«ماركو!» ناديتُ بها وأنا أمشي ببطء في ممرات سفينتي.
سمعتُ بعض الكرابيت الذين خسروا اللعبة بالفعل يغمغمون من حولي، لكن أحدهم هتف أخيراً من آخر الممر: «بولو! أخضر!»
«أهكذا تظن نفسك أخضراً حقاً؟» تمتمتُ بتهكم وأنا أهرول في الممر ثم دخلتُ إلى غرفة طاقم فارغة. كان النور مطفأً، وهو أمر منطقي لكوني لم أثبت مصباحاً فيها بعد. أخرجتُ مِشْياضاً من حزامي وجلتُ ببصري في الغرفة.
لم تساعدني غمغمات الطائرات السخيّة في بحثي على الإطلاق، لكنّه كان لمصلحتي أن الكرابيت لم يتقنوا فن الاختفاء تماماً بعد.
خطوتُ ثلاث خطوات إلى الداخل وعرفتُ فوراً ما حدث.
«ممم. أين يمكن أن يختبئ الكرابيت الخاص بي؟ أفي... هنا؟!» تظاهرتُ بالاستدارة ونظرتُ إلى السقف فوق الباب.
سمعتُ القرقرة فوراً، وبدا أن الكرَبوت الذي كان يخفي محاولاته الفاشلة لتعقبي يجد الأمر مضحكاً للغاية، فأطلّ برأسه من حول الباب وهو يقهقه.
طبعاً، كنتُ قد عثرتُ على جميع هؤلاء الكرابيت مسبقاً، ومع عدد الكرابيت الذين أمسكتُ بهم، صار من الصعب العثور على القلة الباقية بسبب كل تلك القهقهات التي تتبعني.
لكنني كنتُ قد لمحتُ هذه واحدةً منهن بالفعل، وكنتُ أمنحها القليل من المرح ليس إلا.
أدرتُ عينيّ بملل، وخطوتُ خطوتين للوراء ثم مددتُ يدي وأمسكتُ بصفيحة الأرضية العائمة التي لا أريد حتى معرفة المكان الذي عثرتْ عليها فيه.
«أم أنكِ هنا!» ناديتُ فأطلقت صرخة حادة. واهتزت لوحة وجهها قليلاً من المفاجأة.
«لاااء! لقد وُجِدتُ! لستُ أخضراً! أحمر! أحمر!» «هيهيهي! أحمر!» «أحمر تماماً!» «حسناً حسناً.» هتفتُ لمنعهم من التنمر على بعضهم… أنفسهم…. حقاً، كان هؤلاء الكرابيت حمقى. «هذا الجميع أليس كذلك؟» «نعم! أمسكتَ بنا جميعاً! القائد بارع للغاية!» «بارع للغاية!» «حسنٌ، لهذا السبب نقوم بهذا! والآن لديكم بعض البيانات لتتعلموا منها شيئاً عن الاختباء. لمَ لا تشاركون جميعاً تلك البيانات وتحاولون ابتكار مخابئ أفضل للمرة القادمة.» قلتُ فهللوا جميعاً لأن ذلك يعني المزيد من الألعاب.
هكذا إذن، مرّت ساعة أو نحو ذلك في اللعب حول السفينة، وسيُبقي ذلك الكرابيت مشغولين لساعات بينما يحاولون معرفة كيفية الاختباء بشكل أفضل.
مما يمنحني القليل من الوقت للاسترخاء.
حسناً، لا يمكنني القول إن الأمر لم يكن ممتعاً بالنسبة لي. كان السفر لمسافات طويلة مُملاً، لاسيما بمفردك. إن مشاهدة التلفاز وقراءة الكتب بين إصلاح المزيد من الأجزاء الداخلية للسفينة يصبح مُملاً جداً حين لا تستطيع ببساطة الطفو نحو المحطة وتناول وجبة ساخنة بين البشر.
لكن… كان الأمر لطيفاً نوعاً ما أيضاً. هادئاً ومسالماً، بمعزل عن مشاكل كرابيتِي.
تمطيتُ للأعلى وتركتُ يدي تلامس السقف وأنا أطلق أنيناً خافتاً للحظة، قبل أن أسترخي. لقد كان ذلك ممتعاً، لكن يجدر بي إجراء فحص شامل لكل شيء. أخرجتُ جهازي اللوحي ونظرتُ إلى حالة الجسر. كل شيء كان على ما يرام. ما زلنا على مسارنا، ولا توجد أي مشاكل.
