منظور غابرييل لم يُرَ جوليوس منذ أسبوعين تقريباً وكان غابرييل قلقاً بعض الشيء. تحدّث إلى الحفيدة الصغرى للكونت فايولة بعد أيام قليلة من تغيُّب جوليوس عن الحصص جميعها. كان غابرييل قد رآهما يتحدثان مراراً في صفّه. أبلغته أن جوليوس بخير، بل منشغل بأمر آخر ولن يحضر الصف لفترة قصيرة. لم يكن ذلك بالأمر الغريب، فقد أخذ كثير من الطلاب إجازات لتحقيق إنجازات أو تطورات أخرى.
بيد أن أسبوعين كانا وقتاً طويلاً لطالب في السنة الأولى. خلال تلك المدة، لم يحضر جوليوس أي حصة قط، ولا حتى حصة النزال الخاصة بهم. مستخدماً صلاحياته الإدارية، استطاع غابرييل معرفة أن آخر استخدام لبطاقة هوية جوليوس الطالبية للوصول إلى غرفة تدريب كان قبل أسبوعين. ومع ذلك، لم تكن هناك أي نشاطات أخرى بعد ذلك. كانت الغرفة لا تزال مشغولة ولم تسجل أي سجلات أخرى لدخول أي شخص غيره.
لذا علم غابرييل أن جوليوس ما زال على الأرجح داخل غرفة التدريب تلك. المشكلة هي أن غابرييل لم يره يخرج حتى ليأكل أو ينام. وبدأ يشعر بالقلق عمّا إذا كان الصغير لا يزال حياً في الداخل. لم يكن رؤية أشخاص يدخلون في جلسات تأمل أو تدريب مطولة أمراً غير مألوف، لكن ذلك كان مخصصاً للأفراد ذوي الرتب العليا الذين يحاولون فهم مفهوم ما. كان جوليوس لا يزال في الرتبة الأولى... حسناً، في الواقع صار في الرتبة الثانية الآن.
غير أن ذلك لم يصنع فارقاً كبيراً حقاً. فالفجوة بين الرتبة الثانية والرتبة الأولى هي الأصغر بين الرتب كلّها. لذا، لم يستطع غابرييل تخيل سبب استغراق جوليوس كل هذا الوقت الطويل. ناهيك عن كيفية بقائه حياً في الداخل. لم يكن هناك أي طعام، بل ماء فقط داخل تلك الغرف. هذا هو السبب الذي جعل غابرييل يشق طريقه نحو منشأة تدريب السنة الأولى. كان الوقت منتصف النهار لذا بدأ بعض الطلاب بالفعل في ممارسة بعض التمارين أو التدرب بين حصصهم.
لكنّ كثيراً غيرهم كانوا يتسكعون مع أصدقائهم وحسب. كان على غابرييل أن يكون صادقاً، فقد شعر بخيبة أمل طفيفة تجاه حال المدرسة في الأعوام الأخيرة. طوال النصف الأفضل من العقد الماضي، حدث انحطاط خطير في المعايير العامة للمدرسة. عندما التحق بغولدنكريست قبل سنين عديدة، كان ذلك في وقت هددت فيه سيول من الوحوش المنطقة. لذا، بدا منطقياً أن تكون هناك إلحاحية أكبر لتعلم كيفية القتال.
بالنظر إلى هذا الجيل، لم يرَ تلك الإلحاحية نفسها. كان هناك بعضهم حقاً ممن فعلوا كل ما بوسعهم لكي يصبحوا أقوى. لكن في مجمل الأمر، معظم الطلاب، حتى بين طلاب السنوات النهائية، لم تكن لديهم تلك الدوافع. في صفه في غولدنكريست، تقريباً كل طالب، بغض النظر عمّا إذا كان عامياً أو نبيلاً، كان لديه شخص يعرفه مات بسبب الهجمات. لقد أشعل ذلك ناراً تحت كل فرد منهم، ولم يأخذ أحد في صفه الأمور بيسر.
قُضي كل يوم في إعداد أنفسهم لخوض حرب ضد حشود من الوحوش. من جهة، لم تشهد الإمبراطورية عصراً سلماً كهذا منذ مئة عام. وهو أمر جيد له ولعائلته. لم يكن يريد لابنته المولودة حديثاً أن تنشأ في عصر موت وحرب مثلما نشأ هو. وكان ذلك هو السبب في أنّه ورفاقه قاتلوا بيأس شديد. ومن جهة أخرى، عَنى ذلك أن هذا الجيل لم يكن يمتلك ذلك العزم نفسه. لم يعرفوا شعور رؤية قرى وبلدات بأكملها تُسوى بالأرض جراء أسراب من الوحوش.
لكنه عرف. لذا لم يكن من الإنصاف لوم هؤلاء الأطفال لعدم تدربهم كالمجانين. ومع ذلك، كان ذلك ما جذب غابرييل نحو جوليوس. كانت هناك نظرة في عيني الصبي تظهر عندما يقاتله. لم يرَ غابرييل تلك النظرة إلا من عدد قليل من الناس، ذهبوا جميعا ليصبحوا من أقوى الناس في العالم أو ماتوا وحدَهم في صدع ما، منسيين. كانت نظرة يأس محض وجنون. نظرة خوف من ألا يصبح قوياً بالسرعة الكافية لصنع الفارق.
