الفصل سبعة وثلاثون: الاختبار المسحور التفت بايك يمنة ويسرة ليرى كيف تتعامل البقية من الفرق مع الأمر. لكنه لم يتبين سوى أشكال ضبابية بعد العقبة الأولى. أهكذا سيكون الحال دائما، أم أن الشيوخ لمريديهم أرادوا ألا يقلدوا خطط الآخرين في محاولتهم الأولى؟ أياً ما يكن، حول تركيزه إلى شعاع الضوء النحيل المضيء المعلق فوق الهاوية السحيقة. تجعدت وجوه شبحية وسرت ومضات في داخله.
شاهد في قعر الهاوية المياه المظلمة وأشكالاً طويلة تتحرك عرضياً وسطها. ابتلع لعابه كارهاً هذا المنظر. لم يظن أن الشيوخ سيسمحون بموتهم فعلاً خلال اختبار كهذا. مع ذلك، بدا خطر التعرض للأذى حقيقياً تماماً. عسى ألا يتعدى الأمر الأذى وحده. انحنى بايك ولمس شعاع الضوء. عبرت يده خلاله وشعر بالحرارة راصداً ظل إصبعه منعكساً على الهاوية.
قال غوان لي في حيرة تامة وذهول بينما تهافتت كلماته واختفت ملوحاً نحو الضوء: "كيف من المفترض أن—".
"إنه ضوء. لا يمكننا المشي على الضوء. أيتوقعون منا الطيران أو القفز فوقه؟"
كان الجانب المقابل أبعد من أن يُطال بقفزة واحدة. ظل البقية صامتين. حاول بايك تبين ما إذا كان بوسعه استخدام درعه لخطوه. أيمكنه القفز بمسافة كافية؟ أيمكنه صنع درع؟ ثم القفز منه ثانية؟ غالباً لا. سيتعين عليه صنعه بيده مما سيعصي عليه وضع قدميه تحته، ولن يتحمل وزنه. حسناً، كان مفترضاً أن يتحمل وزنه، لكنه لم يختبره قط. قد يسوى بالأرض معه. أسيظل معلقاً في الهواء؟ وأأمكنه تشكيل عدة دروع في آن واحد؟
أسينجح ذلك؟ ربما. لكن لماذا وُجد شعاع الضوء هنا إذن؟ عاد إلى وضع الجلوس مغمضاً عينيه وبث حواسه الروحية محاولاً استشعار شعاع الضوء. وكما ظن، لم يكن ضوءاً عادياً. تشابك الشعاع بطاقة تشي — ضوء، وطاقة تشي حركية، وشيء آخر عجز عن إدراكه. بلا عناصر كبرى ولا أي شيء. أثمة نوع من الوهم؟ يحتمل، لكنه ليس وهماً يسهل اختراقه. لمسه مجدداً مراقباً دوامات طاقة التشي وهي تلتف حول إصبعه.
قال: "ليمنغ. أيا أختي، أتمانعين لمس طاقة التشي في الشعاع أيضاً؟"
شعر بها تنحنى بجانبه وتمرر أصابعها بلطف عبر طاقة التشي، لكنها تفاعلت معها بشكل مختلف. انكسرت طاقة التشي قليلاً أثناء مرورها عبر أصابعها ولم تخلف ظلاً. حين فتح عينيه، كان الجميع يحدقون في الضوء المخترق ليدها. مد بايك يده ولمس الضوء مجدداً. خلق إصبعه ظلاً عبر يدها. بدا الأمر وكأن يدها لم تكن موجودة. لكنه أدرك عند إغماض عينيه مجدداً وجود نوع من التفاعل الدائر مع طاقتها.
أكان سبب انشطار الضوء حوله وتمنع طاقة التشي عن الاختراق عائداً إلى طاقته؟ إن أبقى يده هناك طويلاً، أسيخترق الضوء في النهاية، أم أنه يتحول فحسب؟ مد يده بحذر ولمس يد ليمنغ. سحب اثنتاهما كأن إحساساً حارقاً اندلع بينهما، كأنهما قربا أيديهما كثيراً من النار. أطلقت ليمنغ شهقة دافعة بإصبعها في فمها.
