بيكوليار سول الفصل 67 — عهود

اقرأ بيكوليار سول الفصل 67 — عهود باللغة العربية على مانجا تايم.

اكتمل انسحاب أردالت من القارة من حيث الموارد المادية كافة. نتوقع في الحصيلة النهائية إجلاء اثنتين وتسعين بالمائة من القوات المادية بنجاح، إضافة إلى اثنين بالمائة في الطريق. عاد واحد وثمانون بالمائة من الأفراد عديمي الأهمية إلى أردالت بنجاح أيضاً. المبقون هم في الغالب متدربون وضباط منخفضو القيمة وفرق المعهد السلوكية. تمثل تلك الفرق نصف بالمائة إضافياً من القوات ذات الارواح، وستنفذ انسحاباً تكتيكياً قبيل هجمات مينديكو على المواقع الأردانية الحالية.

وضعنا الاستراتيجي جيد إلى حد كبير في الوقت الراهن. لا يميل كل من مينديان وصاف إلى الانخراط في عمليات عابرة للمحيطات في هذا الوقت، وتعمل الفرق السلوكية المندسة داخل الوحدات العائدة بمستوى عالٍ من السيطرة. نتوقع اكتمال الاستعدادات الكاملة للموعد النهائي للجمعية في فصل الأفول قبل بدء الشهر.

- تعميم المعهد رقم 3545، 33 من الجِداء 693.

رمى مايكل بصره خارج النافذة. لم يكن يرى سوى زرقة السماء العميقة الخالية من الغيوم. كان هناك المزيد في الخارج بطبيعة الحال. استطاع النهوض والنظر إلى الأسفل ليرى ريف داريس المتعرج يتراجع تدريجياً تحت جسم منطاد الهواء الساخن. راقب الأشكال الدقيقة للعربات والشاحنات وهي تشق الطرق بالأسفل. اختار الاستلقاء على الأرضية بدلاً من ذلك. كانت باردة وصلبة، تنقل اهتزازات التحليق الخفيفة إلى ظهره وكتفيه.

كان الأمر مريحاً على نحو غريب.

قالت سوبريكيه من جواره: "أظن أنني قد أحب هذا أكثر من غرفة المراقبة. النوافذ هنا أقل، لكن الصوت لا يرتد بصدى حين تتحدث. كانت الغرفة الأمامية تبدو كأنها كهف دائماً".

أشار مايكل قائلاً: "إنها غرفة اجتماعات، وُضعت خصيصاً للحديث. أما غرفة المراقبة فلأجل... حسناً، المراقبة".

قالت: "ولإبهار الأجانب. ليس مصادفةً أن تخصّص لير منصة هناك".

التوى فمها بعبوس، وألقت برأسها إلى الخلف لتستقر على الأرضية.

"رماد غار. ظننت أن الأمور ستكون هادئة حتى نصل إلى إيميس".

التفت مايكل برأسه مستحضراً ابتسامة.

قال: "هادئة نسبياً".

أطلقت سخريتها.

"هادئة، هكذا تقول! أنت متفائل حيال الأمر إلى حد مزعج، بالنظر إلى أنك الطرف الذي تعرّض للطعن في الظهر".

تنهد مايكل وهو يجلس.

"ليس الأمر كأنني أستطيع تغيير أي شيء".

استند بيديه إلى الخلف، ناظراً إلى سوبريكيه التي انتشر شعرها حول وجهه كهالة. التقط بضع خصلات ليلفها بين أصابعه.

"سواء أردت ذلك أم لا، فقد انتصرت. نالت ما أرادت. قد تكون التكلفة أكبر مما توقعت، لكن..."

ترك الشعر يسقط، ثم انحنى للأمام.

"إنها محقة في أمور معينة. سواء على يدها أو يد غيرها، لكان هذا قد حدث. لن أتمكن من اجتياز حملة ضد الصافد دون أن يشق المزيد من موتى الحقد طريقهم نحوي".

هز رأسه.

"أنا أعلم ذلك. أنا أعلم ذلك حقاً. وأعلم أنها كانت تحاول مساعدتي على طريقتها الخاصة".

قالت سوبريكيه بحذر: "تبدو وكأنك تقنع نفسك بمسامحتها. يجب أن أعترف، أنا مندهشة بعض الشيء".

