بيكوليار سول الفصل 102 — اشتباه

اقرأ بيكوليار سول الفصل 102 — اشتباه باللغة العربية على مانجا تايم.

رأى الكلب الأسود الغراب جالساً على غصن ذات يوم، فجاء يسأله سؤالاً. أخبره كيف لاحظ أن لكل قوة في الطبيعة نقيضاً، وأن توازن الأشياء يُحفظ على هذا النحو. لكن الإنسان، لم يكن متوازناً إلا بانعكاسه. حار الكلب في كيف يمكن لصورة مجردة في الماء أن تقوم مقام التوازن، بينما للإنسان الحقيقي جسد من لحم وعظم. طرح الغراب سؤالاً في المقابل، فسأل الكلب عما يراه حين ينظر في الماء.

أجاب الكلب بأنه يرى صورة كلب، كما يرى الغراب صورة غراب. فلماذا ينبغي لانعكاس الإنسان أن يكون مختلفاً، هكذا سأل مجدداً. أوضح الغراب أن الإنسان فريد. وحده بين جميع الحيوانات، حين ينظر الإنسان في الماء فإنه لا يرى انساناً آخر يبادله النظرة. إنه يرى نفسه. وحين يفعل ذلك، تتجذر الرؤيا في عقله. قد يُرى الانعكاس في الماء وحده، هكذا قال الغراب، ويبدو للآخرين مجرد انعكاس. غير أن صاحبه يشهد شهادة عميقة حين يمثل أمامهما؛

ومنذ ذلك الحين فصاعداً، تتوزع عظامه ولحمه بين من يكون الإنسان، ومن يظن نفسه يكونه.

- مخطوطة أردانية تعود إلى ما قبل العصر الغاريكي، جلد رق، نحو عام 500 بعد الحقبة البشرية

تألقت أشعة الشمس فوق سطح الماء، وتراقصت في أعقاب سفينة الشحن التابعة لمدينة مينديكو. كانتا تبحران غرباً بينما كانت شمس الصباح تتداركهما بسرعة. راقب مايكل رذاذ الماء المتموج وحاول الاسترخاء. لن يحدث شيء اليوم، ولا غداً، ولا غالباً طوال هذا الأسبوع. لكنّه تجاوز أي ادعاء بأن العالم يمكن أن يستمر في ريف إيميس الهادئ والسعيد. ودّع مايكل وصوبريك شقتهما المستعارة وداعاً حاراً، تاركين مبلغاً زهيداً من المال مع رسالة مخبأة لمن يسكن الشقة بعدهما.

لم يكن هناك الكثير لتوضيبه. وجد إيميل مكاناً لمجموعتهما المتنامية من الملابس والتحف، ولم يترك لهما سوى حقيبتين متواضعتين من الملابس المناسبة للرحلة. أطلق مايكل نفخة ساخرة حين وجد نفسه يتأمل بأسى تركه لمعظم ممتلكاته خلفه. قبل أسابيع معدودة فقط، كان يسرق الخرق البالية من مغاسل المزارعين، والآن صار يملك أمتعة حقيقية. ومع ذلك، شعر وكأن شظية من حياته بقيت عالقة خلفهم في إيميس، شظية لم يكن متأكداً تماماً من قدرته على التقاطها مجدداً.

سيكون ستيلا حين يغادر غار، أو سيكون ميتاً. أو افترض مايكل أنه سيُمنى بفشل ساحق لكنّه سينجو بحياته بطريقة ما، ولعلّ ذلك كان الخطر الأكثر إرهاقاً بين البدائل التي خطرت بباله في تلك اللحظة. لذا، رمق أعقاب السفينة المتلألئة بنظرات جامدة، مراقباً إياها وهي تلتوي وتتموج نحو البحر، وحاول إلّا يفكر في الأمر بعمق. اهتز سطح السفينة على وقع خطوات تقترب منه، فتعرف إلى مشدية أنتولين المنتظمة.

ابتسم مايكل.

قال: "كنت أفكر حين صعدنا على متن السفينة في أن هذه بالكاد وسيلة نقل لائقة لمارشال كبير. كيف سافرت إلى هنا في المقام الأول؟"

أطلق أنتولين ضحكة خفيضة وهو يقف إلى جوار مايكل عند السياج، فقال: "سواء صدقتني أم لا، على هذه السفينة ذاتها".