هتف بايك: "آه!"
ومد يده السليمة لأخته التي قبضت عليها بقوة قبل أن ينحني ويلمس الضوء بيده الأخرى. بدا الضوء هذه المرة أكثر صلابة، رغم غوص يده فيه قليلاً. عاد الإحساس الحارق وسحبها.
أمرها: "جربي لمسه."
أخرجت ليمنغ إصبعها المحترق من فمها على مكرهة ولمست الشعاع بظهر يدها. تحكم الضوء بوزنها تماماً.
استنتج بايك قائلاً: "يبدو أن علينا البقاء على اتصال ببعضنا كي يصلب الضوء."
أسفرت جولات اختبار إضافية عن صحة ذلك. سينغوص بايك ببطء، لكنه غوص بطيء بما يكفي لتمكنه من العبور ركضاً لو جاهد.
سألت زهانغ شويينغ: "إذن، كيف سنفعل هذا؟"
قطب بايك حاجبيه. لم يرغب في التقدم أولاً لأن حضوره يعترض الشعاع.
"لكن زهانغ وغوان لي الأسرع حركة. لما لا تحاولان العبور معاً؟"
تبادل الاثنان النظرات. هز غوان لي كتفيه عارضاً يده. تورد وجه زهانغ شويينغ بخفة لكنها أمسكت يده وانطلقا عابرين الشعاع معاً بينما جرها غوان لي خلفه محاولة مجاراته. في المنتصف، نبض الشعاع وظهرت وجوه وسطه. قُذف الاثنان للأمام، ونجح غوان لي بالكاد في الإمساك بيدها ليلف ذراعه وساقه حول الشعاع بينما حلقت متجاوزة إياه، مما جعله ينزلق مسافة عدة أطوال جسم إضافية على الشعاع قبل أن يفلح في كبح سقوطهما.
أطلقت زهانغ شويينغ صرخة حادة وهي تتدلى على بعد متر واحد فقط فوق الماء الذي تناثر مبللاً قدميها. تأوه غوان لي ورفعها بذراع واحدة ليصل بها إلى حيث تستطيع الإمساك بالشعاع أيضاً. وببعض التقلب، نجحا في رفعها دون انقطاع اتصالهما ببعضهما. لكن قبيل وقوفهما على قدميهما، نبض الشعاع مجدداً فقُذفا للأمام طول جسم آخر. بعد وقفة قصيرة، نهضا وانطلقا ركضاً. أحصى بايك الثواني هذه المرة، وصاح بهما قبيل نبض الشعاع مجدداً.
رمى الاثنان نفسيهما على الشعاع متمسكين بقوة بينما دفعهما النبض للانزلاق قليلاً. تطلب الأمر دورتين أخريين لبلوغهما الجانب الآخر سالمين نسبياً.
نظر بايك إلى عضوي فريقه المتبقيين وقال: "حسناً، يبدو أن الأمر سيكون أصعب."
أدرك أنه كان حرياً به التقدم أولاً، لأنه الآن، حسناً، ما من طريقة أخرى لإعادة شخص إليه. اعتمدت خطته الأصلية على حمل أحدهم على ظهره أثناء ركضه. قد يتعذر فعل ذلك الآن. كما جهل تأثير النبض على طاقته. أسيحمله؟ أسيحركه؟ أسيختل توازنه أكثر؟ أسيسمح له بالغوص عميقاً؟ أخيراً، وقفت مي ليكسيان في المقدمة، وخلفها بايك، وتولت ليمنغ المؤخرة. تمدد بايك بينهما متمسكاً بقوة طوال المسير.
دفع النبض ليمنغ لتتعثر في ظهره ومي ليكسيان لتشد يده، لكنه لم يتأثر. تعذر عليهما الإبطاء وإلا بدأ في الغوص عبر الضوء. حافظ على توازنه ومضى قدماً، ومثلا واقفين رغم الارتطام القوي. واصلا التحرك بوتيرة ثابتة دون ركض أو اندفاع نحو الأرض لتجنب السقوط. استحال عليهما فعل ذلك. أحصى غوان لي الثواني وأطلق التحذيرات عند وقوع النبض. مع ذلك، بدا العبور هادئاً نسبياً، فبلغا الجانب الآخر في جزء يسير من الوقت الذي استغرقه صعود الجدار البلوري.