مشيتُ نحو غرفة المحركات واسترخيتُ على وقع ضجيج محرك الماس. كان لا يزال يبدو مرعباً، لاسيما محرك الماس الأكبر حجماً، لكنه ظلّ صراعاً مهدئاً من الأصوات. بدا خطيراً، كأنه مأخوذ من فيلم رعب، لكنه ظلّ موسيقى بوضوح.
تأكدتُ من الأمر فأغلقتُ غرفة المحركات مجدداً، ملاحظةً أن بقعة حمراء وُضعت على الباب، فهززتُ رأسي نافية.
الكرَبوت الذي وجد رشاش الطلاء كان يحب حقاً تحديد مستوى لون كل غرفة.
مع ذلك، سأضطر لجعلها تعيد معظم ذلك، فقد كان فوضوياً بعض الشيء.
توجهتُ نحو المستودع وتسللتُ عبر السلم حتى منتصفه تقريباُ قبل أن أتفقد الحاويات. كان كل شيء متكيناً وثابتاً، ولم تكن هناك أي اهتزازات أو خشخشة. واصلتُ النزول حتى قاع المستودع، ثم اتجهتُ نحو القسم الأكثر تقدماً في المستودع.
كان هناك قسم مرتفع هنا، والذي سيكون قسم الأمان للأشخاص الخارجين من المصعد...
لكنني مشيتُ إلى باب المصعد وفتحته نحو البئر.
ثم خطوتُ إلى الداخل، وعبرتُ مباشرة إلى الجهة الأخرى.
هذا القسم الصغير كان شيئاً توصلتُ إليه منذ زمن طويل، فجدار بئر المصعد الخلفي بأكمله لم يكن بئراً، بل كان في الواقع باب انفجار.
كان الباب هنا سيُغطى باللون الأحمر لولا حقيقة أنه وُجد ليكون مخفياً.
طرقتُ الباب وبعد لحظة فتح.
«كلمة المرور!» «لا توجد كلمة مرور.» أخبرتُها، فهلل الكرَبوت الذي فتح الباب المخفي.
«نعم هذا صحيح!» خطوتُ إلى غرفة صغيرة، لكنها لم تكن صغيرة إلا لأنها كانت ممتلئة.
أدى ممر قصير إلى مؤخرة الغرفة تماماً، وعلى طول جانبي الغرفة كانت الغرفة بأكملها ممتلئة بحواض معدنية ضخمة. «كيف حال الصغار؟» «ينمو ينمو!» أخبرتني الكرَبوت بينما كانت تطفو حول المكان. تماماً مثل الجسر، أو غرفة المحركات، تم تعيين كرَبوت دائماً لهذه الغرفة أيضاً.
أغمضتُ عينيّ وأصغيتُ إلى الأغنية، وشعرتُ بابتسامتي تتسع وأنا أعل فعل ذلك.
كان نبضاً ميكانيكياً يتزايد باستمرار. ومع كل إضافة صغيرة يتم بناؤها، كانت الأغنية تصبح أكثر تعقيداً فأكثر.
لكنها بدت أيضاً متزامنة تماماً. لم تكن هناك أي اضطرابات هذه المرة. «يبدو أنكِ قمتِ بعمل جيد في إدارتهم.» «نعم نعم! يجب أن يتبع كل نمو الرمز! لا بناء سيئاً!» ثرثرت الكرَبوت وهي تطفو حول المكان وتتفقد الحواض. انضممتُ إليها متسلقةً السلم لأنظر إلى الداخل وأومأتُ برأسي. قطع خردة المعدن التي ملأت الحواض ذات يوم باتت تبدو الآن كعجينة فقاعية. كانت الحواض متصلة بقنوات يمكنها إطلاق المعجون النانوي على قسم السفينة الذي يحتاج إلى الإصلاح.
لقد قررتُ جعل كلّ ذلك غرفةً سريّة، لأن المعجون النانويّ كان شيئاً يميل لإثارة قلق الناس. كانت هذه الغرفة بأكملها، كغرفة المحرّكات، مغطاة بمواد كاتمة للمستشعرات، وكان ينبغي أن تجعل أي شخص يمسحني يظنّ أن الأمر برمّته ليس إلا المزيد من الدروع. ويعود ذلك أساساً إلى وجود الكثير من الدروع التي كانت تغطي هذا القسم بالفعل.
وحين انتهيتُ من ذلك، اطمأننتُ إلى أن الآلات النانوية كانت تُنتج نفسها بصورة سليمة. وعندما كسرتُ غلاف المعجون النانويّ الذي جمعتُه من (يو-إن-كيه-إل) لأول مرة، كنتُ أعلم أنه خطير، فأعدتُ تماماً كتابة البرمجيات التي شكّلت قدرة الآلات النانوية على خلق المزيد من نفسها.
