يحوي الكتاب دروساً كثيرة عن الحياة، لكنّ كل امرئ يقرأ فيه حقيقته الخاصّة. أقبل عليّ كثير من الدارسين الشبان، وقد أرقهم هذا الزعم؛ أليس الكتاب حقيقة ثابتة لا تتغير، كاملة ومطلقة؟ هو كذلك، وليس كذلك. الكتاب مجرد غرض دنيوي، يحوي نصاً دنيويّاً. طبعته أيدٍ بشرية على ورق صنعه بشر، وجلّده رجل بجلد. تُرجمت محتوياته، وكُتبت، وأعيدت كتابتها بأيدٍ بشرية. بوسع المرء أن يقرأ بين صفحاته تحيزات أجيال من المؤمنين وأجنداتهم.
بالطبع، لا يثير هذا التفسير في دارسينا سوى مزيد من اليأس. حينها يتحتم عليّ أن أوضح أن ثمة حقيقة واحدة لا تتغير: حقيقة الملك. يحملها كل منا في أعماقه، وكل شظية من هذا النور السماوي فريدة كفرادتنا. الكتاب لين في أيدي البشر لأن النور السماوي يوجه تلك الأيدي. حيث يرى البعض تحريفاً للنص، أرى أنا أثراً لنور المُنقِّح الهادي. ينكسر النور السماوي عبر كل كلمة في تلك الصفحات المقدسة، ويشق طريقه ببطء عبر السنين حتى يجد قارئاً كان في أمس الحاجة لرؤية تلك العبارة تحديداً.
ربما كانت الكلمات، على نحو هرطقي، غير مهمة. فالنور السماوي يدرك انعكاس ذاته حين يقرؤها، ويغمره الفرح لأنه ليس وحيداً.
- صالح تاسكين، في الاسترداد، 687
كان الطريق ممهداً في ما مضى. لا تزال أجزاء منه كذلك، وإن كان مايكل قد توقف منذ خطوات عن ملامسة بلاط الرصيف الرمادي المنظم للمدينة. تكسرت حجارة مفتتة وأتربة تحت حذائه؛ فانحرف يساراً ليتفادى فجوة في الطريق.
نالت الحرب من "ايميس"
خلال الشهر المنصرم.
وبدت الأجزاء السليمة منها جميلة، بل رائعة، فلم يستطع لوم "السافيد"
على الإهمال أثناء احتلالهم لها. كانت هذه بصمة الحرب على البلدة. وستشعر بها مجدداً، مرة واحدة على الأقل. غمض مايكل عينيه وأخذ نفساً عميقاً. لم تعد جفناه تحجبان الرؤية عنه في شيء، لكن الحركة ساعدته على الاسترخاء. كان ضوء المرآة يرقص حوله بعيداً عن الحواف والأسطح، متلويًا حول هيئات الرجال. وفوقه إلى اليمين، تجمّع الضوء واحتدّ؛ وجّه نظره فإذا بامرأة تغلق مصاريع نافذتها.
ظلت نظرة الرعب على وجهها عالقة في بصره للحظة. قطب حاجبيه.
لم تكن "ايميس"
تبدو كمدينة محررة. شعر بتدفق مشاعر باهتة من أرجاء المدينة كافة، تفيض بالخوف والارتياب والإنهاك.
ثمة فرح، نعم، لكن حتى أولئك الذين رحبوا بنهاية حكم "السافيد"
أدركوا أنها لن ترحل دون ضريبة. لوحت فكرة تلك الضريبة في ذهن مايكل، هلامية تتربص من كل زاوية عمياء، ومن كل نافذة نصف مغلقة تشرف على مسارهم بين المباني المنخفضة الهادئة في الضاحية الخارجية. كانت خطوط النوايا تشتد وتخبو حيثما نظر، أصداء خافتة من الضغينة تتردد في الأزقة.
قال "أنتولين"
وهو ينظر إليه بعينين كليلتين: "هؤلاء رجالي. اليوم هم في عهدتك. لن أقول إن عليهم ألا يموتوا، فنحن في حرب؛ والرجال يموتون. أطلب فقط أن تبرهن أفعالك اليوم على القيمة التي توليها لحياتهم".
استدار المارشال الكبير نحو مجموعته ومضى، تاركاً مايكل وحيداً مع فرقته الصغيرة من الجنود - بضع عشرات من الجنود، وفريق صغير من الصنّاع، وبضعة مهندسي اتصالات ومعدات. الآن يمشي وسطهم.
