الفصل الحادي والعشرون: الثعلب والجبل كان حذر رفاقه في محله، لكن الهجمة الأولى باغتتهم على أي حال.
كانوا يتحركون بحذر، حين تجمد "غوان لي"
وصرخ محذراً.
لم تمضِ سوى لحظة خاطفة قبل أن يرتجف الأرض من تحتهم، ويهوي "بايك"
أرضاً. نهض في التو، فرأى فتىً ضخماً كالجبل يندفع نحوهم؛ عريض المنكبين، مفتول العضلات، بذراعين غليظتين كالساقين.
كان شعره البني قصيراً، وأحس "بايك"
بفيضٍ من طاقة الأرض يشع منه.
قبل أن يستوعب "بايك"
الموقف، وجد نفسه يصد ضربةً موجهةً إلى حنجرته بحافة كفه.
انسلّ شابٌ آخر، نحيل الملامح حادّها، بعينين داكنتين ثاقبتين، من هجمة "بايك"
المرتدة.
تأمله "بايك".
كان يتحرك برشاقةٍ محمومةٍ تنم عن تدريبٍ طويل.
لكن "بايك"
لمح ضعفاً جلياً. كانت حركاته بارعة ومحسوبة، وطريقة قبض يديه تؤكد اعتياده على حمل السكاكين، لا الاكتفاء باللكم.
تلاشى الفتى قليلاً، لكن "بايك"
كان مستعداً، فاتخذ وضعية الصد جهة اليسار. سمع صفيراً فخفض رأسه في الوقت المناسب، لتمر فوقه ريحٌ على هيئة سهم.
صرخةٌ خافتة من "شين ييشين"
أنبأته بإصابة إحدى رفيقاته.
اشتبك "غوان لي"
و"ليمينغ"
مع الفتى الجبلي، بينما التفتت "شين ييشين"
-رغم إصابتها- لترد الهجوم على مهاجمهم الخفي.
خاض "بايك"
تبادلاً سريعاً ومميتاً للضربات، مشتت الذهن، يترقب ظهور العضو الرابع من الفريق الخصم.
حين سدد ضربته الحاسمة التي جعلت خصمه يترنح مع كدمةٍ ستظهر حول عينه قريباً، رمش "بايك".
لم يكن هناك مهاجمٌ إضافي واحد، بل خمسة.
خمس نسخٍ للفتى نفسه، الذي كان بالكاد أطول من "ليمينغ".
كانت عيناه الخضراوان مشقوقتين كالثعلب، وابتسامةٌ دائمة تكشف عن أسنانٍ مدببة.
اندفعت كل نسخة نحو واحدٍ منهم، فالتف "بايك"
وضرب. انفجر الخيال المهاجم في ضوءٍ باهر، تاركاً إياه مذهولاً، فباغتته ركلةٌ من خصمه على جانبه. لم تكن الأمور على ما يرام. لحسن الحظ، تماسك تشكيلهم، لكن خوض معارك فردية ليس سبيلاً للظفر.
احتاج "بايك"
إلى طرح خصمه أرضاً بسرعة ليعين حلفاءه. لمح أولاً ومضاتٍ من الضوء؛
تقنية "مطر النجم المشتعل"
تنطلق من يد "شين ييشين"، تقذف مقذوفاتٍ من كيس الحصى الذي تحمله.
طارت الحصى نحو تلةٍ صغيرةٍ على اليمين، حيث تنطلق سهام الريح من راميةٍ نحيلةٍ، شعرها الأسود الطويل مجدولٌ يتماوج مع الريح.
تفرس "بايك"
في عينيها الزرقاوين الداكنتين، حتى من بعيد، إذ كانتا تتوهجان بضوء الريح. كانت تحمل قوساً يبدو أكبر من أن تحمله. لم يدرِ كيف استطاعت حمل ذلك القوس الذي يبلغ طوله ستة أقدام، فهو لم يلحظ أحداً يحمله، وما كان ليغيب عن ناظره. عاد بتركيزه إلى خصمه، بينما تعامل حلفاؤه مع مشتتاتهم الوهمية.
هذه المرة، حين اقترب الشاب النحيل، تقبّل "بايك"
ضربةً كان يمكن أن تكون مميتة في أحشائه، لكن دون سكينٍ في يد الفتى، كانت مجرد ضربةٍ مزعجة.
استغل "بايك"
الفرصة ليمسك بخصمه.
تلوى الشاب كأنك تمسك ثعبان الماء، لكن ما إن أحكم "بايك"
قبضته، حتى استحال الفكاك. طرحه أرضاً ولف ذراعيه حول عنقه.
حاول الفتى عض ساعده، فدفع "بايك"
ركبته في ظهره، ساحقاً إياه إلى الأرض ومفرغاً الهواء من رئتيه.
قطع "بايك"
إمداد الأكسجين والدم عن دماغ الفتى. هذه التقنية لن تجدي مع ممارسي المراتب العليا الذين لا يحتاجون للتنفس، لكنها بالنسبة لمن هم على حافة الفناء، أفقدت الفتى وعيه في عشر ثوانٍ. بعد لحظة، تحول الفتى إلى ذراتٍ من نور، تلاشت مع سحبه من الاختبار.
تساءل "بايك"
إن كان ذلك بسبب فقدانه للوعي أم لهزيمته التامة، لكنه لم يجد وقتاً للتفكير حين قفز واقفاً.
كان "غوان لي"
و"ليمينغ"
يقاتلان الفتى الذي تجعل خطواته الأرض ترتجف، والذي بدا أنه يتجاهل معظم ضرباتهما. كانا يثبتانه هو والموهوم في مكانهما.