قال مايكل: "لا. ليس هذا ما أعنيه. أعني ما قلت؛ إن لم تدرك خطأ ما فعلته، فلا سبيل للمصالحة في النهاية. لا يمكنني العمل مع هذا النوع من البشر. يجعلني الأمر... دماء غار، يجعلني أتساؤل عما إذا كان لوك محقاً طوال الوقت".

عبست سوبريكيه وقالت: "لم يفقد ثقته بلير قط. على الأقل، ليس أكثر من أي شخص آخر".

رد مايكل: "إنه لا يثق في السلطة. الطرق السهلة التي تقدمها، والإغواء. حتى هذه اللحظة، كنت لأتخذ من لير مثالاً مضاداً، واحدة من أولئك الذين امتلكوا سلطة عظيمة لكنهم لم يدعوها تدوس إحساسهم الأساسي بالصواب والخطأ".

رفع رأسه لينظر إلى سوبريكيه.

"أما الآن فأتساءل عما إذا كنا جميعاً محكومين بالفشل في نهاية المطاف".

أقرت سوبريكيه قائلة: "من المحتمل أن البشر لم يُخلقوا لحمل ذلك النوع من السلطة التي تمنحها الأرواح. أعلم أنني أشعر بالعجز أمام روحي في بعض الأحيان. لكني لا أظن أيضاً أن الإخفاقات تُمحى بالخير الذي تفعله. لير، على الرغم من كل شيء، ستكون عنصراً أساسياً في تحرير داريسا. لقد قدمت الكثير لمديان أيضاً. هذا لا يختفي لمجرد أنها خانتك. الخير والشر يثبتان معاً. ليس هناك ميزان يعوض فيه أحدهما الآخر".

همهم مايكل مفكراً.

سأل: "ألا ترين أن أحدهما يلوث الآخر؟ أجد نفسي أششك في كل ما يخصها الآن".

جلست سوبريكيه بدورها، ودافعت عنه بكتفها.

قالت: "بالطبع يفعل المرء ذلك. أنت من عانى هذا التجاوز أكثر من غيره. أما بالنسبة للمديانّي العادي، أو الداريسي؟ فتصرفها معك لا يمثل شيئاً تقريباً".

هزت كتفيها.

"على الرغم من أحداث اليوم، أتصور أنها ستُذكر بحب من قبل الأغلبية. التاريخ لا يحسب الحساب للإخفاقات الشخصية. إنه فقط..."

توقفت وأمالت رأسها إلى الجانب.

وقالت: "أنتولين يريد لقاءنا".

رمش مايكل.

وسأل وهو يجلس مستقيماً: "الآن؟ في أي أمر؟"

"لا أدري".

أنزلت سوبريكيه جسدها مجدداً على الأرضية.

"لقد أمر للتو ضابطاً صغيراً بالعثور علينا ومطالبَتِنا بالصعود إلى مكتبه".

قال مايكل: "لكنك تعلمين أصلاً أنه يريدنا هناك. ألا يجدر بنا الذهاب وحسب؟"

أطلقت سخريتها.

"أتود ذلك؟"

رفع مايكل نظره إلى رقعة الزرقة الظاهرة خلف النافذة، مصغياً إلى صريف المنطاد الخفيف في أثناء تحليقه. بعد لحظة، استلقى مجدداً بجوار سوبريكيه.

وقال: "لا، ليس بالضرورة".

مدت يدها ووضعت كفها على ظهر يده، والتفت أصابعها حول كفه.

"إذن لا تفعل. أنت أهم من أن تقفز لتلبية أوامر شخص ما، حتى أوامره هو".

عبس مايكل وقال: "يبدو هذا خطاً فكرياً خطيراً. رغباتي ليست أكثر أهمية بسبب سلطتي".

قالت بجمود: "اصمت يا لوك. ليس كل شيء طريقاً إلى الشر والجنون، أنت تعلم ذلك. أظنك ستُقبل على القتل والنهب العشوائي إن سمحت لنفسها بلحظة هدوء معي؟"

حررت يده لترفع جسدها وتنظر إليه.

"هذا ما يغيب عنه، أنت تعلم. الشخص الكامن خلف الأفعال. إنه يفترض الأسوأ في الجميع. الأفعال الصغيرة من الاسترخاء تبدو كعلامات على خبث دفين لا كبشرية طبيعية".