راقب مايكل أحد صنّاع "مينديكو"
وهو ينحني ليعالج الفجوة في الطريق، إذ تلاشت الحجارة المحطمة في شبكة قرصية رخوة ملأت الفراغ. بعد لحظات، تصلب السطح، ولم يتبقَ سوى مساحة ملساء من الحجر. لم تبطئ المجموعة أو تتوقف من أجل الإصلاح؛
استقام الصانع وعاد مهرولاً نحو قلب المجموعة حيث يمشي "زابالا"، مشعاً بضجره المعتاد.
وخلفهم، في ذيل الرتل، كانت دبابات "مينديكو"
تزمجر وهي تتقدم. مشوا على هذا النحو لما يقرب من ساعة، عبر شوارع خاوية وساحات تناثرت فيها بقايا حياة هُجرت على عجل - حين أبطأ الكشاف المتقدم، واستيقظت مشاعره على فيض من التوتر الحذر. سرت دفعة من الأدرينالين في أحشاء مايكل؛ ورفع رأسه. ضغطت شبكة العالم الذهبية على بصره بقوة جعلته يحتاج للحظات قبل أن يتبين السبب الحقيقي للتوقف: أمامهم انهار واجهة مبنى للخارج، فأطاح بعمود إنارة وسحق عربتين بائستين.
سد ركام الطوب معظم الطريق، ولم يترك سوى مساحة ضئيلة على الجانب.
تقدم بضعة من الصنّاع، كان "تشارلز"
بينهم - مد يده إلى الكومة وطرق عمود الإنارة، فاهتز الحديد المصبوب بنقوشه متخلصاً من طبقة الصدأ والقشور وهو ينساب من بين الأنقاض. لمح مايكل يراقبه فابتسم له ابتسامة عابثة، وبرقت عيناه في شعاع الضوء الذهبي الذي ازدهر بجانب رأسه. بدت أفكار مايكل ثقيلة، متجمدة في رعب بلوري حين أدرك ماهية ذلك الضوء. لا بد أن شيئاً من ذلك ظهر على وجهه.
ارتمى "تشارلز"
أرضاً، وومضت بقايا العمود عديمة الشكل لتتحول إلى درع مقوس رنّ كالجرس حين ارتطمت به الرصاصة. اخترق صوت الارتداد الشارع؛ وتفاعل الجنود مع الصوت بدافع الغريزة. كان الصنّاع أبطأ.
سقط صانع آخر، وهو نحّات الحجارة الذي كان يقف أبعد عن "زابالا"، والدم يتفجر من عينه.
شتم آخر وضغط بيده على فخذه، متهاوياً خلف حاجز حجري رفعه رفاقه بعد لحظة. انبطح مايكل حيث هو، وقلبه يخفق. كان الجنود جميعاً قد وجدوا سواتر، إما مع الصنّاع أو في تضاريس المدينة المتنوعة؛ برزت فوهات البنادق من المداخل والأزقة، تبحث عن مصدر النيران. لم يأتِ المزيد.
صرخ ملازم "مينديكو"
بكلمة مقتضبة دفعت فريقاً صغيراً من الجنود للاندفاع نحو المقدمة.
قفز "زابالا"
من حيث كان الصنّاع متجمعين، راكضاً نحو الفريق المتقدم. شق صوت إطلاق النار الهواء مجدداً، ودار أحد الجنود حول نفسه. قبضت يده على كتفه لكنها خرجت خالية من الدم؛
فجره "زابالا"
أرضاً بزمجرة ضجر.
صرخ "الفورتيمين"
بحدة رداً على الملازم، الذي ردّ بالمثل؛ وما زال مايكل لم يتحرك. لم يمر وقت طويل منذ الطلقات الأولى، لكنه شعر وكأنه منبطح هناك منذ نصف الصباح. تداخل صراخ الجنود مع سيل الشتائم من الصانع الجريح. تمسك عقله بفكرة أن عليه حماية الجميع، لكنه لم يجد سبيلاً نافعاً.
لم يكن هناك أي "سافيد"
ظاهرين، ولا حشد من المهاجمين ليتم دحرهم. بدا الذعر خياراً مطروحاً، ورغم أن جزءاً منه أراد الاستسلام له، إلا أنه نبذه بعيداً. اليوم هم في عهدتك.
مدّ مايكل "ستانزا"
للخارج حتى أومض كل ما حوله بالذهبي الساطع في بصره، ومع ذلك لم تظهر أي تهديدات.
