انطلقت نيكسيل راكضة نحو المنعطف لحاقاً بسوبار قبل أن يشتبه بأمرها. غاصت إحدى قدميها في حذاء ضيق بينما تركت الأخرى طبقة رقيقة من اللزوجة وراءها مع كل خطوة. وبدا هذا الأثر مقلقاً. صحيح أن عصابة تاسترانوفري أبقت جسدها مغطى بتلك الطبقة الرقيقة المموهة للحواس، إلا أنها لم تفعل شيئاً حيال ما تخلفه وراءها. فمع قالبها وحامضها، لم يكن هناك ما يدل على صدورها عن بشر. لكن لعابها اللزج ترك أثراً واضحاً.
أثراً فريداً حقاً، ولا أظن أن هنالك مشاركين كثر يفتقدون أصابع القدم ذاتها التي تفقدها. أكلت عينها الثالثة كل ما علق مؤقتاً لكن ذلك لم يكن حلاً مثالياً قط. ماذا لو تعذر عليها الالتفات كل اثنتي عشرة خطوة؟ ماذا لو اضطرت للزحف عبر الأنفاق الضيقة مجدداً، حيث تستحيل رؤية موضع قدميها مهما لوت جسدها؟ لم يكن الأمر مجدياً. لاسيما إن كان هناك أحد بالقرب. ماذا سيظن أحدهم إن رأى أثرها الشبيه بأثر الحلزون، وشاهده يتبخر لحظة التفات نيكسيل برأسها؟
لن يعدوه أمراً طبيعياً أبداً. سيظنونه في أفضل الأحوال هجيناً بين مغير أجساد وأحد أصحاب الرؤى الأبدية. وفي أسوأها… حسناً، سيعرفون الحقيقة. لم يتبدُ شريكها المؤقت شديد الملاحظة ليفطن للأمر، لكنها إن واصلت ترك لزوجتها خلفها، فلا بد أنه سيكتشف ذلك. ناهيك عما قد يحدث إن تقاطعت طرقها بأحد. كان لزاماً عليها إيقاف إفرازاتها. شعرت وكأن قدمها اليسرى تغوص دوماً في طين مستنقع، لكنها كانت مغطاة على الأقل.
ومحتواة اللزوجة. ولأسفها، لم تملك حذاءً آخر. بل امتلكت عباءة ذاتية الإصلاح وبعض الشعر اللزج. عندما تجاوز سوبار المنعطف نحو ممر متفرع آخر، قطعت نيكسيل قُدّاً بسرعة. عقدت أحد الطرفين وحشت كتلتي شعر ورمتها للداخل. وبسحبة واحدة، انزلق الجورب الارتجالي حول قدمها. سحبت القالب حول طبقة جلدها اللزج الجديد وربطت الأعلى. بدا الأمر سخيفاً بعض الشيء، لكنه أدى الغرض. قطعت نيكسيل خطوات بضع محاولة الاعتياد على شعور المشي في ماء يبلغ الكاحلين.
أدركت أن هذا الشعور اللزج والمقرف لن يدوم سوى الأيام القليلة القادمة — تماماً كما حدث في مرتها الأولى — لكن تلك المعرفة لم تعنها على المشي فيه حقاً. وما لم تتوقعه قط، هو أن تصبح قدمها باردة كالثلج فجأة. تصاعد بخار خفيف من جورب كمها. ومع خطوتها التجريبية، سُمع صوت تصدع، لكن الشعور الرطب زاد اختفاءً. وتصاعد المزيد من البخار عبر القماش. بالضغط بقدمها على الحجر مجدداً، سُمع صوت طقطق، لكن نيكسيل ركزت بدرجة أكبر على إحساس البرودة المتهشمة تحت باطن قدمها.
سحبت عنق الجورب لتفاجأ بكسوة الثلج لقدمها. صحيح. نوتش. كان مدهشاً العثور على تركيبة لقدميها الوحلتيْن قبل تكاملهما التام. وأملت نيكسيل ألا تشعر ببرودة مماثلة حينها. فمع زوال الشعور اللزج، تسللت البرودة عميقاً في ساقها. أتحتاج إلى تغيير خطتها؟ لا يمكنها التحرك بقدم ينبعث منها البخار؛ فهذا أشد وضوحاً من الأثر ذاته. للأسف، لم يحالف نيكسيل الحظ لتأمل خياراتها. ألقى انفجار بجسدها في حركة مفاجئة.
انطلقت عاصفة حول المنعطف وأذناها تطنان، والمدية مسلولة، لتصطدم بعينها سحابة غبار تتقاطر حول خزان سوبار الدقيق.
صرخت: "ما هذا؟"، مدركة فجأة أن جسدها ظن خطأً تعرضه لهجوم.
التفت سوبار عرضاً نحوها متمتماً: "أوه، مجرد محنط وحسب".
وأشارت يده إلى الممر الأمامي، حيث لم يبق سوى ساق وشظايا جرة قليلة.
"تولى الرفيق الأمر".
