تحدث الغراب وطيّور المحاكات ذات صباح. شهدت الليلة السابقة اجتماعاً للغابة. وقف الغراب وطائر المحاكات متقابلين. تماماً كالسلوقي والذئب. تماماً كالسلحفاة والخنزير. غير أن الإنسان أتى إلى الدائرة وقابل فراغاً. سأل طائر المحاكات الغراب عن سبب ذلك. أجاب الغراب بأن البشر يحملون أضدادهم في صدورهم. بأنهم يتطاردون لمحات بعضهم من برك الماء الراكد. وقف الإنسان بمعزل عن البقية لأنه عرف أن الفراغ لم يكن فارغاً قط.
كان ينتظر فقط أن يهدأ الماء.
- مخطوطة أردانية ما قبل غاريكية، رقّ، نحو خمسمائة بعد عصر الإمبراطورية
همس فيرنون وهو يحدق عبر النافذة: "انظر إلى هذا. هادئ جدا، وجميل جدا".
نظر مايكل وقال: "إنه حقل. حقل جميل، لا شك، لكنه يظل حقلاً".
قال فيرنون مشيراً إلى امتداد القمح: "بالضبط".
كان عريضاً، ومرتفعاً برفق مبتعداً عنهما. وكان الفصل في بدايته يحول الحقل الأخضر إلى ذهبي، والسيقان النحيلة تتموج في الريح.
"لا انفجارات قذائف. لا حرائق. لا جنود يغيرون عليه قبل موعد الحصاد المناسب بأسبوع لملء مخازنهم. مجرد أرض جيدة، خضراء، وغير منتهكة".
خطر بباله تعليق لاذع؛ وتركه مايكل دون أن ينطق به. كان فيرنون هادئاً، لكن المنظر جعله على وشك البكاء. ولم يكن وحده — فقد راقبه تشارلز وسوبريكي وهما يمران بلوعة حنين مؤلمة — وغضب.
تمتم تشارلز: "أتمنى أن يستمتعوا بطعم السلام. لقد اشتريناه بثمن باهظ، وليس من جيوبهم".
رمقته سوبريكي بنظرة تحذير وقالت: "أنت لست على خطأ، لكن اخفض صوتك. أحاول الحد من حجبي. أحدهم يراقب هناك بحثاً عن نقاط عمياء، أستطيع أن أشعر بذلك. إنه أمر مزعج".
عقدت حاجبيها وقالت: "وهم مصرون تماماً منذ الصباح".
أشار مايكل: "قالت أميرة إن الأردانيين ينتظروننا غالباً في سو. أتظنين أنها صوفيا؟"
ابتسم تشارلز وضربه على كتفه وقال: "انظر إليك، تتحدث عن (الأردانيين). وكلا، لا فرصة لأن يخاطروا بإرسالها إلى إسرو — أتخيل أنهم استاءوا لسماع أنها خاطرت بنفسفها على الجبهة، لهذا السبب سيقيدونها بسرعة قصيرة الآن".
تمتمت سوبريكي وابتسامة خفيفة تتسلل إلى وجهها: "ستحب ذلك. تشارلز على حق؛ ستكون في أمن مكان يمكنهم تخيله. لا بد أن صالح قد لاحظ تورطها، وأراهن أن لديه قناصاً مختاراً يراقبها لتظهر وجهها مرة أخرى".
شعر مايكل بقشعريرة طفيفة من الأدرينالين.
وقال: "يبدو الأمر متناقضاً بعض الشيء مع ما كان يقوله عن النضال والمواجهة. إن اغتيال شخص ما يبدو وكأنه يتنافى مع طبيعته بطريقة ما".
قالت سوبريكي باختناق: "سيكون نضالاً كافياً جعلها في مرمى النيران. لكني أشك في أنه سيحصل على فرصته. سأتفاجأ إن سمحوا لها بمغادرة أردالت مرة أخرى دون إشراف".
ونظرت إلى مايكل وقالت: "لكنني أشك في أن ذلك سيمنعها من محاولة ملاحقتك بطرق أخرى. ليس بعد سياد".
اشتعلت نيران فنسنت بخفت في أحشائه بينما أومأ مايكل برأسه، وشعر بالغثيان. كان يشعر بأن سوبريكي كانت على حق أكثر مما تظن؛ فمع موت فنسنت وتعرض فيرا للخطر، لم يبق لصوفيا سوى الإعتماد على إيزولدي — إيزولدي حادة الطبع، التي أحبت فنسنت بعمق. لم يتوقع مايكل أن ينسى الاثنان أو يسامحا، حتى لو لم يكن هو من أزهق حياة فنسنت.