لم تظهر خيوط الضوء الخافتة إلا حين اندفع فريق ثانٍ من جنود "مينديكو"
نحو موقع "زابالا"؛
وقبل أن يتمكن من فعل أكثر من ملاحظة وجودها، أصابتهم الرصاصات، وإن لم تصب أحداً.
رد جنود "مينديكو"
النيران. هزت أسلحتهم الشارع، وتناثر الزجاج المحطم من النوافذ التي استرعت انتباههم. وميض ضوء آخر تموج في زاوية بصر مايكل، استدعى ذكريات أقدم؛ فالتفت رأسه جانباً في الوقت المناسب ليرى نصلًا أثيرياً يخدش أخدوداً في الدرع الحجري للصنّاع. فتح مسلحون كثر النيران من حولهم مع انطلاق نصل آخر، ومع ذلك لم يظهر أي مهاجمين بوضوح.
أخيراً، التقط عقل مايكل فكرة نافعة من وسط الذعر الهلامي الذي يحيط بوعيه: المهاجمون يستخدمون روحاً مثل روح "سوبريكيت".
ترتبت المزيد من الأفكار حول تلك النواة المنطقية. كان هذا كميناً مُعداً. لقد نصبوا أنفسهم حيث علموا أن الجنود سيضطرون للتوقف لإزالة الحطام.
اختار "السافيد"
هذا المكان تحديداً لقتل الجنود المتقدمين؛ ومن المنطقي أنهم إن بقوا هنا، فسيتحقق ذلك. تعثر في برود هذا الاستنتاج للحظة، ثم وقف.
لم يظهر أي حل للكمين بينما كان يفكر، سوى تحذير "أنتولين"
الذي يتردد مع كل طلقة. أصابت موقعهم دفعة أخرى من الرصاص؛ أصابت رصاصة صدر مايكل. لم يشعر بها تقريباً، ومشى حتى حيث سد الحطام الطريق. كان الصانع الساقط هناك حين وصل إلى الركام. كان وجه الرجل مرتخياً فيما تبقى منه، أما الباقي فقد تحول إلى خراب من تشريح غير مفهوم. علق بصر مايكل في العين التي بقيت. لقد رأت، قبل لحظات.
انبطح مايكل حين مات الرجل، ونهض حين تذكر كلمات "أنتولين".
شعر بدفقة من الخزي حين راودته الفكرة، وبدت أولوياته مشوهة ومقززة وسط واقع النيران والدم الجاف. دفع كآبته جانباً بعنف، واستقام لينظر إلى الطريق الذي يبدو خالياً.
جاء المزيد من النيران من "السافيد"، أصابت بعضها جسده - رأى نسيج بنطاله ينسل ويتمزق حين ارتطمت رصاصة بساقه، بينما مزقت أخرى شريطاً من كم قميصه.
ظهر الجلد السليم من خلال الثقب في قميصه؛ انقبضت معدة مايكل. شعر برغبة في التقيؤ، لكن ضحكة انفجرت بدلاً من ذلك. كان صوتاً مروعاً، لا يمت للسبب بصلة. مسح فمه ونظر نحو العدو الذي لا يستطيع رؤيته.
صرخ وهو يخطو خطوة للأمام: "اسمي مايكل بومغارت!".
غرس قدميه في كومة الطوب الساقط، متسلقاً حتى وقف فوقها.
ومع خلو الطريق أمامه، غيّر قبضته على "ستانزا"، وشعر بطعمها على لسانه.
لم يكن كافياً أن يعلن اسمه.
لقد سرقه "السافيد"، وحولوا الكلمات إلى شيء رهيب.
أخذ نفساً، ونطق ذلك الاسم بدلاً منه.
قال: "أنا مايكل بومغارت"، وهذه المرة اهتز الغبار من بقايا الواجهة المدمرة.
توقف إطلاق النار. خطى مايكل خطوة أخرى للأمام. تشكل خط رفيع من النوايا الذهبية عبر الهواء المليء بالدخان، مصوباً نحو صدره. تبعه آخر، ثم آخر؛ وتلاشت في ضباب غير واضح في منتصف الطريق. بسط مايكل ذراعيه، يراقب الخطوط وهي تنمو، ويشعر بالضغينة تتدفق فجأة من جيوب خفية داخل المباني المحيطة، ومن الفجوات والأزقة في الأمام. شعر بها، وراقبها وهي تتراكم.
كان "سبارك"
زيتاً على شفتيه، يهتز بجذب تلك الفكرة العنيفة؛
رنّ أمر خبيث في صوته حين قال: "تعالوا واختبروا".
