مرّ يومان ووجيُوليوس يفاجأ بنهاية الأسبوع تلوح أمامه. منحت غولدنكريست طلّابها عطلة نهاية الأسبوع كاملة وسمحت لهم بالذهاب حيثما شاءوا. قصد يوليوس في حالته هذه العودة لرؤية ديكلان وأوروس وراي. لم يكن ليقصد زيارتهم في كل عطلة على الأرجح، فقد بدا ذلك وقتاً طويلاً يُؤخذ كل أسبوع. تيقّن من تفهّمهم لكنّه فضّل رؤيتهم غالباً لا نادراً. ودّع البقية وانطلق. أبلغ يوليوس خماسيّهم بوجهته وأعلمهم بعودته اليوم أو غداً.
تفهّموها وأبدوا احتمال حضورهم إلى البلدة أيضاً. اعتادوا أخذ يوم أو يومين للراحة والسمر خلال عطلة الأسبوع. يوماً بلا أيّ تدريب يذكر. سار يوليوس عبر بوابات أكاديمية غولدنكريست فالتفت للوراء وتفقد المدرسة. صعُب تقدير حجمها الهائل أثناء حضور الحصص والعيش هناك، لكنّه حرم جامعيّ ضخم. توهجت جدرانها الذهبية الناعمة في ضوء الصباح البكر لتضيء ظهر يوليوس وهو يبتعد عنها. لم يعمل ديكلان اليوم لكنّهما رتّبا مسبقاً كي يلتقيه يوليوس عند بيت الحراس في الصباح البكر.
غالباً ما كان أوروس في الخدمة لكنّه تمكّن من رؤيته لاحقاً بعد الفراغ منها. تحمّس يوليوس لرؤيتهم مجدداً. أراد مشاركة بعض ما جرى معه. مضت فترة قصيرة فحسب، غير أن أموراً كثيرة وقعت منذ أن ودّعه ديكلان والآخرون. كسب أصدقاء جدد وضُمّنت روحه روحاً جديدة واكتسب مهارات إضافية وتطوّر لتّو إلى المستوى الثاني. لم يتفاجأوا بتلك الأخيرة على الأرجح، لكن إخبارهم ظلّ أمراً لطيفاً.
عجّ المكان بالمارة بالفعل، واستعدّ العديد من أصحاب المتاجر ليومهم، ورأى تجّاراً كثر يجرون بعض المعاملات التجارية أو المشتريات المبكرة. مشى يوليوس في طريق صغير لطيف حين شمّ رائحة القمح المحمّص والمعجنات الطازجة. لم يتناول شيئاً بعد، ونوى الانتظار حتى بلوغ بيت الحراس لتناول الإفطار مع ديكلان وراي إن كانت متاحة. بيد أن رائحة المخبز القريب المغرية فاقت الاحتمال ووجد يوليوس نفسه يتوجّه لاواعيًا نحو مصدر العبير.
كان متجراً صغيراً محشوراً بين متجرين ضخمين. عُرضت نوافذ زجاجية عريضة تحوي أرغفة الخبز وغيرها من المخبوزات على أرفف خشبية بافتخار. استطاع يوليوس رؤية البخار يتصاعد من سطحها ليؤكد خروجها للتو من الفرن. ازدحم المكان بشدة رغم بكارة الصباح. أبصر أمهات عديدات ينتظرن في طابور إلى جانب رجال أشداء بدوا في طريقهم إلى العمل ورغبوا في وجبة خفيفة لطيفة مسبقاً. يبدو رائجاً جداً، قد يكون مؤشراً جيداً.
حدث نفسه. فتح باباً أزرق مسحوقياً ناعماً واجتاحه. رنّ الجرس الصغير المعلّق فوق الباب برقة منبهاً الجميع لدخول وافد جديد. التفت بضعة أشخاص للنظر، وما إن رأوا أنّه مجرد فتى صغير حتى أعادوا اهتمامهم سريعاً بما كانوا يفعلونه قبلًا. تمثل الأمر الأول الذي لاحظه يوليوس في الرائحة. عبقت بطيبة من الخارج، لكنّها أصبحت سماوية الآن وقد دلف للداخل. جاء التصميم الداخليّ مذهلاً أيضاً.
أضاءت إضاءة دافئة ناعمة الغرفة بأسرها. اصطفّت طاولات خشبية زرقاء داكنة على جدران المخبز وتوسطتها منضدة دائرية كبيرة تحيط بها خزائن عرض زجاجية من كل جانب. توفرت معجنات كثيرة لا تحصى للاختيار من بينها، تراوحت بين أرغفة الخبز المشبعة والكرواسون المورّق وحتى الكعكات الشهية. حوى المكان كل ما قد يشتهيه المرء من المخبز. اصطفّ على الجانب عدة موظفين يصنعون القهوة وغيرها من أصناف الإفطار كالعجة والشطائر التي طلبها الناس.
