نهض جوليوس عن الحصيرة وأحسَّ بخفة غريبة تطاله. شعر بقوة متدفقة، لا في عضلاته وحدها، بل أدرك بفطرته أن جسده بات أقدر على احتواء الطاقة مقارنة بالماضي. صار يلمس سريان الطاقة في أوصاله من دون الحاجة إلى تفعيل أي مهارة. لم يفطن للأمر من قبل، لكنه أدرك الآن أن جسده كان أشبه ببالوعة مسدودة. أما اليوم، فبات نظيفاً متألقاً، وتخلصت أنابيبه من أي عائق لتدفق الطاقة بسلاسة أكبر.
أحسَّ كأنه خضع لأفضل عملية تطهير في العالم وغمرته نشوة طاغية. تأمل جسده متوقعاً أن يراه مغطى بطبقة سوداء لزجة، لكنه فوجئ بسرور بوجود طبقة رقيقة وحدها. ربما أزالت عملية تحول الجسد بمهارة [التعزيز الحركي] أثر القذارة الأسوأ. لم تكن الرائحة منفرة للغاية كذلك، بل كانت مقبولة نسبياً ولا تقارن بالنتانة الفظيعة التي غطته سابقاً. توجه جوليوس مع ذلك إلى منصة التنظيف وأزال تلك الطبقة الرقيقة عن جلده، ولم يتطلب الأمر سوى دقائق معدودة ليصير نظيفاً ساطعاً.
لاحظ أموراً عدة تتعلق بالتغيرات البدنية. ازداد طوله قليلاً، وربما ظل دون الستة أقدام لكنه اقترب من ذلك الحد. لاحظ أيضاً ضمور عضلاته قليلاً. ظن أنه سيظهر بحجم أكبر، لكن عضلاته انضغطت واكتنزت. ورغم أنه بات أنحف من ذي قبل، إلا أنه أيقن تماماً أن قوته قد زادت بنسبة عشرين بالمئة تقريباً. لا يزال البقية ينتظرون إتمام تنظيفه بصبر. والمثير للدهشة أن أوبرا هي الأخرى ظلت صامتة طوال الوقت، دون أن تطالبه بالإسراع أو ما شابه.
وحين انتهى أخيراً وارتدى زيه ثانية، اقترب منهم. فرأى الابتسامات العريضة تعلو وجوه الجميع. وحتى كايل رمقه بابتسامة لطيفة. كان إدجار أول من كسر الصمت.
"أرأيت؟ لم يكن الأمر سيئاً إلى هذا الحد، أليس كذلك؟"
هز جوليوس رأسه بتهكم.
"كم استغرقت من الوقت؟"
سألهم.
"عشر دقائق فقط"، قال ديريك.
"لهذه المدة فقط؟"
ظن جوليوس أنه أبطأ بكثير من عشر دقائق. بدا له الأمر كأنه قضى ساعة كاملة تقريباً.
"نعم، لم تكن لديك شوائب كثيرة لتطردها أيضاً. أنت محظوظ، فما خرج مني كان بغيضاً بحق"، قال إدجار بغبطة.
"حقاً، لقد دهشت أنا أيضاً لقلة الشوائب. هل خضعت لأي علاجات أو طقوس وأنت صغیر؟"
سألته أوبرا.
"لا، لم يحدث شيء من هذا القبيل فيما أذكره. لقد مررت بشيء شبيه حين اكتسبت مهارة تعزيز جسدي إن احتسبت"، أجاب.
راقب جوليوس تملّك الحيرة من البقية. والغريب أن ديريك بدا أكثرهم قلقاً.
"أتممت تحول مهارة الجسد مسبقاً؟"
سأل ديريك بقلق.
"تحول مهارة الجسد؟"
سأل جوليوس بارتباك. لم يسمع بشيء كهذا من قبل. أهذا ما مر به حقاً؟ أم أنه اختبر أمراً آخر؟ هذه المرة أجابه إدجار.
"يحدث الأمر عادة حين تبلغ بعض مهارات تعزيز الجسد رتبة معينة أو شروط تطور محددة. أمتلك واحدة لكني حصلت عليها لدى بلوغي المرتبة الثانية، لا الأولى."
"أهناك فرق؟"
سألهم جوليوس.
"لا أعلم، قد يكون ديريك أقدر مني على الإجابة، لكني لا أدري"، أجابه إدجار بصدق.
التفت جوليوس إلى ديريك ليرى إن كان لديه ما يضيفه. قطب ديريك جبينه وأخذ وقته في التفكير قبل أن يجيب.
