[وضع التسجيل — التحليل الذاتي. — نموذج أولي: المحقق... نشط.]
رفعت إحدى يدي لأثبت حافة قبعتي بينما تقربني خطوات الهرولة من وجهتي. حتى هنا في وسط فايل، كانت نسائم البحر تبلغني. كان هناك ملح في الهواء، وكان الغشماء يخاطرون بفقدان قبعاتهم لصالح عاصفة عابرة. مميلاً رأسي إلى الأمام، سمحت للشمس الآفلة بأن تلقي ظلالاً طويلة على عينيّ اللتين تريان أكثر بكثير مما يستطيع أي بشر مجرد رؤيته. كان هذا مكاناً لطيفاً. أدفأ من وطني، رغم أنه يحمل ذات النكهة اللاذعة لمسحوق الاحتراق المنبعثة من سيارات الأجرة المارة.
كان الدخان الصادر من قطاع الصناعة على بعد بضع شوارع يخنق الهواء كأنه رائحة أعقاب السجائر الصادرة عن المراهقين المتكاسلين المتواجدين عند كل زاوية شارع. مكان لطيف، لو لم تكن تمتلك حاسة شم. تحرك رجال الشرطة على درجات مقر شرطة فايل من طريقي، وكانوا أذكياء بالقدر الكافي لاستشعار أنني خطيرة، وأن العبث معي غير مسموح. التقطت نظرة فضولية من أحد الرجال، فمنحته إيماءة حازمة حين استطاع ملاقاة نظرتي دون أن يرف جفنه.
ربما لم يكن رجال الشرطة في فايل سيئين إلى هذا الحد بعد كل شيء. بالتأكيد لم يرتقوا إلى مستوى أولئك الموجودين في وطني، ليس إن كانوا بحاجة إلى استدعائي لأجل قضية واحدة. قضية كبيرة، هذا مؤكد، على الأرجح، لا، بل هي بالتأكيد الأكبر في مسيرتي المهنية كمحققة، ولكن مع ذلك. ألم تكن فايل تمتلك أي فخر برجالها البثياب الزرقاء؟ انزلت يدي المرتديتان قفازين من جيبي معطفي الطويل المصنوع من القماش الخشن، ودفعت الباب المزدوج للمبنى القديم جانباً.
وقفت هناك، بينما يتجمع المعطف حول ساقي، وتتراجع قبعتي إلى الخلف بينما رفعت رأسي وتفحصت ردهة الاستقبال بعينين ضيقتين. لفتت انتباهي سيدة جميلة خلف منضدة توازي الخصر، مجرد فتاة تؤدي عملها، لكنها كانت ظريفة رغم ذلك. مع ذلك، لم أكن هنا في أي نوع من الإجازة، كان هذا عملاً.
قلت لها وأنا أقترب، بصوتي الأجش الذي لواه ساق الغليون المعلق عند حافة فمي: "أنا هنا لأجل الرئيس بلو".
رمشت الفتاة ببلاهة، وهي تتأمل الغريبة عند مدخل المركز لبضع ثوانٍ طويلة قبل أن تلتفت نحو شاشة حاسوبها.
سألتني: "هل لديك موعد، أيتها السيدة؟".
أصدرت صخباً بأنفي.
تمتمت بصوت عالٍ بالقدر الكافي ليُسمع: "أنا لا أتقاضى أجراً كافياً لأجل هذا".
ثم قلت: "نعم، لدي موعد".
قالت الفتاة: "مم، حسناً. مكتب الرئيس بلو في الطابق الثالث، بالقرب من الخلف"، مشيرة بإيماءة رأس نحو صف المصاعد إلى جانبنا.
كانت مساحة الردهة بالكاد واسعة بما يكفي للسماح بتشكيل طابور بجانب المصاعد.
قلت قبل أن أتحرك مضطراً، ومعطفي يرفرف خلفي كعباءة ممزقة لأسوأ نوع من الأبطال: "شكراً لك، يا عزيزتي".
