لم تكن الغرفة سوى ما تبدو عليه. إلا من أمر واحد غير متوقع. كانت الهوة التي انفتحت في المؤخرة أعمق بكثير مما تخيله هوليس. واضطر إلى الزحف نحو حافتها خوفاً من أن يتبعه مفترس جوفي ويسحبه من الحافة.
قال وهو يشير إلى اليسار: "أطلق واحدة إلى هناك".
استجاب ويلو وأرسل كرة ضوئية طافضة تحلق وتشبهه تماماً فوق الحافة نحو الظلام حتى تلاشت تماماً. لم ينجح الضوء في اختراق الظلام. لم يستطع هوليس حتى تبين ما إن كان السراج الصغير قد خفت تماماً أم إنه هبط بعيداً في الظلام لدرجة أن ضوءه لم يعد إليه. كان الظلام ساحقاً.
قال: "لن أخوض ذلك التسلق".
هز ويلو جسده بحدة ذهاباً وإياباً ثم توقف ناظراً إلى هوليس.
قال ناظراً في الظلام: "لا، ولن تنزل إلى هناك أنت أيضاً".
تراجع ويلو مبتعداً عن الظلام وهو يطرف بارتياح. كان التسلق إلى الأعلى أمراً مستبعداً أيضاً. فبينما انفتحت الهوة، كانت هناك طبقة سميكة من الصخور والتراب بالأعلى. بدا أن المخرج الوحيد هو العودة عبر الباب المعدني الكبير والدخول إلى باحة العظام. كان هوليس يمني نفسه بأن تعود الهياكل العظمية إلى بركتها بعد دقائق وتهدأ الأمور، لكن كل تلك الجلبة والألعاب النارية لابد أنها أثارت حفيظتها وجعلتها أكثر عدوانية.
كانت تصطاد، ولم يكن يدري كم من الوقت ستنتظر. انتظر ريثما تختفي الأصوات في الخارج، ريثما يتوقف اندفاع العظام العرضي ضد الأبواب المعدنية نهائياً، لكنها لم تتوقف. كانت الغرفة شبه فارغة حتى قبل أن تركد لقرون. لم يكن هناك شيء مفيد ملقى حوله. لكنه لاحظ مع ذلك أن بعض الجذور قد اخترقت السقف من الأعلى. كان ذلك مذهلاً بحق نظراً لأنه كان على عمق مئة قدم على الأقل. كانت الجذور بيضاء، ورغم أن معظمها بدا رفيعاً، فقد بلغ بعضها ثخانة ساعديه.
[الطبيعة مستوى 5]
ترى جذور شجر متدلية من السقف. كانت هذه الجذور تبحث عن الماء قبل أن تنفتح على الغرفة وتضمر.
لم يكن ذلك نافعاً له كثيراً. ربما تسنى له التسلق والتقاط بعضها لاستخدامها مشعلاً إن شعر أن الهياكل العظمية ستخشى ذلك، لكن ذلك بدا مستبعداً. حان وقت الانتظار، لا الانتظار فحسب. حان وقت معالجة المشكلة. كانت الأدوات لا تزال متاحة له. بوسعه الدراسة. وبوسعه التخطيط. مشى نحو الجثة التي كانت جالسة متكئة على الجدار. عندما وقعت عيناه عليها للمرة الأولى، تذكر أنه فكر في مدى حداثتها قياساً بكونها مر عليها ثلاثمائة عام.
أكان لا يزال يؤمن بذلك الآن بعد أن رأى الوحش في الخارج؟ عندما رآها للمرة الأولى، لم تبدو طريقة نهوض الهيكل العظمي من بين الفوضى المغبرة تحته مثيرة للاهتمام للغاية. كم ميتاً رأى في حياته الواقعية؟ حس عن قرب بعد تحلل متقدم؟ لا أحد. لم يترك الزمن سوى آثار ضئيلة من اللحم على عظام الجثة. حسناً، الجانب العلوي منها. أما النصف السفلي فكان جَالِساً أساساً وسط ما تبقى من لحمه وثيابه السابقة.
