موضوع: لعنة الفصل 109 — لدغة الدود

اقرأ موضوع: لعنة الفصل 109 — لدغة الدود باللغة العربية على مانجا تايم.

مهما يكن المسخ الذي استدعاه صانعو اللحم، فقد وقف تارخون في وجهه تماماً كما فعل مع أتباع الطائفة شبه الموتى. لكن نيكسيل لم تكن شجاعة بالقدر نفسه. صفوف الأسنان الدوارة المتلاحقة التي كانت تقطع الجدران أمامها بدت شبيهة برأس الحوت الضخم المصنوع من اللحم والمكسو بالصفائح، ممّا أعاد عقلها فوراً إلى النجم المظلم. ولم يساعدها أن دقات قلبها كانت متسارعة إلى أقصى حد، فالضغط النفسي نال منها سريعاً.

لم يبدُ أيّ من صانعي اللحم قلقاً، رغم وقوعهم في مسار دودة الكابوس بالقدر نفسه الذي وقف فيه تارخون. أمر غريب، لكنه استدعاؤهم. ولعلّ لديهم طريقة تضمن ألا يأكلهم المخلوق؟ تراجع ساق تارخون اليمنى إلى الوراء، وثبت وقفته بينما رفع ذراعيه إلى الأمام. انزلت مسامير معدنية سميكة من ساقيه. وتحركت متبعة مسارات على جانبي قدميه، لتخترق السطح المعدني وتثبته في مكانه. انفتحت يداه، وانطويتا إلى الخارج لتكشفا عن فوهة مكان ما يفترض أن تكون عظام البشر.

هبت نسمة هواء على وجه نيكسيل. حدث نادر جداً، حتى داخل قبو الأحياء الممتلئ بالهواء. وعادة ما كان ذلك يعني تسرباً سيئاً للغاز أو شيئاً ينطوي على شر أكبر. ولم تكن هذه المرة استثناءً. أشعلت مشعلة اللهب الصغيرة الموجودة على جانب ذراعيه الفوهات الرئيسية. وفجأة، غرق النفق في النار. جفّ جلد نيكسيل وتقشر لمجرد الاقتراب. وحملت النفاثات الملتهبة المنطلقة من ذراعي تارخون قوة جعلتها تفاجأ بأن ساقيه لم تنخلعا.

ارتجف المرجان تحت لوامسها. لمست نيكسيل أذنيها، وخرجت أصابعها ملطخة بالدماء. ومع انعدام الصوت، استحال معرفة ما إذا كان الاهتزاز ناتجاً عن قاذفة اللهب الخاصة بتارخون، أو عن زئير الوحش المُستدعى وهو يبتلع النيران. وبقدر ما علمت، كانت الأرض نفسها على وشك الانهيار من حولها. كان مفترضاً بنيكسيل أن تفرّ منذ زمن طويل. وبصراحة، ما كان يجب عليها قط أنتي تأتي إلى هنا، وهي تعلم بوجود مجموعة كمين لصانعي اللحم بالقرب من هنا.

لكن طريقة وقوف تارخون، غير المكترث بأي شيء يُلقى في طريقه، قد.. أثارت رهبتها. كان صخرة وسط العاصفة. جبلاً بشرياً لا يلين. وكان هو أيضاً من وقف بجانبها ودفع عنها أكثر من أي شخص آخر. وعلى الرغم من ادعائه عجزه عن تقديم أي حماية لها بمجرد بدء المحاكمات، ها هو ذا يقضي على أولئك الذين حاولوا نصب كمين لها. شخص بهذه روعة يهتم لأمرها. لم تكن لتتخيل سيناريو كهذا قط في حياتها السابقة.

بدا الأمر غريباً. وبدا جميلاً. لم تستطع الالتفات بعيداً. انفجرت أسنان الدودة من وسط النيران. اكتسى كل منها ببريق معدني منصهر، ومع ذلك اندفعت للأمام دون توقف. التوى النفق نفسه. وبدو أن الاقتراب من المخلوق أحدث فساداً عميقاً في محيطهما، إذ إن ما كان ممرّاً ضيقاً بات يتسع ليتحول إلى قاعة كبرى. قاعة تملأ فم دودة عملاقة. انقطعت نفاثات تارخون الملتهبة حين ارتدت يداه فجأة إلى مكانيهما.