"لا أعرف إن كان هناك فرق حقيقي. تتداخل عوامل عدة في الأمر لدرجة يصعب معها الجزم حتى مع البحث. أستطيع القول فقط إن الأمر يكون أشد إيلاماً بمراحل في المرتبة الأولى. ولعله السبب أيضاً في نجاحك باجتياز ترقيتك للمرتبة الثانية ببراعة نظراً لأنك طورت بعض جوانب جسدك مسبقاً."
كان محقاً. تذكر جوليوس تجربته السابقة. كانت أقسى بكثير مما عاينة لتوّه. وتذكر أيضاً أنها استمرت لفترة أطول بكثير من ترقيته للمرتبة الثانية.
"حسناً، ماذا تنتظر جابساً هكذا؟ ألا تريد تجربته؟"
اقتربت منه أوبرا بحماس بالغ. لقد اراد بالفعل اختبار مهاراته بوضوح مع جسده الجديد. سمع جوليوس أن جسده بعد المرتبة الثانية سيصبح مهيأً بشكل أفضل للطاقة وستشهد مهاراته تحسنات هائلة. لذا لم يستطع الانتظار ليرى حجم التغيير. وجد جوليوس والآخرون أنفسهم واقفين خارج غرفة أخرى، تشبه إلى حد كبير تلك التي استخدموها بالأمس. وعلى عكس غرفة الترقية، اضطروا للانتظار قليلاً ريثما تفتح هذه الغرفة أبوابها.
وحين جاء دورهم أخيراً، رأوا مجموعة من طلاب السنة الثالثة يخرجون من الغرفة. كانوا فتاتين وفتيين، وجميعهم يتصببون عرقاً ويلتقطون أنفاسهم بصعوبة بالغة من شدة التدريب. بيد أنهم ما إن وقعت أعينهم على ديريك وإدجار وليلي وأوبرا وكايل، حتى تجمّدوا في أماكنهم كأنهم رؤوا شبحاً.
حدق الأربعة في مجموعتهم لفترة أطول من المعتاد، قبل أن يبادر ديريك بالقول: "اعذرونا"، وحاول المرور من بينهم.
وأخيراً، بدا أن أحد الفتيان استعاد شجاعته، فانحنى أمام ديريك وعرف بنفسه.
"إنه لشرف لي لقاؤك يا سيد ديريك، اسمي زاكاري ديزموند. أنا معجب كبير بك، لقد تابعت كل نزالاتك العام الماضي، لقد ألهمتني حقاً مع البقية."
كان بإمكان الأعمى أن يلاحظ أنه رغم التزام الفتى باللياقة، إلا أنه كان يكاد ينفجر حماساً. ولم يكن جوليوس ليكذب، فقد بدا ذلك الحماس المكبوت مثيراً للقلق بعضش الشيء. لقد تقبل ديريك، لمفاجأة جوليوس، ذلك التقديم المبالغ في رسميتة بسلاسة، كأنه معتاد عليه.
"آه نعم، أنت الابن الأكبر للسيّد ديزموند أليس كذلك؟"
وفيما كان ديريك يخاطب الفتى، أخذ جوليوس وقته لتأمل بقية أفراد تلك المجموعة. كانت الفتيات الأخريات ينظرن إلى ليلي وأوبرا بنظرات إعجاب مشابهة. أما الفتى الأخير فكان يرمق إدجار بذات النظرة التي يوجهها جوليوس إلى قالب حلوى الشوكولاتة كتحلية. التفت جوليوس مجدداً إلى ديريك. أومأ الفتى برأسه بقوة فائقة رداً على سؤال ديريك.
"أتعرف من أكون؟"
سأل بابتسامة غامرة من السعادة لعلم ديريك المسبق به.
ثم توقف برهة، "ممم... أعرف أن الأمر مفاجئ للغاية، لكن أيمتلك المرء فرصة التدرب معك يوماً ما؟ أعرف أن مستواي قد يبدو ضئيلاً للغاية بالنسبة لك، لكني سأكون ممتناً للأبد إن تفضلت بمنحي بعض النصائح."
انكمش الفتى على نفسه بعد أن طرح سؤاله، متمنياً لو أنه لم يقل شيئاً. أدرك جوليوس أن ديريك لم يرغب في ذلك لكنه في الوقت ذاته أبى جرح مشاعر الفتى.
