التفت الشيخ وراح يبتعد منتظراً أن يتبعه بيك. وهو ما فعله من دون تردد. لا أحد يتجاهل أمر صاحب المرتبة الخامسة فما فوق، شيخاً كان أو لم يكن. أغلق الباب خلفه ورجا ألا يقلق غوان لي أكثر من اللازم. أدرك الشيخ بخطوات معدودات. أراد أن يكسر الصمت، لكن إن لم ترغب في الحديث فسيُعدّ ذلك وقاحة. غير أنه لم يكن يعلم شيئاً عنها، ولا عما تبغيه منه. لم يكن يعرف حتى اسمها. شرع يتدبر أمر سؤاله حين رفعت الحرج عنه.
قالت آمرة: "تكلم. أسمع الأسئلة تقرع في جمجمتك من هنا".
أقال: "عفواً؟"
لم يكن بيك متأكداً أإن كانت غاضبة حقاً أم ممن يستمتعون بمداعبة الأعراض. إنها لعنة اعتادها كثير من المبتكرين الأقوياء. أوضحت له أمه يوم كان صغيراً وأراد معرفة سر استمتاع بعض أخواله وعماته بإزعاج ضيوفهم. شرحت كيف لا يشبه الأمر أولئك الضعفاء خارج العائلة ممن يتنمرون على العامة ليشعروا بقوتهم.
"حين تبلغ من العمر والقوة مبلغاً لا يعاملك الناس كبشر. تصير إما خطراً وجودياً قادراً على قتلهم بلا تبعات، أو منافساً، أو تابعاً. نادراً ما تجد من يعاملك كإنسان. يقتصر الأمر غالباً على الأهل والأصدقاء منذ البداية. لكن حين تكبر، يكون الجميع قد رحلوا. وإن كنت محظوظاً فقد يبقى القليل".
سأل بيك الصغير: "ألهذا السبب تبالغين في التدريب هكذا؟ أتُراِوين الأب؟"
ابتسمت الأم بحزن وقالت: "أحاول. لكن ربما يؤنسه أحد أطفالي حين أتخلف".
الآن فقط وقد كبر بما يكفي ليفهم، كانت تتحدث عن آلاف السنين القادمة. كانت أمه قوية للغاية. لم يكن يعلم مرتبتها، لكنه لم يستغرب إن كانت في المرتبة السادسة على الأقل. أما الأب فسيكون ثامن مراتب عائلة كونغ القادمة؛ هكذا يقول الجميع. قد يصبح الأمر مشكلة إذا بدا وكأنه يطمح للرأس التاسعة من دون خلوة وارتفاع. فلن يسمح الإمبراطور بمن ينازع سلطانه. ربما يفسر هذا أيضاً كثرة إخوته.
سأل بيك أمه حين تاهت في أفكارها: "لكن لماذا يداعبون الناس هكذا رغم علمي بأنهم لن يذوومهم بأذى؟"
قالت الأم وقد عادت ابتسامتها: "هو نصف اختبار ونصف قسوة. إن كنت من النادرين اللذين يلمحون بعض الإنسانية فينا، فنحن نريد أن نعرف. محظوظ من كان هكذا ولم يسحقه المتمردون من أصحاب القسوة. لذا فهم نادرون. وإن لم يكن الأمر كذلك، فسيبلغ التهديد الضمني غايتنا أسرع، ويختصر لقاءً كريهاً".
لم يكن بيك متأکداً من الدرس الذي كان عليه استخلاصه. ربما كان أصغر من أن يفهم. لكنه أخذ الأمر دوماً على أنه وجوب الأدب والتأكد من فهم الأقوياء قبل إزعاجهم. فإن نجوت، فقد تجدهم مهتمين بك. وهي مغامرة ذات وجهين، وحتى حينها عليك النجاة أولاً. لذا كان التكلف في الأدب مجدياً على الدوام. وقد نفعه ذلك، بينما تلقى توأمه الدرس المعكس. اضطرت العائلة لرتق بعض الغرور المهشّم حين كان صغيراً، لكن الأمر نجح معه بوضوح إذ صار في الطائفة الداخلية.
لعل بيك يستفيد من ذلك بشيء؟
لذا سأل بسؤال تكسوه اللباقة: "لا أظنني رأيتك من قبل. أيمكنني معرفة اسمك؟"
رفعت نظرها إليه، وقبل أن تتكلم ظن أنه لمح وميض تسلية في طيات عينيها. ظهور علامات الشيخوخة عليها، في المرتبة الخامسة على الأقل، يعني أنها عتيقة بحق.
صاحت موبخة: "ارفع صوتك. لا أسمعك من هناك. أقسم أنهم يزيدون في طولك كل عقد".
صار بيك متأكداً الآن أنها تعبث معه. ثم إنها شيخ؛ ولن تسحقه يأتِ مجرد منادته بذلك.
