"هف... هف... هف..."
"هذا جنون تام."
أعلن سام، للمرة المئة على ما بدا له في تلك الأمسية.
[تفعيل الإرادة التي لا تقهر]
"هف... مرة أخرى..."
لهث أدوم، منتصباً بوقفةٍ عزيمةٍ نقضتها ركبتاه المرتجفتان. كانت هذه المحاولة الحادية والعشرين. أخطأ سام مرتين، وإن ساور أدوم شكٌّ في أن إحداهما على الأقل كانت متعمدة. أما الضربات التسع عشرة الأخرى فقد تركت أجزاءً من جسده تعاني الوخز، وكبرياءه مخدوشاً، وثقته التي تحلّى بها سابقاً في فكرة التدريب العبقرية هذه مهتزةً بعمق. من كان يظن أن أكثر طلاب الأكاديمية حذراً يجيد التصويب بهذا القدر حين يدفعه الفضول الدراسي؟
ورغم الكدمات التي بدأت تتشكل تحت ردائه، لم يستطع أدوم منع نفسه من الابتسام. فقد كان هناك تقدم. تقدم حقيقي وملموس.
[وصل التحكم في السائل إلى المستوى 2!]
[وصل جسد التنين الأبيض إلى المستوى 3!]
[[إتقان الملاكمة (المراوغة)]
يتحسن] [[الرشاقة] تتحسن] [[الرئتان الحديديتان] تتحسنان] [تعزيز بدني متوسط القوة] كان الفرق دقيقاً لكنه لا تخطئه العين. صار سائله ينساب بسلاسة أكبر، لم يعد كأمواج متلاطمة، بل كماءٍ جارٍ. بدا العالم من حوله أكثر حدة؛ فصار يلحظ حركات أصابع سام الطفيفة وهو يهيئ تعويذته التالية، ويلتقط حفيف الريح قبل أن يتجسد هجوماً. استجاب جسده أسرع أيضاً. ليس كثيراً، لكن بما يكفي ليتمكن من صد الضربات الثلاث الأخيرة جزئياً بدلاً من تلقيها بكامل قوتها.
التف السائل حوله بطريقة طبيعية، كجلدٍ ثانٍ لا كمعطفٍ لا يناسبه. استغرق الأمر إحدى وعشرين محاولة، وكدمات عديدة، وما بدا كأنه كمية من تعاويذ الريح تكفي لتشغيل طاحونة صغيرة، لكنه نجح. المستوى 2. ...المستوى 2. تحولت ابتسامة أدوم إلى شبه جنونية وهو يستقيم. فسر المستوى 2 هو وجود المستوى 3. وإذا وجد المستوى 3... بدا أن سام عرف تلك النظرة. فقد رآها مرات أكثر من أن تُحصى.
قال بحزم، وهو يعلم مسبقاً أن لا جدوى من ذلك: "لا. أياً كان ما تفكر فيه، لا. بالكاد تستطيع الوقوف."
لكن أدوم كان قد اتخذ وضعيته بالفعل. ففي نهاية المطاف، أي نوع من الأشخاص سيكون لو توقف عند المستوى 2 والمستوى 3 ينتظر بلوغه؟
قال متجاهلاً احتجاج عضلاته على الحركة: "بضع محاولات أخرى فقط. أظن أنني بدأت أتقن الأمر."
أصدر القط الأسود، الذي كان يراقب من الجانب، ما بدا كأنه تنهيدة. تنفس أدوم بعمق، ثم زفر.
"هل أنت مسـ..."
لم يتباطأ العالم حقاً. كان ذلك ليكون بسيطاً ومريحاً أكثر من اللازم. بدلاً من ذلك، صار كل شيء... أوضح. أكثر دقة. كالانتقال من عدسة ضبابية إلى أخرى صافية كالبلور. بدأ الأمر حوالي المحاولة الحادية عشرة، حين أجبره اليأس والكدمات على التوقف عن محاولة الرد السريع والبدء في التفكير فعلياً. لاحظ حينها شيئاً؛ نمطاً دقيقاً لدرجة أنه كاد يفوته. الطريقة التي يميل بها ثقل سام قليلاً إلى اليسار عند تهيئة تسديدة منخفضة.
التوتر غير الملحوظ في كتفه الأيمن قبل تسديدة عالية. الفرق الطفيف في حركة أصابعه بين التسديدة المستقيمة والمنحنية. منذ ذلك الحين، صارت كل محاولة تدور حول المراقبة بدلاً من المراوغة. التعلم. الفهم. استجاب سائله بشكل مختلف الآن أيضاً. بدلاً من محاولة جعله يدور في جسده بسرعة، تركه يتدفق بطبيعته، مستخدماً إياه لتعزيز إدراكه الذي بدأ يتحسن. أضافت كل تجربة قطعة أخرى للأحجية؛
التوقيت بين شهيق سام وإطلاق التعويذة، العلاقة بين ضغط الريح وزاوية الهجوم، والطبيعة الإيقاعية لتركيبات التعاويذ. لم يكن الأمر مثالياً. بل بعيداً عن ذلك. لكن حيث كان سابقاً يتفاعل بهلع مع كل هجوم، بدأ الآن... يتوقع. جسده، الذي رغم تضرره كان يتكيف، بدأ يتعلم ببطء التحرك قبل أن يدرك عقله الواعي. ذاكرة عضلية تتراكم عبر التكرار المؤلم.
