لقي رجل الدّرع العظيم كادحاً في ممرّ جبليّ، يكسّر الصخور المتساقطة على الدرب. توقّف، لأنّ الطريق ظلّ مغلقاً، وحيّا الرجل المُقدّس.
قال ملاحظاً: "يبدو غريباً للغاية، أن يصادف المرء درع البشر بينما هو يفتّت الحجارة. أليست قوتك في الصلابة والمتانة؟ كيف تطوع روحك للهدم وهي لا تمنحك هذه القدرة؟"
توقف الدّرع العظيم عن عمله ليجيب.
قال: "ثمة حقيقتان. قوة الحجر، وقوة قبضتي. كلاهما حقيقيّ وصحيح، وروحي تدعمهما معاً".
سأل الرجل: "كيف يتكسر الحجر إذن، بينما تبقى قبضتك سليمة؟"
التقط الدّرع العظيم حجراً آخر، ممسكاً به في كفّه العاتية.
قال: "تدعم روحي كليهما، لكن عقلي هو حَكَم الحقائق. لي أن أختار أيهما الحقيقي، وأيهما يجب أن يذعن. هذه هي قوة الملوك، التي ترفعنا فوق الطبيعة وحدها".
أدرك الرجل رنين الحقيقة المُقدّسة وجلس ليراقس الدّرع العظيم وهو يفرض حقيقته على الجبل.
- كتاب الآيات الثماني، آية الاتحاد. (طبعة كيثمان الجديدة، 542 بعد الدمار)
باغت مايكل اهتزاز عنيف فأيقظه. اعتدل في مقعده والتفت حوله ولم يَر خارج نوافذ الشاحنة سوى الأشجار وبقع من الأعشاب المنخفضة.
قال أوناي وهو يدير الشاحنة متفادياً حفرة بالغة السوء في الطريق: "عذراً. يبدو أن سَف قد أهملت صيانة طرقها بعض الشيء".
أطلق مايكل سخرية قصيرة.
قال: "لقد شغلهم أمر آخر. أظن الأمر مغفوراً بالنظر إلى الظروف".
منحه أوناي نظرة خاطفة.
وقال: "هراء. الطرق هي شرايين الحضارة. وكحال البشر، تُعد العوائق والانسدادات كارثة على صحة الدولة".
أعاد الشاحنة إلى منتصف الطريق بزمجرة ساخطة.
"هذا سوء إدارة. علامة مجتمع مريض. كل الطرق في منديان جميلة ومعبدة جيداً وخالية من الأنقاض".
ضحك مايكل: "كلها؟ ماذا، هل تتفقدها؟"
"هناك تقارير، وتخصيصات ميزانية في الباتزار. ليس ثمة مقاييس لصحة البلاد أفضل من ميزانياتها السنوية. أنا أحضر كل..."
توقف أوناي ثم استقر ببطء في مقعده.
وأكمل: "اعتضتُ حضور كل جلسة كبرى للباتزار".
شعر مايكل بالألم يتسرب من الرجل المسن، خافتاً ومُلِحاً على هيئة جرح متقرح. شعر برغبة في طمأنة أوناي؛ فمايكل سيكون نجم منديان القادم. وسيكون أوناي مرحباً به، مقدراً وقادراً على العودة إلى شبه طمأنينة. تراجع إلى داخل عقله متفحصاً تلك الرغبة وهي تمر. كانت ستكون طمأنينة سطحية، استجابة عمياء للألم. تنفس مايكل مرة واحدة بتعمد وفكر.
قال بدلاً من ذلك: "قال أنطولين إنك كنت تعمل لصالح الباتزار نفسه. لصالح مديريتهم الخارجية؟"
أومأ أوناي برأسه.
وقال: "قبل أن تتلبسني الروح، قضيت خدمة في الجيش في شبابي وبضعة أعوام في حصون الحدود. في تلك الأيام كانت الزوزينداريتسا تتبع ميندوزا العجوز، لا ابنه الأحمق".
هز رأسه.
"كان قائد الكتيبة قريباً لهم، صلة بعيدة. سألني إن كنت أردت شيئاً أكثر تحدياً من مراقبة الأشجار والصخور بحثاً عن متسللين إسْرونيين حمقى، فقلت نعم".