أخفى الزمن عنه معظم الأدلة، لكنه أقسم أنه رأى بقايا معطف مختبر وسط الكتلة المتعفنة المحيطة بالجسد. لم يكن أبيض اللون، لكنه عثر على قطعة قماش طويلة تطابق الشكل. لم يكن يدري إن كان هذا الهيكل العظمي يماثل البقية، لكن عظامَه المتينة والنظيفة جعلته يظن ذلك. ارتدى قفازيه الجلديين ومد يده بحذر ليقبض على يد الهيكل العظمي اليسرى. لم يتحرك. أكان على وشك كسر إصبع رجل ميت حقاً؟
لا. لم يكن كذلك. ولكن ليس لعدم محاولته. أمسك بالإصبع السبابة وبذل قوة تكفي لكسر غصن شجرة، متوقعاً أن تفسح البقايا الجافة للأوتار والغضاريف القديمة المجال. لم تفعل. مارس المزيد من الضغط. لم يقتصر الأمر على عجزه عن كسر إصبع الهيكل العظمي، بل بالكاد استطاع جعل الذراع تثني مفاصلها. أخرج سكيناً وقطع ما بين المفاصل، لينجح أخيرًّا في فصل الإصبع عن اليد. طوال ذلك الوقت، لم يُظهر الهيكل العظمي أي علامات حياة، أو بالأحرى، موت.
كان الإصبع ثقيلاً، كأنه صُنع من الرصاص لا العظم. وضعه على الأرضية الحجرية الجافة في الجانب الآخر من الغرفة وشرع يحدق في الهيكل العظمي. لم تكن هذه العظام بشرية، ليس كلياً على الأقل. لسبب مجهول لم تكن تتلوى محاولة التفاف حول ساقيه بعد. وصفت الطب إحياء الهياكل العظمية المجردة بالأمر المستحيل. ولم يعتقد علم الآثار بوجودها. وعجز علم الطبيعة عن إيجاد سيلة بيولوجية أو سحرية تجعل العظام البشرية تتصرف كالأفعى.
لكن حين تعجز العلوم والطب والتاريخ عن إيجاد الإجابات، كان هنالك مكان أخير للتحقق.
سأل مرافقه: "أثمة قصص شعبية عن هياكل عظمية كهذه في بيريابت؟"
بدا أن الشاشة في رأسه تفكر للحظة.
[الفلكلور مستوى 1]
ترى هيكلاً عظمياً غير معتاد على الأرض. يذكرك ذلك بالعديد من حكايات النار المختلفة التي تحذر من مخاطر بيريابت. قصص صُممت لتقديم العبر. تمتلك كل الثقافات قصصاً تهدف إلى غرس خوف صحي من الأشياء الميتة.
لم يكن ذلك بالكثير. لم يوجد تأكيد على رؤية هياكل عظمية متجولة في القرون الماضية، لكن ذلك لم يستبعد المسألة بالطريقة التي فعلتها إدخالات علم الآثار والطب والطبيعة.
قال هوليس: "أضف نقطة إلى الفلكلور".
قد يكون الفلكلور مفيداً بطرق عدة. فقد احتوى على معرفة مرتبطة بالكثير من المهارات، ولكن من منظور مختلف.
لم تملّ قط من سماع حكايات بيريابت القديمة وأنت طفل. كانت القارة المهجورة مصدراً للغموض الذي لا ينتهي. احتوت على أصل شعبك وقصص امتدت عبر حقب زمنية طويلة.
[الفلكلور مستوى 1]
-> [الفلكلور مستوى 2]
التفت هوليس ناظراً إلى الهيكل العظمي مجدداً.
"ما الذي أعرفه عن الهياكل العظمية الآن؟"
[الفلكلور المستوى 2]
كنت أصغر من أن تلتقي بمن يحتفظ بذاكرة طبيعية عن بيريابت القديمة، لكن القصص القديمة ترددت بأصوات أجدادك. بعض القصص تعود لما قبل الهجرة الكبرى. وبعضها تحول إلى أساطير بحلول الوقت الذي ضاعت فيه القارة. قصص عن أشياء مستحيلة، عن وحوش بدت لا تصدق حتى لأهل بيريابت. ومن بينها حكايات عن الموتى الأحياء، بل وحتى قصص عن الهياكل العظمية. لقد تلاشت هذه القصص لتصبح أساطير منذ زمن بعيد.