[يتشكل التعرف على الأنماط...]
ومض الإشعار عند طرف رؤيته، لكن أدوم حافظ على تركيزه. كان يشعر به؛ تلك المساحة بين التفكير الواعي والغريزة حيث يتدفق كل شيء.
ما بدأ يسميه "النطاق"
في رأسه، لعدم وجود مصطلح أفضل. ارتجفت أصابع سام بنمط أصبح مألوفاً الآن. تسديدة عالية، قادمة من اليمين. كان جسد أدوم يتحرك بالفعل، والسائل ينتقل لتعزيز مراوغته قبل أن تتشكل التعويذة بالكامل. لم يكن ذلك إتقاناً. ولا حتى قريباً منه. لكنه كان بداية الفهم، وأحياناً تكون تلك أكثر قيمة. واحد... في هذا الوضوح البلوري للتركيز، استطاع أدوم رؤيته. التشويه المريب في الهواء، كتموجات الحرارة الصاعدة من رصيف ساخن، إلا أنه...
هادف. موجه. تشكل سهم الريح، وللحظة خاطفة وجميلة، كاد يرسم مساره في ذهنه؛ الطريقة التي سينحني بها للأعلى، متجهاً مباشرة نحو صدره. اثنان... تشنجت عضلاته، والسائل يتدفق بالفعل لدعم حركته المخطط لها. ثلاثة... بدا الزمن وكأنه يتمطى كالعسل بينما ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه. هذه المرة. هذه المرة نالها. كان يراها، يشعر بها، ويعرف تماماً أين ستذهب في أربـ...
"آخ!"
مزق الوخز الحاد في فخذه الأيمن تركيزه كحجرٍ يهشّم زجاجاً. قفز بخرق على ساقه اليسرى، وشعر بكبريائه يلسع بقدر ما يلسع فخذه. سقط السهم. سقط، ولم يره قادماً على الإطلاق. كان سام، الخائن، يحاول جاهداً ألا يبدو مستمتعاً.
"أتعلم، عندما قلت 'مرة أخرى' قبل عشرين دقيقة، لا أظن أن أياً منا ظن أنك تعني عشرين مرة أخرى."
فرك أدوم فخذه، وعقله يحلل بالفعل ما جرى. كان واثقاً جداً من ذلك المسار... ربما لو أولى اهتماماً أكبر لكيفية تحرك تيارات الهواء بدلاً من التركيز على التشكل الأولي فقط؟ أم أن هناك شيئاً في وقفة سام فاته؟
فتح فمه ليقول "مرة أخرى"، لكنه توقف، وماتت الكلمة في حنجرته.
استعاد عقله السيطرة أخيراً من عزيمته العنيدة. كانت ساقاه ترتجفان، ومخزون طاقته يتضاءل بشكل خطير، وكان يشعر بالفعل بكدمات الغد تتشكل. أن تكون جريئاً شيء، والتهور شيء آخر.
سأل بدلاً من ذلك، وهو يستقيم بما تبقى لديه من كرامة مع اعتماده على ساقه اليمنى: "نفس الموعد غداً؟"
نظر إليه سام طويلاً، ثم قهقه وهز رأسه.
"أتعلم، الأشخاص العاديون يحتاجون بضعة أيام على الأقل للتعافي بعد تلقي تسع عشرة ضربة بأسهم الريح."
رد أدوم بابتسامة متعبة: "لحسن الحظ أنني لست من الأشخاص العاديين. أنا رجلٌ شهم. بل أشهم الرجال في الواقع."
حاول استعراض عضلاته، مما أدى إلى تكشيرة حاول إخفاءها.
"ألا توافقني الرأي، أيتها القطة؟"
تسطحت أذنا القط الأسود، وصدر عنه زمجرة تحذير خافتة.
"...هل هذا هو اسمه الآن؟"
سأل سام، رافعاً حاجبيه.
قال أدوم، وهو لا يزال يداوي كبرياءه مع كدماته المتفرقة: "لا، هذا مجرد واحد من الأسماء التي لم يزمجر عليها بعد. بالإضافة إلى ذلك، كان عليّ اختباره. من أجل العلم. كما يفعل أي رجل شهم حقاً."
اهتز ذيل القط فيما بدا كأنه ازدراء. علاوة على ذلك، كان لدى أدوم نظريات عدة حول ذلك السهم الساقط تحتاج للاختبار.
* * *
جمعا أغراضهما، وكان سام يتأوه وهو يدير كتفيه.
"أحتاج لحمام طويل بعد هذا."
"أنت تحتاج لحمام؟ كل ما فعلته هو الوقوف هناك وتعذيبي."
"هذا يظهر ما تعرفه عن إلقاء التعاويذ."
دلك سام صدغيه.
"مخزون المانا لدي يكاد يكون فارغاً. قد تكون أسهم الريح أساسية، لكن الحفاظ على الدقة لكل هذا العدد من الإلقاءات..."
رمق أدوم بنظرة ذات مغزى.
"والذي، دعني أذكرك، كان فكرتك بالكامل."
اعترف أدوم ضاحكاً: "عادل. مع أنني لاحظت أنك، منذ المرة الخامسة، لم تعد تمانع استخدامي كهدف للتدريب."