تنهد مايكل وقال: "ربما تكونين على حق. ولكن كما كانت تقول أميرة، سنتلقى الاختبارات كما مفروض أن نتلقاها. لا شيء يمكنني فعله ليغير مسار صوفيا الآن. يجب أن نحظى على الأقل بقدر من الحماية بينما نحن في منديان".
وعقد حاجبيه وقال: "لن تهاجمنا في منديان، أليس كذلك؟"
قالت سوبريكي: "لا تقل أبداً مستحيل. لكني أشك في أن الأردانيين سيؤيدون خطة تتضمن استفزاز منديان بهذه الوقاحة. سيعانون ما يكفي بعد وصولنا لدرجة تجعلهم لا يتوقون لتذوق طعم غضب النجم للمرة الثانية بسرعة".
أثارت كلماتها شعوراً مزعجاً في معدة مايكل. كان من السهل أن ينسى وسط صخب رحلتهم أن الوصول إلى هدفهم يعني هجوماً آخر كالذي شهده في ليك، وهذه المرة ضد الجنود الأردانيين. سيموت الملاوع، على الأرجح، وسيموتون نتيجة مباشرة إلى حد ما لأفعال مايكل نفسه. رفضت الفكرة أن تفارقه. نظر من النافذة إلى الحقول المارة، وغلة الأراضي الزراعية النقية. إلى المسافرين الآمنين السعداء على الطرق الجيدة، وإلى القرويين الذين لا يخافون الجنود الأجانب القادمين في الليل.
أهذا ما كانوا يشترونه لأاريسا، بهذه الوفيات؟ أم أنها لن تكون سوى حرب من نوع آخر، مع بدء الثوار بعملهم الدموي في طرد جيشين جريحين من أرضهما؟ لقد انتهزت إسرو فرصتها لهدنة مبكرة نسبياً في الحرب، قبل أن تحفر أجيال من القتال الخنادق بعيداً لدرجة يصعب تغييرها. ربما كانت أاريسا ميتة بالفعل، كما قالت سوبريكي من قبل، ولم تعد بقاياها كافية لملء الفراغ الذي تركته في الأرض.
ولكن في النهاية لم تكن أاريسا حقاً هي التي دفعت مايكل بلا توقف نحو منديان. دفع كمه إلى أعلى وأدار يده، مراقباً الجلد الندب لساعده يتمدد، وشبكة النسيج الصلب تقطع فجأة حيث يبدأ الجلد الأملس ليد الغريب. جذب حركة من طرف عينه بصره إلى أعلى، رغم أنه أبقى رأسه ساكناً؛ فقد رفع لوك رأسه من مقعده الهادئ في الزاوية ليراقب مايكل. حادت عيناه إلى اليد الشاذة وبقيت هناك حتى ابتسم مايكل وأدار رأسه.
احمر وجه لوك ونظر من النافذة.
تمتمت سوبريكي وهي تتحرك بعدم ارتياح: "يوجد شخص يراقب بالتأكيد. نحن نقترب منهم".
رفع تشارلز رأسه وسأل: "هل يجب أن نقلق؟"
"إنهم ليسوا قريبين".
عقدت سوبريكي حاجبيها وأغمضت عينيها؛ رأى مايكل وميض روحها المميز يحوم حولها.
"في الواقع، هم بعيدون تماماً. لا منطق في ذلك، حتى مع مجموعة رعاة".
أشار مايكل: "ما لم تكن سيبيلا بعد كل شيء. يمكنها الرؤية على مسافات لا تصدق".
هزت سوبريكي رأسها بانزعاج وقالت: "نعم، لكن هذا المراقب يقع في الشمال. إسرو ليست ودودة للغاية مع أردالت هذه الأيام لدرجة تجعلهما تثقان به لحراسة — أه".
ضيق تشارلز عينيه وسأل: "أه؟"
قالت سوبريكي وهي تقبض يدها: "إنها في المضيق اللعين. لا بد من ذلك. ربما على نفس السفينة التي جلبت مجموعة والديك إلى سياد. حتى صالح لن يخاطر بخرق ضمان منديان للمرور الآمن. يمكنها الجلوس على القارب والبث عبر اللاسلكي، وليس هناك أمر لعين يمكننا فعله حيال ذلك".
تراجع مايكل إلى مقعده وقال: "إذن. بإمكانها رؤيتنا الآن؟"
قالت سوبريكي: "أشك في أنها تستطيع معرفة أكثر مما أعرف، على هذه المسافة. لكنها تعلم غالباً أننا هنا. بحلول الوقت الذي نقترب فيه من سو سيكون صعباً علي إخفاء موقعنا. لن تتمكن من رؤيتنا، لكنها ستكون قادرة على إخبار من تعمل معه تقريباً بكيفية العثور علينا — القطار الذي نستقله، ومتى وصلنا. لا أرى سبباً يمنعنا من افتراض أنهم أعدوا فخاً يكافئ على الأقل ذلك الذي واجهناه في سياد".