حين بلغا الجانب الآخر، تراءى لبايك بقية الفرق أخيراً. لازال العديد منهم يعمل على عارضة التوازن، لكن ليس الجميع. خلا فريق هان ساييان ورين شو من أي شخص هنا. تقدما، أو... حسناً، ثمة خلل ما في ديناميكية فريقهما. انطلق فريق لي فنغ نحو العقبة التالية بالفعل، بينما أنهى جماعة زهاي ليانيان العرضية أيضاً. بالنظر للأمام، تأمل بايك العقبة الثالثة. امتدت أمامه غابة كثيفة غامضة تتخللها ثغرات صغيرة بين الأشجار مؤدية ظاهراً إلى دروب مطروقة.
لكن الضوء المنعكس عن أوراق الشجيرات ووميض الفراء الأبيض وريش الرمادي المبرقش المرئي بين الأغصان وجذوع الأشجار أبان له انعدام تطابق هذا المنظر مع حقيقته. علق ضباب بين أغطية الأشجار. أحياناً، تسللت خيوط السديم لتمتد محاكية أطرافاً على الأرض. كانت غابة مسحورة كلاسيكية. طالما تضمنت الحكايات عن أبطاله المفضلين لقاءات في غابات كهذه، غالباً في البرية، قرب أطراف الإمبراطورية، حيث غط في النوم روح عتيقة منذ زمن بعيد.
احتاج الأبطال للدخول لإنقاذ عذراء أو إيجاد ما يلزمهم لإصلاح زراعتهم. غدت هذه الغابات أماكن شفاء وأماكن حيرة وألم وحزن. لم يعد الكثير ممن دخلوا الغابة المسحورة قط، محتجزين أسرى لدى روح ما لبقية حياتهم الطبيعية في أغلب الأحيان. كان الضياع أمراً متوقعاً. ضاع كل من دخل. لم يظن أحد قط عدم ضياعه. تمثل المفتاح في حفظ التركيز وعدم الضياع. أيقدران على فعل ذلك؟ لم يكن متأكدًا.
والأهم من ذلك، احتجما للمضي معاً.
هتف بعد إتاحة الفرصة للجميع لاستيعاب المرئي أمامهم: "حسناً، حافظوا على الاتصال باثنين على الأقل من البقية. والتزموا بهذا الدرب. لا تدعوا أي شيء يشتتكم. لا تدعوا أحداً يلمسكم."
مد يديه ليتشابك الجميع مكونين رتلاً، غالباً اثنان باثنين، متمسكين بإحكام يمنع سحبهم بسهولة. أخذ بايك نفساً عميقاً وتقدم بالجميع على الدرب الضيق تحت أغصان الأشجار.
* * *
فلح الأمر في البداية. التوت الغابة حولهم لكنهم تمسكوا ببعضهم وبقوا على الدرب. ثم تعثر غوان لي.
قال بصوت مشوب بالاتهام: "توقف عن جذبي."
ردت زهانغ شويينغ بحدة: "أنا لا أجذبك."
"بل تفعلين!"
"أنت من يجذبني!"
قال بايك بأكبر قدر ممكن من الهدوء: "اهدآ. واصلا التحرك فحسب."
علا صوت غوان لي: "أنا أحاول مواصلة التحرك."
شدت قبضة ليمنغ بوجع حول يد بايك.
"أخي؟"
"أنا هنا."
"لقد أفلتّ."
نظر بايك لأسفل. لازالت أيديهما متشابكة.
وقبيل النطق بشيء، همست مي ليكسيان: "الغابة تنسخنا."
انكسر غصن ما إلى يسارهما. اندفعت زهانغ شويينغ نحوه. قبض غوان لي على كمها تزامناً مع شد ليمنغ للخلف، وفجأة أخذ الجميع يجذبون باتجاهات مختلفة. ثبت بايك قدميه محاولاً إبقاءهم متماسكين، لكن كثرت الأيدي والقبضات. بعضها حقيقي. والبعض الآخر لا.