بدا متمتعاً بقسط أوفر بكثير من الراحة هذه الأيام، فقد أضفت ريح الشتاء تورداً صحياً على وجنتيه.

"إنها عملية للغاية، فهي تقوم برحلات أسبوعية لنون الإمدادات والبريد من ليك إلى غارون. أسهل بكثير من جدولة قافلة برية، وأكثر أماناً أيضاً. وبما أنها تسير وفق جدول زمني، فهي أقل لفتاً للانتباه بدرجة كبيرة".

وافق مايكل قائلاً: "أشار ليكوباري إلى تلك الميزة الأخيرة. شيء يتعلق بعدم رغبته في تثبيط عزيمة الأردانيين عن مهاجمة غار؛ فإذا بدت هدفا صصباً فقد يقررون مهاجمة ساف مباشرة. لن يكون ذلك أمراً فظيعاً، لولا أنّه سيقوض قدرتنا على فعل أي شيء حيال النزاع بقدر ليس بليل".

كشر أنتولين عن وجهه قائلًا: "أخشى أن المجلس لن يتحرك ما لم يُجبر على ذلك؛ ليست هناك أي فرصة لتدخلهم لو كان النزاع مجرد استئناف للحرب. سيحافظ ذلك على مظهر قوتنا الزائف، بينما يسمح للعفن بالتوغل أكثر فأكثر. سيكون ذلك أسوأ سيناريو ممكن، ولست متفاجئاً برغبة ليكوباري في تفاديه. ما يفاجئني حقاً هو عدم أخذ الأردانيين لذلك في الحسبان ضمن تخطيطاتهم".

تنهد مايكل قائلاً: "أتخيل أن أحدهم طرح الأمر. لكن يمكنني تخمين بعض الأسباب التي تدفع لوك لدفعهم نحو غار. فهو لا يحاول حثهم على خوض حرب عادلة. لا توجد قضية هنا، ولا حتى غنائم أو أراضٍ تستحق هذا العناء".

هز رأسه.

"ربما يستطيع لوك ايجاد قضية كهذه، لكن ليس هذا ما يبتغيه. إنه يريد من الأردانيين خوض الحرب مدفوعين بالغرور، والكبرياء، والحقد، وكل الأسباب التي من أجلها اختارهم لهذه الخطة المجنونة في المقام الأول. إنه يريدهم أن يستحقوا ما سيحدث تالياً".

همهم أنتولين: "مم. إذن بصقنا في أعيننا هو غاية في حد ذاته، وليس مجرد صدفة".

عبس مايكل قائلاً: "إغضاب ميندان وساف، استعادة غار لصالح أردالت، العثور على نصر يمحو إحراج نهاية الحرب، اختر ما شئت. كلها قرابين يقدمها لوك لأكثر نزعات أردالت حقارة. وأسوأ ما في الأمر هو أنه محق. هذا ما يريدونه تماماً. ولهذا السبب تمكن سبارك من انتزاع المعهد من يد جورج وتحويله إلى ما هو عليه اليوم. أردالت هي كل ما يعتقده لوك عنها".

قال أنتولين بهدوء: "يبدو أنه قدم حجة مقنعة. تبدو مستعداً لتركهم يسقطون".

أطلق مايكل نفخة ساخرة: "لو كان الأمر يتعلق بأبي وحدي لربما، أو لو كان المجلس سيتحمل العبء الأكبر من ذلك. لكن الرجال الذين يصنعون الحرب لن يحاربوا فيها. والرجال الذين يموتون سيكونون مزارعين وعمالاً وجدوا أنفسهم جارفين في أكاذيب وطنية، تخلخلت عقولهم وسيقوا وهم يتخبطون نحو نيران سافيد. سيبقى المجلس صامداً، وسيجد الأعذار للخسارة. ولن يخطر ببال أبي قط أن الخطأ ربما يكمن فيه".

عزفت خرير المياه في أعقابهم ترنيمتها فوق الطنين الخافت للمحركات. بعد لحظات قليلة، ابتسم أنتولين وهز رأسه.

قال: "لقد مررت بشهر شاق. قبل أن تذهب إلى أردالت، كان لا يزال لديك بعض الأمل".

التفت إلى مايكل وتضيقت عيناه.