قال مايكل: "يبدو الآن أنكِ أنت من يحاول إقناعي بمسامحة لير".

هزت كتفيها.

"ليس تماماً. ما زالت عجوزاً شمطاء لا تُطاق تعتقد أن كل من عداها يملك حساء عصيدة بدل الدماغ - لكني لا أظن أنها مدفوعة بالخبث. أنت إرثها، وتريدك أن تبلي حسناً".

صنعت سوبريكيه تعبير وجه ممتعض.

"أن تبلي حسناً بمعاييرها، أعني".

أشار مايكل قائلاً: "ستة أشخاص لقوا حتفهم بسببها. معظمهم من جيشها الخاص".

لوحت سوبريكيه بيدها باستهانة.

وقالت: "لن أدافع عنها. لكني أفهم. لقد كنت في موضعها، أراقب من الخلف بينما يتخبط الناس في الميدان طوال حياتهم، غافلين عن الواضح جلياً".

فرّجت بين أصابعها، جاعلة إياها تبدو كخيالات داكنة أمام ضوء النافذة.

"يسهل الشعور بالتفوق من تلك الزاوية - أن تتمنى لو بإمكانك التدخل لتوجيههم إلى الطريق الصحيح، وإرائهم ما يرتكبونه من خطأ".

ألقت بيدها لتستقر على صدرها.

"اعتصتد فعل ذلك طوال الوقت، حين كنت أصغر سنّاً. كنت أتابع المهام، وأنادي الأعداء، وأقترح التكتيكات. كان الأمر ممتعاً".

أغمضت عينيها.

"كلير هي من أمرتني بالتوقف. قالت إنني أعطل الناس، وأسلبهم القدرة على التفكير بأنفسهم. قد يرتكبون أخطاء دوني، نعم. لكنهم سيتعلمون ويتحسنون، وإذا لم أكن موجودة يوماً فسيكونون قادرين على الوقوف على أقدامهم".

تسللت نبرة خشنة إلى صوتها؛ وأغمضت عينيها. بعد لحظة، واصلت حديثها.

"لم تكن هي الأخرى مثالية. غاضبة، ومندفعة أحياناً. كانت تفرغ الكثير من غضبها على رجال ربما لم يستحقوا ذلك. فعلنا جميعا".

نظرت إلى مايكل، وبدا تشابك معقد من المشاعر يضطرب خلف عينيها.

"ينبغي لي أن أسمي ذلك شراً، إن كنت أدين لير لقتلها أولئك الرجال. والأكثر من ذلك، لأننا تفاخرنا بذلك، ومازحنا وتضحكنا بشأن ما فعلناه لاحقاً".

تأمل مايكل وجهها، محاولاً تفكيك دوامة المشاعر الكامنة تحت السطح مباشرة.

وسأل: "لماذا تقولين لي هذا؟"

بدت سوبريكيه على وشك الكلام، لكنها رفعت نظرها نحو النافذة عوضاً عن ذلك. لم يلح عليها مايكل؛ بل انتظر بينما كانت اللحظات تمر. ظهرت خصلة من الغيام في الخارج، عابرة النافذة بسرعة لتتلاشى وتترك الزرقة النقية من جديد. أخيراً، التفتت إليه مجدداً.

وقالت: "أردتك أن تعرف من أكون. الخير والشر. حين استمعت إليك قبل قليل، مع لير - جعلني ذلك أدرك أنك قد..."

توقفت، مشيرة بإهمال قبل أن تمسح عينيها.

"أنت تعلم. إن جاءت روحي إليك".

اتسعت عيناه ثم ضاقتا؛ واقترب منها أكثر.

وقال: "حسناً، أولاً وقبل كل شيء، أنتِ ذاهبة إلى أين؟ وحتي لو فعلتِ، فلن أفعل بك قط ما فعلته بغالين".

قالت بحزن: "لم يكن لديك خيار. قلت إنه أحرق، وأنه كان عليك قطعه وإلا لَدَمَّرك".

نظر في عينيها.

"لا شيء مما أنتِ عليه يمكن أن يؤذيني قط".

ابتسمت، على الرغم من أن وجنتيها كانتا تلمعان بالدموع.

"أنت لا تعلم ذلك. لست شخصاً صالحاً يا مايكل. يمكن لمئات الأرامل من أردان أن يخبرنك بذلك، وألف رجل آخر ربما فضلوا الموت على ما جعلتهم أراه".

