الفصل 93: ابحث عنه بنفسك. كان بايكي متأكّداً تماماً من قدرته على استشعار أمر مختلف في جلسة ارتقائها هذه المرة، لكن ذلك لم يبدُ كافياً لتحقيق الوثبة التي تحتاج إليها. سادت ليمينغ حالة من الهدوء، وبدت مهزومة أكثر ممّا رأاها عليه طوال هذا الأسبوع مع إشراقة الشمس.
"متى موعد اجتماعك؟"
سالت أخيها بعد فترة، قاطعة الصمت الذي خيم عليهما طوال طريق العودة إلى باحة الطائفة.
"بعد ساعات قليلة"
أجاب بايكي، "لكن علينا المغادرة قريباً لنلحق به في وقته. أما زرت إحدى القرى الخاضعة لحماية الطائفة بعد؟"
"لا، معظمهم لا يفعلون ذلك إلا بعد مرور بضعة أشهر"
قالت ليمينغ. كانت مصيبة بالطبع. فما إن يجتاز التلاميذ المراحل السهلة من رتبة الياقوت، حتى يبدؤوا بالبحث عن المهام بانتظام. فقد احتاجوا إلى نقاط الطائفة تلك عندما بلغوا عقباتهم الأولى. ومع ذلك، في مثل هذا الوقت المبكر من العام، لم يكن أي من التلاميذ يمارس التأمل إلا لفترة قصيرة، ولن يعلق أحد حقاً بعد.
"حسن لويس، يوجد مقهى جميل أعتقد أنك ستستمتعين به إن أردت الذهاب إلى هناك الآن"
قال.
"حسنآ"
استسلمات. كان المكان الصغير على حاله تماماً كما كان في المرات القليلة الماضية. قدمت له الشّابة نفسها الشاي وبالقدر ذاته من الاحترام. حدقت ليمينغ فيها بارتياب طوال الدقائق القليلة الأولى لكنّ شيئاً ما طمأنها على ما يبدو. لم يحاول بايكي ادعاء الفهم؛ فقد تكون أخته غريبة أحياناً. أتيح لهما القليل من الوقت للاسترخاء وتناول الشاي ريثما ينتظران. وبدا أن ذلك أتى بنتيجته، وإذ طفقا يثرثران في لا شيء سوى تفاصيل صغيرة من الديار، رأى بايكي ليمينغ تبدأ في الاسترخاء لأول مرة هذا الأسبوع.
لم يدم الأمر طويلاً. وما إن فتح الباب كاشفاً عن أخيهما، حتى بدت مشدودة ومستعدة للفرار. وبدو أن تاكا لم يكن مستعداً للظهور أيضاً. وقف عند المدخل، حاجباً العاملين من الدخول بينما كان يحدق. تحرك بايكي حين التقت نظرات شقيقيه. بدت ليمينغ كمن تواجه مفترساً، وبدا تاكا مرتبكاً ومذهولاً.
"ليمينغ"
تمكن أخيرأ من النطق بها.
"لقد كبرت كثيراً؛ تبدين كآنسة صغيرة الآن."
دفعه ذلك للتحرك مجدداً فجلس إلى الطاولة، سامحاً بتقديم بضعة إباريق من الشاي.
"أخي"
رحّب بايكي، لكن الحديث غاب حتى انفردوا مجدداً.
"أختي"
بدأ تاكا.
"أنا بحاجة إلى--"
لم تتركها يكمل.
"لست هنا لأستمع إلى ما تود قوله. قال بايكي إنك تريد رؤيتي. حسناً، أريد منك شيئاً أولاً."
كان تاكا قد تجاوز صدمة ردة فعله عند هذه النقطة فأمال رأسه، صامتاً ودعاً إياها تنهي طرح مطالبها.
"أخبرني بكل شيء عن اختراقك لرتبة الياقوت"
طالبت ليمينغ. لم تكن مضطرة لتوضيح سبب طلبها ذلك بالطبع. فقد كان جلياً لكل من يستطيع استشعار مسار طاقتها. وما طلبته كان أفظل بقليل من الوقاحة تجاه أي شخص من غير العائلة؛ وحتى مع القرابة، ظل يُعد هدية من الحاكي. تقبل تاكا الأمر بصدر رحب. لم يدر بايكي ما كان أخوه يتوقع حدوثه، لكن تاكا كان الأبرع اجتماعياً بين التوأمين ولم يظهر أي خيبة أمل أو ما شابه. بل شرع ببساطة في سرد الحكاية.
"حين قضيت ما يقارب أربعة أشهر في الطائفة الخارجية، لم يكن أحد قد وصل إلى رتبة التوباز بعد. لم أكن أول من بلغ ذروة الياقوت، بل العاشر، إن أدركت جيداً. ما زلت محتفظاً بمرتبة متقدمة لكنني تراجعت عن المركز الأول بعد عدة تعثرات."
ظل وجه تاكا حيادياً. لا بطريقة جامدة أو مصطنعة. فكل من لم يعرفه حق المعرفة كان ليظن أنه غير مبال فحسب. لكن بايكي تعرف إلى تعبيره ذاك. كانت تلك أعمق تعبيرات الصدمة التي يملكها أخوه. رد فعل محكم السيطرة يسمح له بالتفكير والتخطيط من خلف القناع. وحين لم يكن متفاجئاً أو مباغتاً، لم تكن هناك حاجة لقناع أرعن كهذا طالما كان قادراً على إظهار أي شعور يريده. ووحدها اللحظات التي يحاول فيها استيعاب كيفية الرد هي التي جعلت بايكي يرى ذلك.
