت فيها حقيقتها لأحد… مضت سنوات. لم يحظَ أحد بحضورها، ولا حتى أقرب الناس إليها. لكنها الآن سُحبت إلى العراء. تلك المهارة كانت مرعبة. مهما تجاهلت نيكسيلا هجماتِها، لم تكن ليسيرا قلقة.

حتى مع نجاح الفتاة بطريقة ما في طرح الفرعون الأبدي أرضاً، ذاك المتنبأ بهروبه من ندبه العديم، لن تستطيع هزيمة ليسيرا. مع إجراء المحاكمة برمتها عبر انعكاساتها، كل ما احتجته هو استنزاف خصمها ببطء. مهما كانت الأسماء التي تختبئ خلفها تلك الفتاة المسوخة الغريبة، فلن تؤذيها. هذا ما افترضته ليسيرا. هكذا سارت الأمور لسنوات. حتى أن محترفي الجسد من العقيدة الخامسة لم ينجوا من محاولات اغتيالها.

فكيف إذن لفتاة، حسب ما تمكنت من استنتاجه، فتحت إضافتها الأولى في حفل تسميتها، أن تتفوق عليها تماماً؟ لا مجال لإنكار الأمر. انتقلت ليسيرا من الثقة بالنصر — مهما طال أمده — إلى عجز تام عن تخيله. لكن… لا يراقب أحد ما إذا كانت تستطيع تصور النجاح. كان عليها الخروج حية من هذه المحاكمة. لن تقبل هزيمتها دون موت فوسفورتانيس-ألور وسقوط محترفي الجسد. ألقت ليسيرا وعيها عبر الانعكاسات العشرة الأقرب لهدفها.

اندفعت كل منها وحدها، غير مرئية تماماً، ورغم ذلك تجاوبتو نيكسيلا بسهولة. كان الماء مصدر إزعاج، لكنها لم تملك سبيلاً للتخلص منه. اكتفت نيكسيلا بالنظر نحوها، لكن ذلك كان كافياً لإفزاع انعكاساتها الثلاث الأولى. انفجرت هاربة خوفاً من المزيد من الألم. لم تكن ليسيرا معتادة على الضغط الذي تمارسه هجمات الخصم لتؤذيها حقاً. لم تستطيع كبح قفزاتها. كل ما استطاعته هو إلقاء وعيها في المزيد من انعكاساتها وجعلها تغوص على أمل أن يصيب أحد نِصالها شيئاً مهمّاً.

تتبعت عشرة أزواج من العيون نصل نيكسيلا. كانت مرعوبة منه. استطاعتا الفتاة تلويحه أسرع بكثير مما تستطيع ليسيرا التفاعل به لتبديد انعكاساتها. لم تمتلك سوى مخزون محدود من مواردها التضحية المسروقة لتشفي نفسها مجدداً. مرعوبة هكذا من النصل الحاد، فاتها كل ما عداه. لكمة. ركلة. قبل أن تفقه، جُهز على كل انعكاس حظي بكامل انتباه وعيها. عبرت كل كدمة عبر الرصل، لتتجلى على جسدها الحقيقي في الغرفة الصغيرة التي نادراً ما غادرتها.

توقفت ليسيرا لتتأمل. لم يتحرك النصل أبداً. كانت على دراية تامة بلعنة البارانويا المستشرية في عقلها، لكنها علمت أنها لا تتخيل الخطر الذي تشكله. حتى اللكمات لم تصب بقوة تقارب ما كانت عليه من قبل. لم تتحرك نيكسيلا. وبينما منعت ليسيرا من طعنها، لم تبدُ أي محاولة للقتل. لماذا؟ ما الذي تغير؟ أباتت نيكسيلا واثقة جداً من نصرها لدرجة أنها ستستقطع وقتاً للشماتة؟

"إنها خسارة. كان يمكن أن نتوافق"، قالت نيكسيلا.

استحالة معرفة كيف تحدثت دون تحريك شفتيها، لكن ليسيرا كانت شبه متأكدة من كونها طفرة أخرى. امتلكت شيئاً لتخفي به التغيرات الغريبة على جسدها. كانت ليسيرا واثقة من ذلك. لكنها تتبعت الفتاة منذ المحاكمة الثانية؛ كانت هناك لحظات سمحت فيها نيكسيلا لتلك العقد العقلية بالانفلات لتكشفها.

"ماذا تقصدين؟"

لم تستطع ليسيرا تخيل ذلك. بعد أن حطمت نيكسيلا خطتها بأكملها في المحاكمة الثالثة، في أي عالم يمكن أن تتوافقا؟

"لدينا هدف مشترك. أنت تريدين موت محترفي الجسد. وأنا أريد موت كل المتعبدين."

"حقاً."

لم تكلف ليسيرا نفسها عناء إخفاء شكوكها.