ولم تمضِ لحظة حتى انطلقت سلسلة من الحراب من ظهرها. اخترقت الجدران وربطتها به بواسطة شبكة عنكبوتية من الكابلات. ومع ذلك، لم يتحرك. عندما وصل الفساد إليه، شدت الجدران كابلاته. ومطت تارخون من كل جانب، لكنه ثبّت وقفته. وبينما انحنت الجدران نحو الخارج كبالون متمدد، أثبتت الحراب أنها نقطة المقاومة الوحيدة. ورفض الفساد أن يتغلغل في الكابلات، فراحت الجدران تجهد ضد النقاط الوحيدة التي استحال عليها التوسع فيها.

لم يؤدِ هذا إلا إلى تجمع الأسنان المتمزقة في كتلة أكثر رصّاً. ولم يبطئ ذلك من سرعة الدودة. كما لم يوقف الدمار. إذ ربط نفسه أكثر بهذا النفق، تخلص تارخون من أي فرصة للهرب من هذا المسخ. تصاعد البخار بغزارة من هيكله. وانفتحت عدة لوحات على ظهره، كاشفة عن توربينات تدور بالسرعة كافية لاحتراق أي غازات عالقة في النفق فور انطلاقها من خلفه. تغير وضع ذراعيه. وانفتح مفصل المرفق من الخلف، مما سمح لمكبس طويل بالانطواء للخارج والاستقرار في مكانه.

انزلق الذراعان معاً إلى الأمام والخلف بطريقة تجريبية، وهما تتدحرجان على مسار محاذٍ لمرفقه القديم. ومع كل لحظة تمر، فقد تارخون المزيد من شكله البشري. ثبّت وقفته، ولم تملك نيكسيل إلا أن تفعل المثل. كانت تثق بقدرته على تدبر أموره بما يكفي للبقاء هنا، لكنها فعلت الحد الأدنى للحفاظ على سلامتها. اصطدمت الدودة بتارخون. وأمسكها تارخون. دفع كل سن مسنن ضده. كانت تدور كمنشار دائري مقلوب.

ومع ذلك، توقف كل ذلك العنف بصورة مفاجئة فور اصطدامه بتارخون. ارتد ذراعاه إلى الخلف، مطلِقين بخاراً هائلاً، لكن جسده لم يتحرك. انفتحت كل يد واخترقت الأسنان المعدنية، مسقطة عن الدودة أي فرصة للافلات من قبضته وتمزيقه بدورات سريعة. لبرهة، توقفا على تلك الهيئة. أمسك تارخون بأسنان الدودة، وعجزت الدودة عن دفع وزنها الهائل إلى الأمام أكثر من ذلك. لكن ذلك لم يدم بالطبع. سرى اهتزاز آخر عبر لوامسها، وفجأة اندفعت صفوف الأسنان اللاحقة التي بقت منتظمة في السابق إلى الأمام.

انزلت متجاوزة الفكين الأماميين بطريقة يستحيل على أي شيء طبيعي فعلها. خدش كل سن هيئة تارخون، تاركاً خدوشاً عميقة في مكان لم يترك فيه أي شيء آخر أثراً. ومع ذلك، لم يفر. ومع انغراس يديه في الأسنان المتقابلة، استقرت الامتدادات الطويلة في مؤخرة مرفقيه داخل ضلوعه — أو الموضع الذي تتواجد فيه الضلوع لدى شخص عادي. ومهما بلغت قوة تارخون، لم يكن يملك سوى ذراعين. ولم يستطع التعامل إلا مع سنين في وقت واحد.

أرادت نيكسيل المساعدة. وبالطبع بالنسبة لوحش كهذا، كانت الطريقة الوحيدة التي تمكنها من تقديم أي عون، لا أن تكون عبئاً ميتاً، هي إطلاق أي لعنات تمتلكها. مدت حواسها إلى الأمام، لكنها اصطجدت بمشكلة فوراً. كانت الدودة حفرة بلا قرار. وظل هناك إحساس عالق بروحها، لكن الأمر بدا وكأن الاسم يقع في قعر بئر تعجز عن رؤية قاعه. متخلية عن تلك الفكرة، بحثت في الفراغ خلف الأنياب الدوارة عن زانديست.

وشخص مثله، يتلاعب بالارواح، لا بد أنه يملك بعض اللعنات الضارة. احتمل أن يكشفها هذا، لكنها رأت الأمر يستحق المحاولة. ولحسن الحظ، لم يكن له أثر. واصل تارخون تلقي الأضرار، لكنه لم يبالِ بها. ذراعاه، اللتان ظلتا ثابتتين ولا تفعلان سوى إبقاء الأسنان ساكنة، انقبضتا إلى الداخل الآن. كان الأمر طفيفاً، لكن مع كل ثانية تمر، كانت الأسنان تُسحب بعيداً عن الجدران بزيادات ميكانيكية.