اندفع أول جندي من "السافيد"
على الفور، ظاهراً في منتصف الطريق وكأنه كان غائباً عن نظر مايكل فحسب.
أصابته رصاصة "مينديكو"
قبل أن يخطو ثلاث خطوات. تبعتها عشرات الرصاصات لتصيب مايكل، كقطرات في مطر غزير. اختفت الخطوط الذهبية أمام نافذة متجر محطمة. أشار مايكل إليها، منادياً؛
فأطلق جنود "مينديكو"
النار عليها.
تحركت ذراع "زابالا"
بسرعة، قاذفة قنبلة عبر المسافة الفاصلة. انفجرت واجهة المتجر دخاناً وشظايا. تلاشت الضبابية المضللة، وظهر رجال يحتضرون يترنحون إلى الشارع. لم يركز مايكل على ذلك، متجاهلاً الحرقة في صدره وهو يستدير وينادي على عقدة أخرى من الخطوط.
تكرر التسلسل مرتين أخريين قبل أن ينهار "السافيد"
ويهاجموا جماعياً. كانت صرخاتهم تصم الآذان، يتردد صداها بالخوف والغضب والاقتناع من المباني المراقبة من حولهم. ما لا يقل عن عشرين رجلاً تدفقوا من مخابئهم بينما كان مايكل يراقب.
مات أوائل الرجال الذين ظهروا بنيران "مينديكو"، وقفز رفاقهم فوق جثثهم بحراب مثبتة.
ركض أحدهم منخفضاً وسريعاً فوق كومة الحطام ليضرب ساقي مايكل؛ فقبض مايكل على البندقية وهي ترتد عن ركبته، منتزعاً إياها من قبضة الرجل وضارباً وجهه بعقبها. كان تناثر القرمزي أكبر مما توقع؛
فقد نسي روح "غالين"
في تلك اللحظة. استمرت الهلوسة رغم ذلك.
أطلق رجل النار عليه من نافذة عبر الطريق ليُقتل بدوره بنيران دبابة "مينديكو"
انتهزت الفرصة، مما أدى إلى سقوط وابل آخر من الطوب على الطريق.
قفز "تشارلز"
فوق حاجز الصنّاع في عاصفة من الحديد الدوار، بينما ألقى "زابالا"
قنبلة أخرى بسرعة جعلتها تصفر.
غاص نحّات "السافيد"
بعيداً عن ذلك الانفجار، وعيناه لا تزالان مثبتتين على مايكل. احتدم الهواء بينهما. أثار طعم روح النصل معدة مايكل، ضارباً إياه بثقل الذكريات. للحظة كان في الثانية عشرة، منكمشاً في الردهة بينما يجلده غضب أبيه - ثم ضربت النصال. لسعته، بأسوأ بكثير من الرصاص، لكنها لم تترك أثراً على جلده الذي أصبح منيعاً حديثاً. تشنج وجه النحّات غضباً وذهولاً قبل أن يدوي صوت طلقة وتتسع عيناه.
تخبطت يدا الرجل للقبض على صدره. انفجر رذاذ شرياني أحمر ساطع وهو يترنح، ثم انهار. حبس مايكل أنفاسه، منتظراً، لكن الألم قرب قلبه انحسر. سكن الشارع.
أطل جنود "مينديكو"
من حول سواترهم المرتجلة.
نادى "تشارلز": "يا صغير اللورد!".
انتفض بعض جنود "مينديكو"
لهتافه الصاخب المفاجئ، لكن الصانع لم يكترث لهم؛
كانت ابتسامته بيضاء ساطعة وسط دماء "السافيد"
التي تلطخه.
"لنبدأ بذلك في المرة القادمة".
خطرت لمايكل عدة عبارات غير مهذبة، نصفها يصف تكتيكات قائد معين من "أردان"؛
فالتزم الصمت والتفت لينظر إلى الصانع الساقط الذي لا يزال يسيل دمه على الركام المغبر.
تنهد مايكل: "نعم. أفترض أنه يجدر بي المشي في المقدمة".
لم تكن هناك كمائن أخرى بهذا الحجم في انتظارهم، وإن وقعت مناوشات من قناصين فرديين أطلقا النار على الفريق؛ فبدون دعم من الأرواح الخافية، لم يفلح أولئك المهاجمون في أكثر من كشف مواقعهم قبل أن يلقوا حتفهم. توقفوا عن التقدم حين أخلوا الطريق حتى ساحة السوق في المدينة، وتنحوا جانبًا ليدعوا المدرعات تتدفق إلى الميدان.