"إن كان لدينا مثل هذا المثل المشترك، فكّي رباط مهارتك. لا جدوى من معركة ربط أرواح حتى الموت إن استطعنا العمل معاً."

"لفعلت لو استطعت."

هزت نيكسيلا رأسها.

"للأسف فات الأوان على ذلك. المهارة تربطنا. لا يستطيع أي منا الهرب ولا تغيير القيود حتى تبقى روح واحدة فقط."

أبقت ليسيرا نظرتها الحادة.

"إذن استسلمي. أقسم بالقضاء على العقائد الأخرى بمجرد انتهائي من محترفي الجسد."

ابتسامة ساخرة ترتسم على شفتي نيكسيلا.

"أتعتقدين أنك في وضع يؤهلك لإخباري بأن أستسلم؟"

"ربما لا تعلمين، لست الوحيدة التي ساورتها الشكوك بشأن كل الأحداث التي دارت حولك. قريباً بما يكفي، سيككتشفون ما تسعين إليه و—على عكسي—لا يمكنك الاختباء منهم."

لم ترمش نيكسيلا حتى.

"وتظنين أن العقائد العليا لن تجد طريقة للوصول إليك؟ لقد نلتِ مسبقاً اللوم على كارثة النَدب العديم؛ أتعتقدين حقاً أن العقائد الأخرى لن تتعقب جسدك الحقيقي لحظة انتهاء قتالنا؟ الجميع يعلم الآن أن انتقالك الآني كان خدعة."

تتبعت عيون ليسيرا الحشود صعوداً، لكن وجدات صعوبة في إدراكها عبر العاصفة الهائجة. مرة أخرى، تخطو انعكاساتها أبعد عن المحيط العميق القريب لخطوات فقط. تجبرها الأمواج على التخلي عن العديد من ذواتها مع كل تحطم، ورغم ذلك، تظل نيكسيلا الاهتمام الأكبر في عقلها.

"لماذا تريدين موت العقائد؟"

راوغت، غير مقتنعة تماماً بعد بصدق خصمتها.

"ألا يكفي عدم الإعجاب بطريقة عملها؟"

أمام نظرة ليسيرا الساخطة، ألقت نيكسيلا بعينيها أسفل. حدقت عبر المياه الهائجة، ترى شيئاً لم يكن موجوداً.

"لأنها إن بقت، فلن أستطيع البقاء. لقد كلفني الأشباح بموتهم."

لم ترتفع نظرتها أبداً. بدا الأمر جنونياً—أيتفاعل الأشباح مع البشر أصلاً؟—لكن شيئاً ما ظهر في تعبيرات نيكسيلا لم تستطع ليسيرا إلا ملاحظته.

"لا يتعلق الأمر مجرد بأمر عالمي آخر. أنت تكرهينهم."

لم يكن سؤالاً. التقت نيكسيلا نظرتها.

"أكثر من أي شيء."

لا تزال البارانويا تسري في عقلها، تجعلها تشك وتتساءل في كل شيء، لكن حتى تلك اللعنة المفعلة غير الطبيعية لم تستطع إيقاف عقل ليسيرا. ليس حين عُزز للتعامل مع تيارات متعددة من الوعي في آن. استطاعت نيكسيلا قتلها في أي لحظة. لم تملك سبباً لتأخير هذا القتال. كانت كلماتها مقنعة، لكن بالنسبة ليسيرا، كانت العيون هي ما قال كل شيء. حملت استياءً مشتعلاً كانت تألفه تماماً. بصراحة، بدا الأمر وكأنها تحدق في مرآة.

كانت العقائد وباء. يذبحون من يشاؤون، يعنفون أي أدنى منهم، ويمضون دون عقاب على ذلك كله. لم تهتم ليسيرا سوى بمحترفي الجسد. كان كرهها لهم وحدهم، لكن الطريقة المقرفة التي عملوا بها لم تكن فريدة. بالنشأة منعزلة بين غير المتطورين، رأت أكثر من نصيبها العادل من الأهوال. إن شاركتها نيكسيلا حتى جزءاً يسيراً من نيتها إسقاط محترفي الجسد، فربما تستطيع الثقة بها لتنفيذ انتقام ليسيرا.

من أجل أختها. من أجل جناحها. طالما نجحت نيكسيلا في معاقبة فوسفورتانيس، تستطيع ليسيرا تقبّل الموت. لقد ضحت مسبقاً بالآلاف لتمهيد ذاك الهدف. سيكون من النفاق ألا تعزم مواجهة المثل… حتى لو أرعبتها الفكرة. لقد أمضت السنوات العشر الأخيرة متمسكة بحياتها، بعد كل شيء.

"حسناً"، قالت بصوت مرتعش.

أسقطت ليسيرا سكينتيها، حتى وإن بدا الأمر تمثيلياً؛ فقد تكيّف الاثنان في اسمها الثانوي. ستظهر السكاكين مجدداً مع أي انعكاس تخلقه.