"ما الذي حدث هنااك؟"

قال مايكل: "أنت تعني سوى ما قرأته في تقاريرك. انحنى إلى الأمام، ممعناً التفكير في كلماته. في النهاية، رفع رأسه لينظر إلى المارشال الكبير. "أظنني بات أفهُم لير بشكل أفضل". رفع أنتولين حاجبه، لكنّه لم ينطق بكلمة. قال مايكل: "كنت غاضباً منها أشد الغرض عندما أمرت بقتل غالين.

ظننتها امرأة متغطرسة مستبدة تعجز عن تقديم أي تنازلات". قال أنتولين مبتسماً بابتسامة خفيفة: "ليست نظرة غير مألوفة.

هل جئت لتفكر بطريقة مغايرة؟"

ضغط مايكل شفتيه معاً.

"أن تجد شخصاً يقاوم كل محاولاتك لإنقاذه، صارخاً باهتمامك في وجهك، أستطيع أن أرى كيف يمكن لهذا أن يدفع أحدهم لاتخاذ قرارات جذرية".

رمقه أنتولين بنظرة تأملية وتضيقت عيناه.

فسأله: "وهل فعلت؟"

أطلق مايكل نفخة ساخرة: "يعتمد ذلك على ما يُعد مؤهلاً لذلك. كل ما فعلته لير هو قتل أحدهم، عدو معروف وخير. هل تدرك عدد الأشخاص الذين قتلتههم طوال هذا الشهر الأخير؟ لا أعلم. كنت أعدهم في السابق. كنت أتذكر عددهم، ومكان تواجدهم، وشكل وجوههم. في منتصف الشهر أدرت أنني لم أعد قادراً على ذلك. كنت أذبح فرق المعهد لفترة طويلة لدرجة أن الأمر بالكاد كان يترك أثراً في نفسي".

انحنى للأمام مجدداً.

"كنت أعاني من كابوس حول هذا الأمر يا أنتولين. المرة الأولى التي رأيت فيها لير تستخدم روحها، تخيلت نفسي أنفذ ذلك النوع من الموت. ظل يطاردني كلما نمت لأسابيع. والآن بالكاد أملك نوماً ليطاردني، وفي كل الأحوال، لم يعد يفعل".

رفع نظره إلى أنتولين.

"فهل ينبغي لي أن أهنئ نفسي على امتناعي عن ارتكاب تجاوزات أسوأ، وأنا أدرك ما ينتظرنا؟ كانت لير تتحدث سابقاً عن استخدام المباضع بدلاً من السيوف؛ وهذا هو الجانب الذي أشعر به بحدة أكبر الآن. كان بإمكاني قتل لوك في البداية، لكنني ظننت أنني أفضل من ذلك. كان بإمكاني انتزاع الغضب والغرور من عقل أبي، ومن إيزولدي وصوفيا. لكنني أفضل من ذلك".

التوى صوته محملاً بالسم.

"الآن يلوح شبح الحرب من جديد، وسأوزع موتاً محترماً وصادقاً بأيد نظيفة".

"مم".

أومأ أنتولين ببطء.

قال: "هناك مشكلة واحدة في خط الاستدلال ذلك".

تنهد مايكل، مسنداً رأسه بين يديه.

تمتم قائلاً: "أكثر من واحدة. وأهونها أنني لست مهووسا لعيناً".

قال أنتولين مبتسماً: "طالما اعتبرت تلك ميزة إيجابية لديك. لكن تلخيص الأمر أسهل من ذلك بكثير".

التفت ليواجه مايكل تماماً، وقد غدا وجهه جاداً.

"أنت لست مثالياً يا مايكل. لا يمكن لأحد أن يتوقع ذلك منك. سترتكب أخطاء، وسيموت أناس. ستندم على إظهار الررحمة، وستندم على حجبها. مقابل كل مرة رأيت فيها لير تستخدم ذلك المبتضغ، كانت هناك مرات أخرى أخفقت فيها في فعل ذلك، وفي أحيان أخرى كانت تقتل دون حاجَة. وهي الأخرى لم تكن مثالية؛ بل اكتفت بأن تكون متعمدة، حذرة، ومسامحة".

"مسامحة".

هز مايكل رأسه.

"ليس باللفظ الذي كنت لأختاره لها".

حرك أنتولين أصابعه باستهانة: "ليست مع أعدائها بالتأكيد، ولا مع أولئك الذين يشكلون تهديداً لميندان أو مصالحها. أما الحلفاء الذين زلوا، أو أولئك الذين قد يصبحون أصدقاء يوماً ما، فكانت تتغاضى عن أخطائهم".