ونظرت إلى مايكل وقالت: "بدون أميرة، كان هذا الكمين ليقتلنا جميعاً، بدءاً بك".
لحظة واحدة كان فيها فقط هدير القطار اللطيف على طول مساراته وخرير الريح ضد الجزء الخارجي من العربة.
قال تشارلز: "إذن. ربما لا ينبغي لنا أن دعهم يفعلون ذلك".
خدشت الريح وجه مايكل فالتوت عيناه بالدموع. التفت إلى الآخرين بتكلف ورمقه تشارلز بإيماءة تشجيع. بدا الصانع متحمساً وتحرك وجهه حيوية وهو يشير إلى الأمام.
صاح: "ارم حقيبتك أولاً ثم التفت إلى اليسار. يمكن لطفل فعلها".
قالت صوبريكيه: "كونا سريعين فور سماع المكابح. سيُبطئ القطار عند المنعطف ولكن لدقيقة أو نحوها فقط. نظرتُ إلى الأمام على طول السكك ولا توجد - هناك، اذهبا".
سمع مايكل الأنين المعدني الحاد لمكابح القطار تفعل فعلها وشرعت القاطرة تتبع القضبان ببطء نحو اليسار. أخذ نفساً ورمى حقيبته من الجانب الأيمن للقطار وقفز. ندم فور قفزته. لخظة ذعر أفرغت عقل مايكل تماماً وبينما بدات الجاذبية تسارع به نحو الحشو الصخري المحيط بالقضبان نادى على ستانزا. تنهد العالم إلى صفاء بحواف ذهبية وبعث اصطدام حقيبته بالأرض بموجة مرتعشة عبر العشب. تحول الذعر إلى نوع من القلق المركز وقطب مايكل حاجبيه وهو يضبط قدميه في الهواء.
اصطدمت قدمه المتقدمة بالصخور وهزته صدمة الاصطدام رغم يد ستانزا الموجهة. ترك نفسه يسوي السقوط على الجانب وتلقى الصدمة الثانوية على كتفه وتدحرج مرة قبل أن يعود واقباً على قدميه. هرول مايكل أسفل المنحدر ودع الزخم يتلاشى ملاحظاً حقيبته تتدحرج حتى تتوقف على مسافة ما ثم أطلق قبضته عن ستانزا. تصاعد خفقان قلبه في أذنيه وشعر بضيق في النفس. ترنحت ساقاه مع بلوغ موجة الأدرينالين ذروتها وانكسارها.
جذب انتباهه صوت من مكان أبعد إذ كان تشارلز يتدحرج بحرية أسفل التل وتمددت أساوره إلى شبكة من المعدن الرقيق حافظت على جسده مرتفعاً فوق أسوأ الاصطدام. من خلفه ضربت صوبريكيه الأرض بنعمة أقل قليلاً. رأى مايكل فيرنون يقفز من القطار بصراخ مذعور. حدثت استراحة قصيرة قبل أن يتعثر لوك خارج القطار وخلفه إميل مباشرة وسقط الرجلان على مسافة لا بأس بها من مكان هبوط مايكل. راقبهما يتدحرجان لحظة ثم هز رأسه وذهب ليستعيد حقيبته.
كان تشارلز يساعد صوبريكيه على النهوض حين انضم إليهما مايكل وألقت الأخيرة نظرة حامضة على الأول.
تمتمت وهي تمسح بتهيج العشب والغبار عن قميصها: "لم تذكر أن طريقتك ملائمة لصانع. أنظر إليك ولست متسخاً حتى".
هز تشارلز كتفيه وأومأ نحو مايكل وابتسم قائلاً: "لقد دبر أمره. أستسمح الصغير أن يتفوق عليك هكذا؟"
تمتمت: "عندما نصل إلى مينديان سأصيبك بكابوس لأسبوع. هيا لنتفقد الآخرين".
مشيا إلى حيث هبط فيرنون وساعدا المراقب على النهوض. دفع فيرنون يديهما وأشار بتعب إلى لوك وإميل.
سعال قائلاً: "اذهبا لمساعدتهما. إميل مصاب".
ركض مايكل ليجد لوك سالماً نسبياً وهو يساعد إميل على الجلوس منتصباً. كانت ساق الرجل الأكبر ملتفة بشكل غير طبيعي عند منتصف الساق وبدا وجهه شاحباً ويعرق وينبض خوفاً وغضباً. بدا أن الأخير موجه إلى لوك فقد رمقه إميل بحقد مدهش.
