[مخزون المانا: ٣٠٦٧/٣٠٦٧]
فتح أدوم عينيه وأفرغ نَفَسه ببطء، وتصاعد بخار خفيف مع هواء القمة البارد. نجح التأمل تماماً — فقد امتلأت طاقته عن آخرها. مد ذراعيه إلى الأعلى، ليطرد تيبس الجلوس بلا حركة ساعات طوالاً. آن الأوان لنرى ما في الداخل. وقف أدوم وتجه نحو حافة السطح، حيث ظهرت درجات سلم حين ارتفع المعبد من الأرض. تقود الخطوات إلى ما بدا أنه المدخل الرئيسي — قوس ضخم جعل أدوم يشعر وكأنه انكمش بطريقة ما خلال التأمل.
قبل أن ينزل، اختبر وام وبام، وحرك أصابعه داخل قفازي القتال. أطلق وام توهجاً أزرق خافتاً عند المفاصل، بينما همس بام باهتزازة بالكاد تُسمع. استجابت الاقطعة تماماً — للاحتياط فقط.
قال ولا أحد يحيط به: "أنا جاهز."
استغرق الهبوط أطول مما توقع. صُممت كل خطوة لكائنات تفوقه طولاً بثلاثة أضعاف، مما أجبر أدوم على شق طريقه بحذر. وحين بلغ القاع، كان قد أحصى ثلاثة وسبعين درجا. تلألأ المدخل أمامه — باب يمتد صعوداً خمسين قدماً على الأقل، بألواح حجرية سميكة تكفي لصمود حصار. وقفت الأبواب نفسها مفتوحة جزئياً، بفرجة تبلغ ثلاثة أقدام تقريباً بينهما — وهي أكثر من كافية ليتسلل منها إنسان، لكنها تكاد تكون شقاً بمعايير من بنى هذا المكان.
اقترب أدوم من الفتحة وتطلع للداخل. استقبله الظلام، رغم أن بصره المحسن التقط ومضات خافتة من الضوء الأرجواني الأزرق نفسه الذي رآه في النقوش بالأعلى. تردد عند عتبة الدار، وأدرك فجأة حجمه مقارنة بالبنيان. جعلته الفجوة بين الأبواب يفكر في كيف تجد الحشرات طريقها إلى البيوت — ضاغطَةً نفسها عبر شقوق الأساسات أو الفراغات الدقيقة بين الألواح. أو فأر يجد طريقه إلى جدران منزل.
فأر. فالانت. تنقل المخلوق الوحشي الصغير في عالم كهذا كل يوم — كل شيء فيه مفرط الحجم، مبني لمخلوقات تفوقه طولاً أضعافاً. أسرّة تشكل حقولاً شاسعة. طاولات تشكل هضابا. مقابض أبواب موضوعة في مستوى رفوف الكتب. لم يفكر أدوم قط في شكل العالم من منظور فالانت. صحيح أن المخلوق الوحشي لم يعرف شيئاً سواه، لكن تجربة حياته بأكملها تشكلت عبر ذلك المنظور — تسلق دائم، وثب، إيجاد طرق إبداعية للتفاعل مع أشياء صُممت لكائنات أضخم بكثير.
سجل ملاحظة في ذهنه ليكون ألطف قليلاً مع فالانت حين يعود إلى الأركوس. ربما يسأله عن نظرته إلى الأشياء. بدا الأمر مهمّاً الآن، وهو يقف هنا قزماً أمام عمارة بُنيت للعمالقة. رفع أدوم يده، ناسجاً نمطاً بسيطاً. تجسدت كرة ضوئية فوق كفه، ناشرة توهجاً دافئاً بالكاد اخترق الظلال وراء الباب.
أخذ أدوم نفساً عميقاً وخطا داخل الهيكل. ترددت أصداء خطواته في الفضاء الواسع حصوات صغيرة تسقط في وادٍ عميق. ارتد الصوت عن الجدران البعيدة وعاد إليه بعد ثوانٍ على شكل همسات شبحية. تصاعدت سحابة من الغبار مع كل خطوة بعد أن أزعجتها سكون استمر قروناً لا يعلمها أحد. كان الهواء مثقلاً برائحة التراب والتقادم — رائحة عتيقة وعفنة دغدغت أنفه.