لكنك لا تستطيع تذكر قصص عن هياكل عظمية كهذه.
لم يكن ذلك كافياً، لكنه يقترب أكثر. كان يرجو بصدق ألا يهدر نقاطه في شيء لن يساعده في مأزقه.
قال: "نقطة أخرى".
كانت جدتك راوية قصص. كان الناس يأتون من أميال بعيدة ليسمعوا حكاياتها عن الأجداد، متوارثة جيلاً بعد جيل. استطاعت نسج حكاية عن أي شيء قديم. عرفت عن العالم قبل الهجرة الكبرى، قبل عصور الاستكشاف والتنوير والسيادة. بل استطاعت الحديث عن عصر الأبطال وما سبقه. أحياناً حين تكون الليلة باردة وبلا نجوم، تحدثت عن العصور القادمة، لكنك لم تصدقها قط. تتمنى لو أنك استمعت إلى المزيد من قصصها.
[الفلكلور المستوى 2]
-> [الفلكلور المستوى 3]
سرت قشعريرة في عمود هوليس الفقري. جدته... جدة شخصيته. شعر فجأة بمشاعر جياشة، كأن نوراً من الماضي ظل حاضراً دائماً بات واضحاً له الآن. لقد تغير ماضيه. لقد تذكرها، هذه المرأة التي تروي القصص. حين فعّل مهارة الفلكلور مرة أخرى، عرف أنها ستنجح. لم يعرف الكلمات، لكنه شعر بها.
[الفلكلور المستوى 3]
أصبت بنزلة برد صيفية وأنت طفل. كانت أمك تغطيك وتمنحك دواءً مريراً فظيعاً للمساعدة في شفائك. بصقته حين لم تكن تراك.
في إحدى الليام، بينما كنت لا تزال مريضاً في فراشك، دخلت جدتك لتقدم لك دواءك، لكنها لم تنس قط كيف يكون المرء صغيراً، لذا حين حاولت بصق الشراب المقرف من ورائها، انحنت وسألت: "هل رويت لك يوماً قصة برايتل باد؟"
هززت رأسك نفياً. امتلكت الكثير من القصص، لكنك لم تسمع تلك القصة قط.
قالت: "ما رأيك بهذا؟ كان برايتل باد عليلاً، تتكسر عظامه لمجرد التفكير في المرح... أتذكر ذلك الجزء؟"
لم تذكر. ابتسمت لك وأخذت تلقي قصة أقدم من أي مبنى على الجزيرة.
كان برايتل باد عليلاً، تتكسر عظامه لمجرد التفكير في المرح. هذا ما قاله الناس عنه. لم يهم إن ركض أو تسلق أو تعثر بقدميه، كان شيء ما ينكسر دائماً. لذا بينما لعب الأطفال الآخرون، واصل باد المراقبة، ملفوفاً بالجبائر والزفرات. في أحد الأيام، فاض به الكيل. ذهب إلى طبيبة الأعشاب عند طرف البلدة وطلب منها علاجاً.
تفحصته ببطء وعناية وقالت: "هناك سبيل. لكنه ليس آمناً".
حدثته عن بركة محرمة تدعى حصن المقابر.
وقالت: "اسبح فيها كل يوم. لا تخف من ابتلاع الماء. سيجعل عظامه قوية".
ثم انحنت مقتربة وهمست: "حين تبدأ عظامك بالتصلب، يجب أن تعود إلي إن كنت تريد دواءً خاصاً. إن لم تفعل... ستنمو عظامك أقوى من جسدك الصغير".
كان برايتل باد عليلاً، تتكسر عظامه لمجرد التفكير في المرح. فعل باد تماماً ما أملته عليه. سبح. وابتلع. وسريعاً، توقفت عظامه عن التكسر. ركض. وقفز. ولعب بحدة تفوق أي طفل في البلدة.