ومع اتصال كل ذراع بجذعه عبر نقطتي اتصال، تحولا إلى مكبس هيدروليكي. كرهت الدودة ذلك. اشتدت هجماتها، وتراكمت الخدوش عبر هيئة تارخون النظيفة سابقاً. لم تكن عميقة قط. ولم يبدو أنها توقفه قط. دفعة واحدة، انطبق ذراعا تارخون معاً. ولم تقتصر الصدمة على تحطم الأسنان نحو الداخل، بل شملت الجدران نفسها أيضاً. هكذا بدا الأمر في البداية على الأقل. بعد انهيار النفق، ظلت السطوح المعدنية في مكانها.

لقد تضررت من الأسنان، لكنها عادت إلى شكلها الأقل تأثراً بالفساد كما كان قبل قليل. تقشر اللحم عن الجدران في موجة متتابعة ليعود إلى أعماق النفق المدمر. وفي لحظات، اختفت الأسنان تماماً. ولم يعد هناك أثر للدودة. لا.. كانت الدودة لا تزال هناك. في يد تارخون كانت هناك أصغر دودة يمكن تخيلها، أرفع حتى من خنصرها. كانت تتلوى. ضعيفة وبلا هيبة، حُشر المخلوق الصغير. أهذا ما آلت إليه تلك الجثّة المسخ؟

عصرها تارخون. فانفجر المخلوق الصغير مخلّفاً سُلالة سوداء. عادت الأنوار، وباتت نيكسيل قادرة على الرؤية بعينيها البشريتين مجدداً. وحيث امتد الجزء المتمزق من النفق بعيداً في الأفق، انتهى فجأة الآن. ربما كان ذلك متوقعاً بعد كل الدمار الذي حدث، لكن لم يكن هناك فراغ حيث كانت الدودة. وبدلاً من ذلك، حلّ محله مستودع يضم خزانات كبيرة. كان المرجان قد التوى بالفعل. ومع زوال النفق، زال زانديست.

أفلتت دفعة من بخار من عنق تارخون، وعلى الرغم من عجزها عن سماع أي شيء سوى رنين باهت، تخيلت نيكسيل هدير الضجر الصادر عنه لهروب عدوه. لم يحاول زانديست القتال حتى. حسنًا، لم يكن الأمر سيئاً بالكامل. فقد رقد زان أسيل، إلى جانب باقي صانعي اللحم، كقطع محترقة حول تارخون. لم ينجُ سوى الدودة وزانديست من تلك النفاثات الصاروخية الملتهبة. ولم يكلف العضو البارز في الطائفة نفسه عناء إنقاذ أتباعه وهو يفر.

تباعاً، أُغلقت الفتحات الموجودة على طول ظهر تارخون. وانفصلت ساقاه عن الأرض، وانطوى كل ذراع على نفسه. وانفك درع العنق الضخم على شكل حرف في عن فكه وانزلق إلى أسفل صدره. وبين حزمة القنوات والأنابيب، تشكل الجليد. وتدحرج البخار على جانبيه، متجمعاً في ضباب ضحل. عانت الأنابيب المعدنية التي التوت خارج عضديه مشكلة مختلفة. فقد توهجت باللون الأحمر من شدة الحرارة. ومع تراقص البخار حتى حولها، قررت نيكسيل أن الأفضل لها ألا تلمسها أبداً.

وانتابها شعور بأنها الآن أشد حرارة بكثير من أي من الأنابيب المصهورة في أسفل صانع اللحم. إذ لم تجد سبباً للاختفاء بعد الآن، هبطت نيكسيل من السقالة وأزالت رداءها. وحين اقتربت، التفت تارخون نحوها وتمتم بشيء، لكن مع حالة أذنيها، لم تصلها كلمة واحدة. وبدافع الانزعاج أكثر من الألم، كادت نيكسيل أن تفتح الطفرة التي رأت أنها تحل محل أذنيها. لكنها كبحت نفسها بصعوبة بالغة.

