⟦1﹞ قالتب العجوز ماي، وهي تحرك يديها تحت شالها حتى تبدو كطائر جثم على غصن: "كل القصص في بيريابت حقيقية".
وكاد هوليس يقسم أنه يشعر ببرودة الهواء عندما نفخت نسيج القماش. لم تكن غرفة الطعام مكاناً مضيئاً قط، في زاويتها تلك تحت نتوء المنحدرات العالية، لكنها أصبحت أظلم بشكل ما وهي تحرك يديها داخل حبكات الشال المعقدة. لم يكن هوليس بحاجة إلى المفتش ليعلم أن تلك كانت قطعة براعة إتقان رفيعة.
كررت العجوز ماي: "كل القصص في بيريابت حقيقية"، وهي تلوح للآخرين كي يردوا.
قال أحد الرجال الطاعنين في السن أولاً: "حتى هذه"، ثم انضم آخرون: "حتى هذه".
تجمع الأطفال المرضى والأيتام بينهم قرب ماي وهي تتكلم.
قالوا، بحماس أكبر من البقية: "حتى هذه".
سألت: "لم أكن أعلم في البداية أن عليّ خشية الضباب القادم من سواحل صوت بيكيت. أكنتم تعلمون؟".
هزوا رؤوسهم نفياً.
وأضافت: "كانت زوجات الصيادين والمزارعين تصلين شكراً للملوك حين تروي الخيوط الزاحفة من المحيط محاصيلهم في تلك الليالي الصيفية الحارة العطشى. أكنتم تفعلون؟ يقول البعض إن الأمر بدأ قبل ست سنوات، ويقول آخرون قبل ثماني، لكن عندما أتت خيوط الضباب في البداية، كانت تشبه فتاة صغيرة تسللتقرب حشد من البحارة الثكارى. تحركت بسرعة ولم تترك خلفها سوى رقاب مشرئبة. كانت شبحاً، خيط ضباب هنا، وربما هناك، تتسلل عبر الشوارع بارتفاع لا يزيد على كاحل رئيس البحارة. أرأيتموها؟".
قال أحد الرجال الكبار: "رأيتها".
وأضاف: "بين دكان الإسكافي ومحل الحلاق".
قالت ماي: "حسناً، بالطبع، رآها البعض هناك. معظم من رأوها في البداية عاشوا في الحقول والمزارع على طول الساحل، ولمحوها تتسلل عبر محاصيلهم تحت ضوء القمر. لم نلقِ بالاً للأمر. أكنتم تلقون؟".
هز كثيرون رؤوسهم نفياً.
سألت ماي: "من كان ليحذر؟ أي شيء قد يكون أقل إخافة من خيط ضباب دقيق؟ كان حفرة الخنادق والأطباء يجمعون على أن رؤية خيوط الضباب الشبحية المنطلقة من الصوت ليلاً تجلب الحظ الحسن. وحين لم يكن هناك سوى واحد أو اثنين، فلم لا يكون الأمر كذلك؟ لذا، وبينما كان المزارعون يشكرون غراب الإخافة العجوز على ماء الليل، وكان البقالون يشكرون رجل الكلاليب الذي يعيش عبر الرأس للأمر ذاته، لم ندر قط أن شكرنا كان في غير محله. أكنتم تدرون؟".
كانت هناك طفلة صغيرة، في السادسة من عمرها ربما، بشعر معقوص في ظفائر، تجيب عن كل أسئلة ماي بحماس مكهرب، كأنها تخضع لتحقيق وتُريد للجميع معرفة إجاباتها. لم يملك هوليس إلا أن يعشق جديتها. كان ويلو، الراقد على كتفه، يتحمس بدوره أيضاً. كانت حشرات الضياء بطبيعتها رواة قصص، والآن بعد أن صار بإمكان ويلو سماع وفهم قصة تروى بالكلمات لا بالضوء، شكّل الأمر عبئاً هائلاً على حواسه.
كوّس هوليس كفيه حول الحشرة الصغيرة كي لا يجذب وميض ضوئها مزيداً من الانتباه.
"نمت ببطء، ليلة بعد ليلة، حتى لم يدرِ أي منا متى تحولت بضع خيوط ضباب دقيقة إلى أمواج شبحية من المحيط. ضربت بقوة وأغرفت المزارع بفضة عكرة تحت ضوء القمر حتى ارتفعت المحاصيل كشواهد القبور من أعقابها. أسماها أهل البلدة عطية وفرة. سموها رخاءً إلهياً. سموها قدراً باراً، وعد أوليفيا الذي تحقق. وكنا، كل واحد منا، حمقى. أكنتم؟".
استمع هوليس قدر استطاعته، نظراً لأن هذه القصة كانت موجهة إليه. لكنه لاحظ كيف لم يجد رويل ودكوتا أي متعة تذكر في القصة. بل بدا عليهما الإحراج إن وجد. أكانا محرجين لأنفسهما، أم له؟ تناولا طعامهما بسرعة وذهبا إلى المطبخ للمساعدة في التنظيف. زمّت توني شفتيها وانتظرت انتهاء القصة.