أعيد توجيه مجموعة مايكل إلى منطقة تجمع في وسط المدينة، وهي معسكر "أرداني"
محول صار يعج الآن بوجوه "المينديكو".
انفصل معظم الجنود عن مجموعتهم عند الوصول؛
وقاد مايكل "الأرتيفيكس"
التي أصيبت نحو خيام الإسعاف.
قال وهو يساعدها على العرج فوق البلاط: "أعتذر، لم أؤدِّ عملاً جيداً في تضميدها. تبدو قاسية".
رفعت "الأرتيفيكس"
حاجبها نحوه وقالت: "لم أمت بعد. هذا كافٍ كبداية".
ضحك وساعدها في بقية الطريق إلى خيمة الفرز، حيث سلمها لبعض المسعفين المنهكين.
مشى مايكل إلى الخارج واتجه صوب مركز قيادة المعسكر حين لمح "لوك"
يخرج متسللاً من خيمة قريبة.
رآه "لوك"
أيضاً، وسار نحوه بابتسامة باهتة. تصافح الرجلان.
سأل مايكل: "هل عدت للتو؟ يبدو أن الأمور هنا مشغولة".
قال "لوك"
وهو يطل على الخيام: "إنها كذلك. هناك الكثير من الجرحى جراء التقدم، فقد أعد "السافيد" مواقعهم مسبقاً".
نظر إلى قميص مايكل: "لكنك كنت تعلم ذلك بالفعل، أليس كذلك؟".
نظر مايكل إلى الأسفل؛ كان قميصه ممزقاً من الأمام، وفقد كمّه الأيمن. لم يكن حال بنطاله أفضل، وإن كان لا يزال ساتراً لحسن الحظ.
قال: "رأينا هجوماً بالفعل. قتيل وبضعة جرحى. كنت أوصل أحدهم للتو".
تنهد "لوك": "إذن فقد كان حالك أفضل من أغلبهم. عادت دوريات أخرى ومعها عشرات الجرحى. نعمل بأقصى طاقتنا منذ وصولنا، وليس مع الجنود فحسب. فالسكان العالقون في القتال يخشون الخروج طلباً للمساعدة. أظن أن نصف من في الخيام ليسوا جنوداً".
قال مايكل: "لحسن الحظ أنهم يملكونك".
لم يبتسم "لوك"
وقال: "هذا صحيح".
نظر بعيداً يراقب الرجال يتحركون في المعسكر، ثم التفت إلى مايكل: "سأبقى هنا، بعد انتهاء القتال".
رفع مايكل حاجبه، منصبّاً بكليته على "لوك"؛
لم يلحظ ذلك من قبل وسط مشاعر القلق المتضاربة في خيام الإسعاف، لكن "لوك"
كان يرتجف بطاقة عصبية.
سأله مايكل: "بشكل دائم؟".
قال "لوك"
محاولاً أن يبدو عفوياً رغم توتره الواضح: "ربما ليس دائماً. لكن هناك أشخاص يحتاجون إليّ هنا، وأظن أن هذا سيظل حقيقياً حتى بعد رحيل "المينديكو". إنها مدينة كبيرة، وهي تتألم منذ ما قبل بدء الحصار بزمن طويل".
قال مايكل وهو يتفحص "لوك": "أتصور ذلك".
حين وجدوه بالقرب من هنا، في معسكر "سيفر"، كان حطاماً بشرياً يتضور جوعاً.
أما الآن، فقد بدا بصحة جيدة تقريباً كما كان في جزيرة "سبارك"، وإن افتقد تلك الابتسامة الهادئة التي كان يظهرها آنذاك.
بادله مايكل الابتسامة، ومدّ يده، يده اليسرى، بحدودها الفاصلة الحادة عند المعصم.
اتسعت عينا "لوك"
قليلاً قبل أن يصافحه، وهو لا يزال يرتدي قفازات "المينديكو".
قال مايكل: "يسعدني أنك وجدت شيئاً تسعى خلفه. حقاً. تستحق القليل من السعادة بعد كل ما حدث".
ترك يد "لوك": "لكن إن احتجتني يوماً، فقط اطلب".
كان هذا، لسبب ما، هو الأمر الخطأ لتقوله؛
تلاشت ابتسامة "لوك".
قال: "أعتذر. أقدر كلماتك، ولقد كنت طيباً معي رغم كل شيء، أنا...".