"آه —"
انفجرت عطسة أدوم في السكون لتطلق صدى آخر وتثير المزيد من الغبار. سعق وسحب بسرعة قطعة قماش من حقيبته وربطها فوق أنفه وفمه. صار الأمر أفضل لكن الجسق الدقيقة ما زالت تجعل عينيه تدمعان وتغبر نظارته. زاد قوة كرة الضوء ودفعها لتسطع أكثر. تمددت الكرة وألقت إضاءة أقوى كشفت عن المزيد من داخل الهيكل.
وجهها أدوم إلى الأعلى وتركها ترتفع أكثر فأكثر حتى — "وه."
خرجت الكلمة منه رغماً عنه حين بلغ الضوء ما افترض أنه السقف. إلا أنه لم يكن هناك سقف بمعناه المعتاد. امتد الفضاء صعوداً إلى ظلام عميق لدرجة أن ضوءه لم يستطع اختراقه. اختفت الجدران في ذلك الظلام نفسه على الجانبين مما يوحي بغرفة هائلة المساحة حقاً.
تمتم ونبرة صوته مكتومة خلف قناعه: "الأمر يشبه الوجود داخل جبل."
كلما ارتفعت كرة الضوء أنارت الجدران. توقف أدوم عن المشي وجذب انتباهه ما يغطي كل شبر تقريباً من أسطح الحجر الهائلة. لوحات جدارية. الآلاف منها. مشاهد معقدة ومفصلة نحتت ورسمت على جدران الهيكل في ألواح امتدت من الأرضية حتى السقف غير المرئي. اقترب أدوم وهو مفتون. عرض اللوح الأقرب شخصيات عمالقة بوضوح لكن هذه الصور لم تكن ثابتة. وبينما كان يتابع بذهول تحركت الشخصيات المنحوتة بدقة وتموجت الألوان عبر أسطحها.
لا شيء درامياً ولا يشبه صورة متحركة بل أشبه بمراقبة انعكاسات في ماء يضطرب أحياناً. مد أدوم يده ليلسم الجدار. بدا الحجر بارداً وصلباً تحت أصابعهم ومع ذلك واصلت الصور حركتها الدقيقة. عدل كرة الضوء مرة أخرى ووضعها لتنير تسلسلاً من الألواح التي بدت كأنها تشكل قصة. أظهر اللوح الأول أرضاً قاحلة — مجرد تراب وصخر. وبينما كان يتابع بدا الأرض في الصورة تتحرك وتنتفخ. ارتفع شكل من الطين وأخذ شكلاً — بشرياً لكن ضخماً وبحجم بشري يفوقه بعشرين مرة بسهولة.
تصلب شكل الطين وظهرت التفاصيل — وجه بعيون غائرتين وكتفان عريضتان وأطراف قوية. العملاق الأول. في اللوح التالي ظهر شكل ثانٍ بملامح أكثر نعومة — أنثوية ربما. وقف العملاقان معاً في عالم بدا خالياً إلا منهما. تحرك أدوم على طول الجدار ليتابع القصة وهي تتكشف. تضاعف العمالقة. بنوا مأوى وزرعوا نباتات بدت كنسخ هائلة من المحاصيل المألوفة. أنشأوا مجتمعات وبنوا منشآت. بدا... عاديين.
مثل البشر لكن بحجم هائل مذهل. لكن شيئاً ما كان ناقصاً.
تمتم أدوم وهو يتفحص الصور بحذر أكبر: "أين السحر؟"
لم يُظهر أي من العمالقة المرسومين أي علامات على التلاعب بالمانا. لا تعاويذ ولا سحر ولا أعمال رونية. مجرد عمل بدني واستخدام أدوات. تعارض هذا مع كل ما تعلمه أدوم عن العمالقة. كانت الرواية الشائعة هي أن العمالقة كانوا متلاعبين طبيعيين بالمانا منذ البداية — وأن قدرتهم على العمل مع المحور كانت فطرية وقوية.
قال وهو يسجل هذا التناقض في عقله: "مثير للإتمام. إما أن الإجماع الأكاديمي خاطئ أو..."
