ظلّ هوليس هود، بعد خمسة عشر عاماً، يحذر الزوايا المعتمة. وقف على منصّة التحميل في مستودع بوسط مدينة بورتلاند، ومطّ بصره في أعماق المبنى. كانت الأنوار المخروطيّة تضيئه، تلك التي يربطها هوليس بغرف التحقيق. يضيء كلّ مصباح بقعته تحته جيّداً، لكنّ الضوء لا يتسرب في أرجاء المكان، ممّا يخلق زوايا مظلمة برمّتها. هيمنت على المرأى رفوف ضخمة مصطفّة عليها صناديق خشبيّة، ودوّت أصوات الرافعات الشوكيّة وهي تتجول في الأرجاء بعيداً، لكنّه لم يصر على أيّ بشر.
أخذ يضجر، لكنّه عجز عن المغادرة ريثما يحصل على ما جاء من أجله. كان الأمر هكذا دوماً. يُترك معلّقاً في الانتظار، متسائلاً عما إذا كان أحد يعمل في المستودع حقّاً. لو كانت هذه أيّ صفقة أخرى، لخسرت شركة باين آند ليدجرز لتصفية التركات زبونها منذ سنين، لكنّ الصدف وحدها جعلت هذا المكان الوحيد الذي يمكنه تدبّر ما يحتاجه منه.
نادى صوت من إحدى زوايا المستودع المعتمة: "أانت رجل الحبوب؟"
ابتسم هوليس.
وقال: "هذا أنا".
من بين كلّ الأقنعة التي يرتديها كلّ يوم، كان "رجل الحبوب"
أكثرها إحراجاً.
قال رجل ضخم ذو شعر طويل ووجه أحمر كالملائكة بينما خرج إلى النور مادّاً يده: "كنت أنتظر لقاءك طوال الأسبوع".
وحملت يده الأخرى لوح مشبك. صافح هوليس يده وضحك كأنّ الرجل ألقى نكتة. هذا ما يفعله رجل الحبوب: يتمتّع بروح الدعابة تجاه نفسه.
قال: "هوليس هود".
ولمح شتلة اسم الرجل.
"إذن أنت لوني؟"
"هذا أكيد تماماً".
استدار الرجل الضخم ولوّح لهوليس ليتبعه.
"نصيبك محجوز هنا. يجب أن أقول إنّه يحيرني".
قال هوليس: "أنصبتي تفعل ذلك دائماً. أين مايكل؟"
لم يُرَ العجوز الذي يلتقيه عادةً في منصة التحميل بأي مكان.
"متقاعد، أو مطرود، أو مرقّي، لا أدري. خارج الجدول. هذا كل ما أعرفه. من هنا أرجوك".
كفّ مايكل عن طرح الأسئلة قبل سنين. والآن، سيتوجب على هوليس تدريب رجل جديد كليّاً. عاد به لوني عبر المستودع، متجاوزاً الرفوف المرتفعة والرافعات الشوكيّة، نحو جزء من المبنى يضمّ صفوفاً عديدة من المقطورات المحددة بحروف وأرقام. ضمّت المقطورات أشياء من تركات مجمعة على منصات خشبيّة ومغلفة بالبلاستيك لحمايتها. اصطفّت المصابيح والكتب والأغراض المنزليّة وشتى المقتنيات الأخرى في انتظار مالكها الجديد لالتقاطها.
كلّما توغلوا في المبنى، اعتادت عينا هوليس النور، وتلاشت الظلال. وسكنت ريبته المتأصلة من العتمة الهادئة.
قال لوني: "ها قد وصلت. المقطورة إتش ستة وعشرون. ممر الحبوب".
ضحك هوليس بأدب وتأمّل نصيبه. استقرت مئة علبة حبوب منوعة على منصّة خشبيّة، ومغلفة وجاهزة للرحال. ووجدت رقاقات الذرة ورقائق الشوفان وكابتن كرنش ووايتيز وغيرها.
سأل بأدب مادّاً يده: "القائمة؟"
سحب لوني ورقتين مدموستين من لوح مشبكه وناوله إياهما.
"كلها كما طلبتها. صناديق حبوب قديمة وغير مفتوحة... جمع جامع في باكستون ألفاً من هذه الأشياء من بين كل الأماكن".
قلب هوليس صفحات القائمة، يقرأ العلامات التجاريّة وتواريخ انتهاء الصلاحية.
وقال في النهاية: "هذا يبدو جيداً".
خدش لوني رأسه وهو يختلس النظر إلى لوح مشبكه.