سأل مايكل: "أكان كذلك؟ أكثر تحدياً أعني".
ابتسامة داعبت شفتي أوناي.
"أوه، نعم. عليك أن تفهم أن منديان دولة محايدة. هذا يعني أننا لا نتدخل رسمياً إلا في سيناريوهات ضيقة قليلة. غير أن للباتزاركيديا أعمالهم الخاصة، وإن حدث وخدم بعض ذلك مصالح منديان... حسن ألا يلوم المرء دولةً على أفعال بعض الوطنيين المتحمسين".
ابتسم مايكل مطلقاً ضحكة: "يمكن للمرء ذلك يقيناً. ولكن عليه أولاً أن يضبط أولئك الوطنيين متلبسين".
"هذا تماماً ما أريد".
أبطأ أوناي السرعة عند منحنى في الطريق مُمَعِناً النظر بينما رش المنعطف ضوء شمس منخفضاً في عينيه.
"كانت القارة فوضى عارمة آنذاك. أبرمت إسرو هدنتها مع سَف حين بدأت خدمتي؛ وبدت الأمور جيدة من منظور خارجي. أراَتني سنواتي الأولى في المديرية حقيقتها الحقيقية، مناورة من سَف لترسيخ مكاسبها والتركيز على جبهة أردان".
نظر إلى أوناي مرة أخرى بوجه مقبض.
"كنا في حالة هلع. خططت منديان لإبقاء الجبهات طويلة وفوضوية قدر الإمكان لاستنزاف سَف حتى الموت. انقضى العقد التالي في محاولة دعم دولة داريسان المتهالكة، وإعاقة سَف حيث استطعنا، وضخ الموارد عبر وسطاء".
عبس.
"لكننا فشلنا هناك أيضاً".
أومأ مايكل بينما كان عقله يغربل مقاطع مسترجعة جزئياً من كتب تتناول الحرب.
"ماذا حدث؟"
أجاب أوناي: "صالح تاسكين. تلقى روحه جندياً مشاةً، في سن مبكرة جداً. طوال القسم الأول من الحرب امتلكت سَف واحداً فقط من الثمانية، سيفير. ضاع الدخان لأعوام، وكان حامله في أرض بعيدة أو يعيش في هدوء. حين حاز تاسكين الروح بعث الحيوية في هجماتهم ومنحهم تعصباً متجدداً".
تجهم.
"أصيب الباتزار بالذعر. صار لدى السَفيد الآن رد مباشر على قوة النجم. لهذا وافقوا حين طلب منهم أردالت تحويل يورغ دريشنر إلى ورقة رابحة".
رد مايكل: "هاه".
لم يكن يتوقع أن يبرز اسم يورغ جزءاً من هذا التاريخ الخاص.
"أكانوا ينوون أن يقاتل يورغ صالحاً؟"
أتى أوناي بحركة مبهمة بيده؛ وترنحت الشاحنة فوق أخدود في الطريق قبل أن يلتقط أوناي المقود بسرعة ليعيدها إلى مسارها. سمع مايكل شتائم مكتومة من الجنود في الخلف.
قال أوناي بابتسامة خافتة: "ربما نوى الباتزار ذلك، لكن إن فعلوا، فقد أخفقوا في فرض نيتهم على جلالة الملكة. كانت دارسة لفن الحكم والأرواح منذ بداية ولايتها، وعلمته ما رأت أنه سيحسن قدرة أردالت على القتال".
عبس مايكل مع تدفق بقية القصة مما نقله يورغ.
"لم تنجح الأمور تماماً كما نوَت".
تنهد أوناي: "كانت فعالة بالقدر الكافي. قاتل الأردانيون وبشكل أفضل مما توقعنا. ثمة مخاوف بشأن استخدامهم الكثيف للأوبرور، لكن ليس للحد الذي يشعرنا بالاضطرار للتدخل. في الواقع، قضيت غالبيتنقضى الستينيات في رونز متجولاً بزي تاجر؛ غذى الباتزار الأردانيين بمعلومات عن تحركات القوات والقوافل على سبيل العادة".
لاحظ مايكل: "تجعل الأمر يبدو وكأن البلدين كانا حليفين تقريباً".
أطلق أوناي سخريتها.