كان هناك سبب يجعلني أحرص على أن يتولى سلطعون آلي إدارتها. فلم تمتلك الآلات النانوية الدقيقة القدرة الحسابية الكافية لإجراء جميع عمليات التحقق والاختبارات اللازمة للتأكد من عدم حدوث مشكلة، لكن السلطعون الآلي، حتى وإن كان واحداً بمفرده، كان يمتلكها. لذا كان هناك دائماً حارس من السراطين الآلية يقدم جزءاً كبيراً من قدرته الحسابية للآلات النانوية.
نظرْتُ إلى أسفل داخل الأحواض، وكانت المادة اللزجة الرمادية في الداخل عبارة عن تريليونات من الآلات النانوية وبعض الماء النقيّ في الواقع. واستخدمت الآلات النانوية جزيئات الماء كمشتت حراريّ، مما جعلها تبدو وكأنها مادة لزجة.
«عمل جيد أيها الجميع». همستُ في الحوض، ثم تسلقتُ عائدةً إلى أسفل وإلى الخارج. كانت تلك هي كافة عمليات التحقق. ربما اصعد إلى غرفة القيادة لأجلس في المقعد المريح وأقرأ كتاباً.
—--
كان ظهور النجم النظاميّ باعثاً على الارتياح، لمجرد التخلص من رتابة الهراء الذي كان يرمش عادةً عبر شاشتي في الفضاء فرعيّ.
«المستشعرات… صافية. لا يوجد شيء هنا؟» تساءلت الملاحة فضحكتُ عليها بخفة. «نقطة ستارك مجرد مستعمرة صغيرة. ولن يكون لديهم أي شيء في مدارها بعد. هل يمكنك البحث عن منارة هبوط؟»
«جاري البحث!» زقزقت، فأومأتُ برأسي بينما نظرتُ باتجاه الكوكب الذي كنا نتسارع نحوه بالفعل. بدا بحالة جيدة جداً في نظري. الكثير من الأخضر، والغيوم الطافية من حوله… لماذا كانت ذات مسحة أرجوانية؟ لم أكن أودّ حتى أن أطرح السؤال. إن ولع دوقية كينيش باللون الأرجواني يظهر في أغرب الأشياء.
تجاهلتُ الأمر وواصلتُ التوجه نحو الكوكب ببساطة. سنحصل على إشارة لموقعهم قريباً…
«أي شيء؟» سألتُ، فأصدر السلطعون الآلي طنيناً خفيفاً ثم استدار نحوي، وضرب برأسه باستخدام مخلبه القابض.
«لا أرى شيئاً! تي هي!»
«لا تفعلي (تي هي) معي. سأبحث أنا أيضاً». عرضتُ ذلك ونظرتُ إلى الشاشة العائمة المتصلة بمقعدي. من ميزات المقعد الجديد وجود لوحة تحكم مدمجة فعلية. ضغطتُ على بضع أزرار لإظهار تقارير المستشعرات، لكني لم أكن أحصل على أي شيء.
هاه. لا شيء. لم تكن هناك منارة. هل أتلفوها أو ما شابه؟ كان ذلك غير اعتياديّ للغاية. فجميع الكواكب تمتلك منارة هبوط قرب المدن والأشياء. لم يرغب أحد في أن يهبط طيار مجنون وسط منتزه أو ما شابه.
«سأفتح قناة اتصال وأصيح في الفراغ فحسب إن اضطررتُ لذلك». قلتُ ذلك وعملتُ على فعل ذلك بالفعل. تناولتُ معدات الاتصال على (فانتوم ستار) وفتحتُ قناة عريضة النطاق أساساً، من دون أي أمان.
*هذه مركبة الشحن فانتوم ستار قادمة إلى مستعمرة نقطة ستارك. يُرجى الرد.*
ثم واصلتُ الطيران باتجاه الكوكب، مع إصراري على عدم رؤية أي نقطة أود الهبوط فيها فعلياً. بحق الجحيم ما الذي كان يجري هنا؟
أخيرًا تلقيتُ رداً ما. رسالة اتصال مكتومة وضعيفة، لم أستطع فهم بدايتها من نهايتها مع كل ذلك التشويش.
*يُرجى الإعادة يا نقطة ستارك، لم يصل ذلك بوضوح.*
عبثتُ بإعداداتي الخاصة مانحةً نظام الاتصال طاقةً أكبر قليلاً، وموجهة السفينة بأكملها نحو المكان الذي تأتي منه الإشارة لمحاولة التقاطها بصورة أسهل قليلاً.
*هذه نقطة ستارك، لقد أذعرتمونا أيها الثقب الأسود!* هكذا قال الصوت بينما زال التشويش في معظمه.