شبك "بايك"
ذراعيه أمام وجهه واندفع نحو موقع الرامية. عدلت هدفها بهدوء وأطلقت سهمها، لكنه ارتمى أرضاً وتدحرج متفادياً سهم الريح.
كانت "شين ييشين"
قد ضبطت توقيت هجومها بدقة لتستغل هذه اللحظة، فثقبت ساق الرامية بحصاة.
أطلقت الرامية صرخةً حادة حين هوت أرضاً، وقد اخترقت حصاةٌ بليدة لا تكبر ظفر "بايك"
عضلة ساقها بالكامل. انقبض قلبه وهو يرى الفتاة ملقاةً على الأرض، عاجزةً عن شد قوسها الضخم. حين وقف فوقها، تردد للحظة وهو يقرر كيف يثبت هزيمتها. هل يضربها؟ هل يخنقها مجدداً؟ لكن قبل أن يمد يده، اختفت، تاركةً قوسها خلفها.
زفر "بايك": "هوه"، ثم رفع السلاح وانطلق لمعاونة رفاقه.
لم يبقَ العضوان الآخران للقتال؛ إذ أحدث الفتى الجبلي موجةً صدميةً أخرى في الأرض، معطلاً خصومه، ثم لاذ بالفرار متبعاً إياه الفتى الثعلبي.
رفع "بايك"
القوس عالياً وهو ينزل التلة نحو "شين ييشين"
التي جثت على ركبةٍ واحدة، تلهث.
سألها وهو يمد يده: "هل أنتِ بخير؟".
لم تأخذ يده، وبقيت على الأرض.
قالت: "أجل. أصابتني في ساقي، في عضلة الساق".
نظر "بايك"
ليرى دماً يلطخ ثوبها.
نادى: "ليمينغ!".
لكن أخته كانت هناك بالفعل. رفعت حاشية ثوب رفيقتها ووضعت يديها على الساق الدامية.
توهجت طاقةٌ خضراء وأحس "بايك"
بفيضٍ مدهشٍ من الطاقة يتدفق منها، كأنما يصب ماءً في بركة.
تباطأ تنفس "شين ييشين"، وبعد لحظات، تقلص الجرح ثم تلاشى.
أمسكت يده، فرفعها واقفة.
قال "بايك": "أحسنتم جميعاً".
ابتسمت "ليمينغ"
و"شين ييشين"، لكن "غوان لي"
لم ينظر إليه، بل كانت عيناه تمسحان الأفق بحذرٍ شديد.
تابع "بايك"
موجهاً كلامه لـ"شين ييشين": "أنا معجبٌ بكِ. يتطلب الأمر شخصاً من طرازٍ خاص ليتحمل إصابةً ويواصل القتال. لا تعرف المرء حقاً حتى يحدث هذا".
مدّ القوس إليها: "أظن أنه لن يعترض أحدٌ إن أخذتِه".
التقطته، وبالكاد استطاعت حمله في وضعية الاستعداد دون أن يلمس طرفه الأرض.
قالت: "شكراً، لكن يمكنك مناداتي بـ ييشين فقط. بعد القتال بجانبك، يبدو من الغريب أن تناديني بـ شين ييشين".
رد بابتسامة: "في هذه الحالة، ناديني بـ بايك".
تجاهلا معاً تذمر "ليمينغ".
كان الأمر أكثر من محتملٍ بالنسبة لها، فانفجرت في تظاهرٍ بالغضب: "لم تسمح لي حتى بمناداتك باسمك!".
قالت "ييشين"
وهي ترفع القوس بابتسامةٍ راضية، متجاهلةً "ليمينغ"
تماماً: "ليس لدي سهام، لذا ستكون التقنية مكتومة، لكنها أفضل من الحصى".
لم يلحظ "بايك"
في كلامها ضغينة، بل كان مزاحاً لطيفاً.
رد "بايك": "يسعدني سماع ذلك. لكن إن كنتِ بخير، فلنواصل التحرك. لا ندري كم فريقاً آخر يتجه نحو هذا الهدف".
قال "غوان لي"
وهو يناول "بايك"
عصا بطوله: "هناك شيءٌ آخر. أسقطها الفتى ممارس طاقة الأرض. لا أظنها سلاحاً جلبه معه، بل شيئاً شحنه وصنعه كأداةٍ بدائية".
أمسكها "بايك"
وقال: "هوه. لا أظن أياً منكما يعرف كيف يستخدم العصا؟".
هزا رأسيهما.
قال "غوان لي": "أعني، يمكنني ضرب الأشياء بعصا، لكنني رأيتك تقاتل. ربما لديك تدريبٌ أكثر عليها".
هز "بايك"
كتفيه: "ليس حقاً. في الواقع، لم تكن عائلتي تتدرب بالأسلحة، لكن التلويح بالعصي كان جزءاً كبيراً من طفولتي. لدي بعض المهارات القتالية، لذا يمكنني المحاولة".
علاوةً على ذلك، كان هناك شيءٌ في طاقة الأرض يناديه. لم يكن الأمر صائباً تماماً، لكنه تردد مع تناغم ممارسته الخاصة؛ صدىً خافت، لكنه صدى على أي حال.
قالت "ليمينغ": "حسناً، إن لم ترغب في الاحتفاظ بها، ربما يمكننا بيعها. ليست سيئة".
هز "غوان لي"
و"بايك"
كتفيهما، إذ لم يكن لديهما رأيٌ فيها، ولم يكن لدى "ليمينغ"
ما تضيفه. وانطلق الأربعة نحو أسوار الحصن في الأفق.