قالت صوبريكيه وهي تقترب لتتفقد ساق إميل: "لن أسال إن كنت بخير. أي شيء آخر أم أن هذه هي إصابتك الوحيدة؟ يمكن لتشارلز أن يجبرها إن كانت الساق وحدها ولكننا يجب أن نجبّرها أولاً".
أغمق إميل عينيه وأومأ شفاة مشدودة.
تمتم: "امض قدماً إذن".
انحنى تشارلز ولمس ساق إميل وتدفقت الأساور من ذراعه لتشكل نطاقين عريضين أعلى الكسر وأسفله. تقلص المعدن وعصر بقوة. ثنى تشارلز إصبعاً وأعادت الأساور ساق إميل إلى شكلها. أطلق العربجي صرخة ألم قصيرة وعالية ثم ارتد ليستريح على مرفقيه وهو يتنفس بصعوبة.
أطلق زفيراً: "دم غار. أطلقوا النار عليّ في المرة القادمة فحسب".
نصحت صوبريكيه وهي تقف لتتفقد المحيط: "خذ دقيقة".
اقترب فيرنون لينضم إليهما وسأل: "أين نحن؟ أبعد عن ساوا أعلم ولكن بأي مدى؟"
تململت روح صوبريكيه حولها لحظة وقالت: "ليس سيئاً للغاية. ينبغي أن نقدر على بلوغ معبر مينديان قبل الصباح إن مشينا طوال الليل وينبغي أن نفعل بما أن سيبيلي ستكتشف ما فعلناه عندما ترى النقطة العمياء تنحرف عن القطار. أحجب قدر ما استطيع ولكن هناك حد لما يمكنني فعله ضدها".
تمتم مايكل وهو ينظر إلى أسفل نحو إميل: "طوال الليل. لا أعتقد أننا قادرون على الحفاظ على تلك الوتيرة وليس وإميل يمشي على جبيرة".
هز إميل رأسه وبصق في التراب وقال: "لا تهتموا لأمري. سأتبع القضبان إلى ساوا. ليس لدي شيء يريدونه. يمكنني شق طريقي إلى أرينغا من هناك وأستقل سفينة عودة إلى داريسا".
عضّ لوك على شفته وتمتم: "لا يمكنك".
سخر إميل: "تباً لذكر الإمبراطور لا أستطيع. لا تخبرني بما أفعله أيها الوغد الصغير. لو أنك قفزت عندما كان مفترضاً بك..."
قال لوك بصوت غير مستقر ولكنه واضح: "أنت تنزف. داخل ساقك. تشعر بأنك بحرارة الآن ولكن بعد ساعات قليلة سيتراكم الضغط لدرجة تخنق تدفق الدم. لن تبلغ ساوا ناهيك عن أرينغا".
حدق فيه إميل مطولاً وسأل: "يمكنك رؤية ذلك؟"
تجهم وجه لوك وشعر مايكل بأفكاره تتدور في زوبعات حادة كالشفرات. الخوف والألم والشك لم يقل أي منها شأناً ولكن العاصفة هدأت حتى احترقت بصمت داخله ساكنة ومنفصلة.
قال لوك: "أنا - مشرح. الرجل الذي حمل هذه الروح أخيراً كان شريراً".
ارتفعت أصابعه مرتعشة وهي تقطف الأغلفة التي تخفي يده اليمنى. حلها ببطء حتى انكشف الجلد.
"لكنه كان أحد أفضل المشرحين في العالم وقراءة - قرأت مطولاً من مكتبته أليس كذلك؟"
رسم عقل مايكل صوراً للحم متورم دام ينمو بلا توقف من عنق كلير فصك أسنان وبلع لعابه فوق فم جف فجأة. أراد سؤاله إن كان متأكداً إن كان يشعر بالجهوزية وإن كان قد درس العواقب إن أخفق. أمسك لسانه. لقد علموا جميعا. رأوا جميعاً مايكل يخفق في المهمة نفسها وشاهدوا كلير يموت نتيجة لذلك. استطاع استشعار خوف إميل حين قرر والتردد حين رمق لوك في عينيه وأومأ إيماءة صغيرة حادة. أنزلق لوك ساق بنطال إميل لأعلى قدر ما تسمح الدعامة ورفرفت عيناه مغمضتين وهو يلمس لحم إميل المكدود.
لم يتحرك أحد. جحظت عيناه إميل وتصلب فكه ممانعاً لألم مفاجئ ثم سحب لوك يده.
فتح عينيه بابتسامة نادرة على وجهه وقال: "استطعت حياكة العظم. أوقفْتُ النزف الرئيسي كذلك. ينبغي أن تكون ساقك بخير".
تمتمت صوبريكيه وهي تنظر إليه بلا تعبير: "أظن الأمر لم يكن بالغ الصعوبة في النهاية".