وقال: "أبعد ما يكون عن ذلك. أشك في أن أكثر من نفر قليل من الباتزاركيديا عرفوا ما كان يفعله العجوز ميندوزا. نجح الأمر مع ذلك، وبشكل جيد للغاية. ما افتقروا إليه من أرواح ذات قوة استثنائية بدأوا يعوضونه بجودة جنودهم النظاميين. على مدار العقد التالي حارب الأردانيون السَفيد حتى وصلوا إلى طريق مسدود. بدأوا في كسب الأرض. جعلهم تاسكين يدفعون ثمن كل خطوة، لكنه لم يستطيع عكس زخمهم. كانوا مستعدين للزحف نحو إيميس في الحادي والسبعين، فقادت سيفير رجال سَف لوقف التقدم".
نظر إلى مايكل.
"سقطت، وفي غضون أسبوع أعلن المعهد أنهما أمّنا الروح لأحد أبنائهم، ابن عضو في الجمعية".
رمش مايكل: "فريدريش. تلك ليست القصة التي قدمها لي معلمي. أتذكر بوضوح سماعي أنه تلقاها في قتال فردي".
رفع أوناي حاجب شفقة: "ضد سيفير، بينما كان مجرداً من الروح؟ جودة التعليم في أردالت..."
قال مايكل بتعب: "نعم، نعم. أنا أدرك هذا أكثر فأكثر".
هز رأسه ثم رمق الخارج من النافذة. كانت الأشجار تتطاير في تجمعاتها غير المنتظمة. مد يده من النافذة تاركاً أصابعه تشق الهواء المرتطم.
قال في النهاية: "من الغريب ربط هذه الأحداث الكبرى من التاريخ بوجوه أشخاص التقيتهم".
ضحك أوناي وهو يهز رأسه.
"لا تبدو كاريخ أبداً في حينها. إنها مجرد حياة، بمنعطفاتها وتقلباتها. هذه الحملة، تحرير داريسان..."
توقف وتلاشت ابتسامته.
"تعقبنا لوك. بعض الأعوام فصول في التاريخ؛ وأتخيل أن هذا العام سيحرض مجلدات بأكملها".
عبس مايكل. بسط أصابعه في الريح بينما راحت روحه تملأ دوامات الهواء الخفية بنور أثيري. انثنت ودارت مع شق يده الهواء، وتمايلت بجنون استجابة لأصغر الحركات.
"أتساءل عما ستكتبه تلك الكتب عن لوك".
قال أوناي بيقين: "إنه قاتل. نادراً ما تهتم الأجيال القادمة بالطفولة المعذبة والمثل العليا للقتلة؛ فهم يُعرفون في المقام الأول بوصفهم حاشية في نهاية سيرة ذاتية أعظم".
تردد صدى في كلمات أوناي، مستدعيًا بعض النيران التي كانت تخبو داخل صدر مايكل. رآه أحدهم قاتلاً، ورآه آخر شيئاً أسوأ بكثير. عرف مايكل أنهما كانا على حق. بيد أن ذاكرته تمردت مزودة إياه بخصائص خائنة لذكريات لوك وهو يبتسم ويضحك، متوسلاً بإخلاص من أجل تلك الأرواح التي يراها تزهق حوله، ولم يستطع مايكل لوم ذلك الاهتمام. خصه أوناي بنظرة أخرى، طويلة ومتفحصة.
وقال: "أعلم".
عادت عيناه إلى الطريق، ناظرتين إلى الأمام.
"ما من بشر أشرار، لكن بعضهم مرضى بطرق تمس قلبهم الأخلاقي. من الجيد والصحيح مساعدة هؤلاء. لقد حاولت. وأنت أيضاً".
توقف قليلاً، واستمرت الشاحنة في الهدير على طول الطريق.
"على مدار الأعوام رأيت جلالة الملكة تزل مرتين، محكومة على شخصين بموت بطيء ومؤلم. طلبت مني العناية بهما كليهما. غير أن الطبيب لا يمكنه إلا توجيه الجسد في السبل التي قد يسلكها لولا ذلك، ولم يكن هناك سبل تقود هذين المريضين للتعافي. كان نصيبهما الوحيد هو المعاناة طويلاً وبشكل مروع قبل أن يأخذهما الموت. لكل منهما، هديته في طريق أقصر".