لم يكن الانتظار في طابور من شيمتي، لكنه على الأقل سمح لي بالمراقبة دون أن أتميز. احتجت لرؤية كيف تسور الأمور هنا في فايل، خصوصاً إن كانوا يتوقعون مني أن أؤدي الأمور بالطريقة التي تخصهم. حين ترجلت أخيراً في الطابق الثالث، تعرضت لهجوم من الفوضى المنظمة. كانت الغرفة الرئيسية لمقر شرطة فايل خلية نشاط صاخبة، وكان الرجال والنساء يرتدون الأزرق يهرعون هنا وهناك، ويجيبون على المكالمات ولا يتجمعون سوى أحياناً بجانب مبرّد المياه جانباً للثرثرة مع أقرانهم.
كان علي أن أعترف بأنني أحببت الأمر. قد يكون فوضوياً، لكن كان هناك شيء منعش بشأنه، كأنها سماء صافية بعد الثلج. مؤمئاً لنفسي، تحركت إلى الداخل، متفادياً بصعوبة رجلين ملتحيين كانا يتجادلان حول بعض الأوراق ومنتظراً مرور عربة مليئة بالوراق. كان مكتب رئيس الشرطة سهلاً للعثور عليه. علقت لوحة بجانب الباب، وعبارات برونزية مثبتة في إطار من النحاس الأصفر. كانت النوافذ المطلة على المكتب محجوبة بستائر معدنية لكنني استطعت رؤية حركة في الداخل.
طرقت الباب، فانقطع الطنين الخافت للثرثرة القادم من داخل المكتب. انفتح الباب صريراً ووجدت نفسي أطيل النظر إلى نصف دزينة من الرجال المكدسين فيما كان ليكون مكتباً واسعاً لو لم يكن هناك هذا العدد الكبير من الأرواح بداخله. لكن ما ضرّ بواحد إضافي؟ خطوت إلى الداخل، مؤمئاً للرجل الذي فتح لي الباب حتى بينما رمش ببلاهة رداً عليّ. لا بد أن الرئيس بلو كان الرجل الأكبر سناً خلف المكتب.
أصلع، تجاوز مرحلة شبابه، وله كرش يُظهر حاجة ماسة للاقلاع عن المعجنات.
سألني: "من بحق الجحيم أنت؟".
نزعت قبعتي، فتساقط شعري الأحمر ليصل إلى ما فوق مؤخرة رقبتي بقليل. كنت أعرف أنني ربما أبدو صغيرة السن بالنسبة لجميع المحاربين القدامى في الغرفة. ليتهم يعلمون فقط.
قلت بينما وصلت يدي الحرة إلى معطفي وسحبت رسالة واضحة: "أنا مبعوثة أطلس".
أخذ رئيس الشرطة الرسالة بسرعة، فاتحاً حافة الظرف بمرور إبهامه. قرأ بينما كانت الغرفة تسخن وبدأ العرق يتجمع على جباه الرجال من حولي. عرفت أنه بلغ النهاية عندما ارتفعت زوايا شفتيه وتهكم.
قال: "حسنّاً، أنا لن، ولا أستطيع أن أقول لا للمزيد من المساعدة. لكن هذه المدعوة بفتاة غريم هي آخر مشاكلنا في الوقت الحالي".
سألت: "أحقاً؟".
أومأ برأسه، ثم رمق الآخرين في الغرفة بنظرة كأنه يقرر كم سيُفشي.
قال: "تعرضت بضعة عصابات للهجوم. معظم الباعة في الشوارع قلقون أو مفقودون. عادة ما كنت سأكون سعيداً جداً حيال ذلك، لكن هناك شيئاً مريباً".
غامرت بالقول: "ربما الأمر مرتبط بقضيتي".
ربما كان دليلاً!
قال: "أشك في ذلك".
بدأ: "هل أنت مستعدة للبدء هكذا فحسب، أيتها المحققة، آخ"، محاولاً رفع الصفحة مرة أخرى، لكنني أوقفرفته بحركة مستخفة، معيداً قبعتي إلى مكانها وأنا أفعال ذلك.
استقرت القبعة بزاوية مرحة، وحجبت الحافة عيني تماماً مثل كل الشخصيات في الأفلام التي درستها.
قلت: "أنا بولندينا. وأنا جاهزة كمحققة!".