نظر مباشرة في عيون مايكل.

"ما كان يؤرقها أكثر من غيره هو مهمة مسامحة نفسها. لم تكن امرأة تتقبل الفشل بسهولة، ولاسيما فشلها الشخصي. لكنها كانت تقف دائماً، وتسعى دوماً للتحسن، للتحسن بلا هوادة كما كانت تحب أن تعبير. كان ذلك هو بلسمها للجهاز، وبه عقدت سلامها مع الكثير والكثير من البشر الذين ماتوا نتيجة لأخطائها".

قال مايكل: "فكرة اعترافها بالخطأ ما زالت تبدو غريبة بالنسبة لي، لا سيما بالنظر إلى تفاعلاتنا الأخيرة. كانت جازمة بأنها لم ترتكب أي خطأ".

تنهد.

"وربما كانت محقة. طالما تساءلت عما تغير فيها، لتأتي إلي مسالمة بعد موتها. ربما لم يكن هناك أي صراع قط. ربما لم أكن أعرف نفسي حقاً بالقدر الذي ظننته".

سأله أنتولين: "وهل تعرف نفسك الآن بصورة أفضل؟"

ضحك مايكل.

سأل: "كيف لي أن أقول نعم؟ كانت لير مرعبة لأنني كنت أعرف، أعرف يقيناً، أنها قادرة على فعل أي شيء إن تطلبت الظروف ذلك. لم أظن الأمر ذاته عن نفسي، لكنني راقبت نفسي كيف تلتوي لتتكيف حتى الآن. حين يتكشف المستقبل إلى النقطة التي راها كارولوس، ذلك المستقبل الرهيب الذي حطمه لمجرد التطلع إليه..."

هز رأسه، ناظراً فوق المياه.

"لم يكن ينظر إلى لوك. كانت تلك غريزتي الأولى في تلك اللحظة، لأن لوك كان محور تركيزي لفترة طويلة، لكن... لقد نطق بكلماتي يا أنتولين. قصيدتي. الكلمات التي استخدمتها لشفاء سيرا، والتي كنت أستدعيها حين يضطر الأمر... للغوص في الأعماق واستنزاف نفسي إلى أقصى حد. بدا الأمر غير عادل في تلك اللحظة عندما اتهمتني إيزولدي بقتله، لكنها لم تكن مخطئة. كان ينظر إلي. أياً ما كان ما رآه في خيوط المستقبلات المحتملة، فقد رآني أنا. وتلك النظرة وحدها دمرته".

نهض مايكل عن السياج، والتفت ليواجه أنتولين.

همس: "مشرق، محرق، محطم، منتهٍ"، وترددت الكلمات كالتنهيدة عبر الماء؛

وتوقفت الأمواج لفترة وجيزة جداً. ارتعش الهواء. استنشق أنتولين نفساً ممتلئا، مطلعاً حوله.

قال مايكل: "تظن سيرا بي سوء الظن ظناً حسناً مبالغاً فيه. تعتقد أنني أطيب من أن ألحق الأذى، وقد وجدت راحة في ذلك. لقد سمحت لنفسي بالوثوق برؤيتها. لكن إن أصبحت حقاً ما رآه كارولوس، فهي مخطئة بشأني... ولوك محق. أنا كارثة يعجز العالم عن تحمل هشاشتها".

همهم أنتولين بخفت، مسوياً واجهة سترته.

قال: "تفسير ما يراه العراف غالباً ما يكون صعباً. إنهم يرون بالروح لا بالعيون؛ وهذا يضفي على كل شيء تركيزاً غريباً، تركيزاً شخصياً للغاية. تعلمنا في ميندان أن عرافين سُئلا السؤال ذاته سيقدمان إجابتين متغايرتين تماماً، ومتناقضتين أحياناً. المستقبل لا نهائي يا مايكل. وإرادتك ما زالت ملكك".

مد يده ليقبض على كتف مايكل. كان هناك تردد طفيف، إذ تعثرت ذراعه في منتصف الطريق، لكن في اللحظة التالية كانت قبضته واثقة وحازمة. التقت عيناه بعيني مايكل.