ربت العابد على جانب آلته. سُمع صوت ارتطام ثقيل لقذيفة تُلقم مع ارتفاع سبطانة الخزان بفخر. واهتزت جنازيره ذهاباً وإياباً لهيهة قبل دفع الخزان قدماً عبر النفق. وتحت عجلات الآلة، سحق كل ما بقي من الحشرية. تابع عابد الكهنوت تقدمه بمرح، ثم التفت مجدداً نحوها. وارتفع حاجبه، وكادت نيكسيل أن توقف نبض قلبها حين وقع نظره عليها.
"حذاء... جديد؟"
تبعت عيناها بوصلته، ولحسن الحظ كان الضباب قد تبدد. وما زالت قدمها باردة، لكن التفاعل الحاصل بين قالبها ولزوجتها قد انتهى جلياً. فلا شيء ينبغي له كشف أمرها. لا كأنها عاجزة عن قتل الفتى إن اكتشف.
تمتمت نيكسيل: "كان الحجر يثير جرحي".
وهتفت بكتفيها لاعنة احتمال تقبل الأمر: "يبدو سيئاً، لكنه سيؤفي بالغرض".
"سمعت أنك تلقيت علاجاً. ألم يتكلفوا بإصلاحك تماماً؟"
حسناً، كان هذا ملائماً. لم يدر سوبار أن قدرة اسمية مكنتها من الشفاء. ولم يكن هناك سبب ليعلم؛ فلم ينكشف الأمر إلا في قتالها ضد غريففوي. وربما أُبلغ العابد بتعافيها الجزئي فحسب، فظن من رؤيته لقدمها العرجاء أن ذلك مراد مخبريه.
"ضحيت بنصفها".
أمر لم تملك مبرراً لإخفائه. فقد ضحى كثيرون بأصابع أيدي أو أرجل بلا حاجة حين انعدم أمامهم درب القوة. وبدا هذا التفسير مجدياً مع سوبار. اتسعت عيناه مؤوماً بفهم. ففي ظل نموها الذاتي، بدت فكرة تخلي نيكسيل عن جزء من قدمها لترقية تطورها أو ما شابه، كقطعة أحجرة تستقر في مكانها المناسب بالنسبة لسوبار. بل وكانت أصدق بكثير من استدعاء ملك ببضعة أطراف تافهة. ولم تغفل نيكسيل تحديده تلقيها علاجاً دون سؤاله عمن فعله.
والأرجح ظنه وجماعته ارتباطها بالتقانكوه. فبعد قتل كسيليف ومشاهدة تارخون لمذبح إضافي من صانعي اللحم، بذلت نيكسيل جهداً لطمس مياه الطائفة المعينة في مساعدتها. وأمام مراقبي مغيري الأجساد، ذكرت الدعم الكتابي، والعكس صحيح. فمن يحقق بجدية في العلاج سيخلص لكونه قدرة تخصها أو تخص التقانكوه... وليس صعباً تبين ما سيراه عباد ملك الآلة أرجح. فالأسماء المتجددة نادرة. وإذ فكرت بالأمر، بدا اقتراب أحد العباد متعاوناً معها — حتى كعابد مبتدئ — غريباً.
فسواء اعتقدوا مؤازرتها من قبلهم أم لا، فالتواصل اللاحق بنجمة صانعي اللحم المظلمة ظل ثابتاً. وما لم يكن هذا نتاج موقف سوبار غير المبال — ووارد حدوثه — فعباد ملك الآلة يدبرون لشيء ما. ومع دوي طلقة مدفعية أخرى في الممر الضيق وتعقبها للفتى عبر بقايا مبخرة لمحنش ثانٍ، أدركت المبتغى. تواصلت نيكسيل مع التقانكوه، لكنها لم تتبن أياً من تحورات أجسادهم. وكانت تلك فرصة في أعين العباد.
لم يقترب سوبار بغية التعاون ضد بقية المشاركين. كلا، ليس وحده. بل حضر لاختطافها بعيداً عن التقانكوه. وبصراحة كان الأمر مريحاً. يسهل التعامل مع أعدائك عند إدراك دوافعهم الخفية. وبين الود، وقوة سلاحهم، والطريقة غير المتطفلة لمحاولة إقناعها، فلا عجب من استقطابهم لعدد أكبر من العباد مقارنة بالتقانكوه. فطبيعة العلاقة التعاونية للعباد الأصغر سناً بآلاتهم نجحت في طمس صورة أقرانهم الأكبر سناً ممن يشبهون الخدم.
فامتلاك شريك تثق به — حتى بصيغة آلة منقوعة الروح — رغبة عزيزة يتمناها كثيرون. لن تُضبط نيكسيل ميتةً بذلك النهج الفكري. فمنظمة عبيدهم عبارة عن طائفة. ورحب بالأعضاء عبر وعود بالمحبة التي تنفرد بها الطوائف الأخرى، ليتم تقليصهم ببطء نحو الخضوع مع نمو أسمائهم لمؤازرة آلاتهم، متوسعة الفوارق في المكانة. ولو كانوا طائفة حمقى، لربما شعرت نيكسيل بالشفقة بدل الكراهية. بيد أنهم لم يكونوا كذلك.
فكل حياة عابد تخص آلته، لكنهم بقليل الوكالة المتبقية لديهم، سعوا لجلب الناشئة لحظيرتهم. أدركوا تخلخل إرادتهم في أحسن الأحوال، لكنهم لم يحذروا الآخرين قط. احتقرت نيكسيل الطائفة، غير أنه استحال ادعاؤها بكونهم أسوأ من غيرهم. ليدع سوبار محاولات الإقناع. فلن تجدي. فقد ظن هو والعُباد ممن فوقه بأنها كأي طفل آخر يخرج من عنابر التربية. ولم يدركوا عمق كراهيتها المتجاوز لكل الوعوع.
قريباً، نسف الخزان ما يكفي من المحنطين لبلوغ الدرج الحجري التالي. وخلافاً للمنعطفات، لم تحتج آلة سوبار للمساعدة. وباستمرار الوتيرة ذاتها، سيجتازون المحاكمة بلا ريب. وقبل لحاقها بالفتى أعلى الدرج، خطفت بصرها ومضة حركة. التفتت نيكسيل للوراء متوقعة محنطاً آخر، لكنها وجدت وجهاً يؤطره شعر أبيض. ليسيرا. كاد جسدها يتوهج في العتمة. وتدفقت عباءة مضيئة من جسدها بشفافية تامة، لكنها تألقت فوق الرداء الشاحب المرتدى أدناه.
تقدمت نيكسيل خطوة، ممسكة بقبضة سيفها، غير أن الفتاة الأخرى اكتفت بالابتسام. ووقع بصرها على قدم نيكسيل. فاتسعت الابتسامة، وأعادت عابدة مغيري الأجساد المبتدئة نظرها لعين نيكسيل وغمزت. ومع قطيب حاجبيها، فعلت نيكسيل المستحيل لإخفاء الصدمة والخوف المباغتين عن وجهها. سلت نصلها وتقدمت لدهسها، لكن الوقت كان قد فات. تلاشت ليسيرا في زخة من حبيبات شبحية. وبتصلب عينها الثالثة، شعرت نيكسيل بشيء صلب بين الضباب.
وضيقت تركيزها، بيد أن ما تبقى ذاب تحت ثقل رصدها. اللعنة. عضت نيكسيل شفتها لأول مرة منذ أيام. إنها تعلم. تعلم ليسيرا قطعاً. كيف؟ فحتى العقائد الرفيعة تعجز عن اختراق غشاء التمويه الخاص بالعصابة. مضغت شيئاً من القالب على شفتها المجروحة دون إسلال سيفها. لقد رحلت الفتاة بالفعل، بيد أن نيكسيل احتاجت للتحقق. هرعت عبر الرواق نحو بقعة اختفاء المحيا الشبيحي ليسيرا. لتأمل شيئاً ما.
أي دليل على وجهة الفتاة، أو طريقة عمل انتقالها الآني. كم طال مكوثها هناك؟ لم تجد نيكسيل شيئاً. فقد اضطرب الغبار ولم يكن هلاوس بصرية — فهذا أسوأ بكثير — لكن ليسيرا لم تترك وراءها شيئاً، ولا مؤشراً لكيفية وصولها. وإذا قدرت مغيرات الأجساد على الظهور أينما شئن... فلم تدر نيكسيل سبيلاً للتعامل مع ذلك. وحتى لو انعدمت الأسماء القتالية لدى الفتاة، فسيقتصر الأمر على الانتقال الآني خلفها في وقت غير مناسب ولن تستطيع فعل شيء.
ورغم ثقة نيكسيل بردود فعلها، تعذر عليها مراقبة ظهرها طوال الوقت. إلا إذا... وُجد تحور يتيح نمو عين هناك؟
صرخ سوبار وهو يعبر الدرج ببطء: "ما الذي حدث؟".
وتبع احتكاك خزانه عن كثب. منحت نيكسيل النفق الفارغ نظرة أخيرة قبل إرخاء كتفيها والعودة لشريكها المؤقت.
"ليسيرا. كانت هنا".
"حقا؟"
بدا مذهولاً.
"هل حاولت الهجوم... أم؟"
"لا أعرف. ربما كانت تقتفي أثرنا".
تورطت نيكسيل في مآزق جمة إن كانت الفتاة هناك وهي لم تفطن قط. تيقنت من تنظيف كل الوحل المتروك خلفها، لكن إن ظهرت الفتاة خلفها متكئة على رصد اللزوجة... فسيشرح ذلك علمها بالأمر. وأياً كانت الطريقة، فهذا لا يهم. ليسيرا تعلم. وعلى نيكسيل الآن تعقبها قبل ارتجال الفتاة فكرة إبلاغ مغيري الأجساد. فكفاها طائفة واحدة.