ضم يديه ورفعهما إلى فمه وصاح نحوها: "ما اسمك؟"
قفزت الشيخ قليلاً، وأخفى ابتسامته عن مباغتتها.
مدت يدها وضربت كتفه بظهر كفها وقالت: "كف عن هذا".
بدا صوتها صارماً، لكنه سمع الضحكة في نبرتها فانفرجت كسيّده قليلاً.
سألت: "ألم يعلمك أبوك ألا تصيح في وجه العجائز؟"
رأى بيك الابتسامة، لكنه جارى الأمر. الأفضل ترك الشيوخ وملهاتهم.
رد بيك مؤكداً على كلمة العجائز: "بلى، لكني لا أرى عجائز هنا".
نفخت الشيخ وقالت: "مداهن".
قطعت كلامها بعد هنيهة وقالت: "أنا الشيخ سونغ؛ نادني بذلك أو بالشيخ وحسب؛ لا أهتم".
قال بيك: "يسعدني لقاؤك يا شيخ سونغ. لكن لدي أسئلة أخري، إن لم تمانعي؟"
قامت بإيماءة تعني 'امضِ قدماً'.
"قلت إن الشيخ جي قال إني سأكون مثيراً للاهتمام. ماذا حل به؟ لم ينبس أحد بكلمة".
بدا أن السؤال باغتها.
"كنت واثقة من أنك ستسأل عما وجده مثيراً. لكنتُ لخيبة أمل عظيمة لو عجزت عن إدراك ذلك، فقد قال جي إنه حذرك من قدومي".
قد يعترض بيك على حقيقة تحذيره، لكنه خمن نعم أن ذلك بسبب فتله للتشي قبل الأوان.
"أفترض أن الأمر يتعلق بالدورة الداخلية، كما سماها. لكني أود معرفة إن كان بخير".
"كما سماها؟ ماذا سميتها أنت؟ يستهويني دائماً كيف يسمي الناس حيلهم، وغالباً ما يتجلى ذلك في التسمية".
أجاب بيك من دون الحاجة لإخفاء الأمر: "سميتها فتْل التشي".
قالت الشيخ سونغ: "تسمية غير دقيقة يقيناً، لكننا سنخوض في السبب لاحقاً".
وأما عن جي؟
فلوحت بيدها رافضة: "سيكون بخير خلال سنين. لم تكن الجروح شديدة رغم كل شيء؛ تطهير السم هو الجزء الأصعب".
"إذن تمكنت الشيخ شو من إعادة تدريبه؟"
"مع بعض المساعدة، نعم. لكن عليها التعافي هي الأخرى. لقد استنزفها الأمر بحق. جي رجل قوي. كنا محظوظين لأنه فقد السيطرة لا أنه عمل ضدنا؛ فحتى وهو يقاتل كوحش، تطلب الأمر جهداً كبيراً لتثبيته. لو كان يعقل لاضطررت لتدخلي شخصياً".
انطوت تلك الإجابة على معانٍ جمة؛ فركنها بيك جانباً لوقتها.
"يسرني سماع أنه سيكون بخير. تعلمت منه الكثير، لكن يبدو أنه لن يقدر على التدريس طوال مدة. أتعرفين ما الخطط لدروسه؟"
هزت الشيخ سونغ كتفيها وقالت: "لا".
كان الأمر محبطاً، لكن ما زال أمامه الكثير ليشتغله. سيتعين عليه إيجاد سبيل آخر للتدريب الجسدي وحده. ربما يجد بغيته في المكتبة.
"هيا اسأل. أعلم أن في جعبتك أسئلة أخرى".
وكان لبيك. لكن أغلبها، كإلى أين نذهب؟ وما تخصصك؟ ستتضح قريباً. علاوة على ذلك، شعر أنه ترك انطبضاً حسناً وأراد ألا يفسده بسؤال أحمق. فكر برهة أن يسألها عن شايه المفضل، ثم تراجع ظناً أنه مبالغ فيه. لقد أجابت عن سؤاله الأول بصدق، ولم يرد إهدار الفرصة. كما تعذر عليه السؤال عن أسرار التدريب أو نصائحه. فالعرض بالإجابة تعلق جلياً بوضعه الراهن.
سأل بيك بعد فترة: "ما مدى معرفتك بالمزارعين الطبيعيين؟"
ضحكت الشيخ سونغ ملء فيها وقالت: "يا للهول، ألا تزال مثيراً؟ ولماذا تسأل؟"
قال بيك: "حسنٌ، شريكي في الغرفة أحدهم، وبعد أن راقبته، أظن أن أبي قد يكون كذلك أيضاً، لكن أحداً لم يقل شيئاً. لقد عرض عليه الشيخ جي منصب تلميذ شخصي والآن بعد أن..."
تلاشى صوته لتوقف الشيخ سونغ.
تمتمت لنفسها بنبرة بالكاد سمعها بيك: "كونغ. لا بد أن الشيخوخة أخذت مني مأخذها".