شعر مايكل بوخز بارد على مؤخرة عنقه، بحكة في يده المستعارة؛ فقبض كفه بقوة.
قال: "ليس الأمر كأنني لم أقتل من قبل. دماء غار، لقد قتلت... الكثير من الناس".
غط في مقعده للوراء.
"في بضعة أشهر فحسب. صار الأمر أسهل مما اعتذت. أجد طرقاً لتبرير ذلك. لإنقاذ أرواح أخرى، أو لأنهم كانوا فاقدين للأمل. وأقول لنفسي، مثلما قلتَ، إن ما فعلته ساعد، رغم أنه ألم، لأن تقصير الطريق وفّر معاناة على طول مداه".
قال أوناي: "شهدت لوك يقاتل في أينيك. أنت تعرف ما سيفحدث إن احتفظ بتلك الروح".
"أعلم".
سحب مايكل يديه من النافذة بينما تشبث البرد بجلده.
"لا شك في عقلي أن لوك سيجلب الكارثة للعلام كل لحظة يتمسك فيها بستيلار. حتى مع عقل سليم، فإن عبء تلك الروح سيسحقه. سيعاني الناس، وسيعاني معهم. أعلم ذلك. أعلم ذلك".
تدحرجت الشاحنة للحظات؛ ولم يقل أوناي شيئاً. شبك مايكل يديه معاً في حجره، تداخل الدفء والبرودة.
"لقد استرجعت ذلك الخط من التفكير وأعدت صياغته منذ ذلك اليوم، وأعلم أنه صالح. لم أشك في ذلك قط. أنا فقط..."
توقف والكلمات تدور نصف مشكلة على شفتيه.
"رغم كل العنف حتى الآن، لم أظن أنني سأكون ذلك الشخص الذي يمكنه تبرير قتل صديقه، ومع ذلك ها أنا ذا. متيقن. مقتنع تماماً. يجعلني أتساءل عما سأتيقن منه غداً".
قرع أوناي أصابعه على عجلة القيادة.
"إنه لسؤال ثقيل؛ على كل معافٍ أن يتفحص علاقته بالموت، واقفين بالقرب منه بالقدر الذي يتطلبه أداء عملنا. نراه خصماً يسرق مرضانا. لكننا في النهاية نموت جميعاً. الموت ببساطة هو الطرف الآخر للخبرة البشرية، حقيقة عالمية. لا مفر من مقاتلته".
نظر إلى مايكل.
"ما نكافح ضده هو المعاناة. هذا ما يفعله المعافون، وأنت معافٍ، أيها السيد الشاب باومغارت، رغم افتقارك للبراعة في الطب. لقد قمت بهذا العمل كل يوم من هذه الحملة".
أعاد أوناي انتباهه إلى الطريق.
"لذا فإشارتي هي أن تجد التعاطف لمواصلة ما بدأته. انغماسك في مشاعرك لا ينفعك وحدك، ولم أعهدك قط رجلاً أنانياً".
سأل مايكل: "وأين يتوقف الأمر؟ لا يمكن أن يكون مجرد تقديري الخاص هو ما يوجهه؛ فلوك يعتقد أيضاً أنه يجنب العالم المعاناة".
ضحك أوناي؛ ولم يكن هناك مرح في الصوت.
قال: "لو كانت هناك إجابة واحدة عن ذلك، لتخيلت أنها ستكون تعليماً إلزامياً في كل حجرة دراسية".
هز رأسه.
"قاومت جلالة الملكة دائماً تعريف الأرواح بما يتجاوز عموميتها. رأت أن ذلك يحرم حامليها فرصة الوصول إلى تجلٍّ ملائم فريد لعقولهم، ومواقفهم، وجهة نظرهم. أن لكل منا جانباً ذاتياً فريداً لوجودنا لا يمكن لأحد أن يحدده نيابة عنا".
تنهد مايكل: "هذه طريقتك لتقول إن عليّ الإجابة عن هذا السؤال بنفسي إذن. أين يتوقف. إن توقف".
تحولت ابتسامة أوناي إلى شيء أكثر حقيقية.
