نزعت نيكس القميص الملطخ بالدم والعرق عن صدرها ببطء وهي تغوص تحت الماء الرغوي. رفعت الثوب الأنيق سابقاً. كانت المواد الكيميائية في حوض الاستحمام قد التهمت معظم الدم، لكن ذلك لم يعده إلى حالته الأولى. حتى من دون التمزقات التي تخترقه، تدمّر الفستان بسبب الإجهاد الذي تحمّله حين أثقله الدم. كان قطعة رسمية في النهاية. لم يُصمم للظروف القاسية التي مرّت بها نيكس خلال الساعات القليلة الماضية.
لن تشتري شيئاً مشابهآً مجدداً بالتأكيد. سيكون الرداء السميك رائعاً؛ فهو لا يمزق بهذه السهولة ويمكنه إخفاء تحوراتها عن أي تفتيش عابر. تركها المشرفون وحدها، لكن ليس بالطريقة التي توقعتها. بينما افترضت نيكس أنهم سيهربون عند رؤيتها، أو رؤية جسدها الملطخ بالدم، فعلوا العكس تماماً. في الواقع، كان من الصعب إقناعهم أنها بخير قبل أن ينزعوا عنها لباسها العلوي ويكشفوا الريشة التي تحته.
وجدت يدها طريقها إلى خاصرتها، وشكرت سيّدها فوراً على قدرتها على منعهم. أبعدت نيكس الرغوة لترى نصف دزينة من البراعم تحيط بالزغب مكتمل النمو. كانت الريشة السوداء ذات الطرف الأحمر قد تفتّحت. لم تكن الأشواك قد انحسرت عن الأنابيب الصلبة الأخرى بعد، لكن ذلك لن يتأخر.
فكرت نيكس: "مع نهاية الأسبوع، سأحظى بريش كامل".
لم تكن متأكدة ممّا يجب أن تشعر به حيالها. الريشات نفسها لم تكن فظيعة — ناعمة الملمس ويمكن إخفاؤها بسهولة — لكن وعد مستقبلها هو ما جعل نيكس تمقتها. مثلما رأت اليوم بالفعل، يمكن تغيير المستقبل. لقد حظيت باسمين إضافيين مقارنة بالوقت نفسه من يوم أمس. لكن ريشها، وكل التغيرات الأخرى تبعاً لذلك، ستظل ثابتة. لم تكن شيئاً تستطيع إخفاءه أو قتاله. أفلتت نيكس رأسها ليغوص تحت الماء بينما غرق لباسها بجانبها.
انتشر شعرها للخارج. كانت المنظفات الكيميائية سريعة في فرك أي شيء غير مرغوب فيه عن خصلاتها، بينما كانت تغذيها بالمرطبات أيضاً. حين ساعدتها النساء في دخول الحوض، سألت السؤال الوحيد الذي شغل ذهنها.
"لماذا حافظن على مسافتهن؟"
منحها جوابهن مزيجاً من الإحباط والفهم التام. إنه كْتان. أخبرهن الرجل في الماضي أن نيكس مضطربة وتحتاج إلى مساحتها الخاصة. وعليهن مساعدتها فقط إن بادرت هي بالطلب. وبالطبع، نظراً لكون نيكس بالغة الحساسية كما كانت، فقد اعتبرت ذلك تفادياً لها، ولم تصرخ قط. عزل كْتان نيكس لكي تثق به وحده. وهي لم تزاد الأمر إلا سوءاً حين لم تشكك في تغير سلوكه وقت حدوثه. لكن لماذا؟ لم يكن الأمر كأنّه يعلم أنها الأضحية المثالية في هذه المرحلة.
بل لم تظن أنه عرف ذلك حتى حين سلخها إلى صانعي اللحم. ما الذي كان يدفعه لذلك؟ حتى لو كانت تعرفه الآن بوصفه وحشاً، فهي لم تدر لمَ يريدها أن تبلغ هذا الحد من العزلة. أكانت الأمور ستختلف لو أخبرت تلك السيدات بأمر تحوراتها بدلاً من كْتان؟ رفضت نيكس الفكرة فوراً. كان هناك مئة ألف من عبّادة الشياطين لتشهد موتها. لقد رأوا جميعاً كم كانتستميت لكيلا تحدث. ومع ذلك لم يعترض واحد منهم.