"عندما صاح الديوك في منتصف الليل، علم الحكماء جميعاً أن العناء قد حلّ. أكنتم تعلمون؟ عندما خشيت المواشي الظلام وصلّت للمزارعين كأنهم ملوك، علم الحكماء أن الخطر قريب. أكنتم تعلمون؟ يقال إن نعجة واحدة حمقاء، أما القطيع فلا. الأفضل تفقد الحظائر، الأفضل مشي السياج. فعل المزارعون الأجياد، لكن لم يكن الأمر ليجدِ نفعاً. أولاً، هربت الفئران والجرذان من البلدة أو حفرت لنفسها عميقاً تحت الأرض مثل جردان الحقول. يعلم الجميع أن القوارض أول الفارّين. لم يكن بوسع أحد معرفة أنها لم تكن تفر من السفن فحسب. وحين بلغ الضباب أقصى ثخانته، عندئذ لم تعد المواشي تطيق البقاء في الحقول ليلاً. تدافعت وصرخت. أكنتم؟".
زاد الهواء برودة بينما لفت ماي أجزاء من شالها حول يديها. كان السحر فاعلاً. فن راوية قصص.
"اختفت بعض الحيوانات، كلاب وأمثالها ممن امتلكت شراسة تمنعها من الهرب؛ ذهبت أولاً. ثم نعجة أو دجاجة غريبة، ثم كلها جميعاً، حين ارتفع الضباب علياً حتى عجز أحد عن معرفة ما قدم مع البحر وما رحل منه. أرأيتموه حينها؟ ما الذي أتى، وما الذي غادر من البحر؟ أنا لم أعلُ. أغلقت أبوابي وسمّرت نوافذي حين بدأت النعاج تصرخ ليلاً. أكنتم؟".
ادعى كثير من الحاضرين أنهم فعلوا. هزوا رؤوسهم بقوة. ماتت بلدة نابضة في أقل من أسبوع. أبحر البحارون وتاجر التجار. مُلئت العربات وبِيعت المقاعد. غدت البلدة شبحاً قبل أن يشتد الضباب بما يكفي لحمل إنسان معه، لكن حين فعل، رحلنا جميعاً غرباً، آملين أن تُرضي شوارع صوت بيكيت الخاوية الضباب. لم تفعل. طاردتنا عبر الحقول أسبوعاً بعد أسبوع. كان البعض شجاعاً بما يكفي لقطع الطريق الغربي الخطر.
وكان آخرون شجعاناً بما يكفي للبقاء.
أكنتم؟".
نظرت مطولاً إلى توني. صرخ كثيرون مؤكدين أنهم فعلوا، لكن هوليس شكّ في أن هذه المجموعة امتلكت رأياً يُذكر في الأمر.
"فماذا رأى الشجعان والحمقى في الضباب حين تجرؤوا على النظر؟ يقول البعض إن الوحش يشبه حباراً عظيماً. ويقول آخرون إنه ملك قرش ملّ المقايضة. ويقول آخرون إن أرواح البحارة الأموات جابت الشوارع. وقد رأى البعض رجالاً يمشون في الضباب غارقين في غيبوبة، لئلا يُروا مجدداً أبداً. يمرح الموت عبر تلك الأكوام الفضية؛ يمرح فوق الحقول الم الضبابية شرقاً، وفي يوم ما سيمرح هنا أيضاً. أستفعلون؟".
صرخ الأطفال: "لا!".
ضحك كثيرون في النهاية. ورغم أنها كانت تتحدث عن مأساة مروعة دمرت حياتهم، بدا الأمر كأنهم يهربون داخلها. وجد هوليس الأمر غريباً، لكن ربما كانت قوة القصص تتمثل في جعل الأشياء الحقيقية خيالية، ولو للحظة واحدة. فكر في قصتها الحية. كان يأمل في الظفر بمعلومات أوفى قليلاً من ذلك. وإن امتلكوا الإجابات، لما ظلوا في مثل هذا الوضع اليأس. ظهرت قصة ماي على مفتش هوليس وهي تتكلم.
صفق الناس بعد الفراغ منها، لكنها لم تنتهِ بعد. سسمرت عينيها في هوليس.
قالت: "نحن بحاجة إلى من يقف نيابة عنا. أأنت الكازير الذي سيقوم بذلك؟ أأبحرت من عين القط منذ ما يقارب العقد دون س سواك، في الوقت المناسب تماماً لإنقاذنا قبل فوات الأوان؟".
كان ذلك سؤالاً ملغوماً. بوسعه الانبساط منه إن اراد.
سيمضي عبارة بسيطة مثل "أنا أنظر في الأمر"
ربما. لقد اختار شيئاً آخر.
