"أنا... خيبة أمل."
اخترقت هذه الكلمة المفردة صدر سيندر مثل سهم غارز في القلب. وجلت عيناها نحو الأرض. ما رأت سوى المرمر المصقول حيث تركع وقدمي سيدتها.
قالت: "أنا آسفة. لم نكن نتوقع--"
"من الواضح تماماً أنكم لم تفعلوا."
قاطعتها ساليم في منتصف الكلمة. كادت سيندر تتمنى لو أن الملكة ترفع صوتها أو تكشر أو تفعل أي شيء، لكن نبرة صوتها بدت مستوية ومنتظمة كأنه تقرير جوّي.
"لو توقعتم لخططتم. على الأقل، أتمنى أن تكون دروسي لكنّ بليغة بما يكفي لتفعلي ذلك."
ردت سيندر: "كانت كذلك."
كلما قلّ الوقت المستغرق في تذكر فترة تلقيها التدريس تحت إمرة ساليم كان ذلك أفضل.
"ماذا علمتكِ عن التوقعات عند التخطيط لعملية ما، خاصة ضد شخص بمثل معرفة أوزبين؟"
"أن أفترض أنه متقدم بخطوتين."
"أوزبين عجوز يا سيندر، ورغم بغضي لهذه الحقيقة، فهو حكيم وذكي للغاية. ليس أحمق. ولأنك فكرت عكس ذلك، فقد افلتت فرصة من بين أيدينا."
ابتلعت سيندر ريقها ورفعت نظرها، بالقدر الكافي لرؤية ركبتي ساليم المتشابكتين.
قالت: "ما زلت أحصل على جزء من قوة العذراء. علينا فقط انتظار رحيلها."
"لقد مضى وقت طويل بالفعل. على الأرجح أن أوزبين تحرك مسبقاً ليمنع انتقال القوة إليك."
بدلت ساليم وضعية ساقيها، متبدلة في جلستها على عرشها بنعمة لا تملك سيندر سوى أمل بلوغها يوماً.
"لا، لقد ضاعت الفرصة."
"يمكنني إصلاح هذا."
قالت سيندر: "يمكنني التسلل إلى بيكون. لم يترك أمبر عن عينيه ولم تبلغ هي عن مظهري، إيميرالد جعلت ذلك مستحيلاً. امنحيني الفرصة وسأجدها وأنهي العم--"
"توقفي."
سمحت سيندر لعينها بالانخفاض مجدداً. آلمتها ركبتها حيث غرست في حجر الأرض البارد وأجهد ظهرها المعتاد على عدم الانحناء مطولاً. كانت أدرى من أن تتململ وتقاطع أفكار أوزبين... أفكار ساليم. لاهثت ساليم. وثب رأس سيندر للأعلى لترى عيني ملكتها تتسعان قبل أن تضيقا. هذا وحده كان مريباً. زئير أورسا وبايوولف من وراء البرج والارتعاش المفاجئ للسيار في الغرفة زادا فقط من تدفق الأدرينالين المفاجئ في عروقها.
نهضت ساليم عن عرشها وبدأت تسير نحو مؤخرة الغرفة بإلحاح لم تره سيندر قط.
أمرت: "تعالي."
لم تكن بحاجة لإعادة الطلب مرتين. تجولتا في دهاليز القلعة، عابرتيْن غرماً ينظر حوله بارتباك وشيء يقترب من القلق. كانت بايوولف تستنشق الهواء والسيار تتحرك بسرعة لا تشبه أبداً رشاقتها المعتادة. قادتها ساليم إلى درج حلزوني يهبط إلى عمق أبعد مما بلغته قط في البرج. انتهت رحلتهما في كهف تضيئه أنوار غرم بنفسجية تسطع على بركة سوداء جعلت معدة سيندر تنقبض بازدراء لمجرد رؤيتها.
كانت أكيلاري بجانب البركة، ضامة ركبتيها إلى صدرها، ومنحنية الرأس والظهر بطريقة أظهرت كم كانت فارعة الطول ونحيلة. أحاطت بالفتاة مئات من غرم العناكب. بعضها بحجم الكلاب، وأخرى بصغر أغطية الزجاجات.
سألت ساليم: "أعُدتِ؟"
رأت أكيلاري تبتلع ريقها وتنظر للأعلى. عيناها المظلمتان لم تخفيا أبداً حقيقة أن الفتاة كانت تبكي. دُموع سوداء كالقار كانت ما زالت تسيل على وجنتين بيضاوين.