قال: "لديك بعض الوقت للتفكير في الأمر على الأقل. لن نتمكن من السفر في هذه الطرق بعد حلول الظلام، ولن يتحمل الرجال ذلك أيضاً. اختيارنا للمعسكر ووجبة المساء هو المشكلة الوحيدة التي ستضطر لمواجهتها اليوم. في ضوء الغد، قد تبدو الأمور مختلفة".
تنهد مايكل مستنداً برأسه للوراء على المقعد: "أنا أبدو سخيفاً بعض الشيء، أليس كذلك؟ أنا آسف. لا أصدق القلق. لا يوجد شيء يمكن لأي منا فعله حيال مشاكلنا هنا، في هذه الشاحنة".
رد أوناي: "ليس تماماً. يمكنك محاولة النوم، على سبيل المثال".
ارتجت الشاحنة فوق سلسلة من المطبات المنخفضة؛ ومنح مايكل أوناي نظرة تشكيك. ضحك الرجل المسن وواصل القيادة.
توقفا عند غروب الشمس بينما كان الشفق لا يزال يصبغ العالم بألوان باهتة. لم تختلف داريسا الغربية كثيراً عن المرتفعات الداخلية بالرغم من أن انخفاض المنخفض حال دون بعض البرد الذي كان ليتسرب إلى المساء. سادت بدلاً من ذلك ليلة منعشة تمازج فيها عبق الأشجار المحيطة بلطف مع أولى نفحات الدخان والحساء المنبعثة من مواقد الطهي. قلق مايكل عند توقفهما للمرة الأولى لافتقاره إلى الخبرة في إعداد معسكر عسكري مؤقت غير أن جنود أردان شرعوا في أعمالهم فوراً تاركين إياه واقفاً عند جانب الطريق يراقبانهم وهم يخرجون المؤونة من الشاحنات ويباشرون إقامة المعسكر في بقعة منبسطة من العشب.
توقع أن يتولى لارس توجيههم في جهودهم بيد أن القائد الأرداني لم يقل الكثير لرجاله. في المقابل وجد زابالا الكثير ليُعقب عليه؛ فجال جيئة وذهاباً بين الرجال أثناء عملهم مغيرًا مواقع الخيام وحلقات النار وموجهاً آخرين لجلب الماء من جدول قريب ومزيداً لنهب بقايا بستان يقع في الطرف الأقصى من المساحة الخالية وقد نضج معظم تفاحه وسقط على الأرض. استشعر مايكل تياراً خفياً من السخط يتصاعد ضد زابالا فوراً.
رمق الرجال ظهره بنظرات محتدة متمتمين بلعنات ضد الدخيل المينديكي بينهم. وألقى أكثر من واحد نظرة على لارس الذي كان منغمساً في حديث مطول مع تشارلز غير أن أياً منهما لم يولِ المعسكر أدنى اهتمام. أقبلت سوبريكيه لتقف بجانب مايكل رافعة حاجباً واحداً.
وقالت: "أنت تتأمل في ملل".
أومأ مايكل برأسه نحو زابالا الذي كان يشرف حينذاك على رجلين متمردين لنقل خندق مرحاضهما المحفور جزئياً إلى الطرف الأقصى من المعسكر.
ولاحظ مايكل: "إنه لا يكسب أي أصدقاء".
فأجابت سوبريكيه: "لا أظنه يحاول. يبدو أن جنود أردان يزعجونه على مستوى شخصي عميق وهو أمر يمكنني التعاطف معه".
وأشار مايكل: "علينا أن نعمل معاً لفترة من الوقت".
وتابع بعينيه زابالا وهو يكرر طلبه مقترباً بخطوات أوسع. فرفع أحد الجنود وهو رجل ممتلئ الجسم بوجه أفطس ووحشي مجرفته بغضب رداً على ذلك. بدأ مايكل بالتقدم نحوهما ليتوقف فجأة عندما قبضت يد سوبريكيه على معصمه. فنظر إليها؛ فهزت رأسها. والتفتا مجدداً في اللحظة ذاتها التي هجم فيها الجندي الحامل للمجرفة بغضب على رأس زابالا. اصطدم النصل المعدني للأداة برأس زابالا بصوت أجش وارتد عنه.