"تعلم، كان مفترضاً بي أن أخبرك، كما كنت أقول، بأن لدينا المزيد حيث جاء هذا. قالوا إن ثمة عينات أقدم وأثمن، ممم، وبعض تلك الصناديق التي تعود إلى سبعينات القرن الماضي تساوي آلاف الدولارات للبائع المناسب. لدينا منها هنا تماماً إن أردت إلقاء نظرة".
سمع هوليس العرض ذاته من مايكل في مناسبات أخرى.
قال وهو يبدأ في عد الصناديق على منصته ومطابقتها مع القائمة: "أحتاج فقط إلى صناديق من عام تسعة وتسعين بعد الملف إلى عام ألف وثلاثة. الأقدم أكثر قيمة، لكن هذه تحمل إمكانيات أكبر. والسعر مناسب".
أطلق لوني ضحكة مشوبة بالنفس.
"خمسة آلاف دولار مقابل حبوب فاسدة. لم أجد شيئاً كهذا قط في حياتي. جمع علب الحبوب... تبّاً. قل لي إنك لا تنوي أكلها".
ضحك هوليس مع الرجل. أصبحت النكات بالية الآن، لكن العلاقة مع الشركة كانت قيّمة.
قال: "يبدو الأمر غريباً، لكن هذه خطتي للتقاعد. ستشهد بنفسك ذات يوم".
ضحك لوني مطولاً، ضارباً بلوح مشبكه جنب بطنه.
"سأحمل هذا لك. لدينا آلة بيع تحتوي على رقائق بطاطا في استراحة العمال إن كنت تفكر في جمع تلك أيضاً".
ضحك هوليس معه بينما استدعى لوني سائق رافعة شوكيّة لتحميل المنصّة في مؤخرة شاحنة هوليس الزراعية. لوّح مودّعاً لوني وسائق الرافعة الشوكيّة وهو يقود مبتعداً، راجياً بكل ما أوتي من رجاء ألا يضطر للعودة أبداً. ~~~ استغرقت القيادة ساعتين للوصول إلى عزبة هوليس في الريف النائي. كان منزل الحانة قائماً حين اشترى الأرض، لكنه بنى الملحقات والأسياج بيديه. امتدّت حديقة مترامية الأطراف من بابه الخلفي إلى الغابات بعيداً.
وشغل ميدان بندقيته ورمايته جزءاً كبيراً من الأرض على يسار ممرّ سياراته، بينما سُيّج الجانب الأيمن للدجاج والمعز التي دارت في مكانها فور رؤيتها إياه يصل. وحين شرع في تفريغ الصناديق، تلفت في الملكيّة واستوعبها حقاً. ركضت خيوله في الأفق. ومُدّ جلد أيل على إطار بجوار الحظيرة. وكان الهواء نقيّاً هنا. وساد الهدوء. قضى سنين في بناء هذا المكان، لكنه لم يكن بيتاً. بل كان تمرينًا.
قطع الغلاف البلاستيكيّ حول صناديق الحبوب وشرع في إدخالها إلى الداخل محتضناً كومة تلو الأخرى. رتبها في النهاية على طاولة غرفة الطعام حيث استطاع تأملها مجتمعة.
قال وهو يهز رأسه: "خمسة آلاف دولار".
أمسك الصندوق الأول وتفحصه. رقائق الذرة. تنتهي صلاحيته في نيسان عام تسعة وتسعين. صندوق بستين دولاراً، غير مفتوح. قطعة هواة جمع. رفّ بإبهمه تحت شفة الورق المقوى ومزقه من الطرف إلى الطرف. قلبه رأساً على عقب ورمق كيس بلاستيك ممتلئ برقائق الذرة يسقط على الطاولة أمامه. لم يوجد شيء آخر في داخله. طعام للمعز والدجاج. هذا ما كان عليه. سيستمتعون به بما يكفي. وفتح تالياً صندوق رقائق الشوفان بالنتيجة ذاتها.
ثم رقائق الذرة المحلاة وبعض كابتن كرنش. خذله واحد تلو الآخر. وبينما كان يمزق أحد الصناديق، سقط غلاف قرص مدمج صغير ومربع على الطاولة بجوار كيس الحبوب. قفز قلبه، لكنّ للحظة واحدة فقط. التقط القرص وقرأ الغلاف. مغامرة كابتن كرنش كرانشلينج. لعب تلك اللعبة ذاتها وهو طفل. حصل عليها أخوه سبنسر في صندوق حبوب كهذا. شاع آنذاك الحصول على ألعاب حاسوب في صناديق الحبوب. وكان العامل الحاسم الأساسي في نوع الحبوب الذي سيختارونه.
قلب اللعبة بين يديه.
قال وهو يرصف القرص على الطاولة ويعود لفتح الصناديق: "ليس تماماً".
مُزقت وعاء تلو الآخر، وقُلبت، وتلفت. وخلال ذلك كله، تزايد إحباط هوليس. عثر على المزيد من الأقراص المدمجة. كانت في الغالب ألعاباً مقتبسة من أفلام أو دقائق إنترنت مجانيّة من إيه أو إل أو نت زيرو. وبرزت لعبة عرضيّة بين الحين والآخر. ظهر بيكاتشو في مناسبات متعددة. وشرع بالفعل في تكوين مجموعة بوكيمون. مزق. اقلب. أتلف. راح يتقدم بين الصناديق بسرعة متزايدة مع مرور الوقت. بلغ الربع.
ثم المنتصف. ولم يجد ما كان يبحث عنه. وشارف في النهاية على الانتهاء. وبقي عشرة صناديق. تيبست رقبته، وتلف اعصابه. أخذ استراحة ليتفقّد الحيوانات ويجلب لنفسه شراباً من المطبخ. واعتاد إطالة أمد خيبة الأمل الآن. كم من الحصص زايد عليها وفاز بها؟ لقد فقد العد. وخسر أيضاً قدراً معتبراً من عملات البيتكوين في مسعاه، لكنها لم تكن مالاً حقيقياً على أي حال. عاد إلى غرفة الطعام، فأمسك صندوقاً آخر وتوقف.
أكان الصندوق أثقل وزناً؟ متوازناً بغرابة؟ لم يتيقن. ثمة خطب ما. ريزيز بفس. تاريخ الانتهاء، كانون الأول عام ألفين. وبدأت أغنية إعلانية من زوايا ذاكرته البعيدة تصدح. لم يوجد ترويج على الصندوق، لكنّ الصندوق الذي يبحث عنه لن يحمل ترويجاً في المقابل. ولن يخبرك بما يكمن في داخله. ولن تأتي الجائزة التي يلاحقها مع تحذير قط. مزق قمة الصندوق وأماله بسرعة جعلت كيس الرقائق يطير عبر الغرفة ويسقط على الأرض عوضاً عن الطاولة.
لكن القرص الموجود في الداخل لم يفعل. سقط برفق من الصندوق في غلافه الأبيض العادي واستقر على الطاولة بلا صوت. كان مقلوباً. مد هوليس يده وقلبه بإصبع واحدة. بعد نظرة واحدة، فقد قدرته على الوقوف وانهار على كرسي غرفة الطعام خلفه، مسقطاً كيس الصناديق التالفة على الأرض. عجز عن إبعاد نظره. كان القرص المدمج قابلاً لإعادة الكتابة، من ذلك النوع الذي يُشترى مكدساً مع العشرات غيره.
خط حبر أسود عريض عبر القمة بكلمات: ارجع إلى بيريابت، مخطوطة على عجالة. وفي المرة الأخيرة التي رأى فيها قرصاً كهذا وجهاً لوجه، كان يكشط بقاياه المذابة من محرك الأقراص في حاسوب عائلته. وجب عليه الوقوف. وجب عليه المشي... عبر الرواق، وحول غرفة المعيشة، لا يهم. احتاج إلى التحرك. والقرص في يده، زار صالته الرياضيّة المنزليّة حيث دفع جسده إلى أقصى طاقاته. وانتقل تالياً إلى الخزانة الضخمة التي استخدمها لتعلم حبس أنفاسه تحت الماء.
وتجول في مخزن أسلحته المليء بأسلحة تعود لقرون جمعها لهدف واحد: أن يكون مستعداً. وبعد كل هذه السنين، استطاع إثبات وجوده. لم يكن مجرد ميم. ولم يكن هستيريا جماعية أو قصة رعب إنترنت ممزوجة بكابوس مقنع تذكرّه خطأ. وثبت خطأ كل الأكاذيب التي حدث بها نفسه لتساعده على النسيان. لقد كان حقيقيّاً. ارجع إلى بيريابت. اللعبة التي جعلته يخشى الزوايا العمياء والظلال. اللعبة التي غدت هوسه.
دفعه التفكير فيها إلى البكاء. صار يملكه في حوزته أخيراً، وأوشك على لعبه مرة أخيرة.