لم يدرِ جوليوس لمَ طلب إليه الأستاذ يوما البقاء. أأخطأ في شيء؟ كان للأستاذ يوma مساعدون يعاونونه في الصف كسائر الأساتذة. فانتظر حتى انصرف الجميع قبل أن يلتفت إلى جوليوس. نهض الرجل المسنّ من مكانه على مكتبه وأخذ يجوب الغرفة. لم يقل لجوليوس شيئاً، بل طفق يخطو جيئة وذهاباً في أرجاء المكان. بدأ شعور بالغرابة يتسرب إلى نفس جوليوس حيال الموقف وهمَّ بالانصراف وحده.
غير أن الأستاذ يوما التفت أخيراً لينظر إلى جوليوس، "كيف حصلت على مهارة الهالة الخاصة بك؟"
لم يكن جوليوس يتوقع هذا السؤال قط. فقد كان يتوقع أن يسأله الرجل عن سبب حضوره لهذا الصف أو ما شابه، لا هذا.
"عفواً؟"
تظاهر بالارتباك.
قال الأستاذ يوما عرضاً: "لقد تجاوزت المرحلة غير المألوفة بوضوح، وهي من الدرجة الرفيعة أيضاً. أخبرني غابرييل عنك آنفاً، وكان في غاية الحماس. طوال السنين الطويلة التي عرفته فيها، لم أره هكذا قط".
فوجئ جوليوس. بدا أن غابرييل أخبر الأستاذ يوما عنه. لقد وعده ألا يبوح بأي من أسراره. هزّ جوليوس رأسه بضيق، فقد ظن حقاً أنه يستطيع الوثوق بغابرييل وألا يشارك أمره مع أحد.
قاطع الأستاذ يوما أفكاره وطمأنه، "لا تقلق، أعرف ما تفكر فيه. لم يخبرني حتى باسمك أو سنتك الدراسية. لم يخبرني بشيء في الواقع، فقد كان شديد التكتم بصورة أدهشتني. والسبب الوحيد الذي جعله يبوح بما أبدى هو أنني أعرف غابرييل منذ أن كنت في سنك".
سأل جوليوس: "إذن كيف عرفت أنني أنا؟"
أوضح العجوز كأن الأمر جليّ: "لم يكن اكتشاف ذلك صعباً. أخبرني أن الشخص كان قويّاً جداً بالنسبة لمرتبته، لكن حقيقة أنه لم يذكرهم من قبل جعلتني أؤكد أنهم طلاب جدد. وهذا يعني أن قائمة المشتبه بهم قد تقلصت إلى حد كبير. أحصيت أربعة أشخاص فقط في صفك يملكون مهارة هالة. لذا انتبهتُ إليكم أربعة في البداية. اثنان منكم مُنحا مهارة هالة اصطناعياً، فاستبعدتهما، كما أن غابرييل لن يُعنى كثيراً بأصحاب تلك الطباع أيضاً. فلم يبقَ سوى اثنين منكم. الطالب الآخر ساحر، فاستبعدتها هي الأخرى. لم يبقَ غيرك أنت، طالب القتال. لكي أكون صادقاً، لم أكن متأكداً تماماً، غير أن رد فعل قبل قليل أكد لي أنك أنت".
إذن لو استمررت في التظاهر بالغباء لما عرف ربما. أتعرض للتلاعب من قبل هذه الحففرة العجوز التجداء؟ شعر جوليوس كأنه وقع ضحية استغلال.
سأل جوليوس بضيق: "وماذا لو لم أكن أنا؟ ماذا كنت فاعلاً بعد ذلك؟"
كان العجوز قد عاد للجلوس على مكتبه، مدتدلياً بساقيه إلى الأمام والخلف.
"كنت واثقاً تماماً. لاحظتك حين دخلت صفي هذا الصباح. إن كنت تحاول إخفاء قوتك فقد تحتاج إلى فعل حيال هالتك".
لابد أن جوليوس بدا مرتبكاً، إذ تابع الأستاذ يوما كلامه، "لهالتك بصمة مانا فريدة، وهي سمة تظهر لدى من يملكون قدراً وافراً من المانا. تمتزج بهالتك، غير أن أي شخص يتمتع بحواس مرهفة ويدقق النظر سيتمكن من ملاحظة أنك تملك من المانا ما يفوقت معظم أصحاب المرتبة الثانية".
قطّب جوليوس جبينه لسماعه ذلك وقلق بشأن ما يعنيه هذا. تعطلت سائر أفكاره.
سأل جوليوس بقلق: "وهناك سبل لإخفائها؟"
قال: "بالطبع، إنها عملية شبيهة للغاية بما صنعناه اليوم في الصف".