"عندما بلغت النقطة في ذروة الياقوت حيث شعرت أن لدي فرصة للاختراق، عزلت نفسي في البداية. أمضيت وقتاً طويلاً محاولاً دفع المزيد من طاقة التشِي قسراً إلى داخلي وتحفيز نقطة التحول تلك التي طالما سمعنا عنها. غير أنها لم تأتي؛ وبصرف النظر عن مدى جهدي، لم أستطع بلوغ القدر اللازم من السيطرة."
أُسر بايكي تماماً. لم يكن هذا شيئاً يشبه ما اختبره قط. لمَ قد يكون مختلفاً إلى هذا الحد؟ ربما ارتبط الأمر بكيفية جمعه لطاقة التشِي، لكن ذلك لم يتطابق تماماً مع تجاربه. حقاً كان مفترضاً أن يساعده ذلك في الحصول على الكمية المطلوبة، لكنه لم يوسع باطنه بالحجم المطلوب إلا بعد أن صار في التوباز بالفعل. ربما استطاع القول إنه قادر على تحفيز رد الفعل خارج باطنه جزئياً إذ كان مفتوحاً في ذلك الوقت، وتسبب ذلك بطريقة ما في إحداث التغيير داخل ارتقائه الخاص.
لم يكن أي من ذلك تفسيراً شافياً لفضوله. وفضلاً عن ذلك، لم يكن متأكداً مما منع تاكا، أو ليمينغ، من اتخاذ تلك الخطوة. علم أن البعض يواجهون صعوبات فيها، لكنه لم يفكر قط في السبب. ظن دوماً أنها مسألة قوة أو وقت، لا أكثر.
"وهنالك بدأت في تفحص ما ينقص الآخرين حولي. راقبت منافسي، ووجدت النقص في كل واحد منهم. أمضيت وقتاً في تصنيف عيوبهم ونقاط ضعفهم. وما إن عرفتهم حق معرفتي حتى تحديت كل واحد منهم وهزمتهم بطريقة لا تدع مجالاً للشك فيمن هو الأفضل. حين انتهيت من التحدي الأخير، جلست وسحبت التشِي. تدفقت داخلي، وصرت توباز."
قطبت ليمينغ حاجبيها.
"لا توجد أي تجليات مطلوبة لعوالم الارتقاء الدنيا."
"هذا ما يقوله الناس"
رد تاكا.
"لا أرى الأمر تجلياً أو أي نوع منها. لا أعتقد أن هناك طريقة واحدة فقط. ومما لا شك فيه أنه لا حاجة لعبارة بليغة أو شعور شخصي. لكن هناك عقبة ما سوى مجرد كمية التشِي المطلوبة لتحفيز التغيير في داخلك. لا أدرك لمَ لا يخبر الشيوخ الناس بذلك؛ فأنا متأكد من أنهم يعرفون ما هو بالضبط، لكن عليك أن تجده بنفسك. يكاد لا أحد يعلم أنه يبحث عن شيء ما، والكثيرون يمتلكونه بالفعل حين يستعدون للتقدم."
سادت ليمينغ حالة من الهدوء لبعض الوقت، ولم يتحدث أحد. لم يقاطع بايكي، لكنه لاحظ تغيراً في تاكا إذ استقر أخوه على خطة ما. النظرة الصبورة؛ تلك النظرة التي استولت على وجهه جعلت بايكي يستعيد طفولته، حين حاول جعل أحد مدربيهم يمنحهم فترة بعد الظهر إجازة. في النهاية نهضت ليمينغ ببساطة، وأومأت برأسها لبايكي، وتوجهت صوب الباب. مد تاكا يده نحوها.
"انتظري!"
التفتت، مسددة إليه نظرة باردة.
"ألن تبقي لتستمعي إلى ما أود قوله؟ كنت أرغب في التحدث إليك"
قال تاكا بنبرة عقلانية للغاية. ورغم ملامحه الرصينة، استطاع بايكي تبيّن أن انسحاب ليمينغ المفاجئ قد باغته.
"لا أدين لك بوقتي"
قالت ليمينغ وهي تغلق الباب خلفها. جلس أخوه مجدداً من وضعيته شبه الناهضة محاولاً إيقافها. أطلق تنهيدة هزيمة ونظر إلى بايكي.
"أتعتقد أن الأمر ميؤوس منه؟"
هز بايكي كتفيه.
"لست متأكداً. لقد فاجأني أنها كانت مستعدة لوجودها في الغرفة نفسها معك."
"هذا أسوأ ممّا خشيته."
"ما الذي كنته تتوقعه؟"
سأل بايكي؛ إذ كان فضولياً بصدق بشأن الكيفية التي ظن بها توأمه أن تسير الأمور، وآمل في الحصول على إجابة.
"ربما كانت ستهاجمني أو شيئاً من هذا القبيل، لكن أين حماسها؟"
سأل تاكا بتعابير مهزومة.
"أهذا ما يقلقك؟"
سأل بايكي، مذهولاً من أن أخاه لم يكن أكثر قلقاً إزاء رد الفعل القاسي الذي تلقاه من أختهما. فلم يكن هناك توبيخ أقوى ممّا قدمته.
"بالطبع. اعتقدت دوماً أن شغفها هو ما يميزها عن الممارس النمطي. إنه ما سيجعلها تستمر حين يستسلم الجميع ويفشلون."
"لا أعتقد أن هذا أمر داعٍ لقلقك. لم يبهت شغفها؛ بل أظن أنها استسلمت نحوك فقط"
قال بايكي.
"حسن، هذا جيد!"
قال تاكا وهو يصفق بيديه على الطاولة وينهض.
"ألن نبدأ إذن؟"