توقف، واحمر وجهه، ونظر جانباً. ترك مايكل الصمت يطول، جزئياً لأنه لم يدرِ ما يقول؛
فقد كان تحول "لوك"
المفاجئ في النبرة صادماً.
أخيراً، نظر إلى مايكل مجدداً: "إن أردت العثور على السعادة في هذا العالم، فعليّ البحث عنها بعيداً عنك".
رمش مايكل؛
لم يعلم ما سيقوله "لوك"، لكن هذا تجاوز توقعاته بكثير.
"إن كنت قد فعلت شيئاً ليضايقك...".
كان "لوك"
يهز رأسه بالفعل: "أنت شخص طيب يا مايكل. تحاول جاهداً منح الجميع ما يريدون، وهم يحبونك لأجل ذلك. لكنهم يظلون يطلبون المزيد".
سأل مايكل: "هل الأمر يتعلق بـ "لير"؟ أظن أن "أنتولين" سيراقبها عن كثب الآن. لقد فاجأنا الأمر جميعاً، لكنه كان الأكثر تفاجؤاً".
مرر "لوك"
أصابعه خلال شعره، متجنباً النظر في عيني مايكل: "إنها هي. لكن ليس هي وحدها. "أنتولين"، و"سوبريكيه"، يؤمنون بأنك قادر على إصلاح كل ما فسد في العالم. وربما هم محقون. لكن العالم لن يستسلم ليدعك تفعل ما تشاء؛ فالعالم مصنوع من رجال خطرين سيدفعهم قوتك إلى اليأس".
رفع نظره والتقى بعيني مايكل: "مهما بلغت قوتك، لا يمكنك التحكم في ذلك. كلما ضغطت أكثر، زاد يأسهم. وأنت، ستكون بخير. لكن بقيتنا نقف تحت عاصفة متنامية، نأمل ألا يصيبنا ذلك البرق".
تنامى شعور مألوف بالإحباط في صدر مايكل لسماع كلمات "لوك"؛
فعبس: "أتعلم أن البديل عن هذا هو ترك "ساف" تدوس القارة بأكملها. ماذا تريدني أن أفعل؟ أتنحى جانباً وأتظاهر بأنني لا أملك القدرة على تشكيل العالم؟ أم أذهب لأعيش في مزرعة كما فعل "جيورج"؟".
سأله "لوك": "ألم يكن ذلك ما أردته يوماً؟".
حدق في مايكل بضيق: "ألا يمكنك أن تكون أقل من هذا؟ لأن العالم يحاول مجاراتك، وحين يعجز، وحين لا يوجد ما يقاوم تأثيرك الطاغي، تكون النتيجة تشنجاً من الفوضى يصب جام غضبه على كل من يعلق في المنتصف".
التوت شفتاه: "لا "سموك" ولا "سيبيل"، ولا "ستيلار" التي تضحك خلف زجاجها، بل الناس هنا، في هذه الخيام، الذين يتفككون أسرع مما يمكننا ترميمهم. عليّ رؤية ذلك كل يوم، تباً لك! أكان صعباً جداً أن تتظاهر بأنك أقل مما أنت عليه، إن كان البديل هو عذاب من لا يستحقون؟".
تصاعدت حدة صوته تدريجياً وهو يتحدث، حتى جذب أنظار المارة؛
اتسعت عينا "لوك"
حين أدرك أنهم تحت المراقبة، وتلاشت النار من عينيه.
قال: "أعتذر. لم أرد أن تنتهي الأمور هكذا. أردت أن... أن أتمنى لك السعادة، وحظاً سعيداً، وأن أشكرك لأنك كنت صديقي".
نظر جانباً: "لأنك كنت صديقاً لي، من أفضل الأنواع. لكن لا يمكنني الوقوف بجانبك بعد الآن. هناك الكثير من الألم الذي تخلفه وراءك. أريد البقاء هنا لأشاهد العاصفة تمر في مكان آخر، وأساعد أكبر عدد من الناس بقدر ما تسمح لي قوتي".
رسم ابتسامة صغيرة: "حياة من الخير الهادئ، وحياة أقصر من حياتك، لأتمكن من الموت وأنا أتظاهر بأن لدي يدين طبيعيتين، وأعيد كل شيء إليك. هكذا سنلتقي مجدداً، في أي عالم جميل تصنعه، ويمكنك وقتها إخباري كم كنت أحمق حين خفت منه".
ذُهل مايكل من هذا الهجوم، ومن هبوطه المفاجئ بقدر صعوده.