*آسفة بشأن ذلك يا نقطة ستارك، لكني لا أرى أي منارة هبوط، أو إشارة، ولدي شحنة.* *«يا لي من محظوظ، ألم نُنسَ تماماً إذن؟ يؤسفني إبلاغك بأن منارة الهبوط الخاصة بنا قد ولت منذ زمن بعيد. أيمكنني إعطاؤك بعض الإحداثيات؟ أو يمكنك تتبع هذه الإشارة، أنا ستارك، حاكم هذه المستعمرة الصغيرة».*
رمشتُ بعيني، وغيرتُ مساري لبدء الدخول إلى الغلاف الجوي.
*هذه فانتوم ستار، سأتوجه نحو إشارتك. هل من منطقة هبوط محددة؟*
*أوه اللعنة، أي مكان لا يكون حقولي سيُجدي نفعاً. ابحثي عن بيث العجوز، سفينة المستعمرة. لقد أصبحت مستودعاً. يمكنك الهبوط عند مقدمتها. فهذه مجرد مساحة فارغة لا نستخدمها كثيراً.* *«مفهوم».* ركزتُ انتباهي مجدداً على القيادة، إذ كان هدير الغلاف الجوي قد تجاوز سفينتي بالفعل. لكن هذه لم تكن تلك الفانتوم التي عانت للوصول إلى إيليناي. فقد انطلقت دافعات البلازما، وساعدت محركات الجاذبية في الحفاظ على ثباتها واستقرارها اللطيف. وسرعان ما أبطأتُ السرعة بالقدر الكافي الذي جعلني لا أصارع الغلاف الجوي بعد الآن، بل أطلق في سماء زرقاء تماماً عوضاً عن ذلك.
لم أستطع منع نفسي من الشعور بأنني بحاجة إلى القليل من المرح، فدفعتُ المحركات للأعلى قليلاً وفجأة كنا نزمجر عبر السماء تحت دفع هويّ وكنتُ أضحك بينما انحنيتُ قليلاً إلى اليسار واليمين لمجرد الشعور بالرياح تحت أجنحتي.
سفينتي. سفينتي الفضائية. كان هذا هو المغزى من كل ذلك.
تجاوزتُ هدفي قليلاً، لكن لا بأس في ذلك، فقد سمح لي ذلك بالانحراف جانبياً قليلاً والنظر من النافذة لأرى البلدة بالأسفل.
كانت سفينة المستعمرة الكبيرة قد هبطت، وباتت تبدو أقل شبهاً بسفينة الآن، وأكثر شبهاً بمبنى، يتم تفكيكه لتستهلكه البلدة.
استطعتُ رؤية المنازل، بعضها مسبق الصنع، وبعضها الآخر البعيد بدا وكأنه مصنوع من الخشب. يا له من أمر جامح. أن ترى منازل خشبية حتى من هذه المسافة، بعد عقود من عدم رؤية أي شيء ذي مقبض خشبيّ.
لكنني عدت أخيراً إلى الدوران والانخفاض، تاركةً الهواء السماوي يُبطئ سرعتي قليلاً بينما هبطت برويّة.
بالتحقق من المستشعرات الخارجية، حصلتُ على رؤية واضحة لما يقع تحتي بصورة مثالية، ومع إرسال الفانتوم نحو الأسفل مباشرة ببطء، بدا الحقل كأنه متنزه..
أعتقد أن المتنزهات كانت أفضل مكان على أي حال؟ من يدري. لم أكن عداءة تراب بعد الآن على كل حال. من يعلم ما هي معاييرهم المعتادة.
لم أستطيع منع نفسي من التحديق بذهول طفيف وأنا أراقب ما بدا وكأنه كرة قدم، أو شيئاً من هذا القبيل، يتدحرج بعيداً عن التيار الخفيف لمشغلات البلازما عبر المستشعرات. كان الأمر طريفاً نوعاً ما رغم ذلك.
ثم بأنين هادئ، لامست الفانتوم الأرض، وتمددت عجلات هبوطها بينما كانت توزع الوزن.
«الهبوط ناجح! الهبوط ناجح!» هتفت الكرابيت بحماس لكنها عادت لتتذمر عندما أدركت أنها لم تعد قادرة على الطفو.
فلم أكن قد تفرغت لإصلاح قدرتها على الحركة في الغلاف الجوي بعد.
اعتسلتُ جالسة ولاحظتُ اختلاف عمق الجاذبية ثم عبرتُ السفينة نحو المستودع.
لم أفتح الأبواب فوراً. بل مشيت في الممرات الآمنة حول الحاويات حتى وصلت إلى المدخل. وفعلت المنحدر والأبواب.