قال سام بوقار مصطنع: "فضول أكاديمي."
ثم ابتسم.
"هيا، لنحضر بعض الوجبات الخفيفة من قاعة الطعام. لدي تلك اللعبة اللوحية الاستراتيجية الجديدة من متجر الألعاب؛ تلك الجديدة التي تتضمن أدوار الفرسان والسحرة؟"
قاطع القط الأسود: "مياو."
وذيله يتحرك عمداً. توقف أدوم، وتحول تعبيره إلى تلك النظرة التأملية المألوفة.
"في الواقع... أظن أنني سأتوجه إلى المكتبة أولاً."
رفع سام حاجبه: "الآن؟ الوقت يتأخر."
رد أدوم: "يقولها من يكاد يعيش هناك. أنا أنام فعلياً، كما تعلم. أنت من تمكنت من جعل الآنسة غريمكنو تتحملك عبر الإصرار المحض."
سخر سام: "أوه أرجوك، هي تتحملنا كلَينا. مع أنك تقضي وقتاً أطول مؤخراً في تلقي الضرب بدلاً من القراءة. عذراً، 'التدريب على سحر المعارك'."
كانت علامات التنصيص التي رسمها بيده مسموعة تقريباً.
"على الأقل لست أنا من ضبطتَها تسيل لعابها على كتاب في الثالثة صباحاً."
"حدث ذلك مرة واحدة! ولم أكن أسيل لعابي، كنت... أتأمل بعمق."
"وعيناك مغمضتان؟ وتصدر شخيراً؟"
لوح سام بيده بلامبالاة: "اذهب للقيام ببحثك يا رجل. بعضنا لديه موعد مع الماء الساخن ومرهم العضلات."
افترقا عند تقاطع الفناء، متبادلين المداعبات اللطيفة حتى غابا عن سمع بعضهما. راقب أدوم هيئة سام المبتعدة حتى اختفى عند زاوية جناح السكن. استقر ثقل مألوف في معدته؛ الشعور بالذنب. لم يكن متوجهاً إلى المكتبة حقاً، وكان الكذب على سام، حتى بالصمت، يبدو خاطئاً. لكن أي خيار كان لديه؟ سيظن سام إما أنه فقد عقله، أو الأسوأ، سيحاول المساعدة بإخبار أحد الأساتذة. لا، بعض الأسرار يفضل كتمانها، على الأقل في الوقت الحالي.
نطح القط الأسود ساقه برأسة مع "مرااااو"
نافذ الصبر.
قال أدوم وهو يبتعد عن طريق المكتبة ويتجه نحو المخرج الشرقي: "أجل، أجل، أنا أتحرك."
كان القط يهرول بجانبه، وذيله مرفوع عالياً في الهواء.
ترددت شكاوى القط: "مياو! ميو ميو!"
على الجدران الحجرية.
"انظر، أخبرتك، لست خبيراً في اللعنات تماماً. النظرية، بالتأكيد، لكن كسرها فعلياً؟"
بسط يديه.
"هذا سحر متقدم."
"مرااااااااو!"
تمكن القط بطريقة ما من أن يبدو متشككاً ومنزعجاً في آن.
ابتسم أدوم لرفيقه: "أوه، إذا كنت تسأل عن حل؟ ربما لدي واحد في ذهني. مع أننا سنرى إن كان..."
"مياو؟"
"صبراً. لقد أوشكنا على الوصول."
وصلا إلى الأبواب الشرقية الضخمة لـ "زيركس".
لم يكن الحراس يقومون بجولاتهم حتى وقت متأخر من الليل؛ فعملهم كان يتركز أكثر على منع الطلاب من فعل أي شيء أحمق بدلاً من إبعاد الغرباء. كانت التعاويذ تتولى ذلك الجزء بشكل جيد بما يكفي، حيث تسمح بالخروج وتمنع الدخول غير المصرح به.
مد أدوم يده إلى المقبض— "الطالب أدوم سيلا!"
استدار. حامت غراب أسود لامع فوق رأسه، ممسكاً بقطعة ورق بمخالبه. وبينما أطلق الطائر حمولته، انحنى القط، وتشنجت عضلاته.
حذر أدوم: "أيها القط. لا تجرؤ. هذا موظف في المدرسة."
حط الغراب على تمثال "غارغويل"
قريب، ناظراً للقط بما لا يمكن وصفه إلا بالازدراء. ثم، ولدهشة أدوم، سخر فعلياً؛ صوت قصير وحاد لم يكن بالتأكيد جزءاً من مفردات الغراب العادية، قبل أن يبسط جناحيه وينطلق. تلاشت قهقهة أدوم على تصرف الغراب في حنجرته وهو يبسط الورقة، ليقرأ خط إيرين المألوف: يريد سيسكو رؤيتك في مقهى القهوة بعد يومين في الواحدة ظهراً. يقول إن هناك أمراً للنقاش. أرسلت غراباً، لكنه عاد وقال إنه لم يجدك في الفناء الرئيسي، لذا تركت هذه الرسالة.