أشاحت بوجهها.

"لا أنوي الموت في أي وقت قريب. لم أرد فقط أن تفاجأ، إن حدث ذلك يوماً".

مد مايكل ذراعه وأدار رأسها برفق ليقابل وجهه.

قال: "لم يكن ما فعله غالين هو ما آلمني. بل من كان هو. الحقد الكامن داخله، الغضب. أنت لا تملكين شيئاً من ذلك".

سألت: "ألا أملك؟ ما زلت أقول لك، أنت لا تعرف ما..."

انحنى ليقبلها، كاتماً كلماتها؛ فأصدرت صوتاً خافتاً يعترض. تراجع مايكل وابتسم.

"أعرف ما يحب أن أعرفه".

حدقت فيه بغضب، رغم أن قلبها لم يكن مع الأمر.

"وماذا إن كنت مخطئاً؟ إن لم تستطع تحملي؟"

قال مايكل: "حينها سنحترق معاً. لكني أشك في أن الأمر سيصل إلى ذلك. أنا من يستمر في التورط بمواقف تقارب الموت، ومن الواضح أنني سأرحل أولاً".

ضحكت وهي تحاول العبوس لفشلها في ذلك: "إياك أن تفعل. أرفض العيش في عالم يمتلك فيه صاف القارة".

هز مايكل كتفيه.

"إن كنتِ مصرة. لكني..."

توقف حين بادلته القنبله بقبلة.

"ممف، من الوقاحة المقاطعة".

ابتسمت بعرض فمها.

"ماذا عساي أقول؟ بدا اللحظة المناسبة".

تلتها قبلة أخرى قبل أن يتمكن من الرد، بطيئة وشاملة؛ وللمرة الأولى منذ موت غالين، تجرأ مايكل على إحاطتها بذراعيه برفق— انفتح باب المكتب بصوت صفير خفيف لمعدن يحتك بمعدن. شعر مايكل بنبضة سريعة من الصدمة والإحراج من خلفه حتى في الوقت الذي كانت سوبريكيه تضحك فيه على شفتيه.

قال الضابط المدياني ووجهه محمرّ: "عذراً يا ياونا. المشير الأعلى يطلب حضوركم إلى مكتبه".

رمى مايكل سوبريكيه بنظرة اتهام.

ومتمماً: "كنتِ تعلمين أنه على وشك الدخول".

تمتمت مردة: "وددت لو أراك تثبت ذلك. والآن هيا، لا نريد إبقاء المشير الأعلى منتظراً. إنه مهم للغاية".

كان أنطولين جالساً في مكتبه الخاص حين وصلا. كان المشهد مختلفاً عن وضعه المعتاد وسط ضباطه على الجسر، متنقلاً بين محطات العمل ومتابعاً للأمور أولاً بأول. هبطت حرارة الغرفة على ما يبدو ما إن دخلا، وخفت الضوء حين أطبق الباب خلفهما. رفع نظره إلى كل منهما على التوالي.

قال: "شكراً لحضوركما. ظننت أنه حري بنا أن نتحدث".

جلس مايكل وجلست سوبريكي إلى جانبه.

سألت: "أبخصوص لير؟ لست متأكدة ممّا تبقى ليقال".

قال أنطولين مشبكاً أصابعه، ومستنداً بثقل على مكتبه: "دائماً هناك ما يقال. نحن أمة قوانين، أو هكذا ينبغي أن نكون. لا مكان للمكانة والمنصب حين يتعلق الأمر بالعدالة. لذا أنا -"

توقف والتفت جانباً. شعر مايكل بعاصفة مصغرة تهبّ من عبر المكتب.

"أردت الاعتذار شخصياً، بصفتي المشير العام لمينديان. ما ارتكب بحقكما ما كان ينبغي أن يحدث".

سأل مايكل: "لماذا تعتذر؟ كلانا يعلم أنك بريء من هذا تماماً".

تنهد أنطولين وقال: "لانه الاعتذار الوحيد القادر على تقديمه لكما. لا شك أن ليكوباري حرص على إيجاد مخرج يبرئه ظاهرياً، ولن تصدر عن لير لا إدانة ولا اعتذار".

التقى بنظرات مايكل وأكمل: "لذا أرجو أن تقبلا اعتذاري نيابة عنهما، وإن بدا غير كاف".

