درب التسامي الفصل 1 — مقدمة

اقرأ درب التسامي الفصل 1 — مقدمة باللغة العربية على مانجا تايم.

بعد أن فقد جوليان والديه وشقيقته قبل عدة أعوام، لم يدرِ ما يصنع. كان طفلاً صغيراً، ولم يكن مهيئاً نفسياً لمواجهة ما تلا ذلك. لم يخطر موتهم بباله قط. كان الموت أمراً غامضاً في عينَيْ جوليان الصغير. لقوا حتفهم في حادث سير. سائق مخمور أحمق عائد من الحانة في وقت متأخر من الليل تجاوز الحد القانوني بكثير فاصطدم بهم وجهاً لوجه، فأرداهم قتلى في اللحظة نفسها وسط كرة من اللهب.

لم يكن له أقارب سوى والد أمه. لحسن الحظ، آواه جده ورعاه كأنه ابنه. كان جده قد فقد زوجته قبل بضع سنوات، لكن نبأ وفات رأى جดย ابنتة وقع عليه أشد وقعاً مما وقع على جوليان. كان جوليان يرى جده مراراً يبكي فوق ألبومات الصور القديمة لوالدته. غضب طويلاً. واستغرق الأمر سنوات قبل أن يتمكن من تجاوز أسوأ ما في الأمر. خفتت الحِدة مع الوقت، لكن الألم والغضب لم يزولا قط. غير أن الخسارة والغضب اللذين تشاركهما هو وجده قربا بينهما.

كانا يقومان برحلات تخييم تستغرق أسبوعاً في قلب البرية، يصطادان البر والصيد، ويستمتعان بالطبيعة في أنقى صورها. كان الوقت الذي قضياه معاً علاجاً لكليهما وساعدهما على التعافي من كربتهما. تعلَّما معاً مواصلة حياتهما، وفعلا، لعدة سنوات على الأقل. لكنه رحل هو الآخر الآن. لم يكن الأمر وكأنه غير متوقع. بلغ جده نحو الثمانين من عمره، ومع ذلك أثر الأمر بعمق في جوليان. بل لعل وقعه كان أشد عليه من فقدان والديه وشقيقته.

لأنه أدرك هذه المرة قيمة العائلة وقدّرها أكثر من ذي قبل. لم يشأ جده إقامة جنازة أو أي نوع من المراسم. كان معظم أصدقائه قد فارقوا الحياة بالفعل، وأراد أن تُنثر رماده على الجبل الذي طالما خيما عليه. وهذا بالتحديد ما فعل. كان يجلس على حافة الجرف الذي اعتاد هو وجده مراقبة غروب الشمس منه فوق الأفق. وضع جرة جده المليئة بالرماد في حِجره، ناظراً إلى الغابة الخضراء الممتدة على مدى البصر.

قضى ساعات هناك، جالساً يستحضر الذكريات التي جمعتهما طوال السنين. لم يكن لديه أصدقاء مقربون كثر بعد موت أسرته. كان له أصحَاب من المدرسة، لكن أغلبهم لم يكونوا سوى أناس يلتقيهم ويقضي معهم بعض الوقت. أكثرهم لم يكونوا يعلمون حتى بأمر وفاة أسرته. كان جده صديقه المقرّب. تشاركا كل شيء معاً. علمه جوليان كل ما يعرفه، بدءاً من الطهي وانتهاءً بالصيد وحتى كيف يكون إنساناً سوياً؛

علمه كل شيء. بعد حين، رأى الشمس تبدأ بالهبوط فوق الأفق. ألصق الضوء البرتقالي للشمس دفئاً ساحراً ومشرقاً على الغابة والسماء. غير أنه لاحظ شيئاً غريباً في الأفق البعيد. ومضات ضوئية كبيرة باللونين الأزرق والبنفسجي تخترق السماء. أقواس ضوئية جميلة ترقص وتتألق. لم يدرِ ما هذا. لم يكن بركاناً بالتأكيد، ولا سيما حين خلت السماء من أي سحاب. فما عسى أن يكون إذن؟ حتى بعد انقضاء عدة دقائق، واصل العرض الضوئي مسيرته دون أي بوادر توقف.

لم يكن جوليان يعلم ما هي، لكنه لم يَعتقد أن هناك وداعاً أحر من السحر يضاهي هذا. وابتسامة ترتسم على وجهه والدموع تنحدر على خدّيه، فتح الجرة وذفّ رماد جده عالياً من قمة الجبل. طفق يرمق الرياح وهي تلتقط الرماد وتنشره في الغابة بالأسفل. كان المشهد مذهلاً، أقواس من الضوء السحري تتخبط في السماء بينما تغيب الشمس تماماً فوق الأفق. كان وداعاً يليق بمن أنقذه من اليأس ومنحه وميض أمل في حياته القاحلة.

بيد أنه، وما إن همّ بالاستدارة وشق طريقه نازلاً منحدر الجبل، حتى شرعت الأرض ترتج، وضربته هبّة ريح عارمة من خلفه، فطوحته مباشرة فوق الحافة. بدا العالم وكأنه يبطئ حتى يكاد يتوقف حين حاول الاستدارة والإمساك بأي شيء قد ينقذه. لكن لم يكن هناك شيء. كان سقوطاً حراً على ارتفاع مئات الأقدام. لذا، مستغلاً الوقت الإضافي الذي منحه إياه العالم على ما يبدو في هذه اللحظات الأخيرة، توقف برهة ليفكر في حياته.

على الرغم من أن العالم جلب له الكثير من التعاسة، إلا أنه عاش حياة طيبة، وحتى بعد كل ما حدث، لن يغير شيئاً لأن ذلك يعني أنه ما كان ليحظى بقضاء كل هذا الوقت مع جده. إذن، بابتسامة أخيرة، تقبل موته بسكينة وهوى ساقطاً نحو الأشجار في الأسفل.