وقف زابالا دون حراك مووجهاً نظرة خاوية تماماً من الاهتمام إلى الجندي الذي هاجمه؛ وبعد لحظة واحدة قطع المسافة الفاصلة بينهما ليقبض على ساعد الرجل. سقط الجندي على ركبتيه فوراً. والتوى وجهه من الألم مع أن زابالا لم يظهر أي جهد. أشار المينديكي مرة أخرى إلى حفرة المرحاض ثم إلى الطرف الأقصى من المعسكر. وقال شيئاً بصوت منخفض انتزع إيماءة سريعة ومتألمة من الرجل الأرداني.
أخلائه زابالا وتراجع خطوة إلى الوراء ثم ابتعد بخطوات متمهلة نحو قسم آخر من المعسكر. رمش مايكل متحيراً بينما تراجع جوه الاستياء والتأفف في المعسكر. رفع الرجلان مجرفتيهما وسارا نحو الطرف الأقصى من المعسكر بينما أنصت البقية لزالبا بقبول مستسلم بل وشوب شعور يشبه الارتياح بشكل غريب.
قالت سوبريكيه ناخرة بأنفها وهي تهز رأسها: "جنود. المينديكي محترفون على الأقل. تبدو هذه الحثالة كحيوانات جر أكثر من كونها بشراً. أتسااءل عما إذا لم يكن أفضل تركهم والمتابعة بصحبة تشارلز وأوناي وزابالا وحدهم".
اعترف مايكل وهو يفرك زغب الشعر النامي على فروة رأسه: "يمكننا ذلك. لكن شبكة دعمك تظل ضئيلة حتى في داريسا الغربية. وإن عبر لوك إلى ساف فماذا إذن؟ حتى لو توليت الجزء الأكبر من البحث فسنحتاج إلى قاعدة عمليات. طعام ومؤونة ومراقبون وما إلى ذلك".
كانت سوبريكيه تبتسم له.
ومازحت قائلة: "أنظر إليك أيها القائد بومغارت. أقر بأن هناك حاجة متكررة لأيدٍ إضافية لكن هؤلاء الرجال؟ لا يفيد معظمهم إلا في العمل العبثي ولا أثق في قدرتهم على حراسة الليل دون فرار أو بيعنا للسافيين".
وأشار مايكل: "هم الذين شقوا طريقهم خارج سيطرة أوبرور ودافعوا عما ظنوه صواباً. لا بد أن هذا يعد لشيء ما".
فقالت بلا مبالاة: "إذن فهم عصاة متمرسون. رائع".
تأمل مايكل المعسكر بعينيه مراقباً الرجال وهم يترددون في أعمالهم.
وأقر وهو يتابع زابالا وهو يخيم بهيبته فوق جندي آخر يصارع لنصب خيمته: "صحيح أنهم لا يرتقون إلى معايير المينديكي. لكنهم انقلبوا ضد سادتهم بسببي جزئياً على الأقل. أرادوا تغييراً وحاربوا من أجله. إنها الروح ذاتها التي أظنك بحثت عنها بين ثوارك الخاصين".
كعكت سوبريكيه أنفها.
وقالت: "أظن ذلك".
جلست بصمت لبضع لحظات مراقبة الرجال وهم يمضون في أعمالهم. بملابسهم المينديكية الباهتة الخاصة بأوقات الاستراحة بدا الرجال أقل شبهًا بالجنود وأقرب إلى فرقة من عمال المياومة المتشابهين بشكل غريب ممن يمثلون أدواراً عسكرية وهو ما كان صحيحاً بشكل عام في تقدير مايكل. عدا عن زابالا ولارس ربما اقتصرت دوافعهم للخدمة العسكرية على ظروف مؤقتة؛ وحتى حينها فقد نبذوا ألوان أردان لصالح المينديكي.