لم يسمع جوليوس ببصمة المانا من قبل، لكن حسبما أورد الأستاذ يوما، بدا الأمر وكأن بإمكانه معرفة مقدار المانا لدى جوليوس بناءً عليها وحدها. لم يمضِ في الأكاديمية سوى أيام معدودة، لكنه تساءل كم شخصاً فطن بالفعل إلى سعته الكبيرة من المانا. لم يخض مواجهات كثيرة مع أصحاب المرتبة الرابعة بعد، لكن ذلك قد يتغير قريباً. فضلاً عن أن سماع الأمر يوحي بأنها مهارة حسنة يُستحسن تعلمها على أي حال.
سأل جوليوس الرجل: "أيمكنك إريائي إياها؟"
ابتسم العجوز لجوليوس، ولم يقل شيئاً، بل نهض واتجه نحو مجموعة مقاعد على بعد خطوات. أشار إلى جوليوس ليقترب، طالباً منه الجلوس.
أوجز الأستاذ يوما توجيهاته: "حسناً، أول ما سأفعله هو منحك شعوراً عاماً باحتواء هالتك. لا تتحرك ولا تستجب لما سأقوم به. سيشعرك الأمر بغرابة لكنني أود منك أن تألفه".
أخذ جوليوس نفساً عميقاً وترك العجوز يفعل ما يشاء. أحسّ بهالة العجوز تبدأ في عصر هالته. لم يشعر جوليوس بحركة هالة الرجل أصلاً. في لحظة لم يشعر بشيء، وفي الأخرى أحسّ بضغط هائل يحاصر هالته. خير ما وصف به جوليوس الأمر هو شعوره بأنه دُسّ تحت بركة ماء وأصابه الاختناق. لقد قلل الأستاذ يوما شأن غرابة الشعور حقاً. كان الأمر مخيفاً بعض الشيء، ودفعه غرائزه إلى الرد بهالته الخاصة.
غير أن هالة الأستاذ يوما فاقت هالة جوليوس بآلاف السنين الضوئية. لم تزحزح بتاتاً حين اصطدمت هالة جوليوس بها. واصلت عصر الحياة من جوليوس ببساطة. ساء الأمر وتفاقم كلما طال مداه. استطاع الإحساس بالهالة الفائضة المنبعثة من روحه وهي تملأ الفقاعة التي حبسه فيها الأستاذ يوما. استذكر جوليوس ما قاله الأستاذ يوما بشأن احتواء هالته واستثمار الفائض لتغذية تقنيات أخرى. لذا حاول توظيف جزء من هالته لتعزيز جسده.
أحسّ بهالته تتغلغل في عضلاته وعظامه مقوية إياها. ظل الضغط قائماً، لكنه خفّ قليلاً.
قال له الأستاذ يوما: "هذه الفكرة سديدة، بيد أنني ما زلت استشعر هالتك. عليك إخفاء حقيقة استخدامك لها بشكل أفضل. أنت تدعة بعض الهالة تفلت عن السيطرة، ولهذا لا أزال أستشعرها".
استمر جوليوس في المحاولة مستخدماً هالته الفائضة لتعزيز جسده وبناه. كان من الصعب الاعتياد على شعور الغرق في هالته الخاصة. طلب الأستاذ يوما من جوليوس محاولة تعزيز عقله أيضاً وهو ما لم يفعله جوليوس من قبل. حاول تمكين مهارة [الرققص الهمجي] من قبل عبر [تمكين الإرادة] لكن ذلك أرسله مباشرة إلى أرض الأحلام. لذا لم يفكّر في تعزيز عقله مباشرة بالهالة. كان سهواً سخيفاً لكنه أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً.
بصراحة لم يلمس تأثيراً كبيراً رغم ذلك. ساعد ذلك حقاً في استقرار عقله وتركيزه لكنه ظل أقل فعالية من [الرققص الهمجي]. لم يشعر أن عقله بحاجة إلى دفعة أيضاً لكنه كان أمراً جيداً للتدرب عليه تحسباً لحاجته إليه في المستقبل. بعد نحو ثلاثةساعات— أوقف الأستاذ يوما جوليوس. كان عليه الانصراف لكنه أراد من جوليوس مواصلة التدرب على التقنية لاحقاً.
"كيف سأتدرب على استخدام الهالة الفائضة بشكل صحيح إن لم أستطيع إخفاء هالتي عادياً بعد؟"
تساءل جوليوس. فكّر الأستاذ يوماً في كلامه.
قال ملقياً بكتفيه: "حسناً، الأفضل لك أن تتعلم كيف تكبح هالتك سريعاً".
عرف جوليوس أنه محق لكن التدرب على تقنية التعزيز السلبي لم يكن همه الوحيد.
سأل جوليوس بقلق: "ماذا عن حين ألتقي بشخص يمكنه معرفة قوتي عبر أثر المانا الخاص بي؟"
أخبره الأستاذ يوماً: "لا داعي للقلق إلى هذا الحد. الأشخاص الوحيدون القادرون على استشعاره هم فئة مختارة جداً من طلاب السنة الرابعة وكبار الموظفين".