تلاشت الابتسامة عن وجه لوك وقبل أن يطق أحد بحرف هزت صوبريكيه رأسها.
تنهدت قائلة: "لا بأس. كلنا متعبون وسنكون أكثر تعباً قبل أن نرتراح. لوك، شكراً لك".
مدت يدها لتساعده على النهوض. نظر لوك إليها لحظة قبل أن يأخذها بيده المغطاة ويتركها تسحبه لأعلى. ثبتت صوبريكيه نظراتها نحوه لثانية أخرى ثم التفتت إلى إميل.
سألت: "كيف تشعر؟ أتستطيع الوقوف؟"
تأوه إميل وأخذ يدها المعروضة ونهض بحذر على قدميه. اختبر ساقه واضعاً وزنه عليها ببطء فكشر ولكنه ظل واقفاً.
قال وهو يلتفت إلى لوك: "سأكون بخير. شكراً للإصلاح ولكن في المرة القادمة أفضل لو قفزت أسرع".
تحرك لوك بتوتر وأومأ وهو يجذب الضمادات مرة أخرى فوق يده المكشوفة.
قال فيرنون: "سأكون ممتناً للغاية إن لم نفعل ذلك ثانية. بأي سرعة وإلى الأبد".
قالت صوبريكيه باستهانة وهي تنحرف لتحمل حقيبتها على كتفها: "سنتلقى الاختبارات كما كان مفترضاً أن نتلقاها. أخذت أميل إلى الإعجاب بهذه العبارة في الواقع. أكل جاهز؟ ينبغي أن ننطلق قبل فوات الأوان. كل غاية هذا التمرين كانت سرقة خطوة على قتلة سيبيلي".
تلفنت فلم تجد معترضين فقالت: "إذن لننطلق. مايكل لو سمحت".
أومأ مايكل وأخذ المقدمة ماشياً عبر العشب حتى وصل إلى حافة الأشجار. أخذ نفساً ومد يده إلى ستانزا مرة أخرى مستشعراً إياها تتسرب إلى الأشجار وتلتف حول الشجيرات. تسلل عبوس صغير فوق وجهه؛ كانت الغابة هنا مختلفة مرة أخرى عن تلك التي عرفها جنوباً. غصت بالبلوط والدردار وأنواع عدة من الشوك تخمش كل شجاع يكفي للمشي خلالها. أرسل بصره إلى الأمام داخل الغابة متلصصاً بين الأشواك ليحصل على إحساس بالتربة والدبال وانتشار الجذور وقوس الأغصان.
تنحنحت صوبريكيه بهدوء فالتفت مايكل بكتف معتذرة وقال: "أتخلى على الغابة فحسب".
التفت إلى الأمام مجدداً وأخذ نفساً عميقاً آخر مطلقة ببطء بينما ثبت مثال ييورج السابق في عقله.
"دربنا يمضي قدماً نحو الشمال".
صريخت الأشجار جانباً وتراجعت الشجيرات لتفسح ممراً ضيقاً عبر الأدغال. خطا عليه مادداً العمل للأمام ومبقياً إياه مفتوحاً بالخلف بينما تصطف بقية المجموعة في الغابة.
سألت صوبريكيه: "كنت أتساءل. هل هناك أي سبب يجعلك لا تعيد استخدام القافية نفسها؟ يبدو أن الأمر سيكون أسرع بتلك الطريقة".
هز مايكل كتفيه وقال: "صاغ ييورج واحدة جديدة دائماً. تحدث طويلاً عن أهمية التواجد حيث تعمل وحضور المكان ذاته الذي تحاول تغييره. قال إنه من الصعب التفكير خارج الغرفة التي أنت فيها وأعتقد أنه سيكون أصعب العمل بكلمات نسجتها خارج اللحظة التي تحاول استخدامها فيها".
رفعت حاجبها وقالت: "لم أجد صعوبة تذكر في التفكير خارج غرفة أنا فيها".
قال مايكل بأسف: "لكان لديه رد على ذلك. أنا ليس لدي. أتمنى لو أمكنك مقابلته. سأهتم بسماع الأفكار التي كانت لتكون لديه حول روحك".
أجابت صوبريكيه: "بناء على ما قلت لست متأكدة من أننا كنا لنرى الأمور بالطريقة ذاتها. لا تسيء فهمي يبدو كرجل كان عظيماً ولكني أشك في أنه سيوافق على طرقي أو أنني سأوافق على طرقه".
قال مايكل: "ربما تكونين على حق".
قطب جبينه تجاه بلوطة شجيرات عنيدة خصيصاً دافعاً بها بعيداً قليلاً عن الدرب.