صاح بايك: "اثبتا!"
أجاب غوان لي صائحاً: "أنا ثابت!"
"إذن توقفا عن الجذب!"
"أنا لا أعل فعل ذلك!"
تصاعد السديم بينهما. لبرهة قصيرة، شعرف بايك بأيدي الجميع في يده. ثم لم يشعر بأي منها. استدار بايك باحثاً عن ليمنغ، لكن الضباب طغى وحده.
"ليمنغ!"
"أخي!"
انطلق صوتها من ثلاثة اتجاهات دفعة واحدة. صاح البقية أيضاً متداخلين بأصواتهم حتى عجز عن تبين اتجاه أي منها.
"غوان لي!"
صاح غوان لي: "هنا!"
صرخت زهانغ شويينغ: "كلا، هنا!"
أطلقت مي ليكسيان نغمة حادة ومذعورة من كل الاتجاهات. ثم تلاشت تلك أيضاً. وقف بايك وحيداً على الدرب وضحكات قلبه تدق. رغب في الركض حيث سمع صوت ليمنغ آخر مرة لكنه أدرك عدم جدوى ذلك. عوضاً عن ذلك، حاول تتبع الدرب قدر استطاعته. وعند تفرع الدرب، اختار واحداً عشوائياً. وعند تعالي الأصوات، تجاهلها. وعند احتكاك شيء بكمه، كاد يستدير. حين تعثر خارجاً من الغابة أخيراً، كان غوان لي هناك مسبقاً يروح ويجيء.
جلست مي ليكسيان على حجر محتضنة ذراعيها، مستديرة بظهرها عن الجميع. ظهرت زهانغ شويينغ بعدها بعينين محاطتين بالدموع. وخرجت ليمنغ أخيراً. قصدها بايك فوراً.
"أمصابة أنت؟"
أجابت: "كلا، أنا بخير."
تنفس الصعداء: "جيد."
ثم التفت غوان لي نحوه محتدماً.
"ما بال البقاء معاً؟"
توقف بايك بارتباك.
"من الواضح أن الغابة فرقتنا."
"إذن انزلق أحدهم! ما كان لها تفريقنا جميعاً لو تمسك الجميع!"
عاندت ليمنغ: "لم أفلت!"
قالت مي ليكسيان دون رفع عينيها: "قلت إنها تنسخنا."
رفعت ليمنغ صوتها: "لم أسمعك تقولين ذلك!"
قاطعها غوان لي بانفعال: "ولا أنا!"
صرخت زهانغ شويينغ: "شعرت بثلاثة أشخاص يجذبونني لأجزاء! لذا، إلا إذا نبتت لأحدكم أذرع إضافية!"
لوح غوان لي بيديه.
"لا أعني أن الأمر مقصود!"
"تصيح وكأنه كذلك!"
"أنت من صرخ أولاً!"
احتد بايك: "كفى!"
توقف الجميع. جاءت الكلمة قاسية للغاية. استمع بايك لصدى ترديدها في الأشجار خلفهم. سكت الجميع فجأة. زاد ذلك الأمر سوءاً عملياً. أدرك وجوب قول شيء آخر. كاحتدام الأعصاب وعدم قصد ما قالوه. وأنهم تعرضوا جميعاً للخداع. مع ذلك، تعذر عليه تيقن ما سينطق به لو فتح فمه مجدداً. التفت بايك نحو العقبة التالية شاداً كتفيه، قبل تفوهه بما هو أسوأ. تبعوه. أنهيا العقبات المتبقية في صمت. وجه بايك التعليمات متى تطلب الأمر وتبعها البقية، لكن دون إيقاع يذكر.
توقف غوان لي عن المزاح. توقفت زهانغ شويينغ عن الكلام إلا إن خوطبت. أبقت مي ليكسيان عينيها متدليتين. بقيت ليمنغ قريبة لكنها ردت بكلمات موجزة فحسب. عبرا الخط الأخير معاً، متأخرين كثيراً عن موعدهما المفترض.