سأله جوليوس: "فلماذا جعلت الأمر يبدو وكأن هالتي أمر جلل؟"
قال العجوز وهو يقهقه في سرّه: "أردت فقط رؤية ردّ فعلك. كان مضحكاً للغاية أن أراك قلقاً هكذا".
لم يدر جوليوس أيكرّم الرجل أم يكممه. أراد الأمرين معاً لكنه استقر في النهاية على شكره فحسب. كان لا يزال بحاجة إلى مساعدة العجوز بعد كل شيء.
أراد جوليوس التأكد: "إذن ليس لدي ما أقلق بشأنه؟"
"لم أقل ذلك قط".
رفع جوليوس بصري إلى السقف وأطلق أنيناً داخلياً.
لا بد أن الرجل رأى توتره فقال: "حسناً، خذ هذا".
ناول جوليوس خاتماً صغيراً من العدم. ظن جوليوس أنه خرج من جهاز تخزين مكاني لكنه لم يره يفعّله.
"سيساعد هذا الخاتم في كبح هالتك بالقدر الكافي لإخفاء أثر المانا الشاذ الخاص بك عن أي شخص يمتلك حاسة هالة جيدة، لكنه سيسمح بالقدر الكافي بالمرور بحيث لا يلاحظ أحد أي خطب".
تفحص جوليوس الخاتم جيداً. كان حلقة معدنية فضية بسيطة. للوهلة الأولى كان خاتماً عادياً عديم القيمة. ومع ذلك تمكن جوليوس بتمعن أكبر من رصد النقوش المعقدة على الخاتم. كانت صغيرة ودقيقة للغاية لدرجة جعلت جوليوس يدرك أن هذا الخاتم ليس بالبساطة التي ظنها. لم يخالج جوليوس أدنى شك في أن هذا الخاتم باهظ الثمن وأن الأستاذ يوماً قد أعطاه إياه للتو. نظر جوليوس إلى الأستاذ يوماً ثم إلى الخاتم وعقد لسانُه.
قال بعرض حال: "لم يكن يحظى بأي فائدة مني على أي حال. كنت أرتديه عندما كنت ما زلت أتدرّب على التمويه لهالتي".
"تمويه؟"
"نجل، إنها تقنية أكثر تقدّماً تجعل الآخرين يعتقدون أن هالتك تخص شخصاً من مرتبة أدنى. أحياناً يكون كبح الهالة تماماً مؤشراً بحد ذاته. توجد أوقات يكون فيها الاختباء وسط الحشد أكثر فائدة".
هكذا شرح له الأستاذ يوما. بدا ذلك منطقياً لجوليوس. كان فعل الاندماج مفهوماً مألوفاً رآه في أفلام الجواسيس القديمة التي أحب جدّه مشاهدتها.
أمر جوليوس: "على أي حال، يجب أن أنصرف. مرة في الأسبوع يمكننا مناقشة تقدمك، ولكن طوال الوقت الباقي تأكد من التدرب. سيستغرق الأمر وقتاً لذا ابق صبوراً".
وعده جوليوس بذلك وهمّ بتوديعهم لكنه تذكر أن لديه سؤالاً فاستوقف الأستاذ.
كان جوليوس فضولياً: "قلت إن هناك ثلاثة طلاب من السنة الأولى يمتلكون مهارات هالة غيري؟"
قال الأستاذ يوماً بضجر: "ثلاثة على الأقل، يوجد دائماً عدد قليل كل عام. يحاول معظمهم دائماً إخفاء الأمر لأنه شيء جيد تحت المنكب. ومع ذلك يحب البعض مثل ذلك الوغد باترسون الصراخ به من فوق أوسطح المنازل".
أراد جوليوس معرفة كيف اكتشف هذا الرجل مهارة هالته بهذه السهولة: "ولماذا افترضت أنني لا أمتلك مهارة هالة غير شائعة؟"
"حين تبلغ مستواي يصبح الأمر واضحاً كرقصك على طاولة مقصف عارياً".
قهقه الأستاذ يوماً في سرّه. ألهذا الحد بدا واضحاً؟ لاحظ جوليوس أن الأستاذ يوماً قد تهرب من سؤاله رغم ذلك. ظل جوليوس فضولياً لكنه ترك الأمر وشأنه. ودعه وهو يرى الأستاذ يغادر متوجهاً إلى حيث يتعين عليه الذهاب. أراد جوليوس من جهة أخرى مواصلة تدريب هالته. اعتقد أنه أمر مهم وأراد التركيز عليه في الوقت الحالي. كانت مهاراته الأخرى تصطدم بجدار واعتقد أنه يجب عليه ترقيع بعض نقاط ضعفه قبل أي شيء آخر.
لذا توجه نحو مقجعه لإطعام دراسيل ونوى التوجه إلى غرفة تأمل لبعض التدريب.