ما الذي ينبغي أن ينبثق من الإمكان؟ ينطوي كل حجر في داخله على ألف حجر، لكنه لا يظهر قط إلا حجرا واحدا. انحت الحجر، فتتلاشى احتمالات لا تحصى، وتبقى احتمالات لا تحصى. ألقه في المحيط، فيطحنه الماء حتى يصير رملا. لم تكن الحجارة الألف أقل حقيقة من الرمل. وليس الرمل أكثر حقيقة من الحجر الذي كان. العالم ماء لا ينقطع جريانه. ييأس الرجال من هذا، لكن الفناء لا ينفي المعنى. لا يشترط في الطوبة أن تكون أبدية كي تبني بيتا.
لا تيأس من آلاف الرجال القابعين في داخلك، الذين لن يوجدوا قط، ولا تنشغل بنهايتك أنت. بل افرح. فقد وهبت الحياة، وبوسعك أن تنحت شكلك بيدك. أمسك إزميلك واضرب عن يقين.
كتاب الأبيات الثمانية، بيت الاتحاد. (طبعة خيمان الجديدة، 542 بعد التوحيد)
عصف الريح بمايكل ودفعته يميناً ويساراً وهو يعدو. خبا النور المنبعث من الأعلى تحت حلقة سحب العاصفة التي تفجرت حول ليك. لسعت حبيبات الثلج الصلبة وجنتيه وجبهته. أغمض عينيه ومضى قدماً. برز جيرارد من العاصفة أمامه متأخراً عن مايكل. كانت عيناه مغلقتين هما الأخرتان اتقاء للريح. لكن ذلك أَعنَى بالنسبة إلى جيرارد عمى مطبقاً. أمسك مايكل بذراعه وساعد الرجل على التقدم. تحول الثلج إلى برد ثم إلى شلال من المطر فجأة حين خرجا إلى هواء أواخر الصيف في الجانب الآخر.
داهمت الرطوبة المفاجئة رئتي مايكل واشتعل جلده المبرد بوخزات كالإبر بينما انهمر المطر الدافئ من الأعلى. أفلتت ضحكة من شفتي مايكل. وجد نفسه غارقاً في بهجة الموقف وثيابه المبتلة وهروبه المتعثر من المعركة التي لا تزال أصداؤها تتردد خلفهما. لم يكن في الأمر متعة. ليست كل ضحكة ممتعة. كان الأمر مجرد إقرار بأنهما احتكا بقوة بجبارين لا يأبهان بأحد وخرجا معاً سليمين بطريقة ما.
لا يزال النور يومض من السحب ورائهما حيث واصلت ستيلار هجومها على بحرية سفيد التعيسة. بدأ الأدرينالين يخفت مع المطر وارتجف مايكل. تحدث جورغ بحب بالغ عن أيامه في مينديان وعن البلاد ذاتها حتى تخيلها مايكل أرض راحة وسلام وهدوء ومعرفة. لعلها كانت كذلك. لكن ما رآه للتو كان قوة خام تُلقى في السماء والبحر بينما تحول المعدن إلى خبث مع اشتعال عاصفة استدعائها فوق ليك. أهؤلاء هم البشر الذين سعى للقاء شعرت مايكل بارتياب مفاجئ.
صَعُب عليه الجمع بين حكايات جورغ عن حضارة متنورة وعلم وبين الوحشية القسرية التي هربا منها. تعثر جيرارد متوقفا وارتفع صدره وهبط بينما انحنى بنصف جسده ليلتقط أنفاسه.
قال لاهثاً وهو يمسح المطر عن وجهه: "رماد غار. وجثة الإمبراطور اللعينة. لا أود أبداً رؤية شيء بهذا الجمال مرة أخرى".
استقام ونظر حوله ثم شرع يمشي بخطى متعبة نحو الأمام.
"أرأيت الآخرين بينما كنا نعدو؟"
هز مايكل رأسه.
قال: "كانا أمامنا. أظن أن تشارلز وكلير معاً، أما فيرنون فانطلق وحده".