ترك الفكرة معلقة وتابع تتبع القصة على طول الجدار. نمت حضارة العمالقة لتصبح أكثر تعقيداً. زادت أعدادهم. انتشروا عبر مناظر طبيعية أصبحت تدريجياً أكثر مألوفة — جبال وغابات وسهول تشبه القارة كما يعرفها أدوم اليوم. لا سحر بعد. ثم تغيرت الجداريات. أظهر لوح جديد أشكالاً مظلمة تنزل من السماء. للوهلة الأولى تشبه البشر لكن مع اقتراب نظر أدوم لاحظ أجنحة وقروناً وأطرافاً ملتوية.
هيمن شكل واحد بشكل خاص على المشهد — أكبر من البقية وله أجنحة متعددة وعيون بدت وكأنها تتبعه كلما تحرك.
تساءل بصوت عالٍ: "شياطين؟"
روت الألواح التالية قصة عن العنف. هاجمت الكائنات المجنحة العمالقة الذين قاوموا بأسلحة حجرية وقوة غاشمة. لكنهم هزموا. استخدمت الكائنات الشيطانية ما لا يمكن إلا أن يكون سحراً — طاقات مظلمة تنحني وتلتواء عبر الهواء وتطرح العمالقة الذين انهاروا كالأشجار المقطوعة. أسرع أدوم بخطاه ليتابع القصة وهي تصبح أكثر ظلمة. انضم مهاجمون جدد إلى الشياطين — مخلوقات ضخمة ذات حراشف تنفث النار.
تنانين. طيور محاطة باللهب. طائر الفينيق. وكيان مظلم بدا وكأنها تمتص الحياة ذاتها من العمالقة الذين تلمسهم. أومبرا. كان العمالقة يخسرون. بشكل سيء. أظهرت الألواح وهم يفرون ويختبئون في الكهوف والوديان. تناقصت أعدادهم. أُجبر أولئك الذين أُسروا على العمل وبناء منشآت لسادتهم الجدد. قيدت السلاسل أطرافهم. أظهرت وجوههم معاناة استطاع أدوم استشعارها حتى عبر آلاف السنين.
تمتم أدوم وقد ازداد شعوره بالقلق: "ليس هكذا يفترض أن تسير القصة."
وضع الإجماع الأكاديمي العمالقة ككائنات قوية ومهيمنة شكلت العالم المبكر قبل البشر. ليس كضحايا. وليس كعبيد. ومع ذلك أخبرته الأدلة التي أمامه قصة مختلفة — قصة إخضاع وبقاء في مواجهة قوى ساحقة. قصة لم يكن فيها العمالقة فاتحين بل مهزومين. مثير للاهتمام.
تابع أدوم سيره بمحاذاة الجدار مأخوذاً بالقصة التي تتكشف أمامه. عرض الإطار التالي عملاقاً واحداً يفر عبر غابة تبتلعها النيران. شيطان بسط جناحيه على مصراعيه وتلتوي القرون من جبينه يطارده بلا هوادة. امتدت المطاردة عبر عدة إطارات. ركض العملاق في غابات تحترق وعبر سهول محروقة وفوق جبال. لم يهن الشيطـان قط وكان دائماً خلفه مباشرة. سال الدم من جروح في ظهر العملاق ونتثر على الأرض بينما كان يفر.
في الإطار التالي بلغ العملاق حافة جرف يشرف على ما بدا أنه محيط سوى أن الماء توهج بضوء أزرق مرعب لا يشبه أي بحر رأاه أدوم أو قرأ عنه. ألقى العملاق نظرة إلى الوراء نحو مطارده ثم إلى الأمام نحو الماء المتوهج. خيار بين موتين. قفز. أظهرت الصورة التالية العملاق يهوي وذراعاه ممدودتان نحو الماء المضيء. توقف الشيطان عند حافة الجرف وبدت الغداة واضحة على وجهه المشوه.
همس أدوم مقترباً: "لماذا لم يتبعه؟"
اصطدم العملاق بالماء في الإطار التالي وأحدث جسده الضخم رذاذاً ارتفع أعلى من الجرف نفسه. غاص عميقاً في السائل المتوهج مخلفاً أثراً من الدماء التي اختلطت بالضياء الأزرق. لكنه لم يكن وحيداً. اقترب منه شيء في الأعماق كائن يعصي الوصف السهل. كانت له أجنحة لكنها ليست كأجنحة الطيور أو التنانين أو الشياطين. بدت هذه الأجنحة مصنوعة من النور نفسه وتتغير أنماط هندسية عبر سطوحها.