والآن صاروا في خدمة مايكل. ضربته الفكرة بقوة غير معتادة راكضة في رأسه بشكل مزعج بينما كان المعسكر ينهض حوله وتوقد النيران. وانتزع من تأمله عبير العشاء الشهي الذي بلغ ذروته؛ فذكرته معدته باهتمامات أكثر إلحاحاً. كانت سوبريكيه قد تجولت تاركة إياه لخواطره فانضم إلى الطابور المتطاول. ولم تمر سوى ثوانٍ معدودات حتى التفت الرجل الواقف أمامه ليرى من انضم إلى طابورهم. لكان شحوب وجهه مضحكاً لو لم تكن الفكاهة غائبة عن مايكل في تلك اللحظة؛
ليصبح سريعاً محط اهتمام محرج. بعد لحظة تنحى الرجال جانباً لتوجيه دعوة واضحة لمايكل للتقدم متخطياً إياهم نحو الحساء. بدا الأمر مزعجاً للغاية وشعر مايكل برغبة عارمة في رفع يديه وإشارتهما للعودة إلى أماكنهم والاحتجاج بأنه سينتظر في الطابور لنيل حصته كالبقية. ترك الدافع يمضي منساقاً مع هواء المساء الساكن. كان هناك الخوف القديم والمألوف. مخيب للآلام لكنه متوقع؛ فقد توقف مايكل منذ زمن طويل عن الانزعاج منه.
ولم يكن بمقدوره حتى القول إنه بلا أساس. غير أنه تحت تلك النقطة الحادة وجد المزيد. حالة من عدم اليقين والتوتر وشيء غامض ومشرق — أمل ربما أو توقع. رجال يعانون فراغاً في مواضع طالما استقر فيها شعور اعتيادي بالوطنية أو الواجب باحثين الآن عن وجهة جديدة. لم يرغب مايكل في ذلك؛ فقد كان مؤلماً تقريباً أن يرى نفسه مغتصباً لعباءة مايكل بومغارت آكل القلوب ذلك الرجل الخيالي الذي نسج حوله الكثير من جنود ساف وأردان على حد سواء قصصاً كثيرة.
لقد تفوح منه رائحة الغطرسة والافتراض وسلوك يتماثل كثيراً مع المثال الذي رسمه والده. ومع ذلك فهذا ما لم يرده؛ لا يزال الرجال يقפים في الانتظار لكي يتناول حساءه أولاً. لم يعتقد مايكل للحظة واحدة أن زابالا يكن أي عداء حقيقي تجاه هؤلاء الجنود بل مجرد نوع من الضيق الأبوي غير أن العداء كان موجوداً. سعى الرجال إليه وتوقعوه وتششبثوا به كغريق يتمسك بطوق نجاة. سار مايكل في الطابور بخطى موزونة متجاوزاً الرجال المنتظرين ليتوقف أمام قدر الحساء.
وقال: "رائحتة زكية. ماذا فيه؟"
أنزل الرجل حامل المغرفة بصره.
وقال: "لا شيء فاخر يا مولاي. مجرد لحم خنزير مملح وبطاطس".
أرجوك، نادني مايكل وحسب.
"يبدو مثالياً لهذا الطقس".
مد مايكل وعاءه منتظراً ريثما يغرف الرجل حصة وافرة.
"شكراً لك".
"بالتأكيد يا مولاي".
خفض الرجل رأسه مجدداً ثم رفعها ببطء شديد.
"لا أقصد التمادي ولكن بعضنا - الرجال يا مولاي كنا نتحدث..."
برَماد غار أيها الرجل لست لُورداً — اطرح سؤالك وحسب!
قال مايكل رافعاً حاجبه: "نعم؟"
قال الرجل وبدو عليه الامتعاض رغم خروج الكلمات من فيه: "كنا نتساءل عن وجهتنا القادمة. وعن الأجر أيضاً يا مولاي".
نظر مايكل مطولاً إلى الرجل للحظات متطاولة حتى احمر وجه الرجل خجلاً والتفت جانباً متمتماً بكلمات لم يُستطع التقاطها. كانت نظرة باردة وخالية من المشاعر؛ ولم يدرك مايكل ذلك إلا بعد أن استمر في توجيهها لفترة طويلة متشتتاً تماماً بغياب الإجابات الجاهزة لديه لتلك الأسئلة. أجبر عينيه على الارتفاع لتجاوز الرجال الذين التفتوا جميعاً نحوه بانتظار. حبس مايكل أنفاسه ثم أخرجها ببطء.
فقال: "يُفترض بي غالباً أن أشرح طبيعة ما نفعله أليس كذلك؟ الأمر أبسط مما تتخيلون. لقد اختطف رجل ستيلا نجمة مينديان. سأمضي للبحث عنه واستعادة الروح لنفسي وأحتاج إلى كتيبة من الرجال الأكفاء لمساعدتي في البحث".