ضحك جيرارد بخفة وهو يخلع قبعته ليعصرها جافاً.
"عظام غار الملطخة بالدماء. إنه لأمر أن تقرأ عن أحكام النجمة عبر التاريخ ولكنني لم أتخيل أبدا. لقد اعتدت التفكير في الثمانية وكأنهم أشبه بلسان حال".
وضع القبعات مجدداً على رأسه ورمى مايكل بابتسامة آسفة.
"يبدو أنني كنت مخطئاً. كانت تلك المرأة عاصفة متجسدة".
تمتم سوبريكي.
"أعتذر لكوني مخيباً للآمال إلى هذا الحد".
نجح مايكل في ألا ينتفض هذه المرة بعد أن زالت صدمة البرد المفاجئة وسط اندفاعة الهروب المتلاشية. عوضاً عن ذلك التفت حتى بدأ طيف التموج يتلألأ في رؤيته ومنح حليفه المحتمل نظرة متسامحة.
قال مايكل: "من خفة دمك أستنتج أن الآخرين بخير".
قال سوبريكي: "حقاً، وإن لم يكن أحد في مثل حالك. أنت لست لاهثاً حتى. أمتأكد أنك شبح لا ديرين؟"
ضغط مايكل شفتيه بعضهما على بعض. لم يفكر في إخفاء قدرته على التحمل الخارق وسيكتشف سوبريكي الكذب لا محالة إن تعلق الأمر بأمور روحه بمثل هذا القرب.
أجاب: "أظن أن الأمر كان ليكون واضحاً لو كان الأمر كذلك، هناك في ليك".
اكتفى سوبريكي بالهمهمة رداً على ذلك غير أن مايكل انتابه شعور مجدداً بأن الشخصية المتلألئة كانت تبتسم له. بعد لحظات تمدد جيرارد ومشى ليقف بجانبهما.
سأل: "إلى أين نتجه إذاً؟ أعادة تجمع أم لقاء في المخبأ؟"
قال سوبريكي: "لقد غادر الآخرون بالفعل إلى المخبأ. لن يكون البقاء هنا حكيماً. ستنتشر تلك العاصفة عاجلاً أم آجلاً وسيكون الآردانيون في مزاج سيء للتعامل معها".
أومأ جيرارد برأسه وانطلق إذ استعاد اتجاهه بوضوح وسار مايكل خلفه. لكنه بعد خطوات عديدة التفت جانباً ووجد سوبريكي ما زالت تطفو بجانبه.
سأل محولاً نظره عن التموج: "أسترافقنا؟ ظنت أنك قلت إن ذلك سيجذب الانتباه".
ضحك سوبريكي.
"أنا أكون أقل بروزاً الآن على ما أظن. إن ما يتمتع به الآردانيون من أشباح أو طلائع مسخر بلا شك لقوات مينديان لا لحزبنا الصغير. علاوة على ذلك، كنت أتمنى حقاً سماع أفكارك بشأن الأمر بصفتك شخصاً وثيق الصلة بالأحداث".
شعر مايكل بقشعريرة خفيفة مجدداً.
سأل: "حقاً؟"
قال سوبريكي وبدا مستمتعاً: "خطط سفرك بالطبع. تنوي زيارة مينديان وها هم يزورونك أولاً".
تحرك ليطفو على جانبه الآخر ماراً باحتكاك خفيف من خلفه.
"أنا لا أؤمن بالصدفة عادة. ما نسميه صدفة ليس سوى قشرة من العرضية فوق نوايا محجوبة ألا ترى معي يا مايكل؟"
جز مايكل على أسنانه وقال: "تحدث الأمور أحياناً وحسب. يصعب المجادلة بوجود نوايا محجوبة في هذا الحدث نظراً لأن معظم الأطراف المعنية كانت ظاهرة تماماً مع كونك أنت الاستثناء".
طفت سوبريكي أقرب قليلاً مترنحة بجانب مايكل وهو يمشي.