كان جسده شبيهآ بالبشر باهتاً لكنه مؤلف من خطوط وتقوسات متقاطعة تؤذي عيني أدوم إن حاول تتبعها عن كثب.
همس أدوم: "ما هذا الجحيم؟"
اقترب الكائن من العملاق الجريح الغارق. التقت عيناهما عيناها العملاق الواسعتان خوفاً وعينا المخلوق شديدتا الإشراق. ثم دخل الكائن ببساطة في العملاق. ليس بعنف ولا كاستحواذ. بل كأنه انزلق بين جزيئات العملاق ليصبح جزءاً منه. أظهر الإطار التالي عيني العملاق تنفتحان فجأة وهما تتوهجان الآن بالضياء الأزرق نفسه المحيط به مثل المحيط. انغلقت جروحه. شع جسده بالقوة. سبح إلى الأعلى.
ما زال الشيطان ينتظر عند حافة الجرف ويحدق إلى أسفل نحو الماء. لم ير قط العملاق قادماً. بانسيابية واحدة انبثق العملاق من الماء منطلقاً إلى الأعلى كقذيفة. اتصلت قبضته بفك الشيطان و— انفجر النور من نقطة الاصطدام. ليس نوراً منقوشاً أو مرسوماً بل إضاءة حقيقية تنبعث من الجدارية نفسها. تراجع أدوم إلى الوراء وهو يرمش ليبعد البقع عن رؤيته. حين استطاع الإبصار مجددًا أظهر الإطار الشيطان وهو يتفكك إلى جزيئات مبعثرة بقبضة العملاق المتوهجة.
تنفس أدوم الصعداء: "التعويذة الأولى."
استمرت القصة. عاد العملاق إلى عشيرته المختبئة وهو يشع ضياءً أزرق. في الإطار التالي ضغط براحته على جبهة عملاق آخر ناقلاً شرارة من ذلك النور نفسه. أظهر إطار تلو إطار تكرار العملية أول ساحر يشارك هديته مع الآخرين. ومع كل عملية نقل بدأت عيون المتلقي تتوهج. استقامت قامتهم. التئمت جروحه. انقلبت دفة المعركة. أسرع أدوم خطاه متبعاً القصة بينما دفع عملاق مسلحون بسحر مكتشف حديثاً بمعذبيهم إلى الوراء.
تدفقت طاقة زرقاء من أيديهم وشكلت دروعاً وأصبحت أسلحة. سقط الشياطين. تراجع التنانين. انطفأ العنقاء.
تمتم أدوم: "إذن هكذا حدث الأمر. لم يولدوا بسحر. لقد وجدوه. أو وجدهم هم."
وقف عملاق السحر الأول في مركز كل شيء يوجه الآخرين ويعلمهم كيفية تسخير قوتهم. وتحت توجيهه أنشأوا هياكل دفاعية مباني لا تختلف كثيراً عن الهيكل الذي يقف فيه أدوم. حفروا الرونّات الأولى وهي أنماط دائرية ضاعفت قدراتهم. أزهرت حضارتهم مجدداً. أظهرت الإطارات عودة السلام رغم أن العمالق نشروا الآن حراساً يقظين على حدودهم. بنوا مستوطنات جديدة وطوروا سحراً ورونات أكثر تعقيداً وخلقوا عجائب تنافس أي شيء في العالم الحديث.
وفي مركز كل شيء قادهم السحر الأول وما زالت عيناه تتوهجان بأشعة أشد سطوعاً من أي شخص آخر. حتى— توقف أدوم فجأة. لقد تغير السرد بغتة. أظهر إطار جديد السحر الأول محاطاً بعمالق آخرين ولكن ليس في احتفال. التوت وجوههم بشيء بدا شبيهاً بالغيرة المزعجة. أو الخوف.
قال أدوم وهو يقترب: "مستحيل."