"ولكن مرة أخرى من يعلم. بدأت أعتقد أن ييورج الذي عرفته كان مختلفاً تماماً عن ذاك الذي قابله معظم الناس. وقته وحده غيره عن الرجل الذي كان. إنه أمر كنت آمل سؤال لير غابارين عنه عندما نقابلها".
استطاع مايكل تكهن عيني صوبريكيه تنطبقإن عليه وسألت: "النجم؟"
شرح مايكل متحدثاً ببطء بينما كان مزيج مزعج من القلق والتركيز ينبض من صوبريكيه: "دربت ييورج قبل سنوات. قال إنها كانت من ألهمه لتأسيس المعهد لكي تكون أردال أكثر شبهاً بمينديان".
توقف وقع الأقدام خلفه والتفت ليجد صوبريكيه تحدق فيه.
بعد لحظة هزت رأسها وأشارت له بمواصلة المشي وتمتمت: "تلك ليست بشيء من المفترض أن نعرفه. ليست بشيء من المفترض أن يعرفه أحد".
أدار مايكل بصره بحيرة وقال: "لم يقل أبداً إنه كان علي إبقاء الأمر سراً ولكن مرة أخرى وجدت أن هناك الكثير من الأشياء التي كان ينبغي أن يقولها ولم يفعل".
"مايكل، لقد أخبرتني للتو أن مينديان قلصت حيادها بشكل كبير لتسليح أردال ضد سافيد".
تموجت باضطراب ثم أخمدته قسراً.
"أدِ لي معروفاً ولا تدعهم يلاحظون أنك تعلم هذا. سيكونون مرتابين فقط لأنك تعرف ييورج بالطبع ولكن لا تعطِ المينديكو أي سبب إضافي للارتياب في أنك تهديد لحيادهم. حياتنا معقدة بما يكفي بالفعل".
"هذا ليس..."
توقف مايكل.
"حسناً نعم أظن أن هذا هكذا تقريبا ما صاغه ييورج. لم أكن قد اعتبرت سياسة المينديكو حقاً في كل هذا".
نصحت صوبريكيه: "ينبغي أن تبدأ ربما. يقدمون واجهة متحدة للغرباء ولكن مما سمعته فإن نقاشاتهم الداخلية ممزقة بشكل ملحوظ. حيادهم هو الشيء الوحيد الذي يتفقون عليه".
تنهد مايكل: "إذن نحن لسنا بأمان حقاً في مينديان بعد كل شيء. نحن نستبدل خطراً بخطر مثلما فعلنا مع سافيد".
قالت صوبريكيه: "أه لا، سنكون بأمان أكبر بكثير في مينديان. سنلقى إخطاراً بوفاتنا أو سجننا بمرسوم رسمي بدلاً من رجال سيبيلي الذين يأتون لذبحنا في الليل خطوة كبيرة للأمام".
"أستطيع شعور نفسي أسترخي بالفعل".
ضغط مايكل للأمام عبر الغابة وأفكاره تدور بذكريات ييورج. كان العجوز مغرماً للغاية بمينديان وبلير تحديداً لكنه ألمح إلى أنها قد لا تكون حريصة بالمثل على رؤيته الآن وقد فكر في الأمر. افترض مايكل في ذلك الوقت أن هناك قضية شخصية فصلت بينهما ولكن إن كانت صوبريكيه محيبة فقد ترغب مينديان في تجنب أي شيء يستدعي إلى الذاكرة الأرداني الذي درس يوماً مع نجم مينديان. شعر بالرعب يستقر في معدته عقدة باردة منخفضة التوت وهما يمشيا.
تعمق النهار إلى المساء ثم إلى الليل مجدداً. ومع ذلك مشيا. جعل مايكل النيران بداخله تتضخم وتحرق مقوية بصره. أصبح شق الدرب أسهل وبلا جهد تقريبا بالمقارنة؛ لام نفسه صامتاً لعدم تفكيره في استخدام النيران منذ البداية. لم يبدو أن هناك إرهاقاً مرتبطاً باستخدامها لكنه لاحظ أن نار فينسينت تحديداً كانت صعبة التدريب على المهمة المطروحة منزلقة إلى السكون عندما شرد انتباهه عنها.