مددت يدي ونقرت على ضوابط بذلتي أيضاً. لم تكن لدي أي فكرة عن رائحة هذا المكان، وكنت سأختبرها عندما لا أكون على وشك مقابلة السكان المحليين. فما من شيء يماثل إلقاء التحية بالتقيؤ على الأرض بسبب الرائحة.
كانت إيليناي قد علمتني ذلك الدرس جيداً.
انفتحت الأبواب على يوم ساطع النور واضطررت إلى حجب عيني قليلاً عندما استقر المنحدر أخيراً.
كان حشد من الناس هناك بالفعل. ولصدمتي، كانوا يمتطون الخيول حقاً. خيول حقيقية بالفعل... حسناً، بدا وكأنها قصيرة بعض الشيء. أشبه بنوع من المهور؟
أبعدتُ نظري عن الحيوانات وتأملت الحشد. رجال ونساء يرتدون... حسناً لن أقول إنها ملابس فاخرة، لكنها بدت كقماش حقيقي، ومن المحتمل أنه مصنوع يدويّاً. وبناً جلدية المظهر، وأشياء أخرى.
شعر كأنني أغادر سفينتي الفضائية وأدخل الغرب الأمريكي القديم. لم تكن الأنماط نفسها، لكن المواد الفعلية كانت كذلك.
يا للجهل. كان هذا المكان حقاً منطقة منسية.
كان الرجل الذي في المقدمة يرتدي قبعة كبيرة، مزيجاً غريباً بين قبعة راعي البقر وقبعة شمس، لكنها لم تتبدُ رخيصة، بل كانت متقنة الصنع ونظيفة.
«أيتها القائدة؟» نادى، فأومأت برأسي.
«كاثرين، القائدة كاثرين من نجمة الفانتوم، ولكن يمكنك مناداتي بكات فحسب.» حييتُه فابتسم وجه الرجل الخشن الذي لسعته الشمس. لحية خفيفة يشوبها الشيب تطابقها عيون لوزية رمادية. كان هو وجميع الآخرين يحملون بعض الدماء الآسيوية في عروقهم.
أو ربما لا، فمن يدري كم أصبح الجينوم البشري مجنوناً على مدى آلاف السنين.
«الحاكم ستارك أويوين. نادني ستارك فحسب، فنحن لست مهتمين بالألقاب الفاخرة هنا.» عرض وهو يترجل عن حصانه ويتقدم ليصافحني فمددت يدي وصافحته. «يا للنجوم السماوية، كم يسعدني رؤيتك. ظننا أن نقلنا الأخير فشل في إرسال طلب المزيد من المؤن.» قال، ولم أستطع إلا أن ألاحظ أنني كنت أطول من الرجل برأس كامل، ومعظم الناس كانوا قصار القامة بالمثل. «لقد رُفع الطلب، وكان تالياً مباشرة. لقد اندلعت حرب.» اعترفت فاتسعت عيناه ثم بدا جاداً. «من؟» «الهيمنة.» أجبت بالسرعة ذاتها. «أوه.» قال وكأنما يمضغ الفكرة قبل أن يومئ. «لحسن الحظّ هذا يبعد عنا أي مشاكل مع ذلك. لكن حسبنا من هذا. تعالي لم لا ندخل ونحصل على شيء منعش في يدك؟» «ربما لاحقاً.» قلت ونظرت إلى الحاويات. «أفضل البقاء هنا للإشراف بينما نخرج كل هذا... هل لديك رافعة شوكية؟» سألت فجأة، قلقة من أن الأمر سيعتمد على قوة الخيول. «آه، لا تقلقي. لدينا مركبة جر بالفعل. لا تلقى استخداماً كثيراً، لكنها لا تزال تعمل. إنها في طريقها الآن. نحن بانتظار وصولها كي نتمكن من نقل الحاويات بالشكل المناسب...» عرض الرجل ثم ابتسم لي، بينما لم أستطع إلا أن أمسح جبهتي.
كان الجو حاراً. حتى درعي القوي لم يكن يمنع الحرارة من التأثير عليّ.
«الدخول للبحث عن شيء منعش يبدو جيداً.» عرضتُ فضحك الرجل بمرح وأشار لي بالتقدم، لكني توقفت لألتفت إلى ورائي.
كانت الكرابيت تختبئ كما طلبت منها. وتلك التي على ظهري بدت كحقيبة ظهر غريبة مع استرخاء قرتي استشعارها وانغلاق ملقطيها.
ابتسمت وأومأت ثم تبعته.
خطوت خطوتين وترنحت قليلاً. كان التراب هنا غريباً.