قال صوت أكيلاري المتهدج: "لقد عُدتُ."
أجابت ساليم: "مرحباً بعودتك."
تجرأت سيندر على النظر للأعلى نحو الاثنتين. انصب تركيز الملكة بالكامل على المرأة القصيرة أمامها. بدا الأمر كالنظر في مرآة غريبة. كان شعر أكيلاري أظلم من الهاوية بين النجوم ولن يبدو وجهها ملوكياً كوجه ساليم قط، بعينين واسعتين جداً وفم عريض جداً، لكن أوجه التشابه بين الاثنين كانت مزعجة. قضت بعض الوقت متسائلة عن الفتاة التي تتشارك الكثير مع سيدتها. كانت تأمل أن تفضي إليها أسرار كهذه بعد سنوات قضتها في أراضي الغرم، لكن ساليم عجوز، عريقة حتى، ولم يكن مفاجئاً احتفاظها ببعض الأمور لنفسها.
لعقت أكيلاري شفتيها، ووضعت ذراعاً فوق الأخرى تحت صدرها الصغير ونظرت إلى الأرض.
"لقد متُ."
احتبس نفس سيندر لكنها ثبتت جسدها مكانها قبل أن يلاحظ أحد. تفحصت ساليم أكيلاري صعوداً وهبوطاً.
"أفعلتِ؟ كيف حدث ذلك؟"
"أطلقت علي فتاة النار. كانت تمتلك حقيبة تحولت إلى مدفع رشاش. وقد آلمني ذلك."
سألت ساليم: "والآن؟ بماذا تحسين؟"
كانت تلميحة القلق في صوت لم يعهد قط إبداءه تجاه سيندر أشبه بمخلوق ثلجي ينغرس في الكلى.
أجابت أكيلاري: "تحسنت. السيد عنكبوت مات."
سألت ساليم: "السيد... عنكبوت؟"
أومأت أكيلاري برأسها.
"كان حيواني الأليف. صديقي."
بدت ساليم مرتبكة بقدر ارتباك سيندر للحظة.
"ألم يكن مجرد غرم خلقتِهِ أنتِ؟"
انزلق انتباه سيندر مجدداً نحو أكيلاري. أكد ذلك بعض الأمور. بغض النظر عن مدى غرابة الفتاة، وحدها تلك القدرة جعلت منها تهديداً من الدرجة القصوى. أي شخص قادراً على خلق الغرم يمثل تهديداً للبشرية جمعاء. ومن يستطيع خلق الغرم والعودة من الموت يكون أشد خطراً. يا لعنة، سيكون عليها مصادقة الفتاة.
قالت أكيلاري: "كان مميزاً. إنه من صنعناه معاً. المرة الأولى التي أحضرتني فيها إلى هنا. أأنت ذاكرة؟"
بدا صوتها مسطحاً، متساوي النبرة والإيقاع. نسخة شاحبة لصوت ساليم الملوكي لكنها تظل نسخة.
قالت ساليم: "أنا أذكر. ألهذا السبب تصنعين الكثيرين مثله؟"
صرخت أكيلاري: "ليسوا مثله!"
تجمعت الدموع في عينيها مجدداً وهوت بقبضتها على الأرض بصوت مكتوم. خلفت ندبة في التراب على شكل مفاصل أصابعها.
رددت مجدداً: "ليسوا أنفسهم."
نظرت سيندر إلى غرم العنكبوت، ناظرة حقاً، بانتباه أكبر بكثير مما أولته للغرم العادي. كانت مختلفة. العلامات الحمراء الصغيرة على صفائح عظامها كانت فريدة لكل منها ولم تتطابق نسبها تماماً. خطت ساليم خطوات قتريبتها، بينما تنحى غرم العنكبوت عن طريقها بما بدا وكأنه احترام. مدت يدها نحو أكيلاري، ثم توقفت، ولمست كتف الفتاة.
"أيمكنني المساعدة؟"
مسحت أكيلاري وجهها بكمها ونهضت. وقفت الاثنتان إحداهما أمام الأخرى لوهلة واضطرت سيندر لمقاومة رغبة جسدها في التحرك.
قالت أكيلاري: "أحتاج إلى عناق."
بدت ساليم غير ددرية بما تفعله للحظة، وكان على سيندر الإشادة صمتاً بقدرة أكيلاري على إرباك ملكة الغرم. ثم رفعت ساليم ذراعيها ولفتهما بحذر حول كتفي أكيلاري. سقطت الفتاة للأمام، دافنة رأسها في منحنى عنق ساليم.
