أرخَت نيكسيل ياقة رداءِها وجذبَت كفنَها. بدتْ لأي ناظر كأنّما تُعدّل ياقَتَها توتراً. وما كان أحدٌ ليتجاوز هذا الظنّ. كان ذلك حقّاً من أنفع مزايا سوار تاسترانوفريغ؛ استطاعتْ استعمال عينها الثالثة قدرَ ما تشاء ما دام الأمر خفيّاً. وحده الرصد، أو معاينة الضرر الناجم، قد يثير الشكوك. أمّا الآن، فما عادتْ تحتاج سوى إلى تحسين إدراكها. غطى الغشاءُ عينَها بإتقان. لم تكن متأكدةً من أن الجوهرة ستعينها حقيقةً على تبين ما يدور حول القبة الواقية لرمزها، لكنّ التجربة لا ضرر فيها.
وقد سرّتها النتيجة. فتحت وزن نظرتها الخفيف، تكشف لها الحاجز ذو الطبقات الثلاث. من دون زيادة حدة تركيزها، لم تكن رؤيتها تامة، لكنها رأت ما يكفي. علاوة على ذلك، لم ترغب في إثارة الأسئلة حول كيفية تحطيمها للحجارة بلا أي فعل جسدي. تمثلت القبة الأولى في حاجز جسديّ بسيط. وكما أثبت عرضُ الفتاة ببضع حفنات من البذور، تصطدم الأشياء بالقبة كأنها جدار. واستثنى ذلك بضع فتحات تتسع لعبور شخص، وتتحرك عبر السطح.
قررت نيكسيل التغاضي عن أسباب احتفاظ الفتاة بأكياس مليئة بالبذور من الأساس. وراء الحاجز الصلب قامت قبة ثانية. ومثل الأولى، تحركت على سطحها — الخفيّ عن العيون العادية — فتحات متغيرة. تفاعلت هذه القبة بعنف مع أي شيء ترصده. وقذفت بحدة كل الأجسام الجسدية نحو الخارج. لا. ليس نحو الخارج، بل تحديداً صوب تلك الزاوية حيث نهض الصبيّ متأمّحاً. أكان هناك سبب لذلك؟ حسناً، لن يهم الأمر ما دامت نيكسيل قد تجنبتها كليّاً.
أمّا العقبة الأخيرة، فلم تكن عقبة مفردة كالسابقتين، بل مجموعةً منهنّ. التوت خيوطٌ كالمركاز بعشوائية، وإنْ بمقادير بطيئة. لم يتطلب الأمر الكثير لافتراض ضرورة تجنب تلك أيضاً. تقدّمت نيكسيل وقفزت. ضمّت ساقيها ومرّت عبر الحاجز الأول. وما إن لامست قدماها الأرض، حتى وثبتْ منزلقةً جانبياً لتخترق الفتحة التالية. لامست يدُها الأرضَ أولاً، ومراقبةً لليزر المتحرك، تشقلبت فوق اثني عشر منها لتستقر على قدميها.
مرة أخرى، تملكتها الرغبة في بسط جناحيها والرقص عبر المساحة الضيقة. لكنّ العيون الكثيرة الرابضة حولها خنقت تلك الفكرة. هذا مع أن جناحاً واحداً لن يصنع فارقاً كبيراً. ما زالت نيكسيل تستمتع بمطِّ جسدها في زوايا كانت لتستحيل قبل عام. وهو مزيج من أوسول وتدريبها المُكثَّف في النجم المظلم. مقارنةً بالتقاطع، بدت صعوبة هذا الرمز في طبقة أخرى تماماً. كان بوسع أي راغب في المخاطرة بضبط توقيت العربات الظفر بالرمز الأخير، لكنّ هذا الرمز استطلب قدرات أعظم شأناً.
وسيلةً لتبين آثار الطقس. ومرونةً وتناسقاً للتسلل خلاله. أو وساطةً لإبطال طقس العبادة ذاته؛ وهو أمر غير يسير، كما أثبتت محاولات الفريق السابق. أعمدت بعض هذه التحديات إلى صعوبة تفوق غيرها قصداً، أم أنها مجرد اختبار لقدرات شتى؟ إنه تمرين جماعي بعد كل شيء. ولعلهم توقعوا تعاون الفرق؟ لكن في ظل فرقٍ جُلّ أعضائها أشباه دان وأري وترو وكال، جهلت كيف سيتخطون هذا النمط من التحديات.
بدت الهوة بين انعدام التطور والأولى هائلة. وزادت اتساعاً للثانية. خطفت نيكسيل عملتها وأودعتها جيبها. استدارت، متوقعةً نصف توقع تلاشي الحواجز بجمع الرمز، غير أن ذلك لم يقع. هزت كتفيها، وعادت لعملها منزلقةً عبر العقبات. أعاقتها حقاً افتقادتها للذراع الثانية. هذا إنْ لم تكن ساقها الآلية أسوأ حالاً. ورغم عجزها، خرجت من المكان دون أن يلامس ثوبُ رداءِها حاجزاً البتّة. استاء الفريق السابق لفقدان عملته...