أكان الاختلاف في شخصيته أم أن فينسينت كان سيعترض على انتقال روحه إلى مايكل؟ أمل بشدة ألا يكون الأخير رغم علمه أن فينسينت كان سيعترض حقاً؛ كانت فكرة بقايا عابثة تتمرد داخله هي ما قلب معدته. لم يخيل مايكل لنفسه كآسر لغير الراغبين. وجدهما النور في ساعات الصباح الباردة مع ضباب يرتفع في بقع منخفضة من أرضية الغابة. أظهر النور أن وجه إميل أصبح مرة أخرى شاحباً ومنهكاً بالجهد؛
وأثناء استراحة قصيرة للماء أشار لحالة العربجي لصوبريكيه. كان ردها هزة محكمة لرأسها وشفتيها مضغوطتين بلا دماء: سيثابر إميل حتى مينديان. كانت تنمو اضطراباً متزايداً بينما تفتحت السماء فوقهما. ظن مايكل أنه يستطيع التخمين لماذا. لا زال رجال سيبيلي يصطادونهم وكلما اتجهوا شمالاً كانوا أقرب إلى سيبيلي نفسها. حامت عيون صوبريكيه شمالاً مراراً وتكراراً وعلى الوجهة ذاتها دائماً نحو سفينة بعيدة في المضيق حيث جلست فتاة شابة تبحث وتكره.
أبقى النيران تحرق متجاوزة أول ضوء في اليوم مغذياً اندفاع ستانزا عبر الغابة. هذا ما أنقذه عندما اخترقت أول رصاصة أوراق الشجر؛ انحنت حواف الضوء الفضي شديدة السطوع وتقوست حول مسار مستقيم عبر الغابة خط مشتعل تتبع مباشرة عظمة ترقوة مايكل. اتسعت عيناه عندما أدرك ما يعنيه الأمر واشتعل الخطر ببريق مساو في عقله. كان لديه حضور العقل لدفع صوبريكيه جانباً بينما راوغ؛ مرت الرصاصة بعيداً عن كتفه بقليل لتصطدم بشجرة.
صرخ تشارلز بذهول وسقط البقية منخفضين بينما شق المزيد من الطلقات الأجواء فوقه.
بصقت صوبريكيه: "تباً. أراه".
غامت روحها وسمع مايكل صرخة بعيدة. كان هناك تحطم جسد يهبط في الأدغال وتبعت صرخات أخرى من حولهما. بعد لحظة فتحت عينيها. صمتت الغابة.
همست: "أشك في أنني وجدتهم جميعاً لكني أتمكن من آمل أنني أصبت مراصديهم. ببطء وانخفاض وهدوء. معبر الحدود ليس بعيداً الآن خلف التل القادم مباشرة".
أومأ تشارلز وتسلل للأمام وأساوره تتدفق في نتوءات مستعدة فوق قبضتيه تتحول مع كل حركة لذراعيه. أخذ مايكل نقطة المقدمة مرة أخرى مبقياً الدرب الواضح كبيراً بما يكفي ليناسب مجموعتهم. بدأ في ثني الأشجار عند القاعدة فقط حيث استطاع محيداً أي تحول في المظلة حيث يمكن لمراقب رؤيته من بعيد. مرتين توقفت صوبريكيه وفي المرتين صرخ رجال في الغابة وصوت الصراع وتحطم الفروع يحمل لثوان معدودة قبل أن يعاود الصمت الإمساك بزمام الأمور.
رأى مايكل النور ينمو متجاوزاً الأشجار البعيدة منطقة صافية كانت مرجحة هي الطريق المؤدي إلى المعبر نفسه. وجهتهم صوبريكيه موازية له محافظة على مسافة جيدة من انقطاع الغطاء. صدر طقطقة خفيفة للأغصان من بجانبه؛ التفت مايكل ليرا رجلين - لا، ثلاثة رجال جائمين بالقرب ويبدوان مذهولين مثله من اللقاء. كان اثنان مسلحين ووجوههما ملطخة بشحوم داكنة. الثالث كان بهتهم والشخصية الشاحبة النحيلة التي وجد مايكل صعوبة في التركيز عليها.
بدا شكله غائماً ومتغيراً إلى فوضى الغابة من حولهما. استمرت المفاجأة لحظة واحدة قبل أن يتدخل تشارلز منخفضاً والمعدن يندفع ليلتف حول سبطانة بندقية أقرب رجل. تشوهت سبطانة البندقية إلى سائل وتلاشت عبر عنق مستخدمها وكان هناك رشاش أحمر بينما انهار. حاول مايكل الإمساك بالرجل الثاني بانفجار نمو من الأشجار المجاورة لكنه كان يقفز بالفعل خارج مدى تشارلز. أطلق النار بعشوائية وأصابت الطلقة صوبريكيه في كتفها.
تموجت طعنة ألم. رأى مايكل تتخبط للخلف والدم يلطخ قميصها. غمر الجليد أمعائه مغموراً في لحظة بنار بيضاء الحرق. احترق فينسينت ساطعاً وسريعاً بالاستفزاز وتجاوز كلير اللهب. شعر مايكل بشمس تحترق في صدره عندما التفت نحو الرامي والتقى بعينيه.
عمل الجندي الأرداني الترباس على بحدقته- "لا".