آمل أن يكون ذلك مناسباً. - إيرين هبط قلبه. ماذا حدث؟ هل كان الأمر يتعلق بطلبيته؟ ومض الجدول الزمني في ذهنه؛ شهر واثنا عشر يوماً حتى تظهر الأعراض الأولى. شدت أصابعه على الورقة، فجعدتها. ليس وقتاً كافياً. أبداً ليس وقتاً كافياً. هل حدث خطأ ما في المكونات؟ ربما لم يستطيعوا الحصول على ما يحتاجه. أو الأسوأ، ماذا لو سُرقت؟ تسارع تنفسه. أم كان الأمر يتعلق بعمليتهم؟ تلك التي ناقشاها فوق أكواب القهوة الساخنة؟
"فليكن الأمر متعلقاً بالعملية،"
فكر، وعقله يدور أسرع فأسرع. على الأقل يستطيع التعامل مع ذلك. لن يعني ذلك...
"مياو."
غرزت مخالب حادة في بنطاله، ساحبة إياه إلى الحاضر. حدق القط فيه، وذيله يرتجف. رمش أدوم، مدركاً مدى قوة قبضته على الورقة، وكيف تشنج كتفاه حتى وصلا لأذنيه. أجبر أصابعه على الاسترخاء، وحشر الملاحظة المجعدة في جيبه.
قال وهو يدفع الباب الثقيل: "لنذهب."
لا جدوى من تعذيب نفسه بالاحتمالات. الأفضل أن يعرف وحسب. لفحه هواء الليل المبكر على وجهه وهما يخرجان إلى المدينة.
* * *
مرت شوارع "أرخوس"
كحلم مألوف.
عبر نافذة "متجر الأشياء الغريبة"، لمح أدوم "إيما"
وهي ترتب البلورات على رف، ولم يكن السيد "بيغينز"
في الأرجاء. نظرت إيما إليه، لكنه كان قد تجاوز المتجر بالفعل، متوغلاً في المدينة حيث تزداد الشوارع اتساعاً والمباني قصراً. كانت محطة العربات تعج بنشاطها المسائي المعتاد؛ سائقون ينادون على وجهاتهم، وركاب يساومون على الأجرة. استند شاب بشعر أحمر زاهٍ إلى عربته، يطعم دابته تفاحة.
سأل أدوم: "حي الشاطئ؟"
ابتسم السائق، طارحاً قلب التفاحة جانباً: "اصعد."
صرير مقاعد العربة الخشبية بينما استقر أدوم في مكانه، والقط يلتف بجانبه. انطلقت العربة إلى الأمام بهزة لطيفة، وحوافر الدابة تقرع الحجارة. في الأعلى، علق القمر المكتمل كعملة فضية في السماء المظلمة. حملت ريح الخريف رائحة دخان من نيران المداخن، وشد أدوم عباءته عليه. جعل الإيقاع الثابت لخطوات الدابة وحركة العربة المتمايلة جفنيه ثقيلين. كانت عضلاته تؤلمه من جلسة التدريب، ورسالة سيسكو تنخر في زوايا ذهنه، لكن الإرهاق انتصر.
انهار على جانب العربة، وأخذ تنفسه يتعمق...
"مرااااو!"
استيقظ أدوم ليجد مخلب القط يضرب أنفه. كانت العربة قد توقفت عن الحركة.
نادى السائق من فوق كتفه: "وصلنا. حي الشاطئ، كما طلبت."
"شكراً."
تمطى أدوم، يفكك تشنجات رقبته.
"هل هناك احتمال أن تنتظر هنا قليلاً؟ سأحتاج لرحلة عودة."
ربت السائق على خاصرة دابته: "يمكنني توفير ساعة. هل هذا مناسب؟"
قفز أدوم، وغاص حذاؤه قليلاً في الرمل: "هذا ينبغي أن يكفي."
قفز القطّ إلى الأسفل، ثم دنا منه يهرول بخطوات خفيفة على الرمل. تلاطمت الأمواج عن يمينهما، وتوهجت فوانيس المدينة من ورائهما.
سار أدوم بمحاذاة الشاطئ، وخطواته تتباطأ.
في المرة الأخيرة التي وطئت فيها قدماه شاطئاً، كان قد لقي حتفه.
يا للهول. تبدو تلك اللحظة وكأنها دهر مضى. ولسبب ما، غاب وجهها عن ذاكرته تماماً. الموت. كل ما استحضره أنها كانت بجمال القمر.
أمضى ليلةً كاملة منحنياً على مكتبه، يحك القلم على الورق، يحاول استحضار ملامحها. لم يفلح في شيء. مجرد شذرات: عينان تحويان الأبدية، وابتسامة أنسته الخوف. هل ستبدو بالهيئة ذاتها حين يتلاقيان مجدداً؟ فهما سيتلاقيان لا محالة، فهذا يقين كشروق الشمس. كل ما تمناه ألا يكون لقاؤهما القادم بسبب إخفاقه. توقف أدوم، وانحنى يفك رباط حذائه. كان الرمل بارداً بين أصابعه، فحركها ليدفنها في العمق، مستمتعاً بالشعور.
ملأ هواء البحر المالح رئتيه حين تنفس بعمق. كان في الشواطئ ليلاً ما يبعث في نفسه السكينة دائماً؛ إيقاع الأمواج الرتيب، وظلمة المحيط الشاسعة أمامه.
لمح حركةً سريعةً على الرمل. انقضّ القطّ، يضرب بمخالبه سلطعوناً صغيراً غامر بالابتعاد عن الماء. لوّح السلطعون بكلّلتيه احتجاجاً، قبل أن يختفي في جوف القطّ وسط صوت تهشّم.