أظهر الإطار التالي جدالاً. السحر الأول يشير بيده نحو السماء نحو ما يمكن أن يكون أراضّي الشياطين. والآخرون يهزون رؤوسهم مؤدين إشارات معارضة. ثم الخيانة. حدث ذلك فجأة في السرد خطى عملاق خلف السحر الأول وغرز ما بدا رمحاً في ظهره. لم يُظهر تعبير وجه السحر الأول ألماً بل مفاجأة. خيانة. تدفق الدم من جرحه ولكنه لم يكن دماً أحمراً. بل كان أزرق متوهجاً كالمحيط الذي خرج منه.
شعر أدوم بانقباض في معدته: "بعد كل ما فعله لأجلهم..."
أظهرت الإطارات التالية السحر الأول وهو يهوِي ويتهاوى جسده بينما أحاط به عمالق آخرون أولئك الذين أنقذهم أولئك الذين منحهم السحر. ليس للمساعدة. بل لإتمام ما بدأه الخائن الأول. كاد أدوم يسمع صراخهم ووقع الأسلحة على اللحم وصرخات ارتباك السحر الأول وألمه. بدت الجداريات وكأنها تهتز بالعنف وأصبحت الحركات الدقيقة للشيخ أوضح وأكثر إزعاجاً.
تمتم أدوم وصعد غضب حام غريب داخله لأجل كائن ميت منذ آلاف السنين: "هذا ليس صواباً. هكذا ما كان يجب أن تنتهي الأمور بالنسبة إليه."
لكن القصة لم تنته. أظهر الإطار التالي جسد السحر الأول المكسور ملقى على حجر شبيه بأرضية الهيكل. تجمّع دمه ـ الذي ما زال ذلك الأزرق المضيء ـ حوله وتدفق في قنوات محفورة في الأرض. حيث تدفق الدم تغير. ففي بعض القنوات تكاثف وشكل شخصيات نحيلة ورشيقة ذات آذان مدببة وأجساد مرنة.
تنفس أدوم صعيداً وهو يتعرف على الهيئات المميزة: "جِنّ."
وفي قنوات أخرى ذابت عظام السحر الأول ـ التي كسرها مهاجموه ـ في الدم وتشكيلت مجدداً لتصبح شخصيات أقصر وأصلب.
"بشر."
وفي قنوات أخرى تجدلت خصلات شعر السحر الأول ـ الطويلة بشكل لا يُصَدَّق والمنسدلة ـ مع الدم والعظم لتخلق كائنات أقصر وأشد متانة ذات لحى رائعة.
"أقزام."
تراجع أدوم إلى الوراء محاولاً استيعاب ما يراه: "أتينا منه؟ من... رفاته؟"
كانوا أصغر حجماً من العمالق لكنهم ورثوا القدرات السحرية لأصلهم المكره.
امتدت السردية على طول الجدار لتكشف عما حدث بعد خلق الأجناس الجديدة. انتظر أدوم أن يرى صعود الحضارة البشريّة، فرأى الفناء عوضاً عن ذلك. لم ينجُ العمالقة من تبعات مقتل الساحر الأول. أظهرت اللوحة تلو الأخرى تراجعهم ونقص أعدادهم وفشل سحرهم. اجتاح المرض ما تبقي من مستوطناتهم. وُلد أطفالهم أصغر حجماً وأوهن. وفي غضون أجيال قليلة، هلك معظمهم، وهناك هياكل عظمية ضخمة مُرتبة في باحات دفن احتفالية.
جنس حكم العالم ثم زال. حوّل القسم التالي من الجداريات تركيزه إلى الأجناس المُستحدثة بشراً وجناً وقزامة. عملوا معاً في البداية جاععين مقارباتهم الفريدة للسحر. الجان باتصالهم الفطري بالطاقات الطبيعية. والقُزام بتناغمهم مع الأرض والمعادن. والبشر بقدرتهم على التكيف والابتكار. بنوا مستوطنات معا وتقاسموا المعرفة وطوروا تقنيات سحرية متكاملة. بدا لوهلة أن الوئام قد يسود. ثم تسللت الظلال إلى السردية مجدداً.
ظهر الشياطين من جديد، ليس في حرب سافرة هذه المرة، بل في اجتماعات سرية مع قادة الجان. واقتربت التنانين من المستوطنات البشرية عارضة الحماية. وعشش طائر الفينيق في معاقل القُزام الجبلية. ودارت الأطياف بين الأجناس الثلاثة هامسة.