وجد يوليوس بقعة صغيرة رائعة حقاً. انتظر في الطابور خلف امرأة منتصف العمر تحمل سلة فارغة بذراعها اليمنى. ما إن حلّ دورها حتى رأى يوليوس المرأة تطلب أرغفة خبز عديدة وأصنافاً أُخرى منوعة وضعتها في سلتها. حين جاء دور يوليوس، اقترب بحماس نحو المنضدة حيث وقفت فتاة صغيرة بابتسامة منتظرة طلبه.
— ماذا يمكنني أن أقدم لك؟
— سألته بلطف.
انتهى يوليوس بطلب أكثر ممّا يحتاجه لنفسه. رغب في جلب المزيد للآخرين لكنّه اقتنى لنفسه كرواسون شوكولاتة وشراب شوكولاتة ساخناً. لم يستغرق ظهور طلبه وقتاً طويلاً. أبدوا لطفاَ كافياً لتعبئة المعجنات الإضافية ورغيف الخبز في كيس أجله. خرج يوليوس بذراع مليئة بالمعجنات والأُخرى تحتسي شراب الشوكولاتة الساخن. شكّل حقاً كوباً رائعاً من الشوكولاتة الساخنة. جسّد كل ما تمناه المرء في الشوكولاتة الساخنة.
غنية، كريمية، وتحقيق التوازن المثالي بين الحلاوة ومرارة الشوكولاتة. ذكّرت يوليوس بمشروب الشوكولاتة المخفوق الدافئ بطريقة ما وتناسبت بشكل مذهل مع الكواسون. تمثلت ميزة هذا العالم في طعامه المذهل. احتوى عالمه القديم على أطعمة مذهلة، وأماكن زارها هو وجده طوال الأعوام، لكنّه لم يتناول وجبة سيئة قط منذ قدومه إلى هنا. عند الحديث عن التقنية وتنوع الطعام، فقد يتصدر عالمه القديم القائمة.
حتى الآن على الأقل. لم يستطع يوليوس الاستكشاف بالقدر الذي تمناه، لذا لم يرد التسرع. لكن جودة المكونات تفوق نظيرتها هنا بكثير. ظنّ ارتباط الأمر بوجود المانا، لكنّها نقطة رغب في بحثها بعمق أكثر مستقبلاً. بدا التدريب ممتعاً وكل شيء، لكنّه أراد أحياناً تعلُّم شيء لأجل المتعة البحتة، وبينما قد لا يُترجم ذلك إلى زيادة في القوة، تمنى أحياناً التعلُّم انطلاقاً من الفضول الخالص فحسب.
حاول حالياً غمس الكرواسون في الشوكولاتة الساخنة حين شعَر بشخص يتمتع بـ[الإدراك المكانيّ] على وشك الاصطدام به من الخلف. أنقذته ردود أفعاله للتفادي في الوقت المناسب بفضل تقدمه الأخير فحسب. أدرك يوليوس بعد إشارة ليلي إليه املاكه عادة سيئة تتمثل في استخدام [الرقصة المتوحشة] للتركيز المفرط على مهمة ما، وعادة ما تتعلق بالطعام، فيعجز عن إبقاء انتباهه موجهاً نحو محيطه. لو ركّز يوليوس طويلاً على الاستمتاع بطعامه، للاحظ الرجل أبكر بكثير ممّا فعل.
مع ذلك، نجح يوليوس بصعوبة في إنقاذ الكرواسون والشراب الساخن. تحرك بخفة حول الرجل الذي همّ بالاصطدام به، لكن الرجل بدا مصمماً على فعل كل ما بوسع لإيقاع الاصطدام بيوليوس، فتعثر مجدداً، للوراء هذه المرة. بدا الرجل في المستوى الثالث على الأقل إن كانت حركاته مؤشراً. وبينما بدا مخموراً جلياً، رأى يوليوس الرجل يتعثر بسرعة يستحيل على أي شخص عاديّ مجاراتها. يبلغ كل شخص تقريباً المستوى الثاني خلال عقود قليلة من حياته، لذا بدا طبيعياً رؤية الناس يتحركون بسرعة تفوق قليلاً تلك الخاصة بالبشر في عالمه القديم.
بيد أن هذا الرجل، ورغم بدوه أخرق، تحرك بسرعة فاقت قدرة يوليوس على تفاديه للمرة الثانية. تلقى يوليوس ضربة في الكتف نثرت شوكولاته الساخنة في كل مكان على الأرض وأسقطت المعجنات من يده. حتماً المستوى الثالث، حملت تلك الضربة قوة مفرطة بحق. فكّر يوليوس في نفسه وهو يستعيد توازنه. بسط هالته لتأكيد شكوكه وفوجئ بملاحظة تحكم الرجل المقبول بهالتها نسبة لعدم سيطرته. لم يشعر بأي تسرب للهالة منه.
