الفصل 82: أسنان مسننة "إن لم تستطع إخباري، فلا تفعل"، قال تاكا بوجه هادئ.
خالَفَ هذا كلّ ما توقّعه بايك تماماً. ظلَّت صورة أخيه في ذهنه عصيّة على تقبّل الإجابة المبتورة. ذلك الصبيّ الذي كان يسحبه معه في المغامرات، ويتسلّل إلى الأجزاء المحظورة من مكتبة العائلة، ثم ينجو بلسانه حين يُقبض عليهما. تذكّر المرّات النادرة التي لم ينل فيها تاكا مراده. كم ترك ذلك في نفسه من غضون السخط. تافهٌ وحاقدٌ بالطريقة التي تخصّ الأطفال وحدهم. تفاقم الأمر بعد أن استيقظ مبكراً.
هُناك وُضعت اللبنة الأولى للشرخ الحقيقي بينهما. شتّت ذلك العديد من أصدقاء طفولتهما، أو مَنْ يصغرونه سناً، مثل ليمينغ. لكنّه يتقبل الرفض بهذه السهولة؟ خصوصاً حين ترك بايك مساحة للمساومة في ردّه. لم يكن رفضاً تامّاً قط. ورغم ذلك، تراجع تاكا.
"حَقّاً؟"
سأل بايك، وبدت الدهشة والإنكار جليّين على وجهه. لم يمحُ جهداً في إخفائهما. لم تكن هناك فائدة تُرجى من محاولة تاكا إخفاء مشاعره عنه. حتّى بعد كلّ هذا الوقت، تشابها إلى حدّ جعل قراءة وجهيهما أمراً يسيراً.
"بالتأكيد، يا أخي. لا أريد وضعك في موقف حرج إن كان أمراً عرفته بثقة ولا يمكنك مشاركته. عليَّ أنا أيضاً الاحتفاظ بنصيبي من الأسرار منذ وصولي إلى هنا"، قال تاكا بنبرة عقلانيّة أكثر مما ينبغي، لكن بايك لم يلتمس أياً من المكائد التي توقّعها لانتزاع المعلومات منه لاحقاً.
ربما تحسّن أخوه في ذلك منذ رحيله. تيقّن بايك من حدوث ذلك، غير أنّه ظلّ قادراً على تمييزه. سيفعل لا محالة.
"ليس تماماً. حذّرني بضعة شيوخ من مشاركة الطريقة التي أستخدمها. يبدو أنّها قد تشكل خطراً على سالكي رتبة الزمرد فما دون".
"كيف تتولّى أمرها إذن؟"
سأل تاكا عوضاً عن الإلحاح في طلب المزيد من المعلومات فوراً. ومع بدايات نضج تاكا واكتسابه صفاتِ شخصٍ أفضل حقّاً ممّا كان عليه يوم افترقا، لم يكن بايك لينوي شرح كافة الصعوبات التي يواجهها مع تشي الخاص به. ولا سبب تأخّر استيقاظه الطويل، أو احتمال ارتباط الأمر بعامل تشي خفيّ يجعل طاقته... مختلفة؟ استحال التنبؤ بدقة بالنتائج حتّى يفرغ الشيخ سونغ من أبحاثه. لكنّ ذلك قد يستغرق وقتاً طويلاً للغاية.
عقد بايك العزم على الاحتفاظ بذلك لنفسه قَدر الإمكان. غير أنّ ما يمكنه بوحه لتاكا ظلّ محيّراً. بدا الأخير خالياً من الخبث، لكنّ الشكّ ظلّ قائماً في أنّه بات ماهراً جداً في الكذب. لقد منح تاكا فرصة أخرى أكثر ممّا ينبغي في الماضي.
"أعتقد أنّ جل ما يمكنني قوله هو أنني طوّرت الطريقة بمفردي. يمنحني ذلك بعض الميزات عند استخدامها، وهي ميزات لن تنالها ما لم تستطع تطبيقها دون إرشادات".
تجاوز هذا الحقيقة أكثر قليلاً. بيد أنّ بايك لم يشعر بتأنيب ضمير كبير. كان ذلك في صالح أخيه بطريقة ما. فضلاً عن أنّه صحيح نوعاً ما. إن استطعت تنفيذ طريقة الدوران بلا إرشادات، فلن تكون خطرة.
"إخباري لك بالمزيد قد يغريك بتجربتها".
"أنت تعرفني جيداً يا أخي"، قال تاكا بابتسامة خفيفة.
استشفّ بايك لمحة من الإحباط والحزن في تلك الابتسامة. أو هكذا ظنّ على الأقل.
"أستخبرني حين أبلغ رتبة الياقوت؟ ستكون الأمور آمنة حينها، أليس كذلك؟"
أدرك بايك أنّ أمراً كالدوران الداخلي لن يُمنح هكذا جُزافاً لجميع سالكي المرحلة الرابعة الجدد عند اختراقهم. سيحتاجون إلى معلم يعلّمهم إيّاها، أو يستنباطها من كتاب أو ما شابه. لكنّه النوع من المعارف التي تتشاركها العائلات. لذا لم يكن أمراً يستحيل على تاكا نيله متى ارتأت العائلة جهوزيته. ربما يجبرونه على استحقاقه، أو ينظرون إليه كاستثمار. في كلا الحالين، سيحصل عليه متى أصبح مستعداً.
وعليه، فبموافقته، لم يكن بايك يتخلّى عن شيء في الواقع، لكن أكان يجني سوى حسن النية؟ لم يكن ليثق بحسن نيّة تاكا، ليس بعد.
"أيمكنني فعل ذلك حقاً؟ ألسْتَ تتقاضى أجراً مقابل هذه الدروس؟"
لوّح تاكا بيده.