لهذا السبب كانت لدى غابرييل آمال عريضة في جوليوس. حتى متجاوزاً عباقرة مثل ميلودي ماكسين، وديريك زينيث، وليام أبرامز، وإدغار كرو، وبل وتلك الطالبة المستجدة هيلين كرومويل. لقد عملوا بجد، ولن يسلبهم ذلك. لكن شيئاً ما كان ينقصهم. الشرارة، أو بالأحرى العقدة النفسية التي جعلتهم يلقون بالحذر عرض الحائط ولا يتراجعون حتى يحصلوا على ما يريدون أو يموتون في المحاولة. لكن غابرييل استطاع أن يرى أن جوليوس يمتلكها، ووافقها ستيفن الرأي إن كان اهتمام الرجل بجوليوس مؤشراً على شيء.
تعرف الطلاب على زي طاقمه مما ميزه كأستاذ كبير ومنحه مساحة ليمر بينهم. بالنسبة للكثيرين، لم تكن لديهم حصص كثيرة سوى حصصهم الإلزامية. لا يختار كل طالب انتقاء مادة اختيارية. فهناك وقت محدود في اليوم ووقت محدود للتدريب. لا يعني ذلك أن كل من لا يختار مادة اختيارية يستغل ذلك الوقت الحر للتدريب، بل يفعل البعض ذلك. وصل إلى الغرفة حيث افترض أن جوليوس ما زال يتدرب فيها. كانت غرفة بعيدة عن الأخريات، وحدس غابرييل أن جوليوس اختار هذه الغرفة لهذا السبب بالذات.
فكر في ألا يطرق ويكتفي باستخدام بطاقته لفتح الباب، لكنه لمرغوب فيه ألا يبدو فظاً لذا نقر بمفاصل أصابعه على باب الحجر المسحور. لم يستطع استشعار أو سماع أي شيء من الداخل وانتظر ليرى رد جوليوس. تماماً عندما نفد صبره وشك في فتح الباب بنفسه، سمع قفل الباب ينفك ويبدأ بالفتح. وقف هناك بينما حدق فيه صبي صغير ذو شعر متوسط الطول يتدلى فوق عينيه المهووستين. كان جوليوس مغطى بالدماء، طازجة وقديمة.
لقد جفت الدماء القديمة إلى قشور بنية حول وجهه وذراعيه. أما الدماء الجديدة فكانت حديثة بما يكفي لتظل تسيل على عنقه. لم يبدُ أن جوليوس يعيرها اهتماماً، وإن فعل، فلم تكن تزعجه. —ما الأمر؟ —سأله جوليوس بعفوية كما لو كان يراه على الإفطار. —ما الأمر؟ أهذا كل ما لديك لتقوله؟ —سأل الصبي، متفاجئاً بعفويته. —همم، نجل. لماذا؟ هل ينبغي أن أعرف شيئاً أم حدث شيء؟ مرر غابرييل يده الكبيرة على رأسه الأملس الأصلع بإحباط.
—لم تُرَ طوال أسبوعين تقريباً، وهذا كل ما لديك لتقوله؟ شاهد جوليوس وهو ينكمش ويبدو عليه الندم قبل أن يقول: —أنا آسف. كان لدي أمر أردت العمل عليه. —أمر تطلب تدريباً منعزلاً لأسبوعين؟ ألم تغادر الغرفة حتى؟ تعاويذ الغرفة تؤمن يقيناً أنك لم تغادر تلك الغرفة منذ أن دخلتَها —وبّخ الصبي. لاحظ غابرييل أن جوليوس لم يفند ذلك. مما لابد أنه يعني أنه لم يغادر، مما يعني أيضاً أنه لم يكن يأكل بشكل سليم لهذين الأسبوعين.
—ماذا كنت تأكل طوال هذين الأسبوعين الماضيين؟ —سأله. —لقد حزمت بعض الوجبات الخفيفة وأشياء لأكلها قبل أن أتي إلى هنا —قال جوليوس دون إقناع. —وأين كنت تنام؟ —لم يرَ غابرييل أي أسرّة أو حصائر مفروشة. —على الأرض؟ —قدّر غابرييل العمل الجاد، لكنه عرف أيضاً مدى أهمية الاعتناء بجسد المرء أثناء التدريب وبعده. تلفّت حول الغرفة خلف جوليوس وكل ما رآه كان بقع دم مبعثرة في أنحاء الغرفة، وكومة مما بدا وكأنه رقاقات خشب، وقرصاً مصنوعاً من المانا بارزاً من أحد الجدران ينضح بالقوة حتى أثناء تبدد المانا المصنوع منها ببطء.