قال أدوم بعبوس: "فرّق تسد. أقدم استراتيجية في الكتاب."
أظهرت اللوحات الصراعات الأولى، طفيفة في البداية. نزاعات تجارية. خلافات إقليمية. لكن التوترات تصاعدت بسرعة. بدأ الجان، بتوجيه من همس الشياطين، يدعون بأحقيتهم الحصرية بأراضي الغابات. واكتنز القُزام، بتأثير من الفينيق، الموارد المعدنية.
وأصبح البشر، تحت مظلة "الحماية"
الدراجونية، أكثر عدوانية. وفي غضون أجيال قليلة، كان الأجناس الثلاثة في حالة حرب. وبينما كانوا يتناحرون، عاد أعداؤهم القدامى بكامل قوتهم. راقب أدوم بينما خرجت التنانين والفينيق والأطياف والشياطين من مخابئها لتفعل ما فعلته بالعمالقة: إخضاع وحكم. لكنهم لم يضطروا هذه المرة للقتال بقوة. فالأجناس الثلاثة، التي أنهكها صراعها البيني، سقطت سريعاً. أظهرت الجداريات الجان وهم ينسحبون إلى أعماق الغابات والسهول مخفين سحرهم ومعرفتهم.
واختفى القُزام في أعماق الجبال محكمين إغلاق أنفاقهم من ورائهم. وتلقى البشر، لافتقارهم لمثل هذه الملاجئ، العبء الأكبر من الغزو.
قال أدوم بهدوء: "التاريخ يكرر نفسه."
وبدأ البشر الخاضعون يعبدون فاتحيهم. فارتفعت المعابد لملوك التنانين. وأصبح الفينيق رموزاً للدينونة السماوية. وصُوّر الشياطين كرسل بين عوالم. وتحولت الأطياف إلى ملوك للموت. ولكن طرأ تغيير حينئذ. ظهر بشريّ واحد في السردية، يبدو عادياً للوهلة الأولى. لكن ظلاً ترصّد خلفه، بالكاد يلاحظ. لم يكن شيطاناً ولا طيفاً، بل شيئاً آخر شيئاً مألوفاً. أشبه بكائن النوارس من المحيط، لكنه أدكن وأكثر دهاء.
بدا الظل متبعاً للبشر، هامساً له. وفي اللوحة التالية، توهجت يدا البشري بطاقة سحرية، أول ساحر بشري منذ الخضوع.
تساءل أدوم جهراً: "أذلك طيف يساعده؟ طيف خيّر؟"
تعلم البشري المسطور بالظل بسرعة وتنامت قوته. أظهرته اللوحات متحصناً ضد تنين، لم يكن الأكبر أو الأقوى، لكنه كان مهماً مع ذلك. كانت المعركة وحشية، تناقضت نيران التنين فيها مع سحر البشري الممزوج بالظل. وعكس كل التوقعات، انتصر البشري. غير موت التنين كل شيء. أظهرت اللوحات اللاحقة استراتيجية بشرية بارعة تتكشف. لمهاجم المنتصر مهاجمة الكيانات القديمة الأخرى مباشرة. بل زرع بذور الشياب فيما بينها.
سرق بيضة فينيق ووضعها في عرين تنين. ووجّه القرابين البشرية الموجهة من الأطياف إلى مذابح الشياطين.
أدرك أدوم، ممزوجة بالإعجاب والرعب أمام هذه العبقرية القاسية: "لقد جعلهم ينقلبون على بعضهم."
نجحت الاستراتيجية أفضل ممّا كان متوقعاً. اتهمت التنانين الفينيق بسرقة البيض. وألقى الشياطين اللوم على الأطياف في سرقة تقدماتهم. وتصدعت التحالفات القديمة. اندلعت حرب بين القوى القديمة الأربع، حرب جعلت صراعاتهم السابقة تبدو كالمناوشات. أطلقت التنانين جحيماً أحرق مناظر طبيعية بأكملها. ورد الفينيق بنيران مطهرة أحالت معاقل التنانين إلى رماد. واستدعى الشياطين جيوشاً من عوالم أخرى.