بدأت سوبريكي تقول: "نحن -"

لكن مايكل نهض.

قال: "لن أقبل أي اعتذار منك. بل أطلب منك عوضاً عن ذلك التوقف عن اختلاق الأعذار نيابة عنها".

أجاب أنطولين: "لا بد من أحدهم ليقر بالخطأ. وإن لم يفعل غيري، فالأمر يقع على عاتقي".

أسند مايكل ذراعيه على الكرسي. صرير مزعج صدر عنه وهو ينحني للأمام.

قال: "طوال طفولتي، كان خادمي ريكارد هو المسؤول عن رعايتي. كان يعتنى بملابسي وشؤوني الشخصية، وينسق دراستي، وكل ذلك نيابة عن أبي. وحين كان أبي يحقرني أو يؤذيني، كان يبذل قصارى جهده لإصلاح الأمور".

التف حول الكرسي وجلس، منحنياً نحو مكتب أنطولين.

وأكمل: "كان يقول كم تحسن حال أبي مقارنة بالسابق. وكيف أنه لم يكن سوى رهينة لغضبه، وأنه ما زال يهتم بي على طريقته الخاصة. لا أعتقد أنني صدقت ذلك حقاً، لكنني سمحت لنفسي بالإيماء موافقاً آنذاك لكون ذلك ألطف من الإقرار بأن أبي لم يكن يهتم سوى بتأثيري عليه وعلى إرثه المزعوم. لا أكثر".

مضت برهة قبل أن يستند مايكل إلى خلفية الكرسي.

قال: "لذا أرجو ألا تتحدث نيابة عنها. فأفعالها واضحة تماماً".

رمقه أنطولين بنظرة فاحصة، بينما تراجع الاضطراب الداخلي ليغوص في دوامات مبهمة تحت قناع روحه. بعد برهة، أومأ برأسه واستند بدوره إلى كرسيه.

"هالا إثان بيدي. وما الذي تنويان فعله تالياً؟"

توقف مايكل برهة ثم نظر إلى سوبريكي.

قال: "هذا لا يغير شيئاً ممّا يتوجب علينا فعله. سنكون في إيميس عما قريب. بقية الآردانيين هناك، والسافيد بعدهم. سنساعد حيثما دعت الحاجة".

لم يكن بالإمكان إخفاء نبضة الارتياح السريعة التي شعر بها أنطولين، ولم يحاول المشير العام إخفاءها كذلك؛ ابتسم وهز رأسه.

قال وهو ينهض من مكتبه: "إذاً لنشرع في الأمر. تعاليا لترَيا مسار تقدمنا".

قادهما إلى الطاولة المركزية في الجسر، حيث تتوسطها خريطة واضحة لإيميس. بدت قوات الآردانيين بوضوح جهة الشرق، والسافيد في الغرب.

قال أنطولين مشيراً إلى مجموعة علامات كبيرة خارج المدينة: "لكل طرف تمركزان رئيسيان. قواتهم داخل المدينة نفسها، ومعسكر إمدادهم على مسافة منها. سنصادف احتياطي الآردانيين أولاً".

نقرت إصبعه على الطاولة.

"من غير المرجح أن يبدي الآردانيون المتبقون مقاومة تذكر. يعتقد كشاشتنا المتقدمون أنهم أخرجوا معظم أصحاب الأرواح من ميناء مؤقت على الساحل، ولم يتركوا سوى المجندين مجردي الأرواح والأوبرور للسيطرة عليهم. استراتيجيتنا تشبه ما سبق تماماً - اجتياح، تحطيم الأوبرور عند الضرورة ودحر البقية. سأعول عليكما لتوجيههم نحو استسلام سريع".

أومأ مايكل: "الشيء نفسه تقريباً مثل ليك".

أكد أنطولين: "صحيح. لكن فور انتهائنا من بقايا الآردانيين، سنكون مقيدين بجدول زمني صارم. ستتداعى قوات الآردانيين المتبقية داخل إيميس لعدم وجود دعم خارجي، مما يترك السافيد أحراراً في التقدم. أود تفادي ترك السيطرة الكاملة للمدينة بيدهم؛ فنحن نخطط للتقدم السريع واقتطاع أكبر مساحة ممكنة قبل أن ينهار الآردانيون تماماً".