حتى اكتشفوا ظهور أخرى على المذبح. وبقي كال على حاله. بدا الصبيّ كمن مضغ شيئاً حامضاً. لم ينطق بببنة، لكنّ أفكاره تجلت جلية على وجهه. كره عدم إخفاق نيكسيل. رمقته بابتسامة ساخرة. استحال تعبيره الحامض إلى مكره. وبدا فجأة قاتلاً، ومن هيئة قبضه على مقبض نصله، أوشك كال على الانقضاظ. وما كفّه سوى قاعدة حظر الاقتتال. لعلّ عليّ التخفيف قليلاً من السخرية. لا أود التورط في شجار والإخفاق برفقة.
لم تعدّه نيكسيل حتّى الآن سوى متنمر، وعاملته وفقاً لذلك. في خلدها، كان أحمق، لكنه ليس عديماً للأمل. فكال، المنبوذ من الطوائف، امتلك متسعاً من الوقت لإصلاح الأمور. ما دام اتبع طريقه الخاص، ولم يُصبح عبداً لهم؛ متطلعاً دوماً لقوة عجزوا عنها، مثلما فعل كتان. ولكن، لو هاجمها بحقد، لردت نيكسيل بما ترد به على أي منتمي لطائفة. أدارت صرخة إحباط رأسَها. حاولت إحدى فتيات الفريق الآخر محاكاة حركات نيكسيل لبلوغ الرمز، فخسرت وقذفت نحو الزاوية.
إن كانت بضع من هذه التحديات بمثل تلك الصعوبة، فقد زال شك نيكسيل حيال المطلوب منهم. تمثلت المهمة الكبرى في هذا الابتلاء بجمع المعلومات. إن عرفوا مواقع الرموز كلها، تيسر لهم انتقاء التحديات المناسبة لفريقهم. وتلك أنجع طريقة لاستثمار وقت الفريق، خيراً من مواصلة إهدار الجهود في تحدٍ يفتقرون للمهارة اللازمة لتجاوزه. مع أن ذلك أوقع ظلماً ما على المجموعات الخالية من نيكسيل أو غريف.
وما لم توجد تحديات استُهدفت لتستحيل هزيمتها، استبعدت مواجهة عراقيل جَمّة. ولعل هذا سبب غياب عدد محدد من الرموز في كل تحدٍ. تيسّر رصد قدرات الجميع عند تكليفهم بمهام عوض تنافس فرق غير متكافئة. وما تصورت سوى تكدس الرموز بأيدي قلة في الفرضية الأخيرة. على أثر ذلك، ألوت نيكسيل لتبلغ مافي، وسارت نحو فتاة البذور. استعدت مافي للعدو نحو الدهاليز لإصابة الرمز التالي، لكنّ نيكسيل لم تشعر بمثل تلك العجالة.
وبرمزين في غضون خمس عشرة دقيقة، ونهار كامل ينتظرهم، انتفت الحاجة للاستعجال.
قالت مافي منزلقةً بجوارها: "أنت مرنة بشكل مدهش لمن بلا ذراع أو ساق. علينا ارتياد الموقع التالي. لنسبق ونضع لأنفسنا اسماً".
أجابت نيكسيل: "أريد التأكد من أمر ما قبل المضي".
وتوقفت بجانب الفتاة التي شدّت حول صدرها وخصرها أكياساً بالغة الكثرة.
"أترغبين بالمقايضة؟"
فاجأت الكلمات فتاة البذور، فهتفت بلا تدبر: "ماذا؟ المقايضة؟ ماذا تريدين؟ أيُسمح بهذا أصلاً؟"
هزت نيكسيل كتفيها.
"لم ينهَوْا عن ذلك قط. ثم إنهم أمرونا بمعاملة فرقنا وكأنها طوائفنا. والطوائف تتبادل... أحياناً".
وأخرجت خارطتها.
"مواقعنا بمواقعكم؟"
أحدقت فتاة البذور بحذر بين نيكسيل ومافي، قبل أن ترسل نظرة خاطفة صوب الغرفة حيث لم يبد المراقبون اهتماماً بتوضيح المسموح والمحظور.
" حسناً".
وسحبت ورقتها الخاصة. تبين وجود فارق وحيد بين قائمتيهما، لكنه كفى لإثبات وجود المزيد مما يتوجب عليهم العثور عليه. برضا، عادت نيكسيل ومافي لترفقا كال وترو.
قالت مافي: "قبل أن نمضي، ذلك الحديث عن معاملة الفرق كطائفة. أرى أن نأخذه بجدية أكبر".
رفعت نيكسيل حاجبها. بجدية أكبر؟ ممّا هم عليه؟
وتابعت: "ذكّرني... بأمر تفوه به عقيد رابع ذات مرة. علينا اتخاذ فريقنا طائفةً لنا، وحياةً، وعائلة؛ وكلُّ ما عداه عدو. بطلبك مشاركة مواقعنا، منحتِهم معرفة أن ما تناهى لسمعهم لم يكن تاماً. وكطائفة، لا يجوز أن نقوي أعداءنا أبداً".