غرزت نيكسيل إصبعها في أذنها وأريت تارخون الدم الذي غرق فيه. وتحلى بالجرأة ليبدو منزعجاً. حدقت فيه بغضب. ذنبه هو في تمزقهما. جلست لترسم طقوس شفائها. يجب ألا تكون طبلة الأذن الممزقة إصابة سيئة للغاية بالنسبة للطقوس، على عكس أطرافها، لذا ورغم عجزها عن سماع صوت نفسها، بدأت نيكسيل ترتيلتها. أشار إليها تارخون بالتوقف فقط بعد أن شقت ذراعها. أجلسها أمامه، ومن فتحة في جانب ساقه، خرجت دزينة من الآلات الصغيرة متدحرجة.

ضاقت فتحات التقنية الخاصة بالعضو الطائفي على ذراع نيكسيل وساقها والأطراف الصناعية التي مزقتها قبل دقائق معدودة. رفع حاجبه. مقدراً، ومتسائلاً. مالت نيكسيل مع صممها المفاجئ، متظاهرة بأنها لم تلحظه. وبدلاً من ذلك، ركزت على الآلات البسيطة وهي تدور في أنحاء النفق. لم تكن أكثر من مثاقب على عجلة، ومع ذلك عملت بتناغم تام لنقش دائرة طقسية على الأرضية. حسنًا، دائرة طقسية تابعة لطائفة التقنية، لذا بدت أشبه بمربع.

وعندما انتهت الآلات الصغيرة، عادت متدحرجة إلى موطنها داخل ساق تارخون. وسكب بعض المادة القانية الداكنة لملء الخطوط المحفورة، وإذ كانت قد شقت ذراعها مسبقاً استعداداً لطقس ما، سال دم نيكسيل كأضحية. بذلت قصارى جهدها لحفظ الطقوس، لكن الدائرة المستقيمة والمعقدة للغاية بدت وكأنها تأبى الاندماج مع عقلها. كانت غير عضوية أكثر من اللازم. ناهيك عن أنها لم تستطع سماع أغنية تارخون — التي لا شك أنها كانت على نبرة واحدة.

تعافت أذناها وشفي جلدها الجاف والمحترق قليلاً، لكنها لاحظت أنه لم يعمل بالكفاءة نفسها التي تمتعت بها تلك التي سرقتها من صانعي اللحم، رغم كون تارخون ذا عقيدة رفيعة. وتساءلت عن السبب. وجاء الجواب فور أن رفعت نظرها عن تحليل الروناب الميكانيكية. اختفت خدوش تارخون. وبدا جسده المكون من آلات براقاً كأنه أخذ حمضاً. صُممت طقوسه لإصلاح المعدات، لا اللحم. وبالطبع، عاد سمعها ليرحب بصوت المنشز.

صدر أنين بجانبها، فالتفتت نيكسيل لتجد صانع لحم يزحف خارجاً من كومة الأذرع، حيث أنبتها الجدران هناك قبل وصولها. ظل أحدهم حياً!

"مهلا، أيمكنني التضحية بها؟"

سألت نيكسيل.

"أريد اختبار طريقة عمل هذا الشفاء".

ولوحت بذراعها شبه الملتئمة لتؤكد كلامها. ضيق تارخون فتحاته وفتح فمه، لكن مهما كان ما سينويه، أطلقه في تنهيدة. أخفاها جيداً بدفقة بخار، لكن نيكسيل كشفت أمره.

"بالتأكيد. تفضلي".

وأنزل ناظريه في النفق الذي جاءت منه.

"أفترض أن هذا يعني أن مراقَبك قد مات؟"

"أجل"، غردت.

وبالفعل، كانت تقف بجانب صانعة اللحم. سحقت ساقا المرأة وبدت واعية بالكاد؛ لم تكن في وضع يسمح لها حتى برجاء مهذب بألا تضحي بها.

"لقد تركتِ فريقك".

قال الواضح.

"كيف تنوين تفسير تحسن حالتك؟"

"سأترك خيالهم يتولى أمر ذلك".

هزت نيكسيل كتفيها بينما كانت لوامسها ترسم آخر الرونات المطلوبة.

"في الوقت الحالي، أنوي معرفة كيف شفيت تحديداً. إن استطعت تكرار الأمر..."

وانزلوت إلى الترتيلة قبل أن تكمل جملتها.

مع طريقة تعافي أذنيها لبرهة فقط، لم تكن متأكدة مما إذا كانت تسمع أشياء، لكنها أقسمت أنها سمعت تارخون يتمتم: "وكان مفترضاً أن تكون هذه هي النصف الهادئ".