"قواعد الطائفة. أتظنّني باقياً هنا متى صرت ياقوتياً؟ لقد تجاوزت بالفعل الأعوام الثلاثة الإلزامية. ثم إن حدث ذلك العام القادم، سنكون كِلانا في الطائفة الداخلية، لذا لن تبرز أي مشكلات حتى لو مكثت قليلاً بعدها".
رفع بايك حاجبيه منكرًا.
"أأنت قريب إلى هذا الحدّ؟"
"لا، مجرد افتراض".
لم يسهب تاكا في تفصيل مستوى ارتقائه، لكن بايك تملّكه إحساس بأنه ليس حديث عهد برتبة الزمرد. بل ربما تقدّم شوطاً أبعد على الدرب.
"أنا متأكد تماماً من انضمامي للطائفة الداخلية العام القادم"، علّق بايك.
"لقد راقبت المراتب وبعض نتائج النزالات. لو قررت يوماً التوقف عن التذلل لشقيقتنا الصغرى، لأعتقد أنك قد تحتل المرتبة الأولى بسهولة. ولن يمثل أيٌّ من الخاسرين في الأعوام السابقة تحدياً لك خلال عام".
لم يكن بايك واثقاً إلى ذلك الحدّ البتة. لم يكن تاكا على دراية بكافة العقبات التي يتوجّب عليه خوضها. والعراقبتي التي تنتظره. كان ما زال يعوّض ما فاته في مرحلة الياقوت الأحمر. ربما ظنّه تاكا مجرد متأخر النموّ يرتقي بشكل طبيعي. لم يكن بايك واثقاً حتى من نجاعة طريقته لارتقاء زراعة الروح في الياقوت الأصفر كما فعلت في الياقوت الأحمر. لم يحاول الضغط من أجل الارتقاء بعد، لانشغاله بمئة أمر آخر.
"على أي حال"، قال تاكا حين أحجم بايك عن الجدال.
"أعتقد أن بوسعنا البدء بهذا الدرس ببعض الإرشادات اللفظية بينما نُنهي شاينا. كيف سارت أمور غيبوبة القتال لديك خلال الأسبوع المنصرم؟"
لم يُمارس بايك أيّ تدريب حقيقيّ عليها على الإطلاق. ليس بشكل مباشر على الأقل. لقد كان ذلك إغفالاً هائلاً. عليها يتوقّف استمرار وجوده هنا في الطائفة الكبرى. إن طردوه، فسيتوجّب عليه قضاء ما تبقى من أعوام الثلاثة في الخدمة العسكرية برفقة العاجزين أو الرافضين الانضمام إلى الطائفة الكبرى. لم تكن نسبة النجاة هناك مرتفعة. بدا في تلك الأثناء وكأنّ ثمة أموراً ملحة أكثر. كالبقاء في صف الزراعة الجسدية.
أو جني نقاط الطائفة للدرس التالي، أو اكتشاف جوانب جديدة للزراعة رفقة غوان لي. واحتياجه لقضاء وقت أطول مع ليمينغ أيضاً. فقد تتشتت دون مساعدته. مع ذلك، لن يبوح بهذا. فمجرد عدم تكريسه أي وقت لها لا يعني عدم إحرازه أي تقدم.
"لم تقع أي حالات كنتُ فيها عرضة للانزلاق إليها. حتى حين أُثقِلَ عليَّ في بعض النزالات أو المعارك الأكثر جدية".
يعود جزء من ذلك إلى عدم تعرضه لضغط حقيقيّ، شبيه بالذي واجهه آخر مرة برزت فيها. لكن ضد نمل اليشم الدموي تناهت مواقف بدا فيها الأمر مشكلة محتملة في الماضي، غير أنه لم يبدأ حتى بالطفو على سطح ذهنه. لم يكن تحكّمه قريباً من الإفلات. نسب بايك حقّاً الكثير من ذلك إلى تدريب تاكا القاسي في جلستهما الأخيرة. فالضغط المتكرر لحد سيطرة غيبوبة القتال منحه وعياً أكبر بها، مانحاً إياه قدراً أزيد من السيطرة.
رغم ذلك، كان جازماً بأن هذا لن يكفي الشيوخ. تيقّن من رغبتهم في امتلاكه القدرة على تفعيل الغيبوبة وإطفائها بالأمر. لا يشترط الكمال، إذ يتطلب ذلك سنين، لكن الأساسيات تبدو ممكنة. هكذا ظنّ.
"هذا تقدّم بلا شك"، قال تاكا بنبرة حكيمة مصطنعة واضعاً رأسه.
"إذن يمكننا المتابعة. علينا العمل تالياً على جلبك إلى الحالة الذهنية لتفعيل الغيبوبة دون خوض معركة. أعتقد أن ذلك سيساعدك على تحصيل سيطرة أكبر حين تستقر عليك. عليك اعتبارها جزءاً منك. لا شيئاً منفصلاً يفرض سيطرته. بل مجرد حالة ذهنية. ربما تكون بعيداً، وتراقب جسدك. لذا أغمض عينيك و..."
شرع تاكا في تمتمة تعويذة تأملية، وتبعها بايك، مؤدياً التمارين الذهنية بينما كان أخوه يسردها. حين تذوق طعم الدم لأول مرة، جذبه ذلك خارجها. انفتحت عيناه باتساع، وقفز واقفاً على قدميه، مبعثراً إبريق الشاي. نظر أخوه إليه مترقباً. بصق بايك دماً وأبرز القشور المسننة التي تغطي أسنانه في وجه تاكا، بينما أفلتت زمجرة من شفتيه.
"جيد جداً!"
قال تاكا مصفقاً بيديه.
"والآن، لمَ لا تعود للجلوس؟"