لامست بعض نقاط "لوك"
شيئاً في نفسه؛ بينما بدت أخرى ساذجة بشكل مزعج. قضى لحظة مع الردود نصف المكتملة التي تطفو في عقله.
أخيراً، وبالنظر إلى هيئة "لوك"
المنكسرة، قرر أنه يفضل الرد على الجزء الأخير.
قال مايكل: "لقد كنت صديقاً لي أيضاً. وأعتذر إن كنت قد سببت لك ألماً".
نظر إلى الخيام: "إن كنت قد سببت لأحد ألماً. لم تكن تلك نيتي".
أومأ "لوك"
برأسه، ونجح في رسم ابتسامة: "أعلم. ولا أقصد تحميلك المسؤولية. هنا في الأسفل كل ما تراه هو... التباين".
تلاشت ابتسامته، وهز رأسه: "لكنني أعلم. يساعدني أن أعرف أن هناك أملاً في النهاية على الأرجح".
رفع نظره، وعادت ابتسامة واهنة إلى وجهه: "قل وداعاً لـ "أوناي" نيابة عني. توقفت عن الذهاب لدروسه بعد أن فعلت "لير" ما فعلته بك. إنه رجل طيب حتى إن كان يعجز عن رؤيتها على حقيقتها. أدين له بالكثير".
التقى "لوك"
بعيني مايكل وأومأ. ثم استدار ومشى مبتعداً.
تأخر مايكل في العودة إلى مركز القيادة عن الموعد الذي حدده لنفسه، وما زال يشعر ببعض الدوار جراء أحداث اليوم. لم يكن في المكان سوى قلة من طاقم أنطولين حين دخل، لكنه لم يلبث أن لمح أنطولين نفسه جالساً في الزاوية يراجع تقريراً. رفع المارشال الكبير رأسه حين اقترب مايكل، وارتسمت ابتسامة شقت ملامحه التي أضناها الزمن.
قال: "مايكل، سمعت أن مهمتك تكللت بالنجاح".
تجهم مايكل وقال: "أمنا الطريق المؤدي إلى الساحة. لم أكن مستعداً لمواجهة السفيد. نصبوا لنا كميناً من خلف السواتر، واستعانوا ببعض الممسوسين للتمويه".
تنهد أنطولين: "أجل، واجهنا شيئاً مشابهاً. لحسن الحظ يبدو أنها كانت مناوشة لإنهاكنا لا محاولة جادة لمنعنا من دخول المدينة. لسبب ما، يبدو أن صالح يريد إبقاء القتال داخل إيميس".
نظر إلى مايكل بابتسامة ساخرة: "أنا أميل لمجاراته في الوقت الحالي. تأمين النصف الأرداني من المدينة يوفر لنا مكاسب تكتيكية ومعنوية كبيرة، لكن الأمر سيصبح دموياً حين يبدأ القتال بجدية".
أومأ مايكل: "كان الوضع فوضوياً. تمكنت من استدراجهم، لكنني خسرت أحد أسلحتنا المصنعة".
هز رأسه وأضاف: "أعتذر".
قال أنطولين: "سقط خمسة رجال من مجموعتي. السفيد بارعون في هذا النوع من الكمائن، لأنهم مستعدون للموت في سبيلها".
رفع حاجبه وتابع: "من بين الفرق الخمس التي كلفناها بفتح الطرق الرئيسية إلى إيميس لمركباتنا المدرعة، كانت فرقتك الأقل خسارة. الفريق الشمالي فقد نصف رجاله تقريباً، بمن فيهم كامل طاقم المهندسين ومقدمة الركاب المدرعة. لولا سوبريكيه التي غطت انسحابهم لما نجا منهم أحد، ولا يزال ذلك الطريق تحت سيطرة السفيد".
التوى فم مايكل، لكنه أومأ برأسه، بينما نهض أنطولين مبتسماً.
قال المارشال الكبير: "أنت لا تحب هذا. جيد. تحسّن. سنواجه اختبارات أقسى من السفيد قبل أن ننتهي".
نظر إلى التقرير في يده، وعاد إليه الإعياء: "بداية بذلك الطريق الشمالي".
كانت هناك خريطة على الطاولة المركزية في الخيمة. نظر مايكل إلى الامتداد الكبير للمدينة الذي لا يزال ملوناً بأزرق السفيد، بينما لا تتغلغل خيوط ذهب مينديكو إلا في أطرافها. كتل من المباني والمساكن والمتاجر.
سأل مايكل: "هل تظن أن صالح يريد حصر القتال داخل المدينة لأن الناس هناك؟ ليمنعك من استخدام لير في ضربة مباشرة؟".