ولا أثر لأي طعام أو أماكن قد ينام فيها شخص ما. لم تبدو بتاتاً كغرفة تدريب ظلت مشغولة لأسبوعين كاملين. قبل أن يلتفت مجدداً إلى جوليوس، أدار غابرييل رأسه بقوة نحو قرص المانا الغارز في أحد الجدران. كاد يخطئه لكنه أدرك سريعاً ما بدا غير مألوف. كان القرص مغروساً في أحد الجدران. جدران مصنوعة من مواد شديدة المتانة وعليها طبقات متعددة من التعاويذ. من واقع ما رأه شخصياً من جوليوس، لم تكن هناك طريقة له لاختراق المادة والتعاويذ اللازمة لفعل ذلك.
بحق الجحيم، على ماذا كان يعمل؟ سأل نفسه. الآن وقد صار منتبهاً، بدت التعاويذ وكأنها تعمل بكد شديد لتصليح نفسها من أي ضرر أحدثه هذا الصبي الصغير بها. تجاهل النظرة الغريبة التي رمى بها جوليوس ومشى باتجاه قرص المانا. لقد كان بالتأكيد أحد تصاميم جوليوس. كانت هناك علامات تعرف عليها غابرييل بعد رؤية تصاميم جوليوس عن كثب. صُنع القرص بنوع من مهارة خلق كائنات المانا وتكثف بقوة شديدة بمهارة أخرى.
ورغم ذلك، استطاع الضغط بسلطته حول القرص محاولاً معرفة ما إذا كان هناك شيء آخر بشأنه. ما رآه كاد يجعله يضحك بصوت عالٍ. فضلا عن المهارات الاثنتين اللتين حددهما في البداية، استطاع اكتشاف ثلاث مهارات أخرى تعمل بتناغم مع بعضها البعض. إحداها كانت للاستقرار وساعدت في تماسك التصميم حتى مع الكمية الهائل من المانا التي دُفعت عبره باستخدام الهالة. والثانية كانت نوعاً من إصدار [قطع المانا]
يغطي الحافة بأكملها للقرص. كانت الثالثة أصعب في التفسير. استطاع رؤية أنها استُخدمت لإنشاء طبقات متعددة من المانا لكنها استُخدمت أيضاً لتعزيز مهارة [قطع المانا]. لكان خخم أن المهارة كانت [طبقات المانا]، بناء على ما رآه سابقاً من جوليوس، لكن هذا التطبيق أوقفه حائراً. ومع ذلك، ما لفت انتباهه حقاً كان حضور شيء يحوم حول القرص. لم يصدق ذلك لكن بقايا مفهوم كانت تنجرف بينما كان التصميم يتفكك ببطء.
من حواسه، بدا وكأن شيئاً قريباً جداً جداً من مفهوم حدة كامل. التفت لينظر إلى أصل التصميم. كان الصبي لا يزال ينظر إلى غابرييل كأنه مجنون. لم يعتقد غابرييل حتى أن جوليوس أدرك ما فعله للتو. كان قرص المانا إنجازاً هائلاً بالفعل. استخدام ما يصل إلى خمس مهارات داخل تصميم واحد كان أمراً لم يُسمع به عملياً لرتبة ثانية. كان غابرييل متأكداً تماماً أيضاً من أن جوليوس قد استخدم مهارة تركيزه، لذا سيجعلها ذلك تقنياً ست مهارات مختلفة استُخدمت لضربة واحدة.
لم يكن ينبغي أن تكون هناك طريقة لعقل أو روح صاحب رتبة ثانية للتعامل مع هذا النوع من الحمل. رأى غابرييل كثيرين آخرين يموتون أو يدخلون في غيبوبة جراء عواقب شيء مشابه. ومع ذلك، ها هو جوليوس يقف أمامه، غير متأثر البتة. حسناً، ليس غير متأثر البتة. كان ذلك على الأرجح هو السبب في كل تلك الدماء. لن يتفاجأ إن علم أن الدماء كانت نتيجة لقرص المانا هذا. لقد سرّه أن جوليوس امتلك مهارة شفاء خاصة به.
إن لم يكن يمتلكها، لافترض غابرييل أنه كان سيدخل ليجد جثة الصبي وجهها لأسفل في بركة من دمائه الخاصة. لابد أنها كانت مهارة شفاء ما، وربما أكثر من واحدة إن كان صادقاً. شعر الصبي بصحة تامة لحواسه. أكانت مهارات الشفاء هي السبب في عدم احتياج جوليوس للطعام؟ كانت هناك بعض مهارات الشفاء التي صادفها غابرييل على مر السنين والتي قامت بأشياء مذهلة. بعضها شفى بمعدل لا يُصدق، بينما غيّر البعض الآخر تشريح الشخص تماماً، لدرجة أنهم لم يعودوا بحاجة للأكل أو النوم بعد الآن.
نظر مطولاً إلى الصبي الملطخ بالدماء بنظرة متفحصة. كان غابرييل يزداد اهتماماً به كلما طال عهده بمعرفة جوليوس. كم عدد المفاجآت الأخرى التي يخبئها هذا الصبي الصغير في جعبته؟