هز رأسه وقال: "أنا آسف، لكني مشغول حقاً بالفعل، لذا لا يمكنني قطع أي وعود"، رافضاً عرض الفتى ببراعة اكتسبها بالممارسة.
ومع ذلك، وجب على جوليوس احترام جرأة الفتى في المحاولة، فمن يدري، لربما وافق ديريك. على الأقل، لقد خاض مغامرته وسأل. تقبل الفتى الرفض بصدر رحب. ربما أدرك أصلاً صعوبة الأمر فلم يصبه اليأس. سارع زاكاري وأصدقاؤه بالمغادرة، لكن ليس قبل أن يلحظوا أخيراً وجود شخص آخر برفقة مجموعة طلاب السنة الرابعة. تراوحت ردود أفعالهم بين الدهشة والفضول لمعالجة سبب مرافقة طالب سنة أولى لهم.
وبصورة خاصة، كان زاكاري يرمق جوليوس بنظرة حادة. ومع مرورهم بجانبه، حرص جوليوس على منح كل منهم ابتسامة لطيفة قبل اللحاق بالآخرين إلى الغرفة التي أصبحت فارغة الآن. وحين أُغلق الباب، تحدث جوليوس أخيراً.
"إذن هل أنتم مشهورون أو شيء من هذا القبيل؟"
بناءً على ردود أفعال طلاب السنة الثالثة، لظن المرء أنهم التقوا بنجوم روك مفضلين لديهم. لم يفكر جوليوس في الأمر مسبقاً، لكن الخمسة كانوا على الأرجح معروفين في أرجاء المدرسة بأسرها. أخبرته ليلي أن ديريك وإدجار هما الأقوى في صفهما، لكنه كاد ينسى أن ديريك ينتمي إلى آل زينيث، وهي عائلة دوقية مهيبة ومرعبة تتمتع بنفوذ سياسي واسع. أوبرا ابنة لامرأة في المرتبة السادسة. كايل ينتمي لعائلة كوينسي.
وليلي حفيدة واحدة من أكثر عائلات الإمبراطورية ثراءً، ثم يأتي الصغير جوليوس بينهم. ترى بماذا سيقذف طلاب المدارس الآخرون حين يرونهم معاً؟ لو كان صادقاً مع نفسه، لظنوا على الأرجح أنه حالة إنسانية تتكفل بها المجموعة خيريّاً. وهو ما جرح مشاعره قليلاً لكن الأمر كان مقبولاً لديه إجمالاً. كان يفضل ألف مرة أن يُعرف بذلك على أن يصير محط اهتمام بسبب قوته الخاصة. على الأقل سيكونه محمياً بهذه الطريقة ممن قد ينوون إلحاق الأذى به.
حسناً... ربما باستثناء ليام.
"لا، لسنا مشهورين"، أخبره ديريك بلهجة غير مقنعة.
ولم يبدُ حتى أن ديريك نفسه يصدق ما يقوله.
أطلقت أوبرا سخرية خفيفة جانباً، "نجح في إقناع نفسك بذلك."
أصدرت ليلي ضحكة خفيفة وقالت لجوليوس.
"تتجه أنظار كثيرة نحو ديريك وإدجار هذا العام. بل ولربما حظيا بفرصة جيدة لاحتلال مركز متقدم في البطولـة بين المدارس."
تركو الأمر عند هذا الحد وتوجهوا نحو غرفة التدريب. تدرب جوليوس وأوبرا معاً في الآونة الأخيرة، ولهذا السبب بالتحديد كانت هي من أراد جوليوس اختبار مرتبته المكتسبة حديثاً أمامها. فعّلا جهازي القتال الافتراضي وأقاما الحاجز. ثم بادرت أوبرا فوراً إلى استخدام [شبح السراب] و[تخفي المنشور] بالتزامن. كانت تدرك أن الأمر لا يجدي نفعاً مع جوليوس، لكنها كانت تواصل تدريبها الخاص.
وفي المقابل، بدأ جوليوس تدريجياً برفع مستوى معززاته الجسدية. بدأت بـ[التعزيز الحركي]، ثم فعّل [إرادة التمكين]. وسرعان ما بلغ حده السابق، حين دمج الاثنتين معاً. أما هذه المرة، فقد شعر منذ الآن بقدرته على الدفع بالمزيد. في المرة الأخيرة التي استنفد فيها هاتين المهاراتين إلى هذا الحد، كاد جسده يتمزق إرباً. لكن جسده الجديد تعامل مع الأمر بيسر تام. لقد كان أمراً مذهلاً.