قال أدوم وهو يراقب القطّ ينظّف كفّيه: "أتعلم، بحثتُ في كلّ مكان عمّن يفكّ لعنتك".
ركل قطعة خشب جرفها الموج.
"على الأرجح، تستعدّ قبائل الفيشاري لمغادرة أرخوس قريباً، فهذا دأبهم حين يشتدّ البرد. الأفضل أن نقصدَهم الآن ما دمنا نستطيع".
"مياو؟"
نظر القطّ إليه، وبقايا القشرة لا تزال عالقةً بشاربيه.
ضحك أدوم: "ستعرف. هيّا، ينبغي أن يكون مخيّمهم خلف تلك الصخور مباشرة".
لفحت الريح عباءته حول ساقيه. فوقهما، تمايلت الغيوم عابرةً وجه القمر، لتلقي ظلالاً متراقصة على الرمل. الفيشاري. لكلّ مدينة حكاياتٌ عنهم؛ همساتٌ عن دماء شيطانية وعهود مظلمة. لكنّها لم تكن سوى حكايات. الحقيقة أبسط من ذلك. كانوا رحّلاً يتبعون مواسم الدفء، ينصبون خيامهم الملوّنة عند أطراف المدن، يتاجرون بالبضائع ويقدّمون خدماتٍ يعجز عنها أهل المدينة أو يأبونها. كان فكّ اللعنات تخصصهم.
بينما يغرق كهنة المعبد والسحرة المحليون في طلب التفسيرات والتصاريح، كان الفيشاري يسألون فقط عن قدرتك على الدفع. لم يكترثوا إن أردت لعنَ أحدٍ أو فكّ لعنةٍ عنه؛ فالذهب ذهب. ألقى أدوم نظرةً على القطّ الذي يهرول بجانبه. في شهور بحثه عن اللعنات، لم يكد يلمس سوى السطح.
الكتب لا تخبرك إلا بالقليل، ومعظم "الخبراء"
دجّالون يسعون لتفريغ جيوبك. أمّا الفيشاري؟ فلديهم أجيالٌ من المعرفة الحقيقية، تتناقلها العائلات. إن كان ثمّة من يعرف ماهية هذا القطّ، أو حقيقته، فهم أولئك. جاء أول إرهاصٍ بوجودهم على شكل قرع طبولٍ خافتٍ تحمله الريح، بعيدٌ لدرجة أن أدوم ظنّ أنّه توهّمه. لكن مع تقدمهم، بات الصوت أوضح؛ إيقاعٌ ثابتٌ لضربات الأكفّ على الجلد، ترافقه نغماتٌ حادّةٌ لنايات. وسرعان ما ميّز أصواتاً بشريةً تغنّي بلغةٍ لم يفهمها.
وعند المنعطف، اتسع الشاطئ. تعالت الموسيقى، واختلطت بالضحكات وطرقعة الخشب المحترق. ثم رآهم: عشرات الخيام والعربات الملوّنة مصطفّة في نصف دائرة، وفي المركز نارٌ عظيمة. كان الناس يرقصون، تتطاير أقدامهم بالرمل وهم يدورون. وجلس آخرون في حلقات، يتناقلون القوارير وأطباق الطعام، ووجوههم تتوهّج في ضوء النار.
قال أدوم للقطّ: "وصلنا".
لكن قبل أن يخطو خطوةً أخرى— "ديكين! إيك ستريينو!"
اخترق صوت طفلٍ صخب الموسيقى.
"هاي ليس ييخ ماتشكا!"
تلعثمت الطبول ثم صمتت. وتوقفت النايات بصريرٍ فجائيّ. تجمد الراقصون في أماكنهم، والتفتت كلّ الرؤوس نحوهم. كافح أدوم رغبته في التراجع.
همس للقطّ: "فقط... تصرّف بطبيعية"، وشعر بالحماقة فوراً.
ردّ القطّ بالجلوس وبدء تنظيف نفسه. طال الصمت. سعل أحدهم. انطلق بكاء رضيعٍ من إحدى الخيام، ثم خمد سريعاً.
تمتم أدوم: "حسناً. هذا ليس محرجاً على الإطلاق".
خطا خطوةً متردّدةً إلى الأمام، ورسم على وجهه ابتسامةً حاول أن يجعلها ودودة.
"مرحباً؟ مساء الخير؟"
انكسر صوته قليلاً. بصق رجلٌ عجوزٌ قرب النار في اللهب. تجمّد أدوم. هل هذا سيّئ؟ هل كان عليه الرحيل؟ قرأ عن الأعراف القبلية، لكن لم يأتِ ذكرٌ لبصق النار.
"أنا، إحم..."
نظر من وجهٍ إلى وجه، ثم استقرّ نظره على النار أخيراً. كان الحديث أسهل هكذا.
"اسمي أدوم. أدوم سيلا. وهذا..."
أشار بيده إلى الأسفل "...قطّ".
اختار القطّ تلك اللحظة ليطلق مواءً عالياً!
"ماتشكا!"
صرخت طفلةٌ صغيرةٌ ببهجة.
"أوه! نعم، إحم... ما... تشكا؟"
حاول أدوم، مشوّهاً الكلمة تماماً. انبعثت ضحكةٌ عميقةٌ من الحشد، وانفرجت حلقة الناس.