قالت سوبريكي بعبوس: "يبدو الأمر محفوفاً بالمخاطر. إيميس مدينة ضخمة، ولا توجد طريقة لتتمكنا من تأمين أي جزء منها بسرعة".

أشار أنطولين بيد استدعى بها ضابطاً؛ فوضع الرجل كومة أخرى من الخرائط على الطاولة. اختار المشير العام واحدة وبسطها لتظهر خريطة مفصلة لشوارع إيميس.

قال: "لقد وضعت أصبعك على جوهر المشكلة. سيطر السافيد على المدينة لعقود الآن، وعلينا توقع أنهم وضعوا خططاً لمواجهة هذا الاحتمال بالذات - كمائن، فخاخ، وما شابه. أرواح الإدراك لا تقودنا إلا إلى مدى محدود. الخيار الأفضل لتحديد التهديدات هو الأوسبيس والبونيفيس؛ فنحن نزرعهم في كل مكان نستطيعه، لكننا نعاني من شح في مثل هذه الأرواح".

تنقل بنظره بينهما، وقد علا وجهه تجهم جاد.

"سأقود بنفسي إحدى السلاسل المتقدمة. وأود طلب أن يفعلا المثل، مع الإبلاغ عن التهديدات والمخاطر فور ظهورها".

انحنت سوبريكي إلى الأمام لتتفرس في الخريطة.

"يمكنني فعل ذلك لأكثر من وحدة على الأرجح. دعني أبق في مركز القيادة خاصتك، فيمكنني مراقبة معظم المدينة من هناك".

فرك أنطولين ذقنه مائماً برأسه موافقاً بصمت؛ وشعر مايكل بارتياح خفي لكون سوبريكي ستكون بعيدة عن خط الجبهة.

قال أنطولين: "يمكننا تقرير التفاصيل لاحقاً. الآردانيون أولاً. ستكون طلائعنا في معسكرهم خلال الساعات القليلة القادمة".

نقر مايكل على موقع المعسكر في إحدى الخرائط وقال: "قلت إن أصحاب الأرواح قد غادروا".

وافق أنطولين: "تلك هي فرضيتنا التشغيلية، لكن نظراً للخطر المحتمل لوجود سيفر في المعسكر، سنبقي المنطاد بعيداً حتى نتأكد تماماً. لا أتصور أن الآردانيين سيجازفون أكثر بتلك الأرواح؛ وبفضلكم، باتوا يعانون من نقص في أصحاب الأرواح ذوي الانحراف العالي من أي نوع".

تفرس مايكل في الخريطة لبرهة أخرى، ثم أعاد نظره إلى أنطولين.

قال: "حسناً. إذن أظن أن الوقت قد حان لعودتي إلى الميدان".

قال أنطولين وهو يومئ برأسه نحو الحقل المفتوح أمامهما: "هنا".

نظر مايكل، فرأى ثلاثة خيول تقترب على الطريق المؤدي إلى إيميس. كان الفارس المقدم يحمل راية بيضاء. ومع اقترابهم، رأى بزاتهم العسكرية، وجميعهم ضباط، وكان قائدهم يرتدي السترة السوداء المميزة لرجال السيوف. علتتمتمات بين جنود مينديكو المحتشدين عندما لمحوها هم أيضاً، وتغير طفيف في توتر الحراس الميامين بينما تركز انتباههم على النحات الوحيد. توقفت الخيول أمامهم بلا حوادث، وترجل الفرسان بخفة معتادة وساروا ليقفوا أمام أنطولين.

قال رجل السيوف وهو يؤدي تحية عسكرية: "سيدي. أنا النقيب لارس فيبيل، وهؤلاء مساعدي. لقد جئنا استجابة لاستدعائك... المهذب".

وارتفعت عيناه إلى حيث علقت السفينة الطيارة في الأعلى، كغيمة رعدية فضية لامعة فوق مجريات الأمور.

"آمل أن نتوصل إلى اتفاق يصب في مصلحة الجميع".

رد أنطولين التحية ومشى خطوة إلى الأمام.

"وأنا أنطولين إيريا، المشير العام لمينديان".

رفع حاجبيه.

"نقيب، هكذا تقول؟ أهيئة أركانك العامة متعطلة؟"

حتى لو لم يستطع استشعار مزيج الغضب والخزي المنبعث من لارس أمواجاً، لما فات مايكل انقباض عينيه ولا التوتر في نبرته.