شرعت الشيخ سونغ تسير مجدداً. وتحدثت هذه المرة بصوت عالٍ كفى ليسمعه بوضوح.
"لا علم لي بأبيك. لا أرى بأساً في إعلامك، لكن لا أحد يعلم. أشك في أنه يعلم بنفسه".
لم يلحّ بيك، لكن الأمر استقام عقلاً. علم أن الأب تزوج إلى العائلة. لم يكن زواج الذكور المزارعين من عائلة أمراً نادراً مقارنة بالعامة، لكنه لم يتحدث يوماً عن عائلته. وربما لأسسباب عدة، لعلهم لم يكونوا أقوياء، أو ماتوا. وربما كانوا من العامة. لو أتى من عائلة رعت تدريبه، لاستيقظ مبكراً عما لو فعل طبيعياً، ولبقيت موهبته مخفية فترة أطول بقليل من غوان لي، الذي وُصم فوراً بالتميز.
وهذا يفسر كيف عجز الأب حتى عن التيقن من قدرته على ذلك. كان الأمر عسيراً، لكنه غير مهم الآن في الصورة الكبرى. من كان بقوة الأب وابتكاره سيحظى بالاحترام دوماً، مزارعاً طبيعياً كان أم لا.
قال بيك هامساً: "شكراً لك".
أردفت الشيخ سونغ قائلة: "أما عن صاحبك... لا أظن جي قادراً على خطفه، لكن لا تقلق. إن صار لامرئ شأن، فلن تعوزه العروض".
لم يعد بيك قلقاً كالسابق. ربما عليه التحقق من إمكانية ربط غوان لي بعائلته. إن أمكنهم المساعدة حقاً. فخير له أن يكون صديقاً حقيقياً لا مديناً لهم، لئلا يتعنت عليه. فكر في أسئلة شتى، لكنه قرر الانتظار. سارا بضع دقائق حتى بلغا أطراف المجمع. حينها شرعت الشيخ سونغ تصعد درجات تكوّنت من الضباب تحت قدميها. تردد بيك ثانية قبل أن يتبعها. بدا الضباب كالحجر تحت وزنه. قطعا طبقتين فوق الأرض حتى استوى الضباب سحاباً.
غرقت الشيخ سونغ في جلسة متربعة، وحينها حذا بيك حذوها إذ تحركت السحابة بغتة. بعد طيران قصير، اقتربا من قمة جبل أخرى. ويُحسب لسرعتهما أنه لم يستغرق ساعات. لو مشى بيك لاستغرقت الرحلة جُلّ النهار. حطا خلف مسكن خاص، وأدرك بيك أن هذه لابد أن تكون القمة الداخلية. تقنياً، لم يُسمح له بالتواجد هنا، لكنه استشف أن الشيخ سونغ لا تكترث ولا أحد يستطيع إرغامها. صبّ خادم شاياً حول طاولة صغيرة تحت ظل شجرة وضيئة.
بعد أن احتسيا رشفة، كسرت الشيخ سونغ الصمت الطويل وقائلة: "إذن ما مدى معرفتك بالفيزياء الدنيوية؟"
رمش بيك وأمال رأسه حيرة: "الفيزياء الدنيوية؟"
أطلقت الشيخ سونغ زفرة خيبة أمل.
"ما الذي لقّنكم إياه والداكم؟ ألم تدرسوا الحركة والديناميكا الحاكمة بلا تشي؟"
"لماذا بلا تشي؟ يبدو حمقاً تجاهل القوة الأهم والأعظم".
لم يفهم بيك.
قالت الشيخ سونغ: "لا أستطيع البدء في شرح مواطن الخطأ هنا. ذكّرني بأن أكتب لأبيك بشأن هذا".
شحب وجه بيك؛ لم يرد لتلقى عائلته ملاحظات سلبية من شيخ تتولى تعليمه. سينعكس ذلك سوءاً بالغاً.
تطوع بيك بالقول: "كنت في طريقي لمغادرة بيتي لأبعث رسالة إليه. أيمكنني إخباره إن أردت؟"
أمل أن ينسق الأمر بحرص.
أمرت قائلة: "أرني إياها".
من الوقاحة بمكان قراءة رسائل المرء الخاصة لعائلته. بل ويعد تجاوزاً حتى مع الرموز. لكن حين ناوله بيك الرسالة، قلبتها إلى الخلف وخطّت رموزاً لبرهة قبل أن تعيدها. لم تأمره بعدم قراءتها ولا بإرسالها فعلاً. بدا أنها تثق به وحسب. ولم يشأ مناقشتها إذ دسّ الرسالة في جيبه مجدداً.
تمتمت بالجزء الأخير مع قدر ليس بقليل من الانزعاج: "حسناً، تماماً مثلما يحسب العامة القوى أو الزخم، مما سيبدو منطقياً لو علمت الوجهة... أعمل على نظرية لكيفية فعل المثل للتشي".