قال هوليس: "سأكتشف من أين أتى الضباب. سأفعل كل ما بوسعي لإيقافه".
كان ذلك قولاً جريئاً، لكنه علم أنه سيتقصى الأمر. وبإمكانه إظهار بعض الثقة حيال ذلك. هتف المرضى والموسنون، بينما عبست توني وهي تنظف المطبخ. ومع انتهاء القصة، وازدياد الغرفة ضياءً ودفئاً بعض الشيء، نهض هوليس من مكانه حيث كان جالساً ومضى يكلم الآخرين في ركن المطبخ.
أكّده دكوتا وهو يمسح قبعته المستديرة: "لا تقلق بشأن الأمر. أخبرت العجوز ماي أنني سأصلحه قبل سنوات، ولا يبدو أن أحداً يتذكر. سينسون خلال أسبوع".
قال رويل وهو يغسل بعض الأطباق يدوياً: "الجميع يتذكر نذرك الثمل. نحن فقط لم نصدقك قط في البداية".
كاد دكوتا يشرع في المشاحنة معه، لكنه عدل عن رأيه فيما يبدو. ما زالت توني لا تنطق بكلمة. وكان أوتيس مشغولاً بإعداد كومة من السمك ليُدخن. كان يفصل نفسه عن العالم بأسره.
سأل هوليس: "إذن ماذا اكتشفتم عن الضباب؟ يبدو هذا كلعنة ما، ربما. مثل نبّاشي القبور على تل بارتون الذين ضربهم الجنون تحت البدر الكامل".
كانت مهمة بارزة في اللعبة.
قالت توني: "حدث ذلك قبل سنوات. لقد حللنا تلك المشكلة ببضع رصاصات. لا أحد يدري حتى ما نتعامل معه هنا. حاول الكازيرز إصلاح هذا، أتعلم. لقد أخفقوا. كل خير ربما فعلوه في العالم قد زال لأنهم تعاملوا مع هذا كقصة أطفال. والآن، طبخت لك طبق طعام. إن أكلته، فإنك تعد بالمساعدة في الصيد القادم. يغلب على ظني أنك تعرف شيئاً عن الصيد، وإلا فأنت تعرف فحسب كيف ترتدي ملابسه. كان الضباب عصياً على الهزيمة. أما الجوع، فحتى الآن، ليس كذلك. سأكون ممتنة لو ركزنا على المشاكل التي يمكننا حلها".
أشارت إلى طبق خزفي يحوي السمك والخضروات ذاتها التي تناولها البقر. كان هوليس مشتتاً لدرجة أنه لم يلحظ حتى متى تلاشت آثار التوت والفطريات التي أكلها. بوسعه الذهاب للصيد. وحين تفقد الغرفة، أدرك حجم المهمة الجسيمة المتمثلة في إطعام ما يقارب عشرين شخصاً في ظل هذه الظروف. غت توني ترعى مرضاها. التهم هوليس السمك.
سأل: "إذن ماذا نصطاد في هذه الأرجاء؟".
أجاب رويل بابتسامة: "كل ما لا يصطادنا. وبعض الأشياء التي تفعل".
رأى هوليس أن من الأفضل ألا يسأل كيف لرجل أن يصطاد دون استخدام عينيه. إن كانت الهجمة التي استخدمها بالحجارة المتساقطة مؤشراً، لكان رويل نافعاً بلا بصر.
قال دكوتا: "نحن نفعل هذا منذ سنوات. ليس ثمة الكثير هنا لا يمكننا قتله. وماذا عنك، أيها الوافد الجديد؟ ماذا صِدت؟".
أجاب هوليس: "قليل من كل شيء".
ثم غيّر الموضوع وسأل: "لاحظت أن الضباب يصل عميقاً جداً في اليابسة. أيلغز الوادي؟".
كان رويل يكدس الأطباق ويجففها بكفاءة بالغة. لم يكن دكوتا يفعل الكثير البتة. بدت تعابيرهما متجهّمة.
قال رويل: "يقولون إن بعض الضباب يتسرب فوق المنحدرات عندما تهب الريح بقوة. في الغالب، ننكمش خلف جدراننا ولا ننظر إلى الخارج أبداً".
وسأل هوليس: "وكم يدوم ذلك؟".
قال دكوتا: "أنا في هذا المخبأ منذ ثلاث سنوات. كل أسابيع قليلة، يصيبنا فزع من أن يبلغ الضباب هنا. لدينا كل هذه الخطط للهروب. ربما نعوم النهر. ربما نضرب الدرب. قلت إن علينا إصلاح سفينة في الخليج ونبحر إلى الجزر الخارجية. المشكلة أن كل خطة تُواجه بالرفض للسبب ذاته تقريباً".
قال هوليس: "لديكم عدد كبير من الناس".
ضحك دكوتا وقال: "هذا ما لدينا. هذا ما لدينا".