قال أنتولين: "لن تكون أبداً سوى ما تختاره بنفسك. لن أقول إن الأشهر القادمة لن تحمل تحدياتها، ولن تطالبك باتخاذ قرارات صعبة؛ أظننا سنُجبر جميعاً على التنازل لإيصال هذا الوضع إلى نهايته. لوقف نجم مارق، يبدو الكثير مبرراً. أما لوقف النجم الحالي، فلا شيء يعد مفرطاً، لأنه لن يتراجع عن تلك القوة التي تخشاها. أياً ما يتوجب عليك فعله لوقفه، يتوجب علي أنا أن أكون أنانياً وأطلب منك أن تفعله غير عابئ بالعواقب. ستظفر بامتنان ميندان ودعمها الأبدي بعد ذلك، وسنساعدك في تحمّل أي محنة تليها".

كانت مشاعر أنتولين واضحة لمرة واحدة، سواء بال اختيار أو بفعل قوتها المتجاورة في تلك اللحظة؛ فقد شعر بالخوف، مثلما يشعر الناس دائماً حين يفكرون في مايكل، لكنه كان خوفاً مسيطراً عليه، خوفاً أليفاً، يعمل تحت وطأة نبضات ثقته البطيئة والثابتة.

سأل مايكل: "وإن عجزنا؟ كانت لير تخشى ذلك، وكان ذلك أحد أول الأمور التي حدثتني عنها. نمو غير متوقع، غير مقيد... لقد استعرت بعض الكتب حين كنت في ميندان، وقرأت. لم تستخدم لفظ 'التفرد' حين التقينا للمرة الأولى، لكنها وصفته ببراعة. ربما تجاوزنا بالفعل النقطة التي يصبح فيها الإيقاف ممكناً، لأن قتل لوك لن يؤدي إلا إلى نقل طاقته إلي، و..."

توقف مايكل، ناظراً إلى المياه مجدداً.

وأردف يقول: "ولست متأكداً ممّن سأكون. أو ماذا سأكون. أستطيع أن أشعر به بالفعل وهو يتسرب مني. لا أستطيع النوم يا أنتولين. لا أستطيع استشعار الحرارة أو البرودة كما اعتمدت. أرى بعيني سواء كانتا مفتوحتين أو مغمضتين، وإذا ظفرت بروح كارولوس فلن تكون حتى الظلمة تحت الأرض ملجأ من الرؤية".

كشر مايكل.

"لا يمكنني حتى السكر كما كان يفعل".

ملأ خرير المياه السكوت بينما التوى فم أنتولين؛ ونقر المارشال الكبير بإببعره على السياج ببطء.

قال: "لا يسعني سوى الحديث من واقع تجربتي مع لير. لم تكن تعاني من مشاكلك ذاتها، لكن مشاكلها كانت شبيهة بها. رأيتها تصارعها على مدار السنين، مراقباً بلا قدرة على التدخل حتى وأنا أدرك تماماً أن أمن بلدنا ومستقبله كانا معتمدين عليها كلياً".

رفع مايكل نظره إلى أنتولين، لكنه لم ينطق بكلمة؛ تاركاً المارشال الكبير يتوقف لحظات لجمع أفكاره. هز أنتولين رأسه، مخللاً أصابعه بين خصلات شعره الرمادي المائل للحديد.

"في النهاية، مسألة الإنسانية هي مسألة تواصل. أنت إنسان بوضوح، ولن تكون شيئاً آخر أبداً؛ ومخاوفك تكمن في أن تفقد القواسم المشتركة مع كل من تعرفهم لتغدو وجوداً بائساً ومنعزلاً. إنه ليس قلقاً غير مبرر".

قال مايكل بجفاف: "شكراً لك. شعرت بتحسن بالفعل".

ضحك أنتولين: "لم أكن قد انتهيت بعد. لا أظنك عرضة لمثل هذا المصير بخطر يُذكر. أشك في وجود قوة قائمة قادرة على فصل صوبريك عنك، ولديك الكثير من الأصدقاء غيرها".

مد يده باتجاه مايكل.

"أود أن أعد نفسي واحداً منهم".

قبض مايكل على يده.

قال: "بكل سرور. وإن كنت أتساءل عما إذا كنت تدرك ما تتطوع لأجله".

أطلق أنتولين نفخة ساخرة: "من المستبعد جداً أن تكون أكثر صعوبة من لير".

ابتسم، ثم تراجع خطوة للوراء ليتأمل مايكل؛ وراحت عيناه تتحركان صعوداً وهبوطاً بطريقة متعمدة غريبة، كأنه كان يحفر صورة مايكل في ذاكرته. في النهاية، التقت عيناه بعيني مايكل.