قال النقيب: "أنا القائد بالوكالة لجميع القوات في مسرح عمليات داريسان حالياً".

قال أنطولين: "أرى ذلك. حسناً، أيها النقيب فيبيل - تود مينديان السيطرة على مدينة إيميس، وأعظ ظناً أنك ورجالك ترغبون في العودة إلى أردالت. لا تعيقونا في الأولى، وسنسهل لكم الثانية".

رفع حاجبيه.

"أي اعتراضات؟"

قال لارس وبدت عليه الراحة جليا: "لا اعتراضات قط"، لكنه استقام وربع كتفيه.

"سيدي. أتنوي مقاتلة السافيد طوال الطريق وصولاً إلى حدود داريسان القديمة؟"

أكد أنطولين: "وما وراءها إن لزم الأمر. قل ما تعنيه، أيها النقيب".

قال: "يرغب معظم رجالنا في الإجلاء على الأرجح، لكن لدينا كتيبة كاملة على الأقل من الجنود الذين يودون رؤية هذا الأمر حتى نهايته. وأنا من بينهم. أمضينا أسابيع نقاتل في شوارع أزيم ألسو-"

"إيميس"، قالت صوبريكي، وتردد صدى صوتها أعلى مما ينبغي بين صفوف الرجال، وتقدمت بخطوات من مكان وقوفها لتحدق في النقيب الأرداني.

"اسم المدينة هو إيميس".

نظر إليها لارس واتسعت عيناه لحظة وهو يتأمل مظهرها، وبعد لحظة أومأ برأسه بحزم.

قال: "هكذا إذن. معذرة. لقد تقاتلتُ ورجالي في شوارع إيميس لأسابيع الآن، ونحن نعرف الشكل العام لانتشار السافيد جيداً. ويسرنا أن نقاتل معكم إن قبلتم بنا".

أصدر أنطولين صوتاً مبهم التعبير.

قال: "أيها النقيب، لم يصدر أي إعلان رسمي، لكن مينديان وأردالت تخوضان حرباً فعلية طوال الأسابيع الماضية. وما تقترحه يكفي لإعدامك رمياً بالرصاص فور عودتك إلى أردالت، إن لم يكن عاجلاً".

قال لارس: "نعم سيدي. أتوقع ذلك".

وأبدل نظرة سريعة مع الرجلين اللذين تبعاه، فتلقى إيماءات صغيرة رداً على ذلك.

"يأمل معظمنا البقاء في داريسان بعد القتال. وتحدث القليلون عن الانضمام إلى فيلقكم الأجنبي، رغم أنني أقر بأنني لست متأكداً من وجود وحدة مماثلة لتنضموا إليها".

قال أنطولين: "ليس لدينا وحدة كهذه. لكني سأدرس الفكرة على الأقل".

حك ذقنه وهو يقيس الرجل مطولاً. وأخيراً، أرخى يده إلى أسفله.

"أقر ببعض المفاجأة إزاء عرضك. ظنتُ أننا سنواجه رجالاً ميؤوساً منهم في معركة أخيرة".

ضحك أحد الرجال خلف لارس ضحكة داكنة والتوى فم النقيب نفسه.

عبس لارس وقال: "كادت الأمور تحدث تماماً كما تقول. تلقينا هؤلاء الجرحى وفرينا من ليك منذ عدة أيام. استُخدم رجالهم لتعزيز وحداتنا، بينما نظم الضباط والموظفون عملية الإجلاء من الساحل. سيبيل، وسيفير، ومعظم زملائي في رجال السيوف، والغالبية العظمى من الكوادر الروحية سُحبوا إلى نقطة التجمع المؤقتة".

أخذ نفساً، وانقبضت أصداعه المغطاة بالقفازات قبضة محكمة.

"ثم رحلوا يا سيدي، وأخبرونا بالصمود هنا حتى تتوفر المزيد من السفن".

وتسللت نظرة اشمئزاز أخيراً لتخترق مظهره المهني، وشعر مايكل بسخطه وكأنه مرجل أمام الجنود.

"الوحيدون الذين بقوا هم الأبرور. رجال المعهد بمعظمهم، وغير الحاصلين على رتب. وُضعوا في قيادة مؤقتة وأُمروا بتنظيم دفاعنا".