لم يشعر قط بسلاسة في التحكم بالطاقة مثل هذه، ولم يسبق لجسده أن كان شديد الاستجابة لها بهذا القدر. بات يدرك مغزى ما قاله الآخرون عن المرتبة الثانية. شعر جوليوس بثقة مطلقة بقدرة جسده على المضي أبعد من ذلك فتوقف عن كبح جماحه. كان قديماً يتحمل نحو خمسين بالمئة لكنه يستعمل الآن مائة بالمئة من المهاراتين بيسر مطلق. لقد كان يفيض حرفياً بطاقة خام. كانت أوبرا تنتظر صابرة حتى يمنحها جوليوس إشارة الاستعداد، وما إن رفعت إبهامه معلناً جاهزيته، حتى انطلقت كالصاروخ مخترقة البوابة.
وعلى عكس أغلب نزالاتهما السابقة، لم يستخدم جوليوس أي أدوات بعيدة المدى. فقد أراد استكشاف فعالية قتاله القريب قبل أن يعقّد الأمور. راقب جوليوس أوبرا وهي تقلص المسافة بينهما، متنقلة بسرعة فائقة بين استنساخاتها الأربعة، لتبقيه في حالة يقظة تامة. كانت التغييرات التي طرأت على جسده رائعة، لكن المدهش حقاً كان حجم التحسن في عقله. لم تكن مهارة [الرقصة المتوحشة] مفعلة حتى بكامل طاقتها، لكنه ظل قادراً على تتبع حركات أوبرا وتبدلاتها بدقة تفوق سابقتها بمراحل.
هذه المرة، سمح جوليوس لأوبرا بتولي زمام الهجوم. أراد أن يرى إن كان جسده قد بلغ تلك الصلابة إلى جانب التحسينات الأخرى. وهكذا، لم يحاول جوليوس تفادي ضربة أوبرا من الأساس. هذه خطوة حمقاء لن أجرؤ أبداً على فعلها في قتال حقيقي—لا، بل سأفعل بالتأكيد. في الواقع، أظن أنني ربما فعلت شيئاً مشابهاً من قبل. أطلق ضحكة خفيفة لنفسه. صنع جوليوس أدوات غليظة محاطة بطبقات من الطاقة حول ذراعيه واستعد لتلقي الصدمة.
وحين رأى أوبرا تغطي قبضتها بمهارة [جلد الماس]، خامرته الشكوك لبرهة. بيد أن الأوان قد فات، واجتاحت قبضتها جسده بقوة شاحنة ضخمة. سرى في داخله بصيص أمل ضئيل بأن تخفف أوبرا من قبضتها ولو قليلاً. لكنها لم تفعل. هوت بقبضتها مباشرة على ذراعيه بلا أي هوادة. فطاح به بعيداً عبر الغرفة ليصطدم بقوة بالحاجز في الجهة المقابلة. أطلق أًناً موجعاً وحاول النهوض مجدداً، لكنه عانى قليلاً نظراً لتفعيل قيود الجهاز بالفعل.
والخبر السار هو أنه لم يُعتبر ميتاً، وفقاً للأساور. أما الخبر السيئ فهو أن النظام اعتبر الهجوم قد حطم أو كسر بعض عظام ظهره. مع ذلك، جاءت إصاباته نتيجة الارتطام بالحاجز أكثر من أي شيء آخر. لم تلحق اللكمه الفعليّة أضراراً بالغة، لكن القوة الكامنة خلفها قذفت به كدمية قماشية. ومما يدعو للسرعة، لا تزال ذراعاه بحالة جيدة نسبياً. كانتا مصابتين بكسور طفيفة، لكنهما تظلان قابلتين للاستخدام وفقاً للأساور.
أبطل جوليوس تفعيل أساوره ثم أعاد تشغيلها في غضون ثوانٍ، وقفز واقفاً على قدميه مجدداً.
حدق في أوبرا بابتسامة مجنونة وقال: "لنعد للكرة."
ابتسمت له بذات النظرات المجنونة واستعدت للجولة الثانية. لقد كون جوليوس فكرة واضحة عن حجم ما يمكن لجسده الجديد تحمله من أذى. لم يكن الأمر مفاجئاً، لكن تلقي ضربة مباشرة كتلك كان ليكلفه حياته على الأرجح قبل أيام معدودة. بدا أن ترقيته قد أثمرت فوائدها بالفعل، فابتسم لخطرة هذه الفكرة.