الأميرة الفصل 23

اقرأ الأميرة الفصل 23 باللغة العربية على مانجا تايم.

فصْل إضافيّ! عدّلت أكيلاري هندامها قبل الجلوس على الأريكة. انتظرت، وأخذت نفساً عميقاً لتهدئة نفسها قبل فتح عينيها والتركيز على العرّافة. تمايل الغريم في الهواء أمامها، غير مبالٍ بتركيزها عليه أو بالحشرات الزاحفة على سطحه.

قالت: "اصلني بساليم".

تمايلت العرّافة مجدداً، وصدر عنها صوت خافت للحظة. ثم تحركت الكرة في أعلاها ودوّمت الظلمة في جوفها. لم تلبث أن واجهت ساليم الفضوليّة، وبدت صورتها مشوّهة عند الأطراف لكنها ظلت واضحة تماماً.

قالت ساليم بلمحة دهشة: "أكيلاري. لم أتووقع أن تتصلي بي بهذه السرعة".

ابتسمت أكيلاري.

"ولا أنا توقعت أن أحتاج إلى ذلك بهذه السرعة أيضاً".

سألت ساليم فوراً: "هل هناك خطب ما؟".

لعلها كانت فضوليّة فحسب، ولعلها شعرت بقلق حقيقيّ. وفي الحالين دفء قلبها قليلاً ومحا عن أكيلاري التردد لمتابعة الحديث.

"ربما. أنا بخير، جسدياً. وسيندا وأصدقاؤها كذلك. والمنزل آمن على مدّ بصيرة حشرات الغريم خاصتي، وهي تمتد لمسافة بعيدة. وأصدقائي أنفسهم بخير، حسب آخر حديث جمعني بهم".

قالت ساليم: "إذن المشكلة تكمن في مكان آخر".

كانت تجلس على عرشها، وبدا المقعد المهيب أكثر وضوحاً وهي ترتكز إلى الخلف عليه.

"أخبري بما يزعجك".

سألت أكيلاري: "أمر واضح إلى هذا الحدّ؟".

قالت ساليم: "بالنسبة إليّ نعم".

تنهّدت أكيلاري، غير أن ابتسامتها لم تفارقها — بل غدت أشد حزناً.

"فيل كان لطيفة. ومساعدة سيندا كذلك. أنا... ذكرياتي تعود، على ما أعتقد. ليس بسرعة، ولا دفعة واحدة، بل في ومضات حنين صغيرة. موانئ فييل بدت كوطن، والحديث مع رومان ونيو أعاد الكثير من التفاصيل الصغيرة".

قالت ساليم، ومنحت أكيلاري ابتسامة صغيرة لكنها صادقة: "هذا رائع".

أو فعلت ذلك حتى لاحظت خلوّ أكيلاري من أي ردّ فعل.

"أم ليس الأمر كذلك؟".

اعترفت أكيلاري: "أنا... لا أدري؟ بعض تلك الذكريات جميلة. وأنا، وأنا أتغير، أليس كذلك؟ لست غبيّة كما كنت قبل بضعة أشهر".

وبّختها ساليم: "لا أجرؤ على نعتك بذلك".

أومأت أكيلاري برأسها، مسلّمة بالرأي.

"حسناً، ربما لست غبيّة، لكنني بالتأكيد لست في أفضل حالاتي. وتلك هي المشكلة، على ما أظن. في أفضل حالاتي... تايلور. كنت، وأنا تايلور، وفي أوج عطائها كانت تايلور رعباً، وحشاً. لا أودّ التحول إلى ذلك مجدداً".

قالت ساليم: "إذن لا تفعلي. أَتظنين أنني كنت دوماً ساليم، ملكة الغريم؟".

"ماذا؟".

هزّت ساليم رأسها.

"أحياناً، كل بضعة قرون حين أؤمن بعض الآثار في لعبة الأكواب التي نلعبها أنا وأوزما، أملّ دور الشريرَة. فأتوقف. أمضيت عقوداً في التأمل، وامتلكت أعمالاً وبلدات، ومارست الزراعة ذات مرة، رغم أن محاصيلي لم تنبت جيداً قط. بل عشت في مناسبات بين البشر. أثار الفاوناس اهتمامي في البداية، فأمضيت وقتاً في مجتمعاتهم، وشاهدت كل مدينة كبرى من مدن اليوم تنمو من قرية لتصير معاقل كما هي الآن. خلال تلك الأوقات لم أكن ساليم. وأوزما ليس أفضل حالاً بالتأكيد. إنه يغير نفسه أكثر مما يغير بعض الناس قبعاتهم".

قالت أكيلاري: "أنا، أنا لا أستوعب الأمر".

سألت ساليم: "أتريدين أن تكوني تايلور، أم تريدين أن تكوني أكيلاري؟".

"أنا... لدي ذكريات جميلة بصفتي تايلور. لا شيء غيرها، لكن بعضها جميل. غير أنني مقابل كل ذكرى جميلة أملك العشرات من الندم، وتلك هي الأمور التي تطفو على السطح أكثر".

تنهّدت ساليم، تنهيدة واهنة ورهيبة تنبئ بخيبة أمل، وألم مشترك.

"أكيلاري، يا تايلور، ليس عليك حمل تلك الندوم ذاتها. بفضل سماء قبيحة وُلدتِ مجدداً. إن وُجد سبب يوماً للتخلي عن تلك الأشياء، فهو ذاك بالتأكيد. إن لم تعودي راغبة في أن تكوني تايلور، فاصبحي أكيلاري بكاملها. إن لم تعودي تريدينها، فانحتي لنفسك اسماً جديداً ودرباً جديداً".

"أنا".

توقفت أكيلاري. والتفتت لتبعد نظرها عن العرّافة ومسحت عينيها بحركة سريعة من إبهامها.

قالت بصوت همس: "أنا أميل إلى حبّ كونِي أكيلاري".

"وأنا يعجبني كونك من أنتِ، الشابة التي وقعت في حضني وبذلت قصارى جهدها لقلب عالمي رأساً على عقب. إن... إن تحولتِ إلى شخص آخر فسأتفهم، بل سأدعمك. بغض النظر عمن ستصيرين، سأكون هنا. هذا ما يمكنني وعدك به".

شعرت أكيلاري بابتسامة تشد شفتيها، ومع إطلاقها لزمام كبحها تحولت إلى تكشيرة واسعة.

"شكراً".

قالت ساليم: "على الرحب والسعة".

قالت أكيلاري بعد فترة توقف قصيرة: "س-ساليم. أيمكنني مناداتك بأمي؟".

ابتلعت ساليم لعابها واتسعت عيناها للحظة، ومضة من الهلع والألم ثم شعور غامض لم تستطع أكيلاري تحديده عبر ملامحها قبل أن تذبل المرأة. حدقت إليها عبر المسافة.

"أظنني سأحب ذلك، يا ابنتي".