قالت ساليم: "هكذا، هكذا؟"
لم تر سيندر ملكتها تبدو محرجة قط، لكنها بالتأكيد لم تبدو بالثقة المعتادة وهي تربت على ظهر أكيلاري بيد واحدة. ثم ارتاح التوتر في كتفي ساليم وكأنها ذابت في العناق. لم تكن سيندر غيورة، حتى عندما استمر العناق لما لا يقل عن دقيقة كاملة قبل أن تبتعد أكيلاري وتبتسم لساليم. وإن كانت الابتسامة مائية، فلن يختر أحد ذكر ذلك.
قالت: "شكراً."
أجابت ساليم: "لم يكن شيئاً يُذكر. أأثق في أن المرأة التي آذتك قد ماتت؟"
"لا. لكني سرقت قبعتها."
أشارت أكيلاري إلى رأسها حيث استقرت قبعة بريه سوداء بميل طفيف.
"وأنبتهتا."
حذرت ساليم: "إن كان هذا كل ما تطلبينه من ثأر لمقتلك، ستجدين نفسك تجمعين خصوماً كثر لا يخافون الانتقام منك في الوقت المناسب."
لم يكن ينبغي لها قول ذلك، فقد كان واضحاً. أياً كانت هذه الفتاة وما تكون، كانت تلعب اللعبة بمستوى أدنى من معظم الناس. بدا ذلك مقلقاً وفي الوقت نفسه فرصة. يمكنها العمل مع شخص بمثل هذه المباشرة.
قالت أكيلاري: "إن حاولت مجدداً فلن تنجح. وحينها سأجعل حشراتي تأكلها حية من الداخل."
أو ربما، فكرت سيندر، يمكنها التمهي ومصادقة الفتاة مع التأكد من كونها مفيدة لها.
قررت ساليم: "في المرة القادمة التي تخرجين فيها ستكونين بمرافقة."
تراجعت خطوة عن أكيلاري وعادت لتجلس على عرشها.
"لدي حشراتي الغرمية."
هزت ساليم رأسها.
"كانت غير كفؤة بوضوح. كما أن ذلك الاسم غير لائق."
جادلت أكيلاري: "أظنه لطيفاً."
بدأت سيندر تكوين فكرة جيدة عن الخانة التي يجب أن تضع فيها أكيلاري. رأت ذلك النوع من المشاحنات من قبل، ورغم حظها بعدم المشاركة فيه أبداً بنفسها. بدا جلياً أن ساليم تهتم بالفتاة، والعكس صحيح أيضاً. تطلب الأمر لحظة لاسترجاع آخر مكان رأت فيه ذلك النوع من السلوك؛ إيميرالد وميركوري. كانا يتحدثان إلى بعضهما بنفس القدر من الاستخفاف باللقب أو الرتبة، رغم أن ساليم وأكيلاري لم تكونا تتناحران بالطريقة ذاتها التي انتهجها مرؤوساها.
لا، ما تشاريكاه كان احتراماً متبادلاً. شعر الاثنان بأنهما... متساويان. أو إن لم تكونا متساويين، فعلى الأقل قريبتين من ذلك.
قالت ساليم، متحولاً انتباهها نحوها: "سيندر. أنا أوافق على خططك لاستعادة قوة العذراء. لكني أريدك أن تعملي مع أكيلاري. بمعرفتي بها، سترغب في التوال والتجوال مجدداً ولن أسمح لها بذلك بمفردها. ستكونين كافية لحراستها."
كانت أدرى من أن تجادل.
"حاضراً يا سيدتي."
وقالت ساليم وهي تفحص المرأة صعوداً وهبوطاً: "وأنتِ يا أكيلاري. سأمنحك مهمة أيضاً، إن أردتِ."
أجابت أكيلاري بنبرة بريئة ومخلصة لدرجة جعلت سيندر تشعر بالغثيان: "أود المساعدة جداً."
"أظن أن مهمة سيندر ستكون جلبها إلى بيكون، أو بالقرب من فايل على الأقل. لقد ذكرتِ شيئاً من الألفة مع العالم السفلي للإجرام، وسيندر تعمل على استغلال عالم فايل السفلي لتحقيق غاياتها. أريدك أن تضغطي عليهم... لتحسين أهدافنا الخاصة."
أصدرت أكيلاري صوتاً خافتاً ونقرت على ذقنها.
"يبدو ذلك ممتعاً."