قابلته نظرات خاوية؛ وظل فم أحد الرجال مفتوحاً بشكل مضحك.
فقال مايكل: "قد نمضي في طريقنا وصولاً إلى ساف. وقد يستغرق البحث بعض الوقت مع أنني آمل إتمامه قبل نهاية العام. أما عن الأجر-"
التفت برأسه نحو سوبريكيه التي كادت تكتم ضحكتها.
"أدرك أن الكثيرين منكم يرغبون في البقاء بداريسا الآن بعد أن وضعت الحرب أوزارها. تمنحكم الخدمة حق الإقامة إضافة إلى مال يكفي لتستقروا بارتياح".
رسمت سوبريكيه تعبيراً عبوساً عند ذلك؛ فتمتم الرجال باستحسان.
صاح أحدهم من الخلف: "كم من المال؟"
لا أدري البتة ولست متأكداً حتى من سعر الصرف- "ألف ليفْر".
اتسعت عينا سوبريكيه وكمد مايكل غضباً في داخله.
"نصفه يُدفع عند العودة ونصفه بعد عام من الإقامة الهادئة".
تعالت بعض التذمرات إثر ذلك لكن سوبريكيه أومأت برأسها مجبرة.
قال مايكل: "فكروا في الأمر جيداً. وأي رجل لا يرغب في تقبل المهمة فهو حر في السفر معنا إلى البلدة التالية والمغادرة بحرية كاملة مع حقيبة ممتلئة ودون أي التزامات".
المزيد من التذمرات. تقدم رجل من الخلف - وعرفه مايكل بأنه ذاته الذي حاول ضرب زابالا.
وسأل: "أتتوقع منا مقاتلة ستيلا؟"
أبقى مايكل نظراته متصلة لحظة مطولة أخرى مع أن هذه الإجابة لم تتطلب تفكيراً يذكر. من الواضح أنهم لم يُكلفوا بمقاتلة لوك فهذه مهمة مايكل وحده. غير أنهم عرفوا ستيلا ورأوا قوة تلك الروح فصار الخوف المتسلل في صدورهم الآن أشد بكثير مما كان عليه من قبل. خفت الصوت المعترض في داخله. وبقيت هواجس مايكل وشكوكه - ظلت على حالها لكنها أصبحت بلا جدوى في هذه اللحظة. لم تكن ما يحتاجه هؤلاء الرجال.
حوّل مايكل بصره ليرى نفسه بمنظورهم؛ فرأى رجلاً بملامح جادة وهادئة وعينين مستترتين بنصف ظل. لكنه - مجرد رجل.
وقال: "ستكون تلك معركتي وحدي. ومعركتي فحسب".
سخر الجندي مائلاً برأسة للخلف بارتياب.
وقال: "يمكنك قتال ستيلا؟ وحدك؟"
رفع مايكل وجهه نحو النور ناظراً إلى من تحدث. لكنك أكثر من مجرد رجل. لديك روح تتطلع لعقلك لفهم حقائق معينة. حرر عقلك... دع مايكل روحه تتمدد برفق وهدوء طافية على رياح المساء الخفيفة. سكن الهواء وتوقف العشب عن الهمس. راقب مايكل بعيني جندي ليتحول الرجل قرب قدر الحساء إلى شيء أكبر بشيء ذي عيون تعكس ضوء المرايا وصوت يأمر. غير أن الصوت لم ينطق؛ فقد فعل ما فيه الكفاية. أغلق مايكل عينيه منصتاً بدل ذلك ومتركاً بصره ينجرف عائداً إلى الداخل.
وتبعت روحه بعد لحظة ملتصقة لتعانق العشب والرجال المذهولين وأشجار التفاح الهادئة ولكل منها مخزونها السري من الطرق المتفرعة إلى ما لانهاية للأمام. فتح عينيه وابتسم للجندي الذي تحدث.
وقال: "حسن إذن، أظننا سنرى".
أومأ مايكل برأسه للجندي الذي يقدم الحساء ثم أخذ قضمة من تفاحة صغيرة بالغة النضج بيده الأخرى. كانت شهية تماماً كما توقع.