بدا واضحا لهوليس أن الشجرة تتلاعب بضوء الشمس. لم تكتف الحديقة بالوقوع تحت ظلال مريبة يستحيل أن تكون وليدة قوى طبيعية، بل إن الوهج الذهبي المتسلل عبر أغصان شجرة الصمغ العظمى لم ينزل في أشعة مستقيمة. بدا وكأنه يسقط مثل الماء، يخترق شقوق الغطاء النباتي مباشرة، في أشكال عضوية هندسية. كانت تدفقات من الضوء وكتلا منه، تنساب مبتعدة عن الشجرة، دون أن تفرط في بث ضوئها بعيداً.
في أثناء مراقبته، رأى الأغصان العلوية تهتز في الريح، وكأنها تنسج الضوء وترسله متدفقا نحو هذه النبتة أو تلك، كأن الشجرة العظمى توزع بركاتها على حديقتها. خلال فتره بقائه في بيريابت، رأى هوليس أمورا كثيرة كان سيصفها بعالمية أخرى، لكن شيئا لم يضاهي هذا. ليس بعد. تمنّى جانب من عقله لو أنه عثر على هذه المنطقة أثناء لعب اللعبة، إن كانت موجودة أصلا، كي يتمكن من استكشافها بوجود حاجز يفصله عن الشجرة العظمى.
شعر بضآلته الشديدة، ومع أن الشجرة كانت ودودة حتى الآن، إلا أن خوفا تصاعد في صدره من سهولة القضاء عليه. روائح مميتة ولسعات أشد فتكا قد تهب مع الهواء في أي لحظة. لم يخف يوما من النحل، لكنه لم يره بهذا الكم دفعة واحدة من قبل. ربما نما ذلك الخوف بوضوح حين التفت إلى أقصى يسار الشجرة فرأى بقايا سياج حديدي يحيط بمقبرة، طالها الإهمال وتوهجت في ضباب بنفسجي. قالت شجرة الصمغ العظمى بلهجة عملية: هذا هو المثوى الأخير لعائلة البستاني الطويل.
سأل هوليس، وقد تكاثر فضوله ليتغلب بالكاد على الغصة في حلقه: "من كان البستاني الطويل؟"
أخذت الشجرة وقتا لتجيب. أكانت تفكر، أم تواجه صعوبة في التذكر، أم لم تكن بحاجة إلى الاستعجال مطلقا؟ قالت الشجرة: البستاني الذي صنعني. اشتد الضوء حول قاعدة الشجرة العظمى، مسلطا الضوء على ما كان في يوم ما خلايا نحل مصنوعة يدويا من جذوع الأشجار. لقد تضخمت حتى بلغت حجم منزل الآن، لكن الصنعة الأصلية ظلت واضحة. قالت الشجرة: اعتاد العيش في ذلك المنزل هناك. قبل أن يأتي الإعصار ويسحقه.
وقبل أن يفر. حين كان هناك المزيد من البشر، والعديد من المنازل والحدائق والمزارع. لقد مضى وقت طويل. كان البستاني الطويل بلاشك رجلا عاش في القصر الواقع في الأمام، رجلا مشى تحت تلك الثريا العملاقة مئات السنين خلت. فكر هوليس في كيفية الانتقال إلى الاستجواب الذي يرغب فيه بشدة. هل كان الحديث العابر ضروريا مع شجرة؟
سأل: "أنت تتحدثين عن الكارثة، أو نهاية العالم، أيا ما كانت، التي وقعت قبل ثلاثمائة عام. أفي ذلك الحين فر البستاني الطويل؟"
فكرت الشجرة لبرهة، وسمع هوليس صوت صرير مع هبوب الريح وهي تحرك أحد جذوعها من جانب إلى آخر، وعد ذلك بمثابة إمالة المخلوق العظيم رأسه وهو يتذكر. قالت الشجرة: انتهى العالم. تحدث البستاني الطويل مطولا عن وقوعه، رغم أنه كان ينتظر وصول المرأة ذات الجناحين لمنعه. تحرك أحد أغصان الشجرة. وسواء أكان ذلك بقوة الريح أم بوسيلة أخرى، لم يدر هوليس، لكن الغصن أشار إلى الخلف نحو مسار تمثال أوليفيا غوردون.
سألت الشجرة: هل أتيحت؟ هل وصلت المرأة ذات الجناحين وأنقذت العالم؟ كنت أمل لقاءها. كان البستاني الطويل يقرأ لي قصصها، عن كيفية مقاورتها الجبل ذي القلب البلوري، وكحيها المحيط حين أتى ليطالب بالأرض. روى لي قصصا كثيرة. حتى حين كنت صغيرا ولم أستطع فهمها، ظللت أذكرها. الأشجار لا تفهم دائما، لكنها تذكر دائما. البشر لا يفهمون دائما، ولا يذكرون دائما. بدا وكأن هناك قصة واحدة عن أوليفيا غوردون لكل شخصية غير لاعبة في اللعبة.
بعضهم روى قصصا خيالية سخيفة، حكايات رمزية، بينما أطرب آخرون اللاعب بملاحم عن كيف تحدى الكازير الأصلي الصعاب المذهلة وأنقذ العالم مرارا وتكرارا.
قال هوليس: "أظن أنها لم تظهر".
كم كانت الشجرة تعرف؟ أكانت تعلم ما هي عين القط؟ أكانت تعلم شيئا عن الكازيريين؟
قال: "أنا من العالم نفسه الذي أتت منه. لست أدري إن كانت حقيقية أصلا".
تبدلت الرياح مرة أخرى، حاملة معها صوت الشجرة. قالت: كان البستاني الطويل يؤمن بوجودها. اعتاد الجلوس وجمع العسل من جذوعي بينما يتحدث عنها. روت له أمه القصص، وأمها من قبلها. أخبرني أنه يتمنى أن أصبح شجرة عظيمة ذات يوم، وأن نلتقي مرة أخرى كأصدقاء. أنا حقا أترقب عودته. صعب على هوليس تخيل إنسان يعادل شجرة سحرية، لكنه تذكر أن أموراً كهذه بالغة الاحتمال في بيريابت، إن كانت الأساطير صحيحة.
سأل هوليس: "عودته؟ ألن يكون قد مات بحلول الآن؟"
قالت الشجرة: حسنا، أظن أنه كذلك. البشر لا يعيشون طويلا، لكنهم أذكياء جدا. فبعد كل شيء، لماذا كان يأمل في التحدث معي حين أنمو فأصبح شجرة عظيمة إن لم يكن أمر كهذا ممكنا؟ ما زلت أترقب رؤيته. صعب دحض ذلك المنطق.
سأل هوليس: "أكنت هنا وحدك طوال ثلاثمائة عام؟"
فمهما بلغت ضخامة كارثة تخلي القارة عن أهلها، شحت التقارير عما حدث فعلا، والأهم من ذلك، مصير كل أولئك الذين لم يبلغوا الجزر الخارجية. قالت: نعم. غدا هذا الجزء من العالم وحيدا جدا.
سأل هوليس: "أتعرفين ما حدث؟"
قالت الشجرة: انتهى العالم، وكأنها الإجابة الأوضح على الإطلاق. حاول توضيح الأمر أكثر، لكن الشجرة لم تبد دراية بأي تفاصيل إضافية. إن كان ما فهمه صحيحا، فلم تكن الشجرة العظيمة بالغة الذكاء قبل ثلاثمائة عام، حتى وإن استطاعت تذكر تلك السنوات. فقرر السؤال عن أمر أحدث بكثير.
سأل: "أعلى علم بالضباب الذي يقبل ليلاً ليقضم كل ما يطاله؟"
قالت الشجرة: يخافه نحلي. فهم لا يستوعبونه. لم يعودوا يرتادون الزهور في مسار الضباب. يا للخسارة.
سأل هوليس، وشعر كأنه يشق طريقه في شجرة حوارات ضمن اللعبة القديمة: "أتعرفين سبب حدوثه؟"
قالت الشجرة: لا أدري. لم يكن هناك ضباب قط، على حد تعذكري.
قال هوليس: "كنت أتقصاه، وأحاول معرفة كيفية محوه. أعتقد أن للأمر صلة بالمنارة القديمة. أتعرفين شيئاً عن ذلك؟ كانت ساطعة حقاً. أتخيل أن بإمكانك..."
توقف برهة متسائلاً عما إذا كانت الشجرة ترى الضوء، أو تشعر به، أو ربما تمتصه بالطريقة التي يتنفس بها المرء الهواء.
"...ربما باستطاعتك استشعار ضوئها. كانت تضيء طوال الليل."
قالت الشجرة: أوه، نعم. أذكر. ضوء لا يصدر عن النار، بل من الحياة ذاتها. نموت قوياً تحته لمئات السنين. لولا وهجه المغذي، لما أصبحت شجرة عظيمة قط، لكن لا سبيل للجزم.
قال هوليس: "أظن أن الضوء أبقى الضباب بعيداً. التسلسل الزمني لا ينطبق بدقة، فتوقف المنارة عن العمل حدث قبل أكثر من عقد ولم يظهر الضباب إلا بعدها بسنوات، لكني لا أزال أعتقد بوجود صلة".
أخرج كيساً صغيراً يحوي طحلب نار المخيم.
قال: "وجدت هذا الطحلب في غابة بالشمال. يتميز بوهج برتقالي ساطع حقاً، ولم يطال الضباب شيئاً في تلك الغابة. أمن المحتمل أن المنارة كانت تفعل الشيء ذاته بطريقة أو بأخرى، ولكن على نطاق أوسع؟"
أرجأت شجرة الصمغ العظمى الإجابة للحظة. لا أستشعار أي ضوء قادم من الشمال. أيمكنني رؤيته؟ من منظور الشجرة، كانت الغابة المشتعلة تقع خلف عدة تلال. حير الأمر هوليس حقاً بشأن الكيفية التي سيجعل بها الشجرة تدرك ذلك، ففتح الكيس وأخرج بعض الطحلب الجاف. فكر في سؤال الشجرة عما تريده منه، ثم أدرك أنه يستطيع إطلاعها على ما يفعله طحلب نار المخيم. أخذ بضع رقائق جافّة على أطراف أصابعه ونفخ فيها نفَسَ الحياة، فتألقت بلهب ساطع قلدته ويلو على الفور، محيطة ذيلها المتوهج بنيران برتقالية.
لسوء الحظ، نجح ذلك في تشتيت انتباه الشجرة. قالت الشجرة: أذكر خنافس الضوء. كانت تضيء بشدة حتى أنها غذت أوراقي. فاقت النجوم سطوعا، ونمت جميع نباتي بقوة تحتها. كاد هوليس ينسى. لابد أن الشجرة تذكرت زمن ملء خنافس الضوء للسماء، وهي ترقص في ضوء المنارة. قالت صمغ النحل: أدرك هذا الضوء. شعرت به من قبل، قبل زمن طويل، حين كنت صغيرة. وقفت لمائة عام قبل أن أقطع وأجلب إلى هذه الحديقة.
ذلك الضوء هو هبة التنين الذي يطارد الشمس. منح التنين هبات عديدة لنباتات الأرض، لكنه توارى الآن... الطحلب... سأزرعه في حديقتي، وربما أتمكن ذات يوم من مقايضة هذه الهبة والمشاركة فيها. أرجوك، جد صديقي القديم في مؤخرة تلك البقعة. لم يعش طويلاً مثلي. متأكدة أنه سيكون مضيفاً مناسباً. لم تشر الشجرة هذه المرة، لكن هوليس أدرك في النهاية ما تبغيه. كانت هناك شرفة مراقبة مكسورة كبيرة في مؤخرة الفسحة وقد انهارت، ربما قبل قرون.
مع ذلك، بدا الخشب حياً. لقد تجذر في الأرض، وربما اتصل بششبكة الجذور التي تتحكم فيها صمغ النحل. أخرج هوليس بضع شذرات من طحلب نار المخيم ووضعها على أحد أعمدة شرفة المراقبة المكسورة. توقع حاجته إلى بث نفَس الحياة في الطحلب، لكن الأمر لم يكن كذلك. بدت شجرة الصمغ العظمى قادرة بما الكفاية. هبت الريح من خلفه، فدب الحياة في الطحلب وبدأ ينمو، من بضع رقائق إلى بقعة صغيرة. قالت شجرة الصمغ العظمى: نعم.
سيتوجب علي دراسة هذا. أصيب هوليس بالذهول، لكنه لم يستطع فقدان تركيزه.
قال متجهاً مرة أخرى نحو الشجرة الكبيرة: "أنا ذاهب إلى المنارة. سأعرف ما حل بالضوء، وما إذا كان ذلك هو سبب الضباب. سأعيد إشعاله".
قالت الشجرة: ستكون تلك رحلة عويصة. المنارة بعيدة، وهناك أخطار جمة. اعتاد صبي المزرعة الذي زارني أن يحدثني عن وحوش الغابات. أترغب حقاً في المغامرة بالخروج؟
قال هوليس: "لأجل هذا أتيت. سأفعل كل ما يتطلبه الأمر".
بدا أن الشجرة سرّت، بطريقة ما. قالت صمغ النحل: أود حقاً زرع نسيلتي في المنارة، وعلى طول الساحل، حتى أتمكن من استشعار الأمواج. وربما، إن تمكنت يوماً من شق طريقك شمالاً نحو جبل الحديد العظيم حيث يقال إن ملكة العناكب تحكم الظلام، فقد أطلب منك زرع نسيلتي هناك أيضاً، تماماً كما فعلت في الوادي. وإن أمكنك زرعها في الحدائق غرباً مباشرة، داخل الوادي حيث يرتاد نحلي لجلب حبوب اللقاح، فسيكون ذلك ملائماً جداً.
وربما ترغب في المقايضة. لدي الكثير لأمنحه.
سأل هوليس: "ما الذي تعرضينه؟"
تحمست شجرة الصمغ العظمى. تصاعد صوتها، الذي لم يكن صوتاً حقاً، وأمطرت هوليس بكلماتها. أسترتحل إلى أقصى أصقاع الأرض لتنشر نسيلتي، ليتسنى لي الرؤية أبعد؟ أستعثر على الأشجار العظيمة الأخرى، لعلني أعرف أبناء جنسي بعد دهور من الوحدة؟ أتحمي النحل والزهور التي تقع تحت سيادتك وتلك التي تحت سيادتي؟ إن فعلت، أيها الإنسان السفلي، فسأمد يد العون بأي سريقة أستطيعها. وكلما نشرت نسيلتي، سأغمرك بهبات تجاربي العטيمّة، من سموم، ومراع، ورياح، وضوء.
سأسمح لك باتخاذ نسيلتي سلاحاً خاصاً بك، وسأرافقك في رحلتك تلك وأنت تشرع في مغامرتك نحو الممر العظيم. أتووافق على عرضي؟ هبت الريح، مثنية أغصان الشجرة كأجسات مخالب وحش بحري. تقبض جلد هوليس وظهرت قشعريرته وهو يحدق في ذلك العملاق الملتصق بالأرض. لم يكن يعلم أن الشجرة ستحاول تجنيده في رحلة بعيدة المدى، لكن بما أنه كان في مثل هذه الرحلة بالفعل، فقد كان الاختيار سهلاً.
ظن أن نشر نسيلة شجرة الصمغ العظمى لن يكون أصعب ما عليه فعله لنيل القوة في هذا العالم.
قال هوليس: "أوافق".
لم يكن ليتمكن من الرفض حتى لو أراد. فأي مساعدة يتلقاها ستكون موضع ترحيب. علاوة على ذلك، لم يكن يملك اقتراحاً مضاداً في جعبته. إذن، انطلق، وانم أغصاني، وادفن جذوري. اعثر على الأماكن القديمة والجديدة، وانشرني في أنحاء هذا العالم. أنا أنشد المغامرة. أصبح الأمر رسمياً. حتى مفحص هوليس أكد ذلك.
نجحت في مقايضة صمغ النحلة العظيمة. حين تنشر نسخه في أنحاء القارة المهجورة، ستكافئك بقدرات ملصقة من مخازن قوتها الهائلة.