تقدم رجلٌ - لا، لم تكن كلمة "تقدم"
مناسبة. بدا وكأنه يملأ المكان بحضوره وهو يتحرك، ضخمٌ وعريض الصدر، بشعرٍ أبيض بريٍّ ينسدل خلف كتفيه. كانت لحيته أكثر إبهاراً، تلمع في ضوء النار كالفضة المنسوجة، وتطابقها حاجبان كثيفان بدا وكأنّ لهما حياةً مستقلة.
"مرحباً، مرحباً!"
كان صوته كالرعد البعيد، وكلماته تحمل رنيناً غريباً.
"أنا ميركو، وهؤلاء القوم، هم قومي".
بسط ذراعيه واسعاً، محيطاً بالمخيم بأسره.
"ما الذي يأتي بالفتى وماتشكا خاصته إلى نيراننا، همم؟"
نظر أدوم بارتيابٍ إلى الحشد الذي لا يزال يراقبه. لا بدّ أن ميركو لاحظ تردّده، إذ لوّح بيده بطريقةٍ توحي بعدم الاكتراث.
"تكلّم بحريةٍ يا فتى. نحن هنا عائلةٌ واحدة".
"حسناً..."
ابتلع أدوم ريقه.
"أظنّ... أظنّ أنّ هذا القطّ ملعون. وكنت آمل أن تتمكّنوا من مساعدتي في... فكّ لعنته؟"
ألقى ميركو نظرةً من فوق كتفه نحو شخصٍ في الحشد، ثم التفت إلى أدوم.
"وما الذي يجعلك تظنّ أنّ هذا القطّ مصابٌ بلعنة، همم؟"
قال أدوم برفق: "كيتي كات، هلّا فعلت؟"
تمطّى القطّ بكسل، ثم أطلق زمجرةً بدت وكأنها قادمةٌ من أعماقٍ أبعد بكثير ممّا يسمح به جسده الصغير. تراجع الناس مع تعالي الزمجرة، وازدادت توحّشاً. بدأ شكل القطّ يتغيّر ويتمدّد، وظلّه على الرمل يتحوّل إلى شيءٍ أكبر بكثير. تموّجت العضلات تحت فراءٍ يتمدّد، أسود كمنتصف الليل في ضوء النار. وفي لحظات، وقف نمرٌ ضخمٌ مكان القطّ الأليف، وعيناه الزرقاوان تعكسان اللهب. تعالت شهقةٌ جماعيةٌ من الحشد.
تمتم أحدهم بدعاء. وبدأ طفلٌ بالبكاء.
سأل أدوم: "ما رأيكم؟"
التفت ميركو مجدداً، هذه المرة نحو شابةٍ وقفت بعيداً قليلاً عن الآخرين. كان شعرها النحاسيّ الأحمر ينسدل في موجاتٍ بريّةٍ خلف كتفيها، مزيّناً بأجراسٍ صغيرةٍ وخرزٍ ملوّنٍ يصدر رنيناً خافتاً كلما تحرّكت. وشمٌ رونيٌّ معقّدٌ يلتفّ صاعداً على ذراعيها، ليختفي تحت أكمام ثوبها المطرّز. كان وجهها يحمل رسوماً طقسيةً - ثلاث نقاطٍ بيضاء تحت كلّ عين، وهلالٌ على جبينها. تقدمت بخطواتٍ صامتةٍ على الرمل، وطافت حول النمر.
تحرّكت يداها بإيماءاتٍ خفيةٍ وهي تمشي، وشكّلت شفتاها كلماتٍ صامتة. راقبها النمر، مديراً رأسه الضخم ليتابع حركتها. أخيراً، عادت إلى جانب ميركو وهمست في أذنه.
أعلن ميركو وهو يومئ بجدّية: "ساحرتنا تقول إنّ القطّ يحمل لعنةً قويةً حقاً".
قال أدوم وهو يشعر بارتخاء كتفيه من الارتياح: "أوه. حسناً... هذا جيّد. أعني، ليس جيّداً، لكن... لم أكن أتوهّم".
سأل ميركو وهو يبسط يديه الضخمتين: "تريدنا أن نرفع اللعنة؟"
"لو استطعتم، سيكون ذلك رائعاً، نعم".
بدأ ميركو: "همم-"
لكن الساحرة أمسكت بكمّ ثوبه.
قالت بإلحاح: "كاك، مي مانغاف تي داف توت دوما".
"آه"، التفت ميركو إلى أدوم.
"يجب أن أتحدث مع الساحرة أولاً. لكن تعال! شاركنا المخيّم!"
"إيه..."
نظر أدوم إلى النمر الذي كان يجلس الآن بسلامٍ على الرمل. وقبل أن يتمكّن من الاعتراض، أمسكت به أيدٍ من كلّ جانب. سحبته أصواتٌ ضاحكةٌ إلى الأمام بينما كان الأطفال يركضون حول ساقيه.
دوى صوت ميركو فوق الحشد: "زابن! تي كيراس باتيف أماري غوستوسكي!"
انفجر المخيّم بالهتاف. عادت الطبول للقرع، أسرع هذه المرة، وانضمت إليها النايات والدفوف. بدأ أحدهم يغنّي بتلك اللغة الغامضة.