حين عاد، ناولته طبيبة الأعشاب الدواء وسألت: "أتناولت دواءك؟"
أومأ باد. لكن في الحقيقة، لم يفعل. كان برايتل باد عليلاً، تتكسر عظامه لمجرد التفكير في المرح. استمر في السباحة. وظلت عظامك تزداد قوة. بات جائعاً لدرجة أنه أكل ضعف ما يأكله أي صبي آخر. مرة أخرى، سألت طبيبة الأعشاب. ومرة أخرى، كذب باد. كان برايتل باد عليلاً، تتكسر عظامه لمجرد التفكير في المرح. بعد تخلفه عن دواءه مرة أخرى، شعر باد بالتعب؛ وبدا أثقل من أي وقت مضى. حين استلقى في فراشه ذلك اليوم، نهضت عظام وعاثت مشياً!
أحدثت جعجعة في الشوارع، متوجهة مباشرة نحو حصن المقابر، وغطست في الماء، وسبحت للأبد. لم يتحرك باد قط بعد ذلك. ولكن بعد ذلك، لم يكسر أي عظام أخرى على الأقل!
"لذا تذكر"، قالت جدتك وهي تمد جرعة أخرى من الخليط المقرف إليك، "تناول دواءك دائماً!"
كاد هوليس يترنح إلى الخلف. قد لا تكون الذكرى تخصه، لكنها بدت كذلك بلا شك. نظر إلى الإصبع العظمي الماثل أمامه. كانت القصة تحث الأطفال على تناول دواءهم، لا شك في ذلك، لكنها أخفت في طياتها مفهوم الإصابة بمرض مقوٍ للعظام جراء السباحة في بركة ماء. غطى فمه وأنفه بقميصه وأمسك بفأسه. قلب الفأس وهوى بجانبها الأكلب على الإصبع فوق الأرضية الحجرية. تطلب الأمر ضربات قوية عدة على ضوء ويلو، لكنه نجح في تصدع أحد عظام الإصبع.
رأى في الداخل ما كاد يدفعه إلى التقيؤ. لم يبدو العظم عظمياً. بدا كعضلة، كعضلة صلبة وبيضاء تقريباً، غير أن تلك لم تكن أليافاً عضلية. عرف ماهيتها فور رؤيتها. التقط ملقطه من حقيبة الإسعافات، وانتزع أحد الألياف، وتوجه نحو الباب حيث بقيت بقعة ربلة من الماء الذي نقله إلى الغرفة. انحنى وألقى الأليف العظمي في بركة صغيرة وانتظر. وانتظر. وانتظر. لم يبدأ برؤية أليف العظم الصغير يتحرك إلا بعد دقائق معدودة.
رأى حقيقته جلية. ظن طوال هذا الوقت أن الهياكل العظمية تتحرك كالأفاعي. لقد كان مخطئاً. كانت تتحرك كالكديدات. ديدات بيضاء ملتوية. طفيليات. تلك التي تصيب المرء من شرب الماء الآسن. أدرك وهو يراقبه يتلوى في الماء كم كان غريباً غياب المعرفة بوجود هذه المخلوقات عن الأوساط الأكاديمية. لا يمكن لشخصيته معرفة سوى ما يعرفه من نشأ على الجزر الخارجية. الدليل الوحيد الذي خرج من القارة على وجود هذه الديدات تمثل في قصة أطفال مخيفة وقديمة.
ومع ذلك بدا أن العلماء كانوا يجرون تجارب عليها هنا في هذا المرفق الجوفي. وأياً كانت المعرفة التي اكتسبوها فلم تغادر هذا المكان أبداً. ما الذي كشف عنه؟ ومن فعل هذا؟ حين أعمل الأليف تشكيل نفسه واستعاد حواسه البدائية، لاحظ هوليس فجأة وبدأ يتلوى نحوه. ابتعد بضع خطوات، وهي مسافة تعادل أميالاً بالنسبة إلى الديدة. استارت وعادت إلى بركتها الصغيرة.
لقد حققت اكتشافاً!
لقد فعل حقاً، مع أنه لم يكن الأول. أما السؤال الحقيقي فكان: كيف يمكنه استغلال هذا الاكتشاف للهروب؟ وماذا صار يعرف الآن عن هذه الهياكل العظمية مما قد يساهم في المساعدة؟