لم يكن صعباً إدراك مرامي مافي، غير أن نيكسيل استاءت من مسار التفكير هذا. لم تبتغِ اتباع سبل الطوائف. فما ضير اطلاع فريق آخر على شيء وجدوه نافعاً ما دامت قد ظفرت بما تريد؟ على العكس، عُدَّ الأمر إضاعة للوقت. لكن... صُمِّم هذا الابتلاء لمرشحي الطوائف. إنه النمط ذاته الذي تختبره الطوائف. ولاحظ ترو تردد نيكسيل، فتدخل بحماس طافح.
"أستطيع تولي المفاوضات. الشجار والتحديات... لست بارعاً فيهما، لكنه مجال أجيده. دعوا الصفقات لي".
صلبت مافي ذراعيها.
"ما الذي يجعلك تظن قدرتك على التفوق عليّ؟"
تنازل قائلاً: "لاشيء"، ورفع ذراعيه درءاً.
"لكنك رغبت بحصد الرموز عجلاً، ألا صحيح؟ بينما تتولين التحديات، أستطيع مخاطبة الفرق الأخرى. ولن نضيع وقتاً".
ما لم تكن نيكسيل مجبرة على تقمص دور المنتمي للطائفة، غمرها السرور. ليفعل ترو ذلك. فعلى الأقل، ورغم ضعفه، سعى للمساعدة بطريقة ما. وذلك خير مما يُقال عن رفيق الفريق الآخر غير المتطور. كظمت نفسها عن التفاتة صوب كال... خشية قراءته لأفكارها.
سألت نيكسيل: "إذن، الخزنة الحيوية؟ أنا أعرف الدرب".
ولم تكن طريقاً وحيدة. فمن خلال الوقت الذي قضته في الصيد هناك، دلّها الملك الصغير على دروب خفيّة عديدة تفضي للغابة متجاوزة الأقواس الشاهقة والسوق.
"إذن، تقدمي".
ألوت مافي بيدها. لحظة انطلاقها، مسدّدةً خطاها في نفق يعاكس ما يسلكه أغلبة القاصدين الخزنة الحيوية، لاحظت نيكسيل عضَّ مراقبتهم صانعة اللحم على أسنانها وعبوسها. وشدّت مجساتها على ساقها المعدنية. صدق حدسها. رجّحت أنكسيل تدبير كيْزيل لكمين هناك. وبسلوكهم درباً مجهولاً، عطّلوا خطتها. عند بلوغهما حاجز الهواء، أبصرت نيكسيل كيْزيل ترمق رفاقها بنظرات فاحصة. سعت بوضوح لاقتناص فرصة لانفرادها.
وباعتبارها تطوراً سادسًا يقابل اثنين غير متطورين وتطوراً أولاً وهدفها المنشود، اقتصر سبب إحجامها عن الضربة حتى اللحظة على عجزها عن تصفيتهم ببساطة. أمصالح متضاربة كثيرة في الابتلاء؟ ولكن إن كلفها سولان بتلك المهمة، فقد أدركت قوة نيكسيل الفائقة لظاهرها. آملةً ألا يحيطوا علماً بقدراتها كلها، لكنهم علموا يقيناً بإجهازها على كيْثور وكيْساييس. فمَنْ إذن أرسلوا لكمينها؟
العقيدة الثامنة؟ التاسعة؟ سرّت نيكسيل لتجنبها دروبهم، بيد أن ذلك لم ينجد وضعها الراهن. وبملاحقة كيْزيل لها، فحتماً سيكمنون لها في النهاية. احتاجت لضربة قريبة. وتوجب أن تقع القربة قبل مغادرة الخزنة الحيوية. ومع معرفة صانعي اللحم بنفق الخدمة المصغر هذا، فمن المرجح ترقبهم لعودتهم عبر ذات الدرب. إنه الملعب الأمثل لكمين. وحسب كيْزيل كسر حاجز الهواء للحيلولة دون لحاق بقية فريقها بها، لتصبح نيكسيل صيداً سهلاً.
وبينما حبكت خططاً لكمين مضاد، اجتازت نيكسيل وفريقها أشجاراً متوارية حتى حطّوا عند أطراف أبراج الحياة المنسية الغابرة. ولوح تحدي رمزهم أمامهم. وكان مراقبان وبضعة فرق هناك بالفعل.
وداعاً لافتراض "لا أحد يرتاد المكان أولاً".
شكّل هذا الموضع آخر ما توقعت نيكسيل نصب الكمين فيه، ولذا باغتتها الصدمة عند وقوعه. رمقها أحد المشاركين بنظرة، مضيقاً عينيه، ورفع بندقيته المصنوعة لحماً. ورجّ دوي إطلاق النار الغابة الساكنة. ذهلت نيكسيل، لكنها لم تبطئ في الرد.