لم يكن موتها سؤالاً مطروحاً بالنسبة لهم، ناهيك عن شيء يقاتلون من أجله. قد يكونون ألطف مما ظنت، لكن ذلك لم يعن بتاتاً أنها تستطيع الوثوق بهم. مع ذلك، أظهر الأمر أن بعض الأمور التي تظنها صحيحة دائماً، لا تكون كذلك قط. كان الماء رائعاً. انزلق فوق جسدها المتعب والمؤلم وهدّأ روحها. استمتعت بالشعور. كم مرّ من الوقت منذ أن استمتعت بآخر مرة بالراحة الهادئة لحوض استحمام؟ وحوض خاص فوق ذلك!
قبيل تقديمها أضحية، غسلوها. ليس بحوض استحمام، بل بمئة من يرقات العلق المربوطة التي التهمت بضعة طبقات من جلدها ودارت بدمها عبر بطونها قبل إعادته إليها. كان ذلك مزعجاً بعض الشيء، وتركها تشعر بالقذارة أكثر ممّا فعلت حين غطتها القذارة حرفياً خلال أسوأ أوقات احتجازها. هذا؟ هذه جنة. كيف لم يمض حتى يوم منذ أن قُدّمت أضحية؟ لقد مرّ دهليز من الزمان بين تلك اللحظة والآن. عادت إلى يوم تسميتها، واكتشفت إضافة ثانية، ويبدو أنها حظت بإنجاز أيضاً.
ولم يتضمن ذلك مدى اقترابها من الموت. فور عودتها إلى غرفتها، ستثب إلى طقس التسمية لتكتشف الإنجاز الذي حققته بالضبط. كانت مرهقة، لكنها كانت مرهقة طوال حياتها؛ وتيقنت نيكس أنها تستطيع المضي قدماً. لكن في الوقت الحالي، لم تستطع التحرك. كان الماء لطيفاً للغاية. دافئاً. مرخياً. إن دخل أحد في هذه اللحظة، فالشيء الوحيد الذي يمنعه من رؤية ريشها النابت هو سطح الرغوة. لن يكون ذلك كافياً في المستقبل.
كان عليها الانتقال من جناح التربية قبل أن تبدأ أطرافها بالنمو. إن تجاهلت تصلب أظافرها الذي سيكون من السهل إخفاؤه بالقفازات أو حتى بطلاء الأظافر، فإن التغير الأول الذي لن تستطيع إخفاءه بسهولة تحت ثيابها سيكون أجنحتها. لم تستطع قط في الواقع تنميتها بالكامل، لكن بعد حوالي ستة أشهر من الآن ستبدأ في الظهور. تلك كانت مهلتها النهائية. احتاجت نيكس لإيجاد مكان تعيش فيه خارج المنطقة الآمنة قبل أن تبدأ أجنحتها باختراق جلدها.
لسوء الحظ، لم يكن خيار السكن في المنطقة الآمنة مطروحاً أمامها. احتجت إلى مكان به شبكة سباكة خاصة ودش أو حوض استحمام مستقل. الاعتماد على الحمامات العامة سينتهي بكارثة حتمية.
وفكرت: "وأنا أرفض التخلي عن الاستحمام. لن أكررها أبداً".
كان الماء مرساة قوية بشكل رهيب للفساد. لدرجة أن أي أنابيب في أي مكان، حتى في المنطقة الآمنة، محكومة بأن تصبح أرضاً خصبة لنموه وانتشاره. ولمواجهة ذلك، لم تُستخدم سوى الأحواض الكبيرة مثل الذي تغطس فيه نيكس حالياً. تعني هذه الحقيقة قدرتهم على تغطية كل سطح بمصارف رونية وعزل. ويعني ذلك أيضاً انعدام الخصوصية. في المناطق الخارجية، لم يحافظوا على أي تحفظ تجاه المياه الفاسدة، لذا لم يضطروا للقفز عبر الحلقات نفسها للاستحمام أو الشرب.
لقد امتلكوا مرشات دش. تاقت نيكس بشدة لبعض من ذلك. لكن… لم يكن الأمر مقلقاً بشكل فوري. سيتعين عليها العمل حول جداول زمنيّة للجميع للاستحمام حين لا يكون هناك أحد… لكنها كانت تفعل ذلك في المرة الأولى على أي حال. طالما احتفظت بجسدها تحت الرغوة كلما دخل الآخرون، فلن تواجه مشكلة.