تغيرت ملامح أنطولين: "خطر هذا ببالي. وهو ما يقلقني، فتاسكين لا يحتاج رهائن ليحمي نفسه من لير، فروحه تطابق روحها تماماً. إن كان السفيد يختبئون داخل المدينة، فهذا يقود إلى استنتاج مزعج".
تمتم مايكل: "أنه ليس هنا على الإطلاق. فأين هو إذن؟".
أخرج أنطولين كتاباً مألوفاً من جيبه وألقاه على الطاولة: "أدرس هذا الشيء اللعين كل ليلة. ورغم أنني أعتقد أنني بدأت أفهمه بشكل أفضل، إلا أنني لم أعثر على إجابة لهذا السؤال. إن أردت إلقاء نظرة بنفسك، فلك ذلك".
نظر مايكل إلى نسخة صالح المتهالكة من كتاب الآيات الثماني: "لا، شكراً. لدي ما يكفي من الفوضى في رأسي بالفعل".
رمقه أنطولين بنظرة فاحصة: "هل أنت بخير؟".
أجاب مايكل: "بخير بما يكفي. فقط.. لست معتاداً على الحرب، ولست متأكداً من رغبتي في الاعتياد عليها. لا أحب أن أكون أداة لهذا القدر من الألم والكراهية، حتى وإن كان ذلك بطريقة غير مباشرة".
أومأ المارشال الكبير ببطء: "كل خطوة تخطوها تسحق شيئاً ما. العشب، الزهور، الحشرات. نحن نترك خلفنا أثراً من الدمار بأبسط أفعالنا".
ثم سخر: "حين كنت أصغر سناً، أبحرت إلى تسخ، وهناك رجال لا يجرؤون على قتل كائن حي. يقتاتون على الفاكهة فقط، ولا يمشون إلا على الرمل أو الحجر. لقد حلوا هذه المعضلة بما يرضيهم، لكنهم يعيشون حياة بلا هدف، ويموتون واهنين بلا إنجاز".
أشار مايكل: "لكن الألم الذي نسببه يؤثر في البشر، لا في العشب".
قال أنطولين: "هذا صحيح. لذا علينا أن نخطو بحذر شديد. لكن إن لم نعبر المدينة، أو البلاد، أو القارة، سيفعل تاسكين ذلك. وإن كنت تعلمت شيئاً واحداً من خربشاته في هذا الكتاب، فهو أنه لا يلقي بالاً لما يدهسه تحت قدميه وهو يسير في طريقه المزعوم".
نظر مايكل إلى الكتاب مرة أخرى، ثم مد يده ببطء ووضعه في جيبه: "أظن أنني سألقي نظرة، لهذه الليلة فقط".
ضحك أنطولين: "أعده إلي حين تنتهي. أجدني مهتماً بمعرفة كيف ستنتهي الأمور".
تمتم مايكل: "ألسنا جميعاً كذلك؟ ليلة سعيدة يا أنطولين".
رد المارشال الكبير: "ليلة سعيدة يا مايكل. وابحث عن ملابس جديدة قبل مهمة الغد".
نظر مايكل إلى نفسه، كانت ملابسه لا تزال أسمالاً بالية: "لقد نسيت"، قال بخجل.
اتكأ أنطولين على كرسيه: "أنا لن أنسى. الكتاب يخبرني بكل ما أحتاجه عن تاسكين. وذلك القميص يخبرني بكل ما أحتاجه عنك".
نظر بتركيز إلى ثقوب الرصاص والتمزقات في ملابس مايكل: "كان يجب أن يسقط عشرون قتيلاً من فريقك، وأنت ترتدي دماءهم جميعاً باستثناء واحد".
نظر مايكل إلى الأسفل، ليخفي احمرار وجنتيه، فقد لمح خلف روح أنطولين القوية بريق فخر حقيقي. شعر أنه يجب أن يرد لكنه لم يجد الكلمات. لوح له أنطولين بالانصراف بعد لحظات.
قال أنطولين: "اذهب، استرح. ولا تقلق. أنت تؤدي عملاً جيداً".
أومأ مايكل وخرج إلى المساء، مستشعراً الهواء البارد على جلده؛ كان الخريف قد بدأ يفرض حضوره حقاً. ورغم كل شيء، برزت خصلة عشب صلبة من بين حجارة الرصيف في طريقه، خضراء وشامخة وسط قفار الحجر الرمادي. تجاوزها مايكل، ومضى باحثاً عن النوم.