غمز ميركو لأدوم: "خذ راحتك مع القطّ. سنعود قريباً".
بدأ أدوم يقول: "انتظر-"
لكن وُضع في يديه وعاءٌ فخاريّ. تصاعد البخار من محتواه. ظهر الرجل العجوز الذي بصق في النار عند كوعه.
قال مشيراً إلى الوعاء: "ثود. جيّد لليلة الباردة. اشرب، اشرب!"
قال أدوم: "شكراً لك".
التفت حوله فرأى النمر يلعق من وعائه الخاص، محاطاً بأطفالٍ يربتون بحذرٍ على رأسه. رفع الوعاء إلى شفتيه. كان السائل الدافئ غنياً وكثيفاً، حلواً ولكن ليس بشكلٍ مزعج. شعر بطعم القرفة، وربما العسل، وشيءٍ آخر لم يستطع تحديده. غلّف السائل لسانه كالحرير المذاب. وقبل أن يعي، كان يميل الوعاء، يجرع منه بعمقٍ حتى فرغ. أنزل الوعاء ليجد وجوهاً تنتظر ردّة فعله.
سألوه وهم يشيرون إلى الوعاء الفارغ: "إيه؟ إيه؟"
قال رافعاً إبهامه بارتباك: "إنه جيّدٌ جداً".
هتفوا بصوتٍ واحد: "باكستالو!"، ومدّ عدة أشخاصٍ أيديهم ليربتوا على كتفيه وظهره.
تعالت الموسيقى، ودار الراقصون بشكلٍ أسرع، وتطايرت تنانيرهم كأوراق الخريف في ضوء النار. دار الراقصون حوله، مشكّلين مشهداً متغيّراً من الألوان والحركة. أمسكت امرأةٌ مسنّةٌ ذات ضفائر فضيةٍ بيده.
"ارقص! ارقص!"
"أوه، لا، لا أستطيع-"
لكنّ جدّةً أخرى كانت قد أمسكت بيده الأخرى، تجذبه إلى الحلقة. شرحت صاحبة الضفائر الفضية خطوةً بسيطة: خطوة-ركلة-خطوة. حاول أدوم تقليدها، فتعثرت قدماه. ضحكت الجدّات بروحٍ طيبة، ووجّهن حركاته باليدين المتجعدتين اللتين تمتعتا بقوةٍ مفاجئة. خطوة-ركلة-خطوة. خطوة-ركلة-خطوة. بدأ الإيقاع يكتسب معنى. بدت الطبول وكأنها تنبض عبر قدميه، صاعدةً إلى ساقيه، وصولاً إلى صدره. مهلاً، هذا ليس سيّئاً!
وجد نفسه يبتسم وهو يدور بين النساء، وتزداد خطواته ثقةً.
[قدرتك على التحمّل تتحسّن]
قال لاهثاً أخيراً وصدره يعلو ويهبط: "لا مزيد، لا مزيد!"
أطلقته الجدّات مع ربتاتٍ مشجّعةٍ على ظهره، فتعثر نحو حافة الحلقة، يتنفس بصعوبة. في تلك اللحظة لمح ميركو يقترب مع الساحرة. خفتت الموسيقى، وإن لم تتوقف تماماً.
أعلن ميركو: "بإمكاننا فكّ اللعنة".
"أوه، رائع!"
رفع ميركو حاجبيه الكثيفين: "لكنّها مكلفة. أتثق أنّك تملك المال؟"
"كم؟"
"مئة قطعة ذهبية".
كرّر أدوم: "مئة قطعة ذهبية؟"
كان يتوقع الآلاف، نظراً لندرة فكّ اللعنات. كافح ليخفي ابتسامته.
"اتفقنا".
غمرت يد ميركو يده بقبضةٍ جعلت عظام أدوم تصدر صريراً.
أعلن الرجل الضخم: "تمّ الاتفاق! ولا يمكن نقضه الآن!"
حرّك أدوم أصابعه حين تحررت، محاولاً ألا يظهر ألمه.
"متى نبدأ؟"
قالت الساحرة بصوتٍ واضحٍ وحازم: "الآن".
انتصبت أذنا النمر، وهرول نحوهما. نادى ميركو بلغتهم، فانفضّ الحشد عن مركز المخيّم، مشكّلاً حلقةً واسعة. لم يبقَ في المساحة المضاءة بالنار سوى أدوم وميركو والساحرة والنمر.
أمرت الساحرة أدوم: "من فضلك، تراجع".
تراجع هو إلى حافة الحلقة. ركعت على الرمل، وتجمّعت تنانيرها حولها، وبدأت برسم رونياتٍ بإصبعها. عرفها أدوم؛ رموزٌ قديمةٌ للفكّ والتحرير والانعتاق. جلس النمر ساكناً تماماً وهي تعمل، يراقبها وهي تنشئ دائرة الرونيات المعقّدة حوله. أخرجت من ثوبها بلورةً تنبض بضوءٍ أرجوانيٍّ عميق. اتسعت عينا أدوم. مثل هذه البلورات المانا نادرةٌ خارج الزنازين، حيث تتكثّف الطاقة السحرية طبيعياً.
فكّ لعنةٍ بهذه القوة يتطلّب احتياطياتٍ سحريةً كبيرةً - كانت البلورة منطقية.
نادت: "أنين مانغي باكرو!"