قالت: "لا أملك إلا أن أكون ما أنا عليه. ولا أحد يملك ذلك على ما أظن. مع ذلك، يمكن لأصول المرء وطبيعته أن ترجح تفضيلاته لكنه يبقى خيارنا الأخير في ما سنصبح عليه. أتساءل إن كنت فكرت ملياً في الموضوع بالنظر إلى الوحي الأخير".
اقترنت أكثر وانخفض صوتها.
تمتمت: "أتساءل إن كنت ستخبرني بما تريد يا مايكل باومغارت".
عقد مايكل حاجبيه بضجر وقال: "لا يزال الناس يسألونني ذلك. أيتعين علي دائماً إحضار إجابة جاهزة؟"
دار جسد سوبريكي مبتعداً بينما بقي صوتها قريباً من أذن مايكل.
قالت: "إنهم يسألون فقط لأن الإجابة تهدد بأن تكون ذات صلة. جديرة بالملاحظة. ومثيرة للمشاكل المحتملة".
سأل مايكل: "إذن ما الذي تريده أنت؟ أفضل حقاً أن نبقي تبادل أسرارنا متوازناً".
"لكنه ليس بسرا قط. أنت تعرف مسبقاً ما أريده".
حدث نبض من نور حول التموج وهمسي وباهت.
"داريسا لأهل داريسا بلا أحذية أردالت وساف على أرضها. نعم وحتى بلا مينديان. أود لبلدي أن تعيش في ازرخار هادئ وألا تخشى أي معتد".
ابتسم مايكل وقال: "وأنا أتمنى الشيء نفسه لنفسي. أن أعيش بهدوء ورضاً ودون خوف".
قال سوبريكي وهو يدور ببطء في مكانه: "آه. إنه مطلب بسيط ومع ذلك فحققه صعب للغاية. هناك الكثيرون ممن يصرون على التدخل".
نمتم مايكل: "أنا متأكد من أنني لم أتقابل مع أي من هؤلاء قط".
أصدر سوبريكي صوتاً مبهماً.
"أنت تجرحني. أنا فضولية فحسب، فالمعرفة هي الأداة التي أستخدمها في السعي نحو غايتي. أأسمح لأمور تافهة كالآداب أن تسلبني قدرتي؟ أي فائدة من التحفظ إذا كان ثمنه حرية أمة؟"
حصل توقف واستدار سوبريكي مجدداً ليطفو على جانبه الآخر.
قالت بدلال: "أملك قوة لا بشرية. ويستطيع خصومي التفاخر بالشيء نفسه. فلماذا يتوجب على صراعنا إذن أن يتحرك بحذر ضمن الحدود البشرية؟"
ضغط مايكل شفتيه لتصيرا خطاً واحداً.
سأل: "أترين أن التخلي عن بشريتك أمر جيد؟ هناك أشياء تستطيع النفوس فعلها وما كان ينبغي ولا يجب فعلها. القدرة البحتة وحدها لا تبرر أي تصرف".
تمتم سوبريكي بصوت هادئ وأقرب من أي وقت مضى: "أنت لست سوى سيد صغير حقيقي. أشياء لا يجب فعلها؟ أي نوع من الأشياء تلك؟ أتخيل أنك تشير إلى أفعال مثل تدبير مقتل آلاف الأبرياء من أهل داريسا لمصلحة استراتيجية أليس كذلك؟ تبدو فكرة ضبابية ولكنني في النهاية لم أحظ بأب مثل كارل باومغارت ليعلمني".
قبض مايكل على يديه وقال: "أنا لا أدافع عنه. إنه ليس رجلاً صالحاً لكن أفعاله لا تبرر شراً إضافياً. لا بد من وجود حدود".