"أقسمي لي، بأنك ستقتلين فوسفورتانيس-ألور."

لم تتردد نيكسيلا.

"باسم نيكسيلا، أقسم بقتل فوسفورتانيس-ألور، وكل زعيم عقيدة آخر."

تقدمت خطوة.

"هل أضحي بك؟"

ترددت ليسيرا أمام الطلب الجريء. أرادت الضحك على صراحته، لكن شفتها لم تفعل سوى الارتجاف. أهذا كل ما في الأمر؟ اختباء في الظلال لسنوات متطاولة، صقل تسميتها المبكرة بعناية لشيء سيسمح لها في النهاية باغتيال حتى أقوى محترفي الجسد… فقط لتصير وقوداً طقسياً لشخص آخر؟

"ألا توجد طريقة أخرى؟"

سألت.

"سأقسم ألا أفصح أبداً عما ترغبين بإخفائه. أم أن المهارة غير قابلة للهروب حقاً؟"

"حسب علمي."

هزت نيكسيلا رأسها ببطء.

"القيود تحيط بأرواحنا، وتحتويها، تنتظر حتى تبقى واحدة فقط."

رغم النفي، لم تبدُ إجابة نيكسيلا واثقة. لم تفهم هي نفسها الاسم تماماً. كان صغيراً، وغالباً بلا جدوى، لكن احتمالية وجود مخرج ظلت قائمة. احتجت ليسيرا فقط طريقة لجعل أرواحهما… متشابهة. كرهت الفكرة التي خطرت ببالها.

"أرجوك، اعطني لحظة."

وقفا، متجاهلتين الأمواج المتصاعدة والظلال في الداخل، بينما مرت دقيقة كاملة في صمت. بحلول الوقت الذي قررت فيه ليسيرا أنه، لا، لا توجد طريقة أخرى، كانت تخوض في الماء وعجزت قدماها عن إيجاد موطئ. في غرفة الطقوس الصغيرة التي اختبأت فيها، بدأت ليسيرا في حفر المخمس.

"نيكسيلا، لدي فكرة."

تحدثت بين لهاث الهواء أثناء محاولتها الطفو. كانت ’خصمتها‘ لطيفة بما يكفي للانتظار، حتى وإن عانت من السباحة بقدر ليسيرا.

"ما أنا فاعلة… أضع ثقتي فيك. لا تستغلي الأمر. أرجوك."

انحدرت إلى التوسل، لكن لم يوجد خيار آخر. ارتجفت ليسيرا.

إن أرادت العيش—"جسدي"،—والنمو لقتل فوسفورتانيس—"عقلي وروحي"—فسيتعين على ليسيرا فعل ما لا يفعله سوى المجانين—"تخص المدعوة نيكسيلا-نوث-ثارين-وسوقول-ليوتيب-غوفا-إييبيني-تساير-تستل".

ربما كانت مجنونة. بينما نحتت الاسم في روحها، ملأت الأجزاء التي جهلتها عقلها. كان اسم نيكسيلا فاحشاً. منحها الاتصال الفوري الذي كونته ليسيرا نظرة نقية لهوة لا تهادن من الفساد واللعنات التي شكلت اسمها. كان رعباً ملتوياً سيذيب اسم ليسيرا لمجرد اللمس. ظلام كثيف متوغل خيم على الفتاة. غمر حواسها. لم تعترض الأمواج ولا العاصفة شدته. بالتطلع إليه برهبة مرعبة، لم تستطيع إلا الشعور وكأنها تحدق في أعماق الثقب الأسود.

اكتمل استدعاء ليسيرا.

"أنت جميلة."

الاشمئزاز الذي مر بوجه نيكسيلا أصاب ليسيرا أقوى من أي ضربة جسدية.

"أنت فوضى مرعبة"، صححت نفسها، وابتسامة مرحة تعبر وجهها.

"لا بد أن والديك كرهاك."

ليس أنها صدقت قدرة أي بشر على ولادة الكائن الذي تعكسه روحها الآن. أحست ليسيرا بثقل ينطبق فجأة على روحها، ساحقاً إياها. لمس النقش الجديد، ليخف الضغط.

"هاه. لقد نجح ذلك."

بدت نيكسيلا متفاجئة.

"آمل ألا تندمي على هذا."

لن تفعل أبداً.

"قد أفعل إن لم ننهِ هذا. ما رأيك أن تستسلمي؟"

رفعت نيكسيلا حاجبها.

"ذهبتِ هذا المدى، وما زلتِ تظنين أنك ستدفعينني للاستستلام؟"

"ألا تشعرين بالأسف لأجلي؟"

أطلقت نيكسيلا ضحكة خافتة.

"ستعيشين. استسلمي."

فعلت ليسيرا. بلا أي تحفظ في عقلها.