شعر مايكل بالنار تكوي وتلتوي في صوته وراقب الظل ينحني حوله وخيوط الضوء المرآتي تمتد في جمالها الفراكتي. كان هناك انقطاع وعندما صفا بصره سقط الجندي على ركبتيه مع دخان يتخلف عن عينين فارغتين. جاءت غشاوة من الجانب بينما رفع باهت أرداني سلاحاً جانبياً ليصوب نحو مايكل. رنّت طلقة وسقط الباهت. استند إميل إلى شجرة لاهثاً وهو يخفض مسدسه ببطء. اجتاحت مايكل موجة دوار بمرور اللحظة.
نظر إلى أسفل نحو وجه الرجل الذي قتله بعينين محروقتين تماماً من رأسه وجلده ممزقاً بالآثار العضوية الواضحة لقوة ستانزا. شعر برطوبة أسفل أنفه وخرجت يده ملطخة بالدماء.
أقسمت صوبريكيه متمسكة بذراعها: "تباً لغار... لوك تعال إلى هنا ورقعني. لا يجب أن يكون مثالياً. فيرنون ساعد مايكل. تشارلز دلني وافتح عينيك للأعلى فهناك على الأرجح المزيد من أولئك اللعناء هنا".
انحنى فيرنون لينزلق تحت ذراع مايكل مساعداً إياه للأمام.
قال المراقب: "تعال. نحن قريبان".
حاول مايكل الرد ولكنه وجد أفكاره خاملة وغضب النار النابض يموت الآن وقد زال الخطر. ترنحت مجموعتهم نحو الطريق هادئة لولا هيس ألم من صوبريكيه بينما وضع لوك أصابعه على ذراعها. خشت الشجيرات منهما وهم يمشون ممزقة ملابسهما وتجهم مايكل. لم يحدث ذلك من قبل. كانت ثانية أخرى قبل أن يدرك أنه أزاحهما سابقاً. بجهد من الإرادة دفعهم بعيداً - بعيداً جداً. ترك دفعه غير المتناسق واقفين في مساحة صافية مجاورة للطريق وبدون الأشجار استطاع رؤية هيكل خرساني منخفض تعلوه لفائف من الأسلاك.
وقف رجال عند البوابة وتطلعوا من الفتحات والبنادق تدور لتصوب نحوهما. خفق قلب مايكل بالذعره ولكنه فيرنون عصر ذراعه بينما حاول الاستقامة.
قال ماداً خطواته ببطء مبتعداً عن مايكل ورافحاً يديه: "مينديكو. ليسوا أردانيين".
تحول التوتر المشوش إلى ارتياح؛ هذا هو. خطا خطوة للأمام ثم تجهم. كانت هناك كلمات كان مفترضاً أن يقولها كلمات كتبها ييورج على قصاصة ورق ضائعة منذ زمن طويل. بحث عنها فوجد أفكاره تنزلق بين أصابعه ووعيه يتضاءل في أعقاب إجهاد اليوم. غير الرجال عند البوابة أسلحتهم لتصوب نحوه بينما تعثر مقترباً. لم يكونوا كأي جنود رآهم من قبل؛ وبدلاً من الأزرق الباهت أو الرمادي الشائع لمعظم الجيوش ارتدوا بزات ميدانية فضفاضة من الأخضر والبنّي المبرقع مع خوذ معدنية د مستديرة.
كانت أسلحتهم داكنة وضخمة خشبية فقط على المقابض والأعقاب. خطا جندي واحد للأمام محافظاً على سلاحه مستوياً.
قال بصوته الغاريكي الدقيق والخالي من اللكنة: "توقف. اذكر عملك".
"أنا لدي..."
تجهم مايكل متعثراً. سمع خطوات صوبريكيه خلفه وسمعها تتوقف فجأة عندما دارت فوهات البنادق نحوها. سطعت نار كلير مرة أخرى ومعه جاء ومضة صفاء. أخذ نفساً وكشر مستنداً عليه أكثر ومغذياً إياه لستانزا وراجعاً للخلف للمرة الأولى منذ أسابيع لتتبع الضرر المتبقي من تدخل سبارك في عقله. بحث عبر الطرق والأزقة حتى وجد ضوء شمس الصباح الباكر يميل عبر نوافذ القارب وييورج يكتب بسرعة على قصاصة ورق.
راقب شفتي العجوز تتحركان وشعر بشفتيه تفعلان الشيء ذاته.
تنهد: "آه. إيزارارينتزات. بيزيتزارين زوهايتزا".
انزلق اللهب من قبضته متضائلاً ليعود شمعة في صدره؛ كان لديه الوقت الكافي لرؤية تعبير مصدوم على وجه الجندي قبل أن ينهار على الطريق.