سأل سوبريكي بصوت رتيب منخفض: "أين؟ قل لي أين الحدود يا سيد باومغارت. أكان تعريض ذلك الجندي للعذاب كما فعلت بعيداً جداً؟ الرجل الذي ساعد في إطعام القتلة وإيوائهم والذي استبسل في حمايتهم رغم الأهوال التي ألحقتها بعقله؟ لقد بكيت لرؤية جثث الموتى، وأؤكد لك أنني أريته ما هو أسوأ بكثير".
طفا الطيف قريباً بشكل مزعج. شعر مايكل بطاقة وخزه على جلده.
قالت: "انعتني بالهمجية ما شئت. لكن المجتمع المتحضر لا يقوم رغم أفعال الهمجية تلك ولا معارضاً لها. إن أردت رؤية سكين الحضارة العارية فالتفت وتأمل النجمة. هذا هو ثمن صيانتها. لن ترى لير غابارين تتلظى ألماً من ممارسة إرادتها وقوتها".
شعر مايكل بصدمة خفيفة حين تحدث سوبريكي وقاطعت أفكاره الاسم المألوف. توقف سوبريكي هو الآخر.
قال: "أفترض أنه لا ينبغي أن تفاجئني حقيقة ارتباط اسمها بأسرارك. لكن ألم تكن تعلم أنها نجمة مينديان؟ تثبت مرة أخرى أنك نوع غريب الصنع من البشر".
تلاشى الطيف وتردد صدى صوت سوبريكي بضعف في أذنيه.
"أنت مرتبط بأعمال عظيمة حتى وإن تعذر علي بعد تبين دور مجرد شبح. إن حان وقت تدخلت فتذكر أن أولئك الذين يتحركون للدفاع عن مُثُل لا يحظون دائماً برفاهية اتباعها".
خفت الصوت واختفى سوبريكي وبقيت كلماته عالقة في ذقل مايكل. أكانت تلك صديقة جورغ ومعلمتها التي تمطر موتاً متوهجاً على المحيط؟ أهذه هي المرأة التي جاء القارة لرؤيتها؟ وجد فجوة بين المرأة الحكيمة الطيبة التي وصفها جورغ وتلك التي تقتل الرجال خلفه باعتبارها أداة جاهلة في حيلة أبيه. حاول جورغ تكييف تعاليمها مع أردالت وانتهى به الأمر بالمعهد. افترض مايكل أن حالته كانت نتيجة لاستحواذ سبارك على المنظمة لمصالحه الخاصة، لكن واقع المعهد بدا منسجماً بشكل أكبر بكثير مع نموذج مينديان مما افترضه.
وجد نفسه يشكك في الكثير بينما كانت قدماه تسيران بثقل متجاوزتين الحقول والأشجار متبعتين جيرارد ببلاهة بعيداً عن المدينة. في النهاية انحرف جيرارد عن جانب الدرب. لم يلاحظ مايكل الانحراف حتى توقف الرجل الآخر. رفع مايكل بصره ثم نظر حوله.
سأل: "ألن نذهب إلى المخبأ؟"
أجاب جيرارد وهو يخلع حقيبته ويتمدد: "لن نبلغه قبل حلول الظلام. لا أود الوقوع في العراء ليلاً، ليس حين تكاد تلك العاصفة تتدفق فوق رؤوسنا".
مشى جيرارد نحو نتوء صخري صغير وترك أصابعه تستقر على حافة بارزة. انحنى الحجر وانثنى عند لمسه حتى وقف أمام فتحة صغيرة غير مرئية من الطريق ومحمية من العوامل الجوية بواسطة سقف بارز. قذف الحجر من الداخل ليشكل حاجز رياح فضفاضاً أخفى عمله أكثر عن الفاحص العابر. سحب الصانع يده وتراجع مسروراً.
قال: "هناك. أفضل بلعنة من النوم في الخارج".
نقل مايكل بصره ليتطلع عبر المدخل ووجد منصتين صغيرتين مرتفعتين في الداخل إضافة إلى نتوءات لمعداتهم. كان الأمر مثيراً للإعجاب خصوصاً مقابل الوقت القصير الذي أمضاه جيرارد في تشكيله وذكر ذلك بصوت عال ليضحك الرجل الآخر ويهز رأسه.