تنحنح أنطولين بأدب في يده.

ولاحظ قائلاً: "يبدو أنهم واجهوا صعوبات".

قال لارس: "نعم سيدي، يبدو أنهم قُتلوا جميعاً رمياً بالرصاص خلال الليل. لا بد أن السافيد حددوهم كعناصر حاسمة في هيكل قيادتنا وتحركوا بينما كنا في حالة تخبط".

لقد أثار إعجاب مايكل مدى نجاح لارس في الحفاظ على خلو وجهه من أي تعبير أثناء حديثه، وإن كان أحد مرؤوسيه قد فسد التأثير بعض الشيء بابتسامته عند ذكر الأبرور، لكن جميع الحاضرين امتلكوا من اللياقة ما يجعلهم يمررون هذه الهفوة دون تعليق. التفت أنطولين لينظر إلى صوبريكي وبدا السؤال واضحاً على وجهه، فنظرت صوبريكي إلى لارس بامتعاض وتنهدت وأومأت برأسه.

قال أنطولين وهو يعود بابتسامته إلى النقيب: "أتفهم أن ثمة بعض القيود والعناية الواجبة من طرفنا، أرجو ذلك. لكني أعتقد أنني أستطيع منح موافقة مشروطة على طلبك".

قال لارس وقد احمرت وجنتاه بلون غير مستحب: "شكراً لك يا سيدي. لن خيب أملك".

وأدى تحية عسكرية حادة، وفعل مساعدوه المثل؛ ورد أنطولين وطاقمه التحية باللياقة ذاتها. رأى مايكل التوتر يتلاشى من لارس وهو يلتفت إلى رفاقه ويتبادل الابتسامات، ثم توقف لأن النقيب التفت تالياً ليحظر بنظره مباشرة إلى مايكل. وقبل أن يتسنى له أكثر من أن يطرف بعينيه، كان قد مشى ليقف أمامه.

قال لارس وهو يمد يده: "أظنك مايكل بومغارت".صافحه مايكل بتردد.

كانت المصافحة محرجة ومتخشبة، لكن لارس خرج منها وأصابعه الخمسة تعمل بشكل سليم، لذا كان مايكل مستعداً لعدّ الأمر نجاحاً.

قال: "أنا هو".

ظهرت ومضة من الاضطراب من أحد المساعدين، وشيء مبهم ومليء بالخوف من الآخر. أما لارس، فنظر مايكل في عينيه وأومأ.

قال: "أخبرنا رجال ليك بما فعلته. ومن تكون. لقد أنقذت الكثير من أرواح الأردانيين في ذلك اليوم".

تراجع خطوة ورسم انحناءة رسمية من النوع الذي تدرب مايكل على تأديته منذ طفولته، ممسكاً بيده جانباً والأخرى متقاطعة على صدره.

"لك شكرهم وشكري".

أدى مايكل انحناءة الإقرار المناسبة بدافع الانعكاس شبه التلقائي، محنياً رأسه ومتراجعاً قليلاً، فسمع ضحكة صوبريكي الخافتة من خلفه.

قال متجاهلاً إياها: "فعلتُ فقط ما بدا صائباً في تلك اللحظة. لكني سعيد لأنني تمكنت من تقديم بعض المساعدة".

قال لارس وهو يرمقه بابتسامة مستقيمة كأنها مأخوذة من ملصق تجنيد: "أكثر من مجرد بعض المساعدة. جعلتنا رواياتهم عن المعركة ندرك الخطر الذي مثله الأبرور قبل فوات الأوان. وليس مبالغة القول إننا ندان لك بحياتنا جميعاً. وسنردها أرواحاً أو أمواتاً".

تراجع خطوة وأدى التحية.

"روحي للواحد".

ردد مساعدوه التحية، ثم التفت الرجال الثلاثة معاً نحو خيولهم. وقف مايكل مذهولاً يراهم يغادرون. كان هناك رعب متردد في عمق معدته يكبر رويداً رويد بالكغم عن اليوم اللطيف وضحكات رجال المنديكو من حوله. ولم يكاد يشعر بلمسة صوبريكي القلقة على كتفه. لقد اكتفى بمراقبة الرجال الثلاثة وهم يمتطون الخيول عائدين عبر التل إلى رفاقهم، وإلى إيميس.