قال: "سأفعل ما بوسعي، لكن في النهاية ليس هناك الكثير من العون المجدي الذي يمكنني تقديمه. هذه مشكلة لا يستطيع معالجتها س سواك. وما يمكنني وعدك به، والتمسك به، هو أن ميندان ستستقبلك بحفاوة مهما تتكشف الأمور في غار".

أومأ مايكل ببطء، غير متأكد مما يمكنه قوله رداً على ذلك؛ ولم يبدُ أن أنتولين ينتظر إجابة. عاد إلى السياج ناظراً إلى المياه. وبعد لحظة، فعل مايكل المثل.

توقفت السفينة ببطء في رونز، حيث ترجل أنطولين ومعظم ركاب مينديكو ذوي الرتب. كانت البلدة تقبع على مسافة من الحدود المُعاد ترسيمها مع ساف، لكن حجمها وميناءها الكبير جعلا منها المركز العصبي الفعلي لقواتهم المتبقية في داريسا. رفع مايكل بصره ليرى المعسكرات المترامية خارج الأسوار، وصفوف الدروع المركونة في الحقول، والكتلة الضخمة اللامعة للمنطاد المربوط أرضاً خلفهما. لم يلبثوا طويلاً قبل أن يغادروا، وهو أمر أراح مايكل؛

إذ لم تتحسن رائحة رونز منذ زيارتهم الأخيرة. اتجهوا جنوباً حول شبه الجزيرة المنتفخة التي تمثل أقصى امتداد لداريسا جنوباً، ثم عبروا خليجاً صغيراً نحو الغرب. حل الليل حين بلغوا ساحل غاريك. لم يظفر مايكل سوى بساعة نوم هزيلة قبل أن يستيقظ، وبدلاً من أن يضيق ذرعاً بالمقصورة الضيقة، أمضى معظم الليل يراقب النجوم من على ظهر السفينة. كانت وسيلة لتمضية الوقت، وإن أثارت نظرات غريبة من الطاقم الملتف بالثياب الثقيلة وهو يقف لا يبالي بالريح والقر.

كان البحر ليلاً كائناً آخر، مياهه في الخليج هائجة ومضطربة تحت رياح لا تهدأ. تشبث الجليد بحبال السفينة، مشكلاً طبقات ملساء على السطح وعالقاً بشعر مايكل. مال بجسده نحو الريح مبتسماً، فقد بدا بحر الشتاء حياً ونابضاً. بدأت غارون كوميض مستقر لمنارتها، ثم تفتحت عن تجمع متراص من الأنوار التي تلتصق بقاعدتها. سرعان ما اتضحت الأضواء لتكشف عن صفوف وأعمدة منتظمة لقاعدة مينديكو؛

اضطر مايكل لإعادة تقدير أبعاد المكان حين اقتربوا. كان قد ظن القاعدة هي البلدة بأكملها، لكن الأمر لم يكن كذلك؛ فمع اقترابهم بدأ يرى الأضواء الصغيرة الخافتة تفرش بقية الأرض، ومعظمها يمتد صعوداً على طول نهر جليدي بطيء بعيداً عن الساحل. كانت الأضواء باهتة ومضطربة، ليست كهرباء مينديكو الساطعة، بل ضوء نار يتربص في شقوق أبنية نصف ظاهرة، ويبرز عمارة قديمة متداعية في وهجه الشحيح.

كانت المدينة متاهة من الحواف السوداء الملتوية والفراغات المظلمة، يشطرها النهر الأسود وتتخللها عقد صغيرة من الدفء. تذكر مايكل فجأة وبشكل مزعج نهر الأرواح. حول انتباهه بعيداً عن المدينة القديمة نحو وجهتهم مجدداً؛ فقد صار بإمكانه رؤية المزيد من التفاصيل مع اقترابهم. كانت القاعدة خارج كتلة المدينة، عند الساحل. لها ميناء متواضع وحاجز مرتفع يحيط بمحيطها، فاصلاً إياها عن المدينة.

خُصصت أسطع الأضواء لذلك الحاجز، لترسم خطاً من النهار في وسط الظلام. وبفضل إضاءتها، رأى مايكل حشوداً من المباني العشوائية المتكومة، وقد أُلقيت معاً من حجر وخشب مهمل. ومض ضوء بجانبه، فابتسم.