أو قد يحمل غرضاً بحوزته، كالخاتم الذي أملكه. تأمل يوليوس.
— انتبه إلى طريقك!
— تلعثم الرجل.
جعد أنفه وعقد حاجبيه وهو يحدق بيوليوس من أعلى لأدنى. بدا كأنّه يتقزز من مجرد وجود يوليوس. ارتدى الرجل زياً فخماً للغاية، سترة حمراء قانية ذات حواف ذهبية لامعة. لو راهن يوليوس، لرجح كون الرجل نبيلاً أو نوعاً من الأثرياء الأرقراط. انزعج يوليوس. تسبب هذا الرجل بالاصطدام بيوليوس رغم محاولة الأخير تجنبه مسبقاً. أهو يصرخ في وجهه الآن؟ تمنى جزء من يوليوس لكم الرجل في وجهه مباشرة.
أسوأ جزء؟ استقرت كل أطعامه على الأرض الآن تالفة. تجاهل يوليوس الرجل حالياً وحاول استعادة أكبر قدر ممكن منها بسرعة. انتهى أمر الشوكولاتة الساخنة ولم يبقَ سوى مقدار ضئيل في الكوب المائل، لكن الحزمة التي قدموها له أنقذت معظم المعجنات بامتنان. تعرضت لبعض الهرس لكنّها ظلت قابلة للأكل. أطلق تنهيدة ارتفاع، وتُجُنِّبَت الأزمة الكبرى. استطاع يوليوس تمييز صراخ الرجل المستمر في الخلفية، مركّزاً على المعجنات أكثر من كلمات شخص بائس مثله.
نقل كيس المعجنات في ذراعيه وبدأ بالابتعاد عن الرجل الغاضب. استمر يوليوس في إيلاء انتباه شديد للرجل الغاضب، لذا لم يستغرب حين اضطر لتحريك كتفه جانباً لتفادي اليد التي حاولت دفعه. تعثر الرجل بقدميه وسقط تقريباً على الأرض مجدداً بعدما فشلت يده في اصابة هدفه المنشود. حافظ على هدوئك، لا حاجة لإثارة ضجة. نأمل أن يظل واعيًا بالقدر الكافي لادراك عدم وجوب مهاجمته لفتى صغير في رابعة النهار.
فكّر يوليوس بتفاؤل لنفسه. راقبهم عديد الأشخاص بالفعل، ولاحظ ذهاب أحدهم لطلب المساعدة. مع ذلك، ولأجل الأمان فحسب، ضخ يوليوس قليلاً من الطاقة الحركية في جسده وأسرع في محاولة اكتساب أقصى مسافة ممكنة عن الرجل المجنون بأسرع وقت. استطاع خلق مسافة جيدة بينهما في لمح البصر، وظن للحظة انتهاء الأمر بأسره، لكنه اضطر لضخ قدر وافر من الطاقة الحركية لدفع نفسه للأمام كي يخطئ الحجر المندفع نحو مؤخرة رأسه هدفه.
غضب الرجل فهشم بقبضته الأرض محدثاً أحجاراً متكسرة عدة. ثم شرع في التقاط أحدها وقذفه نحو مؤخرة رأس يوليوس. لحسن الحظ، أدرك يوليوس تحركات الرجل، لكن القوة التي استخدمها لقذف الحجر فاجأته. لو حدث تواصل، لتعرض يوليوس لإصابة بالغة، هذا ناهيك عن عدم بلوغ معظم الفتيان في عمره تلك القوة. لو كان طفلاً عادياً، لقتله ذلك الحجر. طار الحجر فوق رأسه واصطدم بجانب مبنى عشوائيّ تاركاً ندبة ومرعباً المرأة المارة بجواره بشدة.
أثار الرجل بحلول هذا الوقت قدراً كبيراَ من الاهتمام. شاهد أكثر من عشرة أشخاص المشاجرة الآن. مع ذلك، لم يتدخل أحد وسط ذهول يوليوس الشديد. ظن إقدام شخص ما لحماية فتى صغير مثله، لكنّه أخطأ. بدا الرجل ساخطاً لأبعد الحدود. أدرك يوليوس في هذه اللحظة عدم توقف هذا الرجل حتى يؤذيه. استحال التفاهم مع الرجل ولن يدع يوليوس الرجل يركل مؤخرته ببساطة. لذا، شرع في تفعيل مهاراته مستعداً للأسوأ.
لماذا أنا دائماً؟ سأل نفسه متنهداً.