«آه، انتبهي لذلك. التربة السطحية للكواكب هنا مفكوكة للغاية، لكن لدينا رياح خفيفة بشكل لا يصدق، وهناك شبكات من الجذور تحت التربة مباشرة تحافظ على تماسك الكل. ولهذا السبب تم اختيار هذا الكوكب للاستعمار. إنه مثالي للزراعة.» أومأتُ وخطوت بخطوة أعلى قليلاً، أشبه بالتحرك وسط الثلج تقريباً.
تبعت ستارك عائداً نحو الحشد الذي بدا متحمسأ للغاية تجاهي وتجاه الشحنة، لكني توقفت عندما تقدم الحصان الذي كان ستارك يقف بجانبه بخطوات واسعة واحتك به برأسه ولم أستطع إلا أن أشعر ببعض عدم الارتياح.
لقد مضى وقت طويل منذ أن رأيت حيواناً بحجم يبلغ حتى نصف هذا الحجم. لم تكن الحيوانات الأليفة شائعة حقاً في المحطة.
«هل رأيت حصاناً من قبل؟» «نعم، بل وامتطيته أيضاً، منذ زمن طويل جداً عندما كنت طفلة. لقد مر وقت طويل فحسب.» عرضتُ فضحك، وأشار لي بالتقدم. «حسناً لندخل إذن. سنمشي فقط إن كان هذا يناسبك؟» «نعم من فضلك.» وافقت، فلم تكن لدي أي رغبة في اختبار قدري الضئيل من المعرفة حول ركوب الخيل...
والتي كانت تعتمد أساساً على الجلوس في السرج وترك الحصان يتبع الحصان الذيم أمامه.
«أهلاً بكِ في نقطة ستارك!» صاح صوت فجأةً من جانبي، فنظرت إلى أسفل، ثم إلى أسفل أكثر لأرى فتاةً صغاراً ترتدي فستاناً أزرق ظريفاً، وعينين خضراوين لوزيتين ساطعتين تبتسمان نحوي بينما تفتقد الكثير من الأسنان.
«أنا سعيدة لوجودي هنا» رددتُ عليها فابتسمت هي مقابلي بضعف الساطع وهي تركض مبتعدة، وبعد لحظة تمكنتُ من سماع صراخها. «أماه! امرأة الفضاء العملاقة تحدثت معي!»
لم أستطيع منع نفسي من إطلاق ضحكة مكتومة عند سماع هذا الوصف، وسرعان ما اتبعتُ لألحق بالحاكم ستارك الذي توقف قليلاً لينتظر، وقد ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهه بسبب ذلك التفاعل أيضاً.
«عذراً بشأن ذلك. لقد مضى وقت طويل جداً لدرجة أن الكثير من الصغار لا يذكرون الزائر الأخير.» «أليس هناك المزيد من البلدات؟» «لا توجد سوى بلدة أخرى واحدة على الكوكب، وليست بعيدة. بلدة تعدين أُنشئت، ووجدنا بعض المعادن المفيدة، وقررنا حفر القليل منها لما نحتاج إليه» هكذا شرح، فأومأتُ برأسي ونحن نمشي.
في اللحظة التي خرجنا فيها من الحقل الذي صففتُ مركبتي فيه، وصلنا إلى طريق ترابي لم يعد إسفنجياً، وكان يؤدي إلى أسفل تل نحو البلدة.
المباني التي مررنا بجانبها في البداية كانت جاهزةً مسبقاً، ومصنوعةً من مادة تعرفتُ عليها بشكل مبهم. كانت أساساً خرسانة رغوية، يمكنك بناء ما تريده بها، وتتصلب لتصبح نوعاً من الصخور. مادة صلبة.
لكن تلك المباني كانت تبدو أقدم، ومما استطعتُ رؤيته، فإن العديد منها قد خضع لبعض عمليات التحويل. مبانٍ حكومية، تحولت إلى منازل على ما يبدو.
«كان مفترضاً بالوحدات الجاهزة الأصلية أن تُستخدم لكل أنواع الأغراض، لكننا نمونا بسرعة، ولم يكن لدينا تواصل كافٍ حقاً مع الكون. لا حاجة للتحكم بميناء فضائي عندما لا نتلقى أكثر من سفينة واحدة في السنة» هكذا قال مشيراً إلى أحد المباني، وأنا متأكدة تماماً أن الهوائي الموجود في الأعلى كان جزءاً من مصفوفة الاتصالات التي يجب أن تمتلكها البلدة، لكنه كان مغطى حالياً بنوع من الحبال التي تُعلق عليها الملابس.
«ها قد وصلنا» قال وهو يلتفت نحو مبنى آخر، والذي كان يحتوي حتى على عمود ربط خيول في الخارج، وربط حصانه به بينما كان يلوح لي بالدخول.
انزلقت الأبواب لفتح، وهو أمر كان متناقضاً حقاً مع البيئة المحيطة التي تكاد تكون غربية، أبواب أوتوماتيكية. ودخلنا وسط موجة من الهواء البارد، إلى ما بدا وكأنه مزيج بين حانة ومطعم.
«أهلاً بكِ في حفرة الري. إنها مزحة بعض الشيء، لكنه المكان الذي نعقد فيه اجتماعاتنا الاجتماعية، ونتناول الطعام» قال ذلك وتحرك ليجلس على إحدى الطاولات في وسط الغرفة. لاحظتُ أن دخولنا لم يكن هادئاً، فعندما تبعتُه إلى الداخل، انضم إلينا الكثير من الحشود، وما هي إلا لحظة حتى كان نصف الناس في الغرفة جالسين عن قرب وينظرون نحوي.
آه. كانوا ينصتون.
رمقهم ستارك بنظرة لكنه اكتفى بالتنهد وهز رأسه. «لا تهتمي بالمتصنتين. إنهم مهتمون مثلي تماماً بأي أخبار قد تحملينها... لكن ما أوقح أخلاقي. قبل أن أطلب منكِ التحدث أمام غرفة مليئة بالناس، دعيني أعرض عليكِ مشروباً» وبعد لحظة جُلب إبريق وصُبّ كوبان.
كانا من الزجاج، واستطعتُ رؤية السائل الأرجواني تقريباً بداخله وهو يدوّر.
«ما هذا؟» «هيه! صادراتنا الأساسية. حسناً، ستكون كذلك. نسميه فاكهة الكرمة. لأنه ينمو على الكروم تحت الأرض. لقد كان طفرة غريبة من بعض الشتلات التي أحضرناها والحيوانات المحلية» هكذا شرح ونظرتُ إلى المشروب بحذر شديد.
«أهو آمن؟» «بينما نحن مجرد مستعمرة، ما زلنا نملك معدات طبية. إنه آمن تماماً» هكذا طمأنني، وشعرتُ برغبة في رفضه، لكنني أخذت الكوب واحتسيت منه رشفة.
هممم. يكاد يكون حامضاً، لكن بنكهة حمضية. مثل مزيج بين الليمون والبرتقال.
«إنه جيد» قلتُ فابتسم.
«آمل ذلك، فنحن نخطط لاستخدامه كأحد محاصيل التصدير الرئيسية لدينا. يمكنك يوماً ما رؤية نكهة عالمنا عبر القطاع بأكمله... لكن هذا للمستقبل» قال ذلك فأومأتُ برأسي، وفجأة تغير الجو المحيط.
صوت مركبة نقل من الخارج، الذي تم تعقبه عبر الضجيج الذي أحدثته، جعل الجميع يتصلبون فجأة، وقطب ستارك حاجبيه.
«لقد جاء مبكراً» علّق وهو يقف. «اعذروني لـ».. ولم يصل في كلامه إلا إلى هذا الحد عندما فتح باب الحانة وسط صيحة من مجموعة فتى وهم يتهامسون بكل غرور مجموعة في أوائل العشرينات من عمرهم... وكانوا جميعاً مسلحين.
وازداد التوتر في الغرفة.
شعرتُ بنفسي أتصلب أيضاً، إذ لم يبدو الفتيان لطفاء. لقد كانت تكسوهم تلك الابتسامة الشريرة التي تنبئ بعنف عابر.
«أهلاً أهلاً ها هو التراب العجوز. حسنً، لقد قدمتَ مطالباً، وها نحن هنا ايها التراب» هكذا تحدث الشاب القيادي وهو يتهادى في مشيته، متعمداً جداً في نظري حيث رمى بمؤخرته على الطاولة التي كنتُ جالساً عندها مع حزام مسدسه المعروض بالكامل. «أتعلم، لقد استيقظتُ اليوم لأجد الصغير مارتن يتوجه إلى المرآب لأخذ الناقلة. أتعلم أي شي عن سبب قيام أخي الأصغر بمثل هذا الأمر؟» «لقد اتصلتُ بمنزلك يا كاستر. لقد حصلنا أخيـراً علىـ» «لم أستفسر عما حدث هنا. سألتُ عن سبب قيام أخي الأصغر بمثل هذا الفعل» رد بقسوة مقاطعاً الرجل الأكبر سناً، ثم التفت الشاب قليلاً ليحدق بي.
شعر داكن، وعينان خضراوان لوزيتان، لكنهما كانتا خطيرتين وغير وديتين. تجولتا فوقي، وبدتا وكأنهما تلاحظان وجهي...
شعرتُ بحاجبيّ ينقبطان معاً في انزعاج.
أعرف أن وجهي كان فظاً بعض الشيء بسبب التعديلات الجينية، وقد جعلني ذلك أشعر ببعض الخجل من مظهري.
لم أكن أقدر تلك النظرات القاسية وهي تتجول على وجهي.
«يا للغرابة، غريب حقاً وصريحاً. أنت الذي تطالب باستخدام شاحنة عائلتي؟» «لم أطالب—» «أخرس، يا حثالة الفراغ. لم أكن أسألك حقاً.» هكذا ردّ فجأة فارتجفتُ من التهديد بالعنف.
أيّ هراء هذا؟ كنتُ أعلم أن عوالم التخوم قد تكون قاسية ووعرة، لكن هذا كان...
هذا الفتى... كان سيطلق النار عليّ بلا تردد إن رغب في ذلك.
أدركتُ فجأة وبشعور غامر باليأس أنه لم تكن هناك شرطة، أو حراس هنا لحمايتم. كنتُ وحيداً في عالم غريب مع رجال ونساء غرباء.
تباً، لم يكن بحوزتي على متن الفانتوم ستار أكثر من صندوق إسعافات أولية قديم تحسباً لأي طارئ. غباء. غباء حقاً.
«كاستر.» زمجر العجوز ستارك فلم يرد الفتى على التهديد بشيء، بل حوّل نظراته عني إلى الرجل الأكبر سنّاً.
«حسناً أيها الترابيّ العجوز. ألن توضح الأمر؟» «اتصلت بمنزلك ورد مارتن. أوضحتُ أنني أطلب واجب الشاحنة وفقاً للقانون.» هكذا ردّ، ولم يبدُ أن كاستر قد أعجبه ذلك. لم تمتد يده تماماً نحو سلاحه، لكنها كانت قريبة.
«وتظن أن هذا يمنحك الحق في إصدار الأوامر لعائلتي؟ قلتُ لك من قبل أيها الترابيّ العجوز. إن أردت شيئاً من آل ويلينغ، فأنت تتحدث معي. ليس مارتن. وليس العجوز نام. معي أنا.» بدا أن ستارك كان يقلب في رأسه كيف يرد للحظة، فجرع جرعة من شرابه، وكأنه يشتري بعض الوقت.
«سأفعل ما يلزم بصفتي حاكماً عندما يلوح طارئ.» صرّح أخيرفاً، وكان ذلك تحدياً صريحاً.
«حقاً، أتظن ذلك؟ لعلّ قبطان سفينتك المهم للغاية سينتهي به المطاف ميتاً—» قال ذلك فبدأتُ بالنهوض بمجرد أن أدركت أنه يهددني. كلا. لا أريد شيئاً من هذا كله.
انطلقت يده بسرعة لتلتقط ذراعي بينما نهضتُ، لكن يده انزلقت قليلاً فلم يستطع إحكام قبضته، فاستمررتُ في الحركة. أدت تلك الحركة إلى اختلال توازن الرجل.
كاد يوقع الطاولة وهو يسقط عندما تراجعْتُ لأحاول الابتعاد قليلاً، فتبعني مباشرة، بينما كانت يده تتخبط على قماش بزة عملي.
لم يكن هذا الرجل يتجاوز خمسة أقدام طولاً. وأعتقد أنه كان يزن نحو خمسين كيلوغراماً وهو مبتل. لم يجعله ذلك أقل خطورة بذلك السلاح، لكنه بالتأكيد لن يمنعني من الحركة عندما تراجعْتُ، وإذا به فجأة يقف مواجهاً لي متخبطاً ليثبتني مكاني، ثم.
جاءت لحظة كان ينظر فيها إليّ، بينما كنتُ أنظر إليه من علٍ.
تركني عندها، فخطوتُ بضع خطوات للوراء. لم أكن أنوي البقاء لمعركة نارية على طريقة حظيرة ستارك، إن جاز التعبير.
«سأكون على متن سفينتي.» قلتُ بصوت عالٍ، ثم استدرتُ وابتعدتُ مسرعاً... الإخوة؟ أولئك الذين كانوا عند الباب تنحوا جانباً على عجالة بينما مررتُ بجانبهم. مسرعاً تجاوزتُ شاحنة البضائع التي كانت تدور محركاتها أمام الحانة. ثم أسرعتُ نحو السفينة. كاتماً نفسي بصعوبة كي لا أركض.
مرعب! لقد كان ذلك مرعباً!