قال: "أنتِ لا تستيقظين مبكراً أبداً".

قالت سوبريكيه، وصوتها يبدو نعساً حتى عبر نبرات طيفها المشوهة: "ولا أزال كذلك. الجو في الخارج مريع. أنا في فراشي، وسأبقى حتى نرسو".

أشار مايكل: "ما زال أمامك بعض الوقت. يبدو أن علينا الصعود شمالاً قليلاً قبل الرسو، لأن موانئ المدينة ليست في حالة جيدة".

قطب حاجبيه وهو يلحظ أطلال الأرصفة المظلمة على ضفة النهر، وقد غمرتها المياه أو سدتها أطنان من الطمي المتراكم عبر السنين.

"هذا غريب. لم أرَ مدينة كهذه من قبل، حتى أثناء الحرب. كان ميناء ليك في حالة أسوأ بعد الهجمات، لكن كانت هناك قوارب؛ صيادون، وعمال إصلاح، شيء ما. هناك بشر يعيشون هنا، لكنهم لا يفعلون شيئاً".

أصدرت سوبريكيه صوتاً غير مفهوم، ثم قالت: "لا أظنهم في وضع جيد. ليس لديهم سوى طريق بري إلى ساف، التي ستغزوهم إن استطاعت. أما بحراً فلم يكن حالهم أفضل كثيراً، فالحرب جعلت السفر على طول ساحل داريسا محفوفاً بالمخاطر حتى الآن. ربما يصطادون، أو يزرعون، لكن دون تجارة ستكون خياراتهم محدودة".

أصر مايكل: "كان ينبغي لهم أن يجدوا حلاً غير التكدس في أكواخ. إنهم محمية تابعة لمينديكو".

سخرت قائلة وهي تشير نحو أضواء القاعدة الصارخة: "وانظر كم هم محميون جيداً".

قطب مايكل حاجبيه وضم ذراعيه إلى صدره، مراقباً الميناء وهو يقترب. كانت أرصفة مينديكو نشطة رغم الساعة، ورأى زوجاً من زوارق الدورية الصغيرة راسية بجانب الرصيف الأكبر المخصص لنقلهم. وكما وصفها ليكوباري، كانت القاعدة متواضعة مقارنة بمعسكرات حرب مينديكو المترامية. وبناءً على الثكنات، لم يعتقد مايكل أن هناك أكثر من ألف رجل فيها. ومع ذلك، كانت منشأة هائلة؛ فأسوارها العالية تضم منصات مدافع منتظمة وكشافات ضوئية على طول محيطها، مع زوج من المدافع البحرية الضخمة الموجهة نحو الخليج.

لكنها كانت ثابتة، ومثقلة بنقاط ضعف كل الدفاعات الثابتة. فموقعها في الخليج يجعل حصارها أمراً يسيراً، وستوفر المدينة غطاءً لأي جيش حتى يقترب بشكل خطير من الأسوار، هذا إذا لم يتجنب الجيش المذكور القاعدة ببساطة، هابطاً على الساحل الغربي لشبه جزيرة غاريك. وعلى أية حال، لم تكن هذه المنشأة المدمجة هي التي ستوقف توغلاً محتملاً من الأردانيين. لقد صُممت لتدافع عن نفسها، ولتصمد أمام التهديدات الأكبر حتى تصل التعزيزات من الشمال.

قطب مايكل حاجبيه، مقرباً بصره أكثر بينما كانوا يقتربون.

لاحظت سوبريكيه: "أنت كئيب. كنت كئيباً منذ رحل أنطولين. هل لا تزال تفكر فيما قلته؟".

رفع مايكل حاجبيه المكتسيين بالجليد، ساحباً بصره.

"ظننتكِ تغفين حين دار ذلك الحوار".

تمتمت: "كنت كذلك. لكن أحدهم بدأ يقتبس أشياء أصابتني بصداع، فلم أستطع إلا أن أسمع".

توقفت، ولانت نبرتها: "لم تخبرني قط بشكوكك حول كارولوس".

قال مايكل: "إنها مجرد شكوك. قد أكون مخطئاً".

قالت وهي تطفو مقتربة منه: "كاذب. أنت تعرف. وتعرف أنك على حق. كيف؟".

حدق مايكل فيها بضيق، وزم شفتيه وهو يقطب وجهه: "معظم الناس كانوا سيتركونني أمر بتلك الكذبة، سواء كانت مكشوفة أم لا. الأمر سخيف، ربما أبالغ في التركيز عليه".

قالت سوبريكيه وهي تزداد حجماً حتى علا طيفها فوقه: "مايكل بومغارت، هل أحتاج لتذكيرك بأنني...".

تنهد مايكل، ونظر إليها بحدة: "سوبريكيه، نعم، نعم. حسناً. إن كان لزاماً أن أقولها بوضوح؛ فبجانب حقيقة أنه استخدم قصيدتي، قصيدتي التي لم يكن لديه سبيل لمعرفتها...".

قطبت حاجبيها: "لكنه عرفها. كانت الكلمات التي نطقت بها لتشفيني حين سافرت إلى مخبئي مع سيبيل. كانت هي وإيزولدي هناك، وأي منهما كان بإمكانه إخبار كارولوس".

نظر إليها مايكل شزراً: "بدا لي وكأنه على قطيعة معها، من الطريقة التي تحدث بها، ويبدو ذلك تفصيلاً غريباً ليُشارك".

أشارت قائلة: "مع ذلك، لا يوجد سبب وجيه يمنعها من تقديم تقرير، أو تدوين أفكارها بطريقة ما. قرأها هو، وزرع الكلمات لتظهر مجدداً في أنفاسه الأخيرة".

قال مايكل: "تعلمين جيداً مثلي أن ذلك اليوم لم يكن هذيان مجنون. لقد شعرتِ به. وأنا رأيته. رأيت روحه تجتمع في عمل عظيم من الزجاج، وضوء ذهبي يسطع من خلاله. لقد عرفت ذلك الضوء حين رأيته. إنه اللون الذي ترينني إياه ستانزا، حين أنظر إلى العالم بروحي. أسلاك ذهبية تلتف حول كل شيء، كنت لأعرف ذلك الضوء في أي مكان. لقد كنت أنا، سيرا".

قالت: "أعرف أنك مقتنع، لكن بعض الكلمات ووهجاً لا يعد دليلاً قاطعاً. ليس الأمر وكأنك تواجه مجنوناً تسمح له روحه ببث الضوء، أليس كذلك؟".

نظرت إليه بنظرة استياء، ثم هزت رأسها.

"إنه أمر مقلق، أعترف، لكن يجب أن تترك مجالاً للشك. كان أنطولين محقاً بشأن النذر، فما يرونه ليس ثابتاً أو حتى صحيحاً بالضرورة. إنه... صحيح بالنسبة لهم، تماماً كما أن خوفك صحيح بالنسبة لك. حقيقتهم الذاتية لا يجب أن تكون حقيقتنا".

تنهد مايكل: "أعترف أنني لم أتعمق في النذر كثيراً في دراستي. وحتى لو فعلت، أشك أن كتبي كانت ستنفع هنا. سأثق بكِ، وبأنطولين".

نظر نحو غارون، تلك البقعة المتداعية من المدينة التي تمتد صعوداً على طول النهر حتى غابت عن الأنظار.

قالت سوبريكيه مجدداً، وإن كان صوتها رقيقاً ومرحاً: "كاذب. ستقلق بغض النظر عما تقوله الأصوات الأكثر حكمة".

رد مايكل مبتسماً: "أيكما كان الصوت الحكيم؟".

أجابت سوبريكيه: "أنطولين. كان محقاً بشأن الكثير من الأشياء. إرادتك ملكك، ومستقبلك ملكك، ولا توجد قوة في هذا العالم يمكنها أن تفصلني عنك".

شعر مايكل بدفء متناقض وسط الريح الجليدية، ورعشة ترفرف في صدره؛ لكنه كبح ابتسامته ونظر إليها.

"باستثناء بعض الطقس السيئ قليلاً، على ما يبدو".

تمتمت: "لديك جليد متدلٍ من أذنيك، أيها الأحمق. عد للداخل وساعدني في جمع أغراضنا. سيستغرق الأمر دهراً إن اضطررت لفعل ذلك وحدي".

تأوه مايكل من التورية والتفت عائداً نحو المقصورة، لكن ليس قبل أن يسمح لبصره بالمرور مرة أخيرة على النهر الجليدي ذي الجوهرة المتألقة عند مصبه. ترك نظراته تتعلق بأطلال غار للخطوات القليلة التي استغرقتها للوصول إلى الباب، ثم انحنى للداخل ليتهيأ لوصولهم.