وامتصت الأطياف الحياة من كل ما لمسته. والبشر؟ انسحبوا إلى القلاع المرتفعة والوديان الخفية. وراقبوا أسيادهم السابقين وهم يدمرون بعضهم.
تمتم أدوم: "هاه. لم ننتصر بالقوة، انتصرنا بالمكر."
احتدمت المعركة لأجيال، مصورة في لوحات ذات دمار متصاعد. تحطمت الجبال. احترقت الغابات. غلت المحيطات. وتأجج نسيج الواقع ذاته مع إطلاق القوى القديمة لكامل قوتها ضد بعضها. وحين وضعت أوزارها أخيراً، كانت الأجناس الأربعة قد مُحقت. وانسحب الناجون القلّة إلى عوالم نائية، أضعف من أن يحافظوا على سيطرتهم على عالم البشر. انتهى العصر البدائي هكذا تماماً. أخذ أدوم نفساً عميقاً، محاولاً استيعاب الأمر.
لم تشير أي من النصوص التاريخية إلى أن البشر قد تلاعبوا بالقوى القديمة لدفعها نحو الدمار المتبادل. نسبت السردية الرسمية الأمر لشجاعة البشر وبراعتهم السحرية، لا لاستراتيجية باردة الدم. أظهر القسم التالي من الجداريات ما بعد الكارثة. ومع زوال الظالمين، خرج البشر من مخابئهم وبدأوا إعادة الإعمار. ارتفعت المدن. زُرعت الحقول. وتأسست طرق التجارة. لكن البشر، بحكم طبيعتهم، عجزوا عن الحفاظ على السلام طويلاً.
أظهرت اللوحات نزاعات جديدة تلوح في الأفق، ليس ضد قوى قديمة، بل ضد بعضهم البعض. ممالك تحارب ممالك. سحرة يصارعون سحرة. وخرج القُزام من ملاجئهم الجبلية، ليجدوا أن البشر قد استولوا على الجزء الأكبر من عالم السطح. ومغامرون من الجان يخرجون من الغابات ليكتشفوا تحول بساتينهم المقدسة إلى أراضٍ زراعية. وبدل التعاون، انزلق الأجناس الثلاثة إلى أنماط من التنافس والتخريب. سرق جواسيس الجان الابتكارات السحرية للبشر.
ودمر غزاة القُزام مرافق التمائم البشرية. وبدو الجناسان مصممين على منع البشر من التقدم بسرعة كبيرة. كان هذا أمراً شاع علمه. القُزام والجان يخربون جهود البشر بنشاط. تراجع العلم السحر جيلاً بعد جيل. ضاعت التقنيات. وانقطعت فترات التدريب بسبب الحروب. واحرقت المكتبات. وفي غضون قرون قليلة، بات السحر الحقيقي ممارساً من قبل أقلية ضئيلة. إلى أن ظهرت شخصية أخرى. ظهر بشري عادي المظهر، وهو يجتمع بمخلوق من ظل ونور، أشبه بما واجهه ساحر العمالقة الأول، لكنه لم يدخله ولم يتبعه.
بدا بدلاً من ذلك معلماً له، هامساً بالأسرار.
أدرك أدوم: "ليس ذلك طيفاً، بل شيء آخر تماماً."
استمع البشري وتعلم وبدأ ممارسة سحر لم يعهده معاصروه. أعاد اكتشاف تقنيات ضائعة. وابتكر أخرى جديدة. وعلّم الآخرين. تعرف أدوم على هذه الشخصية فوراً.
وهمس: "قانون. العصر الأول. منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة."
قانون، البشري الذي أعاد اكتشاف السحر وأعاده للبشرية. مؤسس الأكاديميات السحرية الأولى. ومبتكر نظام الرون المعاصر. لكن الأكاديمية علمت أن قانوناً اكتشف السحر عبر الدراسة والتأمل، لا بتوجيه من كيان غامض. أظهرت الجداريات قانوناً يعلم الآخرين، مقنناً الممارسات السحرية التي شكلت أساس الأنظمة الحالية. وتحت توجيهه، ازدهر السحر البشري مجدداً. أعقبت ذلك حروب مع الجان والقُزام، لكن البشر ثبتوا هذه المرة.