عبر الحشد رجلان يقودان نعجة. وبدأ رجلٌ آخر بحفر حفرةٍ في الرمل. جفّ حلق أدوم. هل كانوا ينوون...؟ سحبت الساحرة سكيناً من غمدٍ عند خصرها. التقط النصل ضوء القمر، يلمع حادّاً ونظيفاً.
وشدت: "أو رات سي فاش أو ديل، ثاج أو ماس فاش إي مانوش".
وقفت الشاة في سكون، بدت وكأنها تدرك دورها في هذا المشهد. عكست عيناها الداكنتان ضوء القمر وهي تحدق في النصل، بلا خوف ولا مقاومة. حين تحرك السكين، لم يصدر عنها سوى زفير خافت، أشبه بآهة قبول، قبل أن يبدأ الدم في التدفق. ثبّت الرجال الحيوان بينما كان دمه يملأ الحفرة، قاتماً فوق الرمال الشاحبة. بدأت الساحرة تحرك يديها في أنماط معقدة، وتتحرك شفتاها بكلمات لم يستطع أدوم سماعها.
خيم الصمت المطبق على المعسكر. حتى الرضع توقفوا عن البكاء. كان الأطفال يختلسون النظر من خلف أرجل ذويهم، وعيونهم متسعة. ألقت نار المخيم بظلال طويلة بدت وكأنها تتراقص مع حركات الساحرة. شق دقات طبل واحد سكون الليل. التفت رأس أدوم جهة اليمين. دقة أخرى جاءت من اليسار. انضمت طبول أخرى، بإيقاع بطيء ومقصود. ثم ارتفعت الأصوات، عميقة وموسيقية، بينما كان الرجال والنساء ينسجون ترنيمة قديمة.
هامساً بجانب أدوم، قال العجوز: "لا تخف. إنها التقاليد".
نجح أدوم في رسم ابتسامة واهنة رداً عليه. تعالت الترانيم بينما بدأت خيوط المانا تتجمع حول الساحرة. بدأ الدم في الحفرة يتحرك متحدياً الجاذبية، ليتسرب إلى الرموز التي رسمتها. توهجت باللون القرمزي، ثم شكلت حاجزاً متلألئاً حول الفهد. نظر السنور الضخم إلى أدوم، وفي عينيه الزرقاوين حيرة تشبه حيرته. بدا الكثير من هذا الطقس... مبالغاً فيه، لكن من هو ليحكم على عادات ثقافة أخرى؟
فجأة، شهق الفهد، كان صوتاً بشرياً مرعباً. بدأت نار المخيم، التي كانت تشتعل بانتظام، تتلوى وتتراقص بجنون. ارتفعت حدة الترانيم مع انبعاث الدخان من فراء الفهد. راح يهيم حول حافة الدائرة، متزايد الاضطراب. خطى أدوم للأمام غريزياً، لكن يد العجوز قبضت على ذراعه.
قال فحيحاً: "لا تقاطع. لحظة مقدسة".
تصاعدت النار أعلى، وألقت بظلال ملتوية. بلغت الترانيم ذروتها بينما حجب الدخان الكثيف الفهد. ومن الداخل انبعثت زئرات ومواء، أصوات سنور ضخم تمتزج بقطة أليفة.
ثم، وبشكل مرعب، كلمات بشرية: "يؤلم! إنه... يؤلم!".
نبضت الرموز الملطخة بالدم باللون الأرجواني، ساحبة المانا من البلورة كخيوط من برق. ثقل الهواء، وازداد وطأة بالقوة. شعر أدوم بشعر جسده يقف، وتصبب العرق على جبينه رغم برودة الليل. اشتد الضوء المنبعث من الدائرة، يزداد سطوعاً حتى اضطر لتغطية عينيه. بلغت الطبول ذروتها، وتحولت الترانيم إلى زئير، والتوت النار بارتفاع مستحيل، ثم ومع دقة طبل أخيرة مدوية، ساد الصمت كل شيء.
همس أدوم في الصمت: "هيا، أيتها القطة... هيا".
ظلت الساحرة جاثية على ركبتيها، صدرها يعلو ويهبط، وقد نال منها الطقس. لم يتحدث أحد. لم يتحرك أحد. بدأ الدخان يتلاشى مع نسيم البحر، كاشفاً عن شيء ما - أو شخص ما - متكور فوق الرمال الملطخة بالدم. انسدل شعر داكن فوق كتفين شاحبتين كحبر مسكوب تحت ضوء القمر. تحركت المرأة، وحين فتحت عينيها، كانتا باللون الأزرق المذهل ذاته الذي كان للفهد. كانت ملامحها رقيقة، أشبه بالسنوريات؛
عظام وجنتين بارزتين، أنف دقيق، وشفاه مفترقة قليلاً في حيرة. التقت أعينهما. بدا وكأن الزمن توقف للحظة، ثم أدرك عقل أدوم خلوها التام من الثياب، فاستدار بسرعة كادت تسقطه أرضاً. سُمع حفيف قماش بينما ألقت الساحرة بطانية فوق كتفي المرأة. من طرف عينه، رأى أدوم المرأة تحاول الوقوف على ساقين مرتجفتين، تنظر إلى يديها وكأنها تراهما لأول مرة.
قالت الساحرة بصوت خافت: "لقد تم الأمر".