تمتم: "ما ظننت قط أنني سأبهر سيداً آردانياً بتشكيلاتي. ظننت أن فرشك ستصنع من مواد أكثر راحة من الحجر".
احتج مايكل لشعوره بانعدام الاتزان أمام نبرة جيرارد العادية: "أنا لست كذلك، كان ذلك تمثيلاً. سوبريكي".
ألوح جيرارد بيده ليزجره.
قال باستخفاف: "أنت كاذب سيء مثل الرئيس تماماً. أتظن أنني أهتم بمكان قدومك؟ لكل شخص هنا حياة مختلفة في يوم ما. لقد ساعدتنا وأخرجت مؤخرتي من العاصفة بشكل جيد، والرئيس كفل أمرك بطريقة أو بأخرى".
تمتم مايكل: "نعم حسناً. أظن أن سوبريكي قد يعيد النظر في ذلك القرار. لا نتفق في الكثير من الأمور".
صدرت ضحكة قصيرة وسريعة من جيرارد.
قال: "أظن أن لديك انطباعاً خاطئاً عن مجموعتنا الصغيرة. نحن لسنا هنا معاً لأننا نحب بعضنا. تشارلز حيوان. يحب القتل أكثر من اللازم قليلاً. لكننا نحتاج الآن إلى شخص يمكنه تنفيذ بعض القتل وهو موثوق. الرئيس متعصب، لكننا نحتاج الآن إلى شخص يملك تلك القوة من الاعتقاد".
رفع حاجبه ونظر إلى مايكل.
"وأنت، أنت قذر مدلل بعض الشيء. لكنك صير وهنا عوضاً عن المكان الذي يحتفظون بأمثالك فيه عادة. أظن أن بإمكانك إن قضيت وقتاً كافياً برأسك في الهواء بدل حقنك في مؤخرتك أن تتحول حقاً إلى نوع لائق من البشر. بقدر لياقة البشر في الحرب على أي حال".
غامر مايكل بالقول: "أنا، شكراً؟"
متردداً في ما إن كان عليه الشعور بالإهانة.
"مع ذلك لم أتمكن هنا للانخراط في قتالكم".
أشار جيرارد إلى أن: "يبدو أنك فعلت بالفعل. الحياة مضحكة هكذا. لا يحصل دائماً لنختار ما نقاتل من أجله أو من نقاتل معهم. أحياناً تكون مخلباً تحاول الحفاظ على أي فتات أمكنك".
انحنى والتقط قطعة صخرية سائبة مدحرجاً إياها في كفه بينما تحول الحجر إلى كرة مستديرة.
"نحن محظوظون أنا وأنت. يمكن لأمثالنا تغيير الأمور إن رغبنا في ذلك، إن كنا مستعدين للمجازفة بما يتطلبه إحداث ذلك التغيير. لن يملك أغلب الرجال قوة أكبر من بندقية في أيديهم ومن المرجح أن يموتوا كجزء من مناورة شخص آخر. ما يريدونه لا يهم. أما ما نريد نحن، حسناً، قد يهم يوماً ما".
سأل مايكل: "وماذا تريد أنت؟"
ضحك جيرارد مجدداً.
وهو يلوح بإصبعه أمام نظرة مايكل الصادمة: "سمعي ليس سيئاً إلى هذا الحد. أريد أن أستيقظ متأخراً في الصباح وبجانبي فتاة جميلة. أريد نبيذاً في المساء وموسيقى. أريد أن أصنع تماثيل ونقوشاً صغيرة من الحجر وأهديها لمن أحب".
لاحظ مايكل: "ذلك محدد للغاية".
سقطت ابتسامة الرجل الآخر ودع الحجر يسقط.
قال: "أنت هنا تخاطر بحياتك. يتعين عليك معرفة الأسباب. لا ينتظر العالم أن تكتشف الأمر. إن لم تكن في الخارج تطرقه ليأخذ شكلاً ما فسيقوم شخص ما غيرك بذلك، وغالباً لن يعجبك ما يدور في ذهنه".