"لمَ لا تدعينها تنمو؟"
فتحت نيكس عينيها فجأة لتجد عينها الوهمية الصغيرة تحدق في الماء الرغوي. وحين نظرت إلى أسفل، أدركت أنها كانت تعبث بريشتها. كان الإحساس خفيفاً، لكنها استطاعت الشعور من خلاله تماماً. سحبت يدها بسرعة، متظاهرة بأنها فعلت ذلك من تلقاء نفسها، وليس بسبب العين الخيالية.
"أترفضين؟"
راحت تتسلل عبر الهواء بلا إبطاء حتى توقفت تماماً أمام وجهها. بذلت نيكس قصارى جهدها لتنظر إلى أي مكان باستثناء تلك البؤقة السوداء الحالك.
"تُنكرين ما تمتلكينه. لمَ تتظاهرين بأنك أقل مما أنتِ عليه؟"
أردفت بانفعال وهي تقر بالمخلوق الصغير أخيراً: "أتظنين أنني أردت هذه التحورات؟ لقد تمنيت أن تختفي منذ اللحظة التي نبتت فيها أول ريشة لي".
"أحقاً؟"
لم يتغير نبرتها الفضولية قط، لكن كل ما سمعته نيكس كان اتهاماً.
"لولا هذه التحورات — هذه اللعنات — لكانت حياتي مختلفة جداً".
أدركت نيكس فجأة أنها لم تكن في مكان خاص تماماً فخفضت صوتها إلى فحيح: "لقد عدت إلى الماضي، لكن هذه التغيرات لن تنمو إلا بالطريقة ذاتها. أملك فرصة ثانية، لكن مساراتي لم تتوسع؛ بل ضاقت لتصبح مساراً واحداً".
تنهدت نيكس بضجر متأففة من جدالها مع نفسها، ونهضت من الماء. لقد اعتادت كثيراً على التحدث مع نفسها. كانت عادة يجب عليها محوها. التقطت ثيابها الخالية الآن من الدم والعرق، ونفضت الماء عنها متوجهة نحو غرفة تغيير الملابس. وجدت مجموعة من الثياب الطازجة. كان أحد المشرفين لطيفاً بما يكفي لجلبها لها. وعلى عكس ثوبها الباهظ، كان هذا يحتاج للربط يدوياً. أطلقت زفيراً، وشعرت بالإحباط يتسرب من جسدها.
بدا جسدها رائعاً. بشكل مفرط يمنحها البساطة لتتوقف عن التندب على اتهامات اختلقها عقلها. لقد محا الحوض تقريباً الألم المتبقي في ضلوعها وذراعها، واستعادت ما يكفي من الطاقة لتنفيذ طقس التسمية في خصوصية غرفتها، حتى لو استغرق الأمر ساعات. خطت عبر بوابة الهواء. ملوحة بعيداً بالبخار المتصاعد من جسدها وثيابها، دفعت الباب الثاني وخطت في الرواق متوجهة إلى مهاجعها. فقط… حين مشت نحو غرفتها في الطرف البعيد، وجدت أحد رفاقها في الجناح يعبث بزوج من الإطارات المعدنية — مساعدات الرؤية الدائمة — تماماً أمام بابها.
رفعت بصرها، والتقت عيناها به، وتقدم منها بخطى ثابته. إنه داني-ياي؛ الفتى الأول الذي سُمّي اليوم. لم يكن جزءاً من جماعة غريف، لكن ذلك لم يكن عزاءً كبيراً لنيكس. لم يتحدث أي من رفاقها في المهاجع معها قط. أبداً. ولم يكن هناك بالتأكيد من اقترب منها على هذا النحو في يوم تسميتهم. أتشيء الأمور لتتغير بهذه الدرّاماتيكية بالفعل؟ أكان ذلك أمراً جيداً؟ أم سيئاً؟ أي شيء كان أفضل من الطريقة التي سارت بها الأمور في المرة الأخيرة…
لكنها عرفت أيضاً أشياء المستقبل التي تستطيع استخدامها لصالحها. إن تغيرت الأحداث بشكل مبالغ فيه، كيف لها أن تستغلها؟
بدأ كلامه: "نيكس"، ولم تستطع إلا أن ترمش.
ماذا يريد؟