وقلب سحرة قانون المدربين كفة المفاضلة. استمرت السردية عبر العصور. وفي كل منعطف حاسم من تاريخ البشرية، ظهر نفس كائن الظل والنور، موجهاً شخصية رئيسية خلال كارثة محتملة. خلال الطاعون العظيم في العصر الثاني، وجه معالجاً لاكتشاف علاجات سحرية. وخلاف حروب أواخر العصر الثاني، ساعد صانع سلام على إبرام الوفاق الذي حال دون الدمار السحر للقارة. وفي أوائل العصر الثالث، أظهر لصانع رون، سلف علماء الرون، كيفية احتواء ثغرة الفراغ التي هددت بابتلاع الممالك الشرقية حين خולفت قوانين السحر.
تمس أدوم ناظراً إلى الشكل المظلم: "...ما أنت؟"
اقتربت الجداريات من تاريخ أكثر حداثة. من خلال الهندسة المعمارية والخراب والوحوش الهائمة والفوضى، اتسعت عيناها أدوم مدركاً أن هذا هو زمانه. أواخر العصر الرابع. بداية زنزانة العالم. أظهرت التسلسلات الأخيرة من الجداريات شاطئاً ليلاً. رجل مسن يزحف عبر الرمال، جسده هزيل، ماداً يده نحو البحر كأن فيه خلاصاً. ظهرت أمامهم امرأة طويلة، نحيلة، بترداء أسود منسدل. أه. بدا وكأنهما يتبادلان الحديث، العجوز يتوسل، والمرأة تفكر.
ثم تشابكت أيديهما، عُقِدت صفقة. أظهرت اللوحة التالية التحول. اعتدل جسد العجوز الذابل. واكنس شعره الأبيض. ونعم جلده المتغضن. وعاد إليه الشباب.
همّ أدوم بالكلام لولا ما لفت نظره؛ فالرسوم الجدارية تجاوزت مشهد الشاطئ والتفت عند الزاوية نحو ممر لمჩحه من قبل. سرى في جسمه برد مفاجئ كأن أحداً يراقبه. واقشعرّ شعر ذراعيه. تتبع الجزء الجديد من الجداريات وتسمّر في مكانه. ما عاد هذا تاريخاً عتيقاً.
"..."
عرضت الصور صبياً في الثانية عشرة من عمره هزيلاً وذات تعبير عزيمة مألوف وهو ينحدر إلى كهف. وإلى جانبه شخصية صغيرة ارتدت الأخضر.
"بوب."
تمتم أدوم. صورت اللوحات التالية مشاهد تذكرها أدوم بوضوح؛ اجتياز الاختبارات وتلقي كتاب الشريعة ووداع بوب عند مدخل الكهف. تسارع نبضه وهو يسرع خطاه على طول الجدار. ازدادت الجداريات تفصيلاً وحداثة. مواجهته مع هليوس. اللقاء الدمعي بأبويه. أمنيته مع غيل. استخدام ربيان الرعد. كان كل شيء هناك. وكل شيء دقيقاً. أخذ يتحرك باضطراب يكاد يجري الآن مفلياً الصور بذعر متنام. ها هو يبرز داخلاً إلى عالم الجنيات.
معركته اليائسة مع الساحرة. الهرب المحموم مع رفاقه.
"من صنع هذه؟"
صاح في الهيكل الخاوي.
"من أنت؟"
ظهرت رحلته إلى المرتفعات تالية. بطولة كروزبال. البلدات التي استراح فيها. اكتشافه الدرب الذي قاده إلى هذا الهيكل بالذات. عرضت اللوحة الأخيرة أدوم نفسه واقفاً بالهيئة ذاتها التي عليها الآن ناظراً إلى الجداريات بتعبير رعب متبلج. انتهى الجدار هناك. لا صور أخرى. ولا تلميح لما قد يأتي لاحقاً.
"ما اللعنة؟"
همس وتردد صوته في الغرفة. ثم ومض ضوء أزرق خافت ونابض بالحياة من أعماق الهيكل. للحظة فقط ظهر واختفى كإصبع يدعو. حدق أدوم في الظلام من ورائه حيث لا جداريات ترشده. ظهر الضوء مرة ثانية ثابتاً الآن. ينتظر.