بدا جيرارد على شفا قول شيء آخر لكنه هز رأسه بدلاً من ذلك وغطس في الملجأ المرتجل الذي صنعه. جلس مايكل خلف حاجز الرياح وراقب السماء وهي تظلم أولاً تدريجياً ثم مع خبث ضبابي لسحب العاصفة المتدفقة من ليك. حين بدأت قطرات المطر السمينة الأولى بالهسول دخل وتمدد على المنصة الشاغرة. لم ير مستقبله بوضوح جيرارد ولا بحدة سوبريكي. تركز ما يملكه من تحديد إلى حد كبير على الأشياء التي لا يريدها.
العنف والخوف والسيطرة. ومع تجرده من هذه جميعها ترك بفراغ. فراغ وقد رفضه قبل أي شخص آخر. بدأ يقلقه عجزه عن التفكير في أي شيء لطلاء ذلك الفراغ فوقه. كيف كان يبدو السلام بالنسبة إليه؟ كان الوقت في حديقة جورغ هادئاً، لكنه كان سلام جورغ، وباعترافه هو جنة وليدة تجنب المسؤولية. كان ملجأ سيبيلا انعزالاً. كان ريف سبارك سلام هيمنة حيث يقف وحده بين من يسيطر عليهم. لم يؤمن أبده بالسلام أبداً، على الأقل ليس كحالة دائمة.
لعل الاكتفاء بالبدء بما لا يريده والبحث عما يبتغيه على طول الطريق يكفي. كان جيرارد محقاً، وهناك رجال آخرون يحاولون ضرب العالم ليأخذ شكلاً معيناً، رجال مثل كارل باومغارت. لقد رأى العالم الذي أراد أبوه صنعه في ليك مبعثراً بأطفال موتى باسم مزيد من العنف. تعذر عليه رؤية سلامه بعد لكن أياً كان الشكل الذي سيتخذه لم يعتقد مايكل أنه سيتمكن من إيجاده رفقة حرب أبيه. حدق مايكل في السقف المظلم لمأواهما حتى بدأ النوم يعرض عليه أحلاماً لأموات بلا نهاية مع توقيع أبيه الأحمر القاني المتقاطر من كل جثة.
استيقظ وسط ذلك المنظر البشع وقلبه يخفق وعرقه يبلل ثياب. لم ينم مايكل أكثر في تلك الليلة ولا أراد ذلك.
عاد جيرارد ومايكل إلى المخبأ في صباح اليوم التالي، بعدما خف هطول المطر، فأسقطا حقائبهما بامتنان واغتسلا في أماكن المعيشة الضيقة. كان المكان الواقع تحت الأرض يعج بالنشاط، وتملؤه الأحاديث الخافتة والأصوات المعدنية الواهنة، فيما كان المقاتلون يفككون البنادق وينظفونها ثم يعيدون تركيبها.
قال شارل وهو يلكم جيرارد بخشونة على كتفه: "لقد تأخرتما كثيرا. هل جعلَك السيد الصغير تحمله؟"
أجاب جيرارد بمرح: "بل العكس تماما. منذ متى عدتم؟"
قطب شارل وجهه.
"منذ وقت متأخر من الليلة الماضية. كلير لم تقبل بفكرة انتظار انحسار العاصفة، فاندفعت وسط الظلام كالمجنونة."
رمق جيرارد مايكل بنظرة متشفية، ثم سعل وألقى نظرة حول الغرفة.
سأل: "أين هي؟"
قال صانع المعادن متجهما: "تلقن سوبريكيه درسا. وهي وراء الحاجز منذ أكثر من ساعة الآن. الزعيم يمنع صوتها من التسرب إلى هنا، لكنني أضمن لك أنها لم تتوقف عن الصراخ طوال هذا الوقت..."
انفتح آخر ألواح الحاجز جانبا، فكشفت عن كلير التي خرجت عاصفة، وقد خط القتل كل سطر من سطور وجهها. اتجهت نحو أماكن المعيشة من دون أن تلتفت إلى الذين أوقفوا أعمالهم عند سماع الجلبة. وبعد لحظة اختفت في منطقة النوم المعتمة، فعاد المخبأ يضج بالحياة ببطء. التفت مايكل إلى جيرارد مستفسرا، لكن صانع المعادن اكتفى بهز كتفيه.
قال: "يحدث هذا. لم تكتم كلير رأيا لها قط. الزعيم، والأردان، ونحن... لا يهمها الأمر قيد أنملة. إذا كان لديها ما تريدك أن تسمعه، فسوف تسمعه لا محالة."
قال مايكل: "سآخذ ذلك في الحسبان. أظن أن لديها بعض ما تريد قوله لي."
شخر شارل.
"لا تغتر بنفسك. لست أول أردان نعمل معه، ولست أول صاحب لقب أيضا. لو كان لديها ما تقوله عن ذلك، لسمعته من زمان."
قال مايكل رافعا حاجبا: "في هذه المرحلة، أتساءل لماذا تكبد سوبريكيه عناء تلك الكذبة أصلا. يبدو أن أحدا منكم لم يقتنع بها."
سحب جيرارد الهواء من بين أسنانه، وألقى نظرة على الحاجز الفاصل.
قال: "تعتاد الأمر بعد فترة. سيقول الزعيم أكاذيب واضحة أو يتجنب الإجابة حين تقترب المحادثة أكثر من اللازم من مواضيع معينة. تلك إشارة إلى أن تتوقف عن الإلحاح. روحه تعمل في الخفاء، وأحيانا يعني ذلك أن تظل بعض الأمور بلا كلام."
سأل مايكل: "إذن كذب سوبريكيه في الخيمة وهو يعرف أن أحدا منكم لن يصدقه؟"
ارتسمت على وجه شارل ابتسامة سريعة قاسية.
قال: "كانت الكلمات كذبة. أما الرسالة فكانت أن هويتك ليست مشكلة. هذا صحيح في العموم، وخاطئ في التفاصيل."
نظر مايكل مجددا إلى صانع المعادن. كانت في نبرته، وهو يتكلم، مسحة مقلقة.
سأل: "وفجأة لم تعد مشكلة؟"
قال شارل وهو يسحب بلا اكتراث خيطا معدنياً من أحد عصابتي ذراعيه: "بل إنها مهمة. كل ما في الأمر أنها ليست موضع قلق في الوقت الحالي."
جرف المعدن بين أصابعه، سائلا متلألئا بلا شكل محدد في الضوء الخافت. قلب جيرارد عينيه، ثم نظر إلى مايكل معتذرا.
شرح: "نحن لا نقلق هنا من الجواسيس أو المخربين. لا نحتاج إلى ذلك. إذا كان سوبريكيه قد فحصك وأقر صلاحيتك، فأنت إما عنصر نافع وإما ميت."
أشار مايكل: "لكن كلير تبدو قلقة مع ذلك. أو على الأقل في حالتي."
منحه شارل ابتسامة خالية من اللطف.
وقال: "لكلير أسبابها الخاصة لعدم الاعتماد على..."
انقطع كلامه بشهقة حين ارتطمت قبضة من الخلف بخاصرته، فترنح إلى الجانب. تقدمت كلير إلى الموضع الذي كان يحتله، ونظرت إليه نظرة متعالية.
قالت: "النميمة عادة قذرة."
ثم ركلته برفق في ساقه. ارتدت الضربة عن معدن صلب تحت ثيابه، لكن أثرها أسقطه على مؤخرته. رمقها شارل بنظرة تنضح بالقتل، لكنها كانت قد أدارت ظهرها إليه لتواجه مايكل.
قالت: "أيها السيد، يبدو أنك أتممت الجزء الأول من اتفاقك. لكن علينا، للأسف، أن نتحرك أولا بناء على الخيوط التي ساعدت في الحصول عليها، قبل أن نرسلك في طريقك. ستكون آمنا هنا إلى أن يحين وقت نقلك."
أومأ مايكل، وشعر بألم أجوف غريب لا علاقة له بروحه هذه المرة. ظلت الخربشة الدامية لخط أبيه عالقة في ذهنه، كما ظلت صور الحلم ملحة أكثر مما ينبغي. كانت كلمات كلير طردا له. كان بوسعه أن ينتظر وحسب، ثم يذهب إلى منديان. منديان، أرض الجزارين العمليين. فكر مايكل في أن يكشف لهم عن روحه، وأن يشرح للير غاباراين أنه يحمل اثنين من الثمانية في داخله. كانت ستعلمه السيطرة على سبارك، وربما على ستانزا أيضا.
ولن يعود لديه ما يخشاه من روحه. وفي المقابل، كانت منديان ستحصل على عنصر قوي. انجرفت إلى ذهنه صورة أخرى لسفينة جوية تشبه تلك التي رآها في اليوم السابق. وقف مايكل على المنصة عند مقدمتها، وعلى جانبها شجرة عظيمة التفّت جذورها كالأفاعي حول قلب بشري. كانت مدينة تمتد تحته، غامضة في الضباب، لكنها تضج بالاضطراب وهم يرون السفينة الجوية، ويسمعون الصوت المدوي الذي يخبرهم بحكم منديان.
مد مايكل يده، فرأى ضوء ستانزا يرسم حواف المدينة البعيدة... هز نفسه، وشعر بغثيان خفيف. لاحظ مايكل أن جيرارد ينظر إليه على نحو غريب. لم يكن يعرف كم من الوقت ظل غارقا في أفكاره، لكن شروده كان واضحا فيما يبدو. لم يتغير تعبير كلير، وظلت تنظر إليه باهتمام منفصل بارد.
سأل مايكل: "سنذهب أولا إلى الجبهة الغربية؟ أتظنين أنكم ستجدون هناك الدليل الذي تبحثون عنه؟"
هزت كلير كتفيها.
قالت: "إنه الخيط الوحيد الذي نملكه. إذا استطعنا أن نثبت لمنديان أن أردالت قد جعلتهم أضحوكة، فستكون ثأرتهم سريعة وشاملة. إنها أفضل فرصة أراها لإخراج الحرب من أراضي داريسان."
ثم أمالت رأسها لتنظر إلى مايكل.
"لماذا؟ أتظن أن الأمر لا يستحق المخاطرة؟"
عض مايكل شفته، شاعرا ببرودة الأدرينالين الدقيقة كخيط في صدره. كان جيورغ يريد منه أن يذهب إلى منديان، ولذلك حاول مايكل الذهاب. كان آمنا هناك، على الأقل في مواجهة الأخطار الأقرب التي يستطيع إدراكها. كان جزء منه يصرخ مطالبا إياه بأن يجلس بهدوء في المخبأ، وأن يترك سوبريكيه ينقله إلى منديان، ويترك لير تشكله كما تشاء. كان ذلك الطريق واضحا ومضيئا في ذهنه، ممتدا حتى نهايته المحتومة.
ارتجف مايكل حين اقتحمت صورة السفينة الجوية ذهنه مرة أخرى. لكنه لم يكن يملك موطئ قدم ثابتة إذا خرج عن الطريق. وكل السبل الأخرى التي استطاع رؤيتها إلى الأمام كانت ملتوية ومعتمة، تخنقها جثث ضحايا أبيه، وربما جثته هو أيضا. دوى صوت جيورغ المليء بالتسلية في رأسه: لا تخف المخاطرة أو التغيير. لكن لا تسع إليهما إلا عن عمد. حين يتعلق الأمر بأشياء مهمة.
قال مايكل وهو يرفع رأسه لينظر في عيني كلير: "في الواقع، كنت